|
القراء الكرام
نظرا لطلبات الاصدقاء الذين لم يحصلوا على نسخة من كتابنا , ارتأينا ان
ننشره في موقع ينابيع العراق على شكل حلقات.
مع المودة للجميع
مسيرة الجمال والنضال-14-
فيصل الفؤادي(أبو رضيه)
آذار 2004
الإهداء
إلى شهداء الكفاح المسلح الأبطال
رفاقنا في الحزب الشيوعي العراقي
راتب الحزب
وصلت مبالغ جيدة من الحزب في آذار وتم توزيعها على الانصار ، لكل واحد
خمسة دنانير، زيدت فيما بعد إلى عشرة دنانير، لأننا لا نحتاج إلا إلى
السكائر والجوارب، أما البدلة والبشتين وحتى الجمداني والحذاء فيتم
شراؤها عن طريق الحزب أي الإدارة، ويتكفل بها إداري السرية والفصيل،
إذن فهذا الراتب يعد قليلا، لكنه كان كبيرا بالنسبة لنا، وكان بعض من
الانصار قد ادخره قائلا أنا لا أصرف منه لأنني أول مرة استلم مبلغا من
الحزب، بينما كنت طيلة حياتي ادفع للحزب وأحيانا كنا نشتري حاجتنا من
الملابس الداخلية من المهربين (القجقجية) الذين كانوا يتاجرون بها وبكل
شيء كما قلت سابقا.
بعض الرفاق كانت معهم مبالغ غير قليلة بالدولار وبقيت معهم فترة طويلة
حتى السكائر فأنها كانت تتوفر لديهم بكميات جيدة ولان رسائلنا تصل إلى
الأصدقاء فكثير منهم عرف ما يحتاجه الأنصار في كردستان،
حتى منظمة الحزب في سوريا أو لبنان استطاعت أن تسد بعض حاجات الرفاق.
من الطرائف أن النصير زهير لم يكن يخلو من السكائر وعندما كنا نسأله
بأننا نحتاج إلى سيكارة واحدة يقول: ( صدقوني يا رفاق هذه آخر جكارة من
آخر باكيت). لقد وفر التجار (الكرونجية) كثيرا من الحاجيات، منها أدوات
الحلاقة من موس وماكنه وغيرها، بدورنا كنا نستعمل الصابون العادي
(ثريا) لغسل الملابس والصابون العادي للحلاقة، أما حلاقة شعر الرأس فقد
اعتمدنا على االانصار الذين يجيدون الحلاقة سابقا، والذين تعلموا فيما
بعد برؤوس االانصار ، منذ البداية كان من الحلاقين
المعروفين أبو الجاسم ”يقيننا" وأم
نصار وأبو الياس طريق وغيرهم، كان هناك بعض االانصار (النازكين)، لكنهم
ومع مرور الأيام لم يستطيعوا الاستمرار على نفس المنوال، مع أن بعضهم
استمر يستخدم معجون الأسنان ويحمل الصابون في جعبته ويشتري بعض المواد
الكمالية الأخرى مثل المقصات والملاقط والمرايا الصغيرة كل تلك الأشياء
كانت تعد في حياتنا الأنصارية نوعا من الترف ومن الكماليات التي تثقل
كاهل الرفيق النصير.
كثيرا ما كنا نذهب إلى صيد الأسماك بعض الانصار اخذ يتفنن في صنع
صنارة للصيد أو اختيار المكان
المناسب لصيد السمك. كان من هؤلاء الانصار الفنان كوكب حمزة وأبو هدى
وغيرهم تابعوا
الصيد وقضوا وقتا طويلا قرب نهر الخابور والزاب وغيرها. من الطرائف
التي كانت تقال عن كوكب حمزة: انه قام في احد الأيام بدعوة مجموعة من
الرفاق على الغداء، لكن بعد أن
يصطاد السمك.
خرج و معه أربعة أنصار، اخذوا معهم الخبز فقط وشيئا من البصل، وابلغوا
الإداري بأنهم لن يأتوا في موعد الغداء لأنهم سوف يأكلون السمك، بدأت
عملية الصيد حتى الثانية ظهرا لم يتمكن كوكب من أن يصطاد سمكة واحدة،
كان يتحسر ويقول: "ما اعرف يا جماعة اليوم السمك وين صار هذا على حظكم
بعد طول انتظار وجوع كافر عاد الجميع إلى المقر وكانت الساعة في حدود
الرابعة وهم يندبون حظهم ويعلقون على الصياد ويلومونه).
خصص بعض الانصار ومنهم زهير الدعلج
لمهمة
صيد الأسماك، اعفي من العمل اليومي للتفرغ للصيد وكان يصطاد السمك
بمقدار كيلو غرامين
إلى ثلاثة كيلو غرامات ويوزع السمك على المرضى وأحيانا على السرية
الثانية.

في البداية كان الصيد يتم بصنارة
عادية هي عبارة عن إبرة وضعها الرفيق الشهيد أبو علي النجار في النار
ثم ثناها فصارت على شكل صنارة.
استخدمت الإبرة المعقوفة حتى تم تكليف احد المهربين "قجقجي" بجلب
صنارة جيدة مع المستلزمات الأخرى.
أما الصيد بواسطة القنابل الصوتية فلم نكن نملك تلك الإمكانية التي
يملكها الديمقراطي، فان عددهم كان أكثر منا، لهذا كانوا يصطادون السمك
بالنزول في الخابور. أما رفاقنا فكانوا يصطادون السمك الذي يفلت من
أيدي الديمقراطي ويهرب منهم، أحيانا يكون عدد السمك الهارب منهم والذي
كنا نصطاده نحن أكثر مما كانوا يحصلون عليه لذلك قرروا في إحدى المرات
أن لا تفلت من بين أيديهم أية سمكة، جلبوا علبة طعام محفوظ فارغة،
وضعوا داخلها الديناميت وبعض
الحصى
والأحجار الصغيرة لكي يقتلوا اكبر عدد من السمك ونزلوا في الماء مشكلين
نصف حلقة يستقبلون السمك من المجرى، وحين فجروا الديناميت تطاير
الحصى
والأحجار نحوهم فأصاب اغلب النازلين في الماء فسقطوا جرحى، تم نقلهم من
الماء إلى الضفة واستدعي الأطباء ومنهم أطباؤنا، أما السمك الذي قتل
فكان أنصارنا الموجودون خلفهم بمسافة خمسين مترا قد استولوا عليه، حيث
نزلوا بحرية وجمعوا ما جمعوه من الصيد الثمين، أما أكثره فقد ذهب مع
مجرى الماء.
لم تقتصر محاولاتنا فقط على صيد السمك إنما تعدتها إلى محاولات أخرى
لصيد بعض الحيوانات البرية، في إحدى المرات خرج النصير أبو يعقوب مع
مجموعة من الانصار لصيد بعض الحيوانات البرية من الجبل، لكنهم لم
ينجحوا تكررت التجربة أكثر من مرة، ومرة استطاع النصير أبو نرجس قتل
حية برية سلخ جلدها وشواها واكلها وسط ذهولنا. كان يأكل وهو يقول
(شبيكم تباوعون
"تنظرون" علي، هذه كلش عادي) لم نكن نعرف أن أبو نرجس كان في القوات
الخاصة في الجيش العراقي وقد سجن في بداية السبعين بسبب انتمائه للحزب
وسجن "كما قال لي" مع فؤاد الركابي البعثي القديم الذي قتله رفاقه
بسكين داخل سجنه في أبو غريب بواسطة احد السجناء الموجودين معه.
في إحدى المرات
حوصرت
واحدة من مفارزنا وكان معها سلاح وبغال "حوالي اثني عشر بغلا" في الجبل
وبقيت حتى
انسحب
الطيران من السماء. كان النصير أبو نرجس ينسى نفسه فيغفو أثناء ذلك
الحصار حتى جاءه الانصار وقالوا له: الطيران راح.
كان توزيع اللحم يتم كل شهر تقريبا أي بعد أن تتحسن الأحوال المالية
للقاعدة. حيث يتم شراء ماعز أو خروف توزع على الفصائل حسب
عدد الانصار فيها. كان نصيب كل رفيق (40 – 50 غرام) تقريبا، كانت تلك
حصة قليلة بالنسبة لشخص يبذل جهودا هائلة ويصرف طاقة كبيرة في البناء
والمفارز والمهمات الأخرى.

لم نذق طعم البيض إطلاقا خلال أكثر من سنة إلا عندما نذهب إلى القرى
حيث يقدم القرويون لنا البيض في وجبة الفطور،
ضمن وجبات الطعام كانت الشوربة والتمن الأحمر إضافة إلى أكلة كانت
جديدة علينا سميت بالحميض، نزلت وجبة الحميض في الجدول اليومي للطبخ،
فالنصير الذي يأتي دوره، عليه أن يجمع ورق الحميض الذي يشبه ورق الخس،
لكن وريقات هذا النبات كانت اقل عددا والجذر صغير، لذلك كان علينا أن
نجمع نصف كونية تقريبا لكي نوفر وجبة تكفي لحوالي ثلاثين رفيقا،
توضع أوراق الحميض مع قليل من معجون الطماطة والدهن وتطبخ معا، من
طعامنا أيضا الجوز والعسل أو المربى و الحلأوة
و الدبس والراشي (الطحينة) الذي يفضله الأنصار، وكذلك تخمير الحليب
ليصبح لبنا نتناوله
في الفطور إضافة إلى شوربة العدس صباحا ومساء، ولابد أن أشير أن بعض
الانصار كان لا
يكفيه الأكل ولهذا تقرر أن يأخذ هؤلاء الانصار (دبل ) من الأكل أي
مرتين وخاصة منهم الشباب ً، أما
الشاي
فكان يحضر بواسطة (قوري ) كبير الحجم يكفي ل30 نصيرا أحيانا يوضع السكر
فيه مباشرة( سكر في البوه ـ كما يقول
إخواننا السوريين )، ويوزع لكل نصير كوب
معدني من الشاي نجد صعوبة
في
شربه مباشرة لهذا ننتظر حتى يبرد.
من الانصار الذين عاشوا معاناة حقيقة لا يمكن وصفها منذ وصوله حتى
خروجه من كردستان الرفيق أبو شريف عامل الخياطة الذي كان مقياس قدمه
تسعة وأربعين
إنجا،
أما اكبر حجم للأحذية
التي كان يجلبها القجقجية هو ستة وأربعين
إنجا
(السمسون وأنواع الأحذية الأخرى) كان النصير يختار اكبر زوجي أحذية من
بضاعة المهربين بعد أن يقطعه من الخلف. استمرت معاناته فترة طويلة، كنا
نوصي أهالي القرى بصناعة زوجين من الأحذية بشكل تتناسب مع قدمي الرفيق
أبو شريف الهائلتين، ونحصل له على حذاء يسمى (الكيوة) يتم نسجه يدويا
من خيوط البريسم المتينة حتى ننتقل إلى موقع آخر من اجل هذا الغرض،
أطلق الانصار على أبو شريف اسم "فريري" وهو مصارع أمريكي خاض
مباراة
في المصارعة الحرة مع عدنان القيسي في السبعينات، كانت قياس قدمه تسعة
وأربعين
إنجا
أيضا وقد وضع نموذج حذائه في واجهة فندق صحارى في بغداد.
بعد ازدياد عدد الانصار تم شراء ماكثة خياطة من قبل الحزب، وذلك لخياطة
البدلات، لان الاعتماد على تجار القرى صار مكلفا جدا، كذلك لتلافي
التأخير. كان احد الانصار المكلفين بمهمة الخياطة آنذاك النصير أبو
خالد الخياط حيث استفاد الحزب من هذه العملية بتوفير الآلاف من
الدنانير التي كانت تنفق على الخياطين الذين كنا نتعامل معهم في القرى
الأمر الآخر هو استفادة الحزب في القامشلي من بعض الانصار الخياطين
الذين كانوا يجهزون بعض الانصار ببدلات البيشمركة، مع استمرار عملنا تم
تكليف النصيرات بالخياطة وجرى تعليمهن وتدريبهن على التفصيل وخياطة
البدلات للانصار الأنصار، ومن النصيرات اللواتي بذلن جهدا كبيرا في
هذا الأمر النصيرة منى التي خففت من المصاريف بشكل عام.
|