|
مسيرة الجمال والنضال-41
–
فيصل الفؤادي(أبو رضيه(
قمرية والانسحاب إلى الداخل
تجمعنا هذه المرة في قرية قمرية وهي عبارة عن وادي يلتوي قليلا تكثر
فيه المياه من خلال العيون يتوسطه جامع قديم مهدم، جزء كبير منه هدم
بعد ترك القرية ربما وقصف السلطة المستمر. وفيها أشجار متنوعة وكثيفة
وعالية نوعما. وصل عددنا إلى أكثر من مائة شخص وكل واحد منا يحمل أفضل
واعز الأشياء من جواز السفر إلى دفتر مذكرات وبعض الصور والملابس
البسيطة، وعليه المهمات العسكرية الادراية والواجبات من مسؤوليته على
المرضى والعوائل والبغال. هنا نكتشف كم يتحمل الإنسان من جهد وتعب
وإرهاق يصل أحيانا إلى حالة التذمر لا زلت اذكر جيدا هذا التجمع وجوقة
البغال التي تنفر أحيانا من وضع أحمال أكثر من اللازم عليها أو وضع
مريض بصورة غير طبيعية، حيث كان معنا الرفيق أبو سرور الذي لم يستطيع
السيطرة على نفسه وأصبح رجلا فاقد العقل بصورة مفاجئة، لذلك كان ربطه
على الحيوان بصورة لم تعهد من قبل وبمرافقة أربعة رفاق له خوفا من
الصياح وإطلاق الصوت أثناء العبور وتسمع الأصوات في الربايا القريبة.
بعد
مناقشات وجهود ومحاولات عديدة تم تجهيز الرفيق، أما الرفيق الثاني
واسمه طه وهو من أهالي دهوك فقد سقط وانكسرت ساقه ولابد من حمله حيث
جهز بأربعة رفاق حماية له، وكذلك تم تجهيز كل الحيوانات من البغال
والحمير والخيول التي ضجرت من الحمل وبقينا حوالي نصف ساعة لأننا كنا
ننتظر حلول الظلام إلى أن خرجت المفرزة الطويلة الثقيلة باتجاه كلي
بازه وكان الأدلاء كثيرين ومنهم أبو صلاح حتى دخلنا قرية بازه حوالي
الساعة الواحدة ليلا بعد مسيرة ثلاث إلى أربع ساعات من الإنهاك والتعب
والجوع، تجمعنا في باحة القرية لغرض الراحة إلى أن جاءنا التبليغ من
مسؤولي المفرزة بالذهاب إلى كلي بازا.
ذهب دليلنا مع بعض الرفاق وطرق الباب على المختار الذي كان نائما.
وابلغه أن يحضر لنا الفطور صباحا وأعطى له العدد التقريبي لرفاق
المفرزة الكبيرة، نام اغلبهم إلا مجموعة صغيرة بقيت للحراسة خصوصا أن
الفصل كان صيفا والوقت منتصف حزيران والنوم في العراء ممكن.
في
الصباح وبعد جلب الفطور من قبل الرفاق وبعض الشباب من أهالي القرية،
توجهنا إلى مقر الفوج الثالث (كلي هسبا) الذي بنى بعض القاعات والكبرات
وقد كانوا في استقبالنا.
كل ما حدث كان أمرا قاسيا ومرا وهو أمر واقع لابد أن تتحمله. فقناعتنا
هي المثلى في النضال ولأننا نحمل أفكارا للبشرية في العدالة الاجتماعية
والمساواة وحرية الفرد. علينا الاستمرار في هذا النضال مهما كلفنا من
معاناة وتضحيات.
من أنت؟ *
أنا الحجر
لا أعرفك!!
سري في الأرض
من أين أتيت؟
من الشـــرق
ماذا تبحث في القطب؟
عن روحي.
أين أضعت الروح ؟
لا اعلم
من أورثك الحزن؟
ليل بلادي
هل تحلم؟
أحيانا
حدثني عن احلامك...؟
من ديوان وداعا للسفوح للشاعر النصير نجم محمد الصادر من السويد 1993.
نعم الأحزان تطوي الأحزان والينبوع مازال يرفدنا بالماء البارد الزلال.
ومازال الطريق طويلا والمسيرة ها قد بدأت والأمل فوقنا فمازالت الحياة
أمامنا.
بناء مقر زيوه
أرسلت مجموعة من الرفاق إلى منطقة نيروه لتبحث عن مكان آمن لنا، نحتاج
إلى وقت طويل لكي نجد مقرا جديدا لنا في منطقة نيروه، ولتبحث عن مكان
أمن في المنطقة فيه المواصفات المطلوبة. هذه المجموعة تضم رفاقا من
الإدارة ومن فصيل السجن، المهم تم الاتفاق على أن يكون مقرنا القادم هو
زيوه.
أرسلت مجموعة من الرفاق من بينهم أبو سلام وأبو بسام وأبو آزاد وأبو
زاهدة وأبو كمر وبعض من الملتحقين للاستطلاع، والذي تم الاتفاق عليه
بان يكون مقرنا لاحقا.

لقد ازدحم مقر الفوج الثالث بالرفاق وأصبح عددنا يقارب المائة وخمسين
رفيقا، ولا توجد أمكانية في إطعامهم لهذا تم الإيعاز إلى مجموعة من
الرفاق تتغير بين يوم وآخر أو تتوزع على قرى المنطقة القريبة منا (بازه
بليزان بيشيلي ميسك دركله وغيرها) حتى نساعد الإدارة في تحمل العوائل
والمرضى والأطفال. هذه العملية بالنسبة لي طالت حوالي شهرين ونحن في
مقر الفوج الثالث حيث الجميع كان يسكن أو ينام في كبرات عدلت أو سويت
على عجل ورتبت وأصبحت جاهزة في وقت قصير.

كان مكان الكبرة التي أنام فيها عبارة عن شيء يشبه كهف حولناه إلى مشجب
مؤقت وأخذت كبرة اصغر بالقرب منا كانت الرفيقة سلوى، كنا كثيرا ما نمزح
معها، متى تتزوجين يا سلوى، القطار فاتك وديمشي... الخ، نعم إن القطار
فات الجميع فاغلب الرفاق جاءوا وهم في عمر العشرين أو منتصفة والظروف
لم تكن تسمح لهم بالزواج والبعض خدمته الصدفة في أن يجد إمرأة أو
بالعكس أن تجد شريكا لها، هذا الأمر ليس بالسهل فالرفاق عددهم كبير أما
الرفيقات الغير متزوجات فلا يتجاوز عددهن العشرين. المعادلة صعبة. (مرة
سمعت من إحدى الرفيقات تقول بأنهم في الخارج يقولون على الرفيقات الغير
متزوجات خلي يلحكن يتزوجن في كردستان حيث كثير من الرفاق يريدون ذلك
فنقول ـ لحكوا على الزواج.(
بقي الكثير من الرفاق دون زواج حتى خروجهم من كردستان. كانت هذه معاناة
كبيرة للجميع وهي تضحية لا تقاس بشيء. هكذا كنا نتحمل بقناعة وبتمسك
قوي وجبار بالمبادئ والأفكار الإنسانية التي نحملها.

بقينا حوالي شهرين في مقر الفوج الثالث في وضع مؤقت بين الخروج في
مفارز وقتية إلى القرى خاصة الرفاق وبين وجودنا المؤقت في المقر
وأحيانا للمتزوجين اقل تكليفا في هذه المهمات للخروج في هذه المفارز،
وقد جاءتنا في هذه الفترة مجاميع كبيرة وذلك لغرض الذهاب إلى خارج
كردستان أي إلى سوريا. هذه المجاميع والعوائل والمرضى والجرحى وصلت من
مكان المعارك في بشتاشان وبعضها من أربيل في وقت كنا في وضع لا يحسد
عليه. أصبحت أعدادنا فوق الطاقة، بحيث أن المعاناة تضاعفت في توفير
الطعام لهذا العدد الكبير والمتزايد باستمرار.
كانت
الإدارة تعمل بكثافة وبجد من اجل توفير المستلزمات الضرورية للمرضى
وكبار السن والأطفال وكذلك فان المكان لم يكن يتحمل هذه الإعداد
الكبيرة، لهذا تم التحضير لخروج هذه الإعداد، كل حسب وضعه والرسالة
التي يحملها من القاطع أو من المكتب السياسي للحزب. مع ذلك كانت
البداية في خروج المرضى والجرحى. بدأت مفارز الطريق التي جهزت برفاق
آخرين تقوم بإيصالهم إلى منطقة كيشان التي أصبحت لنا فيها سرية يقودها
رفيقنا أبو سعاد والرفيق سامي. المهم كان نقلهم يتم على مرحلتين، وبدأ
عمل رفاق الطريق العكسي أي من العراق إلى سوريا يتواصل. هذه الوجبات
التي اغلبها جاءت بهذا الطريق عند دخولها كردستان العراق. لقد تحدث
الرفاق الذين أتوا من مناطق القتال عن أربيل وعن أحداث بشتاشان بكثير
من التفصيل والوضوح وما حدث لرفاقنا ورفيقاتنا وهم في عمر الورد،
فالذين استشهدوا وقدرعددهم الحزب فيما بعد بـ 100 بين شهيد وجريح
ومفقود، بالرغم من بشاعة الجريمة وجسامة الخسائر يتفاخر البعض بها
كإنجاز ونصر عظيم، وتحدثوا عن الأسرى والأسيرات من الرفاق وبعض من
القيادة.

تعرفت على كثير من الرفاق الذين مكثوا معنا في هذا الكلي ـ هسبه ـ اذكر
منهم الرفيق أبو صالح وكان من مدينة الحرية في بغداد. قدمنا له مساعدة
مادية جيدة لذهابه إلى الداخل وفرحنا له بهذه المهمة (وللأسف لم يبق
طويلا فبعد حوالي ستة اشهر عاد وكان قد قبض علية من الأجهزة القمعية
أجهزة الأمن بعد مراقبته. وبعد ذلك جرى تعذيبه بصورة وحشية (مثل وضع
ذكره في المنكنه وتشويهه) وبعد أن خرج إلى إيران من اجل العلاج مات في
حادثة كان يمكن تلافيها حيث ضربه احد ما في إيران ضربه على رأسه بقنينة
مشروب غازي اثر مشادة بينهما. مات على إثرها ودفن في إيران. في هذه
الفترة وصل صديقي ورفيقي منذر أبو الجبن من الداخل وتحدث لي عن عمله في
الداخل. قال: إن عمل الداخل يجب أن يكون بطريقة عصرية وليس أن يلبس
الشيوعي ملابس رثة ويدور بين الأزقة. أنا شخصيا احمل حقيبة دبلوماسية
وهويتي تاجر أو أعمال حرة. أتحرك دون خوف، وأراني كيف كان يحمل البريد
في علب معجون الأسنان بعد أن يفرغ المعجون منها ويضعه في نايلون ثم
يعيد بعضا منه أو يضعه في بطن دمية طفل. قضيت فترة شهرين بين الأخبار
الجيدة والسيئة حيث يبقى الأمل المنشود أمامنا نحن الشيوعيين في تحسن
الظروف كما قلت. على ضوء الازدحام تم نقل مجموعة من الرفاق إلى
السليمانية ومنهم (وسام الذي توفي في موسكو في عام 1991 اثر تعرضه إلى
السرطان في الدماغ، وعادل سور وعلى النجفي وأبو تغريد.(

جرى توزيع البنايات ( القاعات ) في مقرنا الجديد على ضوء وجود فصائل
السرية الثلاث، حيث أول ماتم بناؤه قاعة السجن في عمق الكلي، ثم تركت
هذه القاعة لفصيل المكتب السياسي الذين وصلوا إلينا فيما بعد. ثم
انتقلنا إلى قمة تله التي تشرف على طرق الكلي من جميع الاتجاهات، حيث
تم بناء السجن وقاعة كبيرة تسع لأكثر من عشرين نصيرا وكذلك المطبخ
ومرافقه والحمام والتواليت وغير ذلك من المهمات. وبعد قدوم م / القاطع
إلى مقرنا في زيوه تم بناء مقر القاطع و فصيل الحماية وكذلك فصيل
الإدارة والملحقات الأخرى من المستشفى وطبابة الأسنان و المشجب
والاسلكي وغرفة التصوير والإعلام والتحقيق. في هذه الفترة بالنسبة لي
فقد بقيت حوالي شهرين في مقر الفوج الثالث، وللمتزوجين بنيت كبرات لهم
بجهودهم الخاصة وحتى بقية الرفاق أو الفصائل لحين اكتمال البناء حيث
الجو الصيفي كان يساعدنا على ترتيب وضعنا بشكل جيدا مع أن الظروف
الصعبة التي مررنا بها من خلال الأوضاع التي كنا نعيشها. بالنسبة
للإعلام والمشجب والتصوير الذي كان المسؤول عنه الرفيق أبو سامر المصور
ـ خريج معهد الفنون الجميلة ، تم بناؤها بتكفل السرية ككل حيث بعد
مرحلة شبه الاستقرار تم البت ببناء مفصلين اساسيين. يخرج الرفاق الساعة
الثامنة صباحا يقومون بتجميع الحجر خاصة وان المفصلين قريبان من بعضهما
وفي مكان واحد. تم بناء الكثير من القاعات المختلفة بجهود جبارة من
الرفاق، حتى وصول الشتاء طلبنا نحن العوائل بناء غرف خاصة لنا. لكن
للأسف كان جواب قيادة القاطع غير صائب وذلك بمنع بناء الغرف الخاصة
بحجة أن توسيع المقر يؤدي إلى كشفنا من قبل الطيران والعدو وغير ذلك من
الأمور التي كانت بالنسبة للعوائل مجحفة حيث سينامون في القاعات مع
بقية الرفاق. إن هذا التفريق أثار عدم ارتياح لهم، خاصة ونحن نعرف أن
النظام ومن خلال عملائه كانت لديه معلومات بتواجدنا في مقر زيوه قرب
الزاب وحتى كانت لديهم الإحداثيات الخاصة بالمقرات ولأكثر من عشرة مرات
قصفونا بالطيران والمدفعية ووقعت القذائف بالقرب منا أي في البساتين
القريبة والمقبرة والتلال المحيطة بنا.

على أي حال كنت من المحظوظين حيث كان لدي المشجب، استفدنا وأنا وزوجتي
منه حيث سكنا في مشجب السلاح بين القنابل والقذائف والعتاد والسلاح
والصواعق المختلفة. حتى إنني وضعت قلادة من الطلقات المختلفة الأحجام
وعلقتها في المشجب، لكن هذا لا يلغي طموحي بان نبني غرفة صغيرة خاصة
بنا لو قسنا مخاطر المشجب. من الطبيعي أن أكون من ضمن فصيل المقر خاصة
وان المشجب من مسؤولية م/ القاطع وكذلك أصبحت سميرة مسؤولة المالية في
القاطع والتي أجادت في مهمتها كونها خريجة الإدارة والاقتصاد فرع
الحسابات. وقد نالت استحسان م/ القاطع بسبب دقة عملها، خاصة الرفيق أبو
جوزيف الذي احترم جهودها.
تمت التهيئة لاحتفال راس السنة الميلادية بشكل جيد من قبل هيئة الإعلام
وبعض الرفاق ذوي الإمكانيات. كانت عريفة الحفل الرفيقة سميرة التي أدت
دورها بشكل رائع وأثارت الراحة والألفة لدى الرفاق الحاضرين. الأمر
الآخر هو وجود الرفيقين أبو روزا وأبو كريم الذي كان لحضورهما
ومشاركاتهما متعة خاصة من خلال تعليقاتهما ونكاتهما ولا يمكن نسيان أمر
مهم بالنسبة لنا حيث أخذنا إجازة من م/ القاطع لغرض جلب مشروب، وقد
وافقوا على شرط أن لا احد يعرف ذلك من غيرنا حيث كنا سبعة رفاق منهم
أبو هديل وجورج وأبو أيمان وأبو لينا ديوانية، لان الشرب ممنوع في كافة
السرايا والمقرات ويعاقب كل من يقوم بخرق القرار.


في هذه الفترة وصل بعض رفاق المكتب السياسي وكوادر مختلفة الصفات
الحزبية والإمكانيات ( أبو خولة، أبو فاروق، أبو زكي، أبو داوود، أبو
حاتم، أبو ناصر
و أبو طه وفيما بعد وصل عزيز محمد سكرتير الحزب وكوادر
كثيرة لها مهمات في الداخل ) الذين استقروا في كلي زيوه وبنيت قاعات
أخرى لهم وخلال فترة وجيزه قدم رفاق المكتب السياسي الندوات، وكانت
أهمها التي قدمها الرفيق أبو داود عضو م س آنذاك (سكرتير الحزب الآن)
حول الوضع السياسي ومتغيرات الحرب حيث دخول إيران الأراضي العراقية حيث
بث بعض من رفعوا شعار الدفاع عن الوطن ومنهم في قيادة الحزب وعلى رأسهم
زكي خيري ( أبو يحيى) وباقر إبراهيم( أبو خولة ) بحجة دخول إيران
الأراضي العراقية. كانت المحاضرة في وقتها لتوضيح بعض الأمور الساخنة
بعد أن وضح سياسة النظام وتصرفاته ومنها قيامه بحربه على الجارة إيران.
|