|
القراء الكرام
نظرا لطلبات الاصدقاء الذين لم يحصلوا على نسخة من كتابنا , ارتأينا ان
ننشره في موقع ينابيع العراق على شكل حلقات.
مع المودة للجميع
فيصل الفؤادي (أبو رضيه)
مسيرة الجمال والنضال-
6-
فيصل الفؤادي
(أبو رضيه)
الإهداء
إلى شهداء الكفاح المسلح الأبطال
رفاقنا في الحزب الشيوعي العراقي
(2)
العبور إلى المجهول
كان مسؤول المفرزة هو الرفيق أبو وليد، بدأنا بالتوجه إلى القامشلي.
في الصباح ذهبنا إلى الحدود السورية التركية. قدمنا جوازاتنا إلى
مسؤولي الحدود وبعد برهة نادى علينا المسؤول عن جوازاتنا وهو يدعونا
بأسمائنا الصريحة، التي كانت تعد من الأسرار. كان هذا الموقف المفاجيء
مناسبة طريفة استدعت الضحك والمزاح اللطيف فيما بيننا بعد دخولنا إلى
الأراضي التركية لأننا لم نكن نعرف بعضنا البعض
إلا
بالأسماء
المستعارة (أبو فلان وأبو علان).
وصلنا إلى نصيبين المحاذية للحدود. كان موعدنا مع مرشدينا الذين لم نكن
نعرفهم. كان مسؤول المفرزة فقط يعرف هؤلاء المرشدين. ذهبنا إلى احد
المطاعم، اخبرنا مسؤول المجموعة، أن هذه هي آخر وجبة نتناولها في مطعم،
وان بإمكاننا
أن نطلب ما نريد وبحرية كاملة. جلسنا
بعد ذلك في المقهى التي هي بجانب المطعم، شربنا الشاي للمرة
الرابعة.عرفنا أن الشخص المعني من حزب كوك (الحزب الديمقراطي
الكردستاني التركي) ربما لن يأتي. لقد تأخر وكان السبب هو أن الرفيق
بهاء الدين نوري وعرف أن الإشارة
خاطئه وان أبو الساعات ليس هو الشخص المعني، حيث أعطى للرفيق مسؤول
المفرزة ورقة مكتوب عليها العنوان الذي علينا أن نذهب إليه وهو عنوان
لمحل لبيع الساعات، وقال للرفيق قبل أن تصل إلى الحدود التركية مزق
الورقة، وبالفعل قام الرفيق بذلك، ولكن كان المراد أو إشارة الصلة هو
محل بيع التلفزيونات الموجود بجانب محل الساعات، المهم أن الرفيق أبو
وليد ذهب إلى أبو الساعات وقال له بعد التحية طبعا (يابة الجماعة
يسلمون عليك) فوجيء صاحب المحل ثم قال لصاحبنا (أخي إذا عندك ساعات
تهريب خليني أشوفها) فاستدرك صاحبنا الموقف وعرف أن الإشارة خاطئة وان
أبو الساعات ليس هو الشخص المعني. بعد اخذ ورد
استطاع رفيقنا أن يتخلص منه، وذهب إلى المحل الذي يبيع التلفزيونات،
وكرر علية الإشارة فرد الرجل بالإيجاب مضيفا أن الشخص الذي تريده مسافر
إلى أنقرة. أصبحت أمامنا مشكلة أخرى، حتى طلب من صاحب المحل نفسه
المساعدة والاتصال بآخرين من أصدقائه. و
بالفعل ساعدنا الرجل ووصل المعنيون بالأمر (الورقة كانت تحتوي على سؤال
واحد هو: "نريد الشخص الفلاني محمود" ومن خلال هذا الشخص صاحب المحل
الذي هو من حزب كوك سوف يدلنا على الشخص المعني ).
أثناء جلوسنا في المقهى لاحظ احد الرفاق بأننا نلبس زيا واحدا حتى
الأحذية والقماصل كانت واحدة، هذا الأمر كان خطرا بالنسبة للمجاميع
التي ستلتحق بنا مستقبلا. وصل الشخص الصلة واتصل بناء على إشارة ما،
كان الشخص المعني ذا شارب في منتصف الثلاثينات من العمر واسمه محمود،
اغتيل من قبل عملاء المخابرات التركية
عام
1979، على اثر تلك الجريمة قام حزب كوك بحرق بيت الشخص الذي قتله وكان
ذلك نهاية تشرين ثاني 1979.
غادرنا نصيبين بسيارتي رينو صفراء وأخرى بيضاء اللون. توقفنا في
منتصف الطريق وجلب شخص ما سلاح كلاشنكوف من
بين
المزارع المنتشرة على الطريق
من اجل حمايتنا والحفاظ علينا. بعد مسافة ثلاث إلى أربع ساعات إلى
المكان المحدد مررنا بمنطقة أولدره التي تتكون من مجموعة قرى، أنزلونا
ومشينا مسافة قصيرة فالتقينا بشخص اسمه درباس وهو من أهالي قرية بيزي.
درباس هو من ساعدنا كدليل. وضعت حقائبنا وأمتعتنا القليلة على البغل
وسرنا عبر المناطق الحدودية. أثناء مرورنا بالقرى كان الناس هناك
يقدمون لنا اللبن و
الخبز والشاي ويسالون الدليل من هؤلاء وماذا يريدون؟ فيجيبهم: أن هؤلاء
هم معلمون للقرى الحدودية، سيعملون في المدارس هناك.
يتميز أهالي القرى البعيدة بالفضول الشديد، ومما يثير فضولهم أكثر
أننا كنا نرتدي إلى حد ما زيا واحدا، البنطلونات متشابهة تقريبا، في
حين أن أهالي المنطقة كانوا يلبسون الزي الكردي الجبلي.
كلما اقتربنا أكثر كان الدليل يشير إلى الحدود العراقية ويصف لنا القمم
الجبلية والوديان. كان المسير بالنسبة لنا ليس سهلا، خاصة ونحن في
ملابسنا المدنية التي لا تستعمل في تلك المناطق. بعد ذلك تحولنا إلى
المناطق المحاذية
للأراضي العراقية مقابل قرية "مه ركه" إلى أن اجتزنا نهرا صغيرا عرضه
حوالي أربعة أمتار، يجري من الغرب مواصلا مجراه نحو الشرق في رحلته
الأزلية. هذا النهر هو الحد الفاصل بين الحدود التركية العراقية.
في الجانب التركي من النهر يمتد سهل اكبر من السهل الذي في الجانب
العراقي الذي تمتد في طرفيه "قرية يك ماله" الحدودية للطرفين. حين
اقتربنا من هذه القرية في
الجانب
العراقي أشار الدليل إلى أمر المجموعة "تلك هي الأراضي العراقية".
حينها اخبرنا بذلك رفيقنا المسؤول، تبادلنا عناقا حارا جميلا بعضنا بكى
كانت مشاعرنا جياشة لا يمكن وصفها قبلنا الأرض تعانقنا وتعاهدنا على أن
نناضل من اجل الحزب والشعب والوطن ومن اجل الحياة السعيدة لأبنائنا وها
نحن سائرون ممتلئين بالحياة والأمل،
كانت الدنيا قد تغيرت كليا حين خطونا تلك الخطوتين عابرين نحو الوطن
الذي كان بلوغه أشبه بالمستحيل. علينا أن نتحرك خطوات أخرى نحو عمق هذا
الوطن الذي كلما توغلنا في أرضه استعدنا
أرواحنا وأعمارنا المرهونة به، هاتوا لي كل ورق العالم وبحرا من
المداد وعمرا يكفي كي اصف فقط لحظات العبور تلك، وهاتوا لرفاقي
الشيوعيين أكثر من ذلك لتروا عجبا. لم يكن احدهم في مثل هذا الموقف وهو
يطأ
ارض الوطن الذي منع من دخوله أو مشاهدته،
يعرف كيف يتصرف وماذا يفعل في موقف شاهد الوطن الممنوع فيه، يقفز،
يبكي، يصرخ، ماذا يفعل؟ اختصروا الوطن لنا في شيء صغير كي نستطيع لمسه
أو عناقه، في حجر صغير كي نقبله، في زهرة كي نشمها ونحتضنها، تراب كي
ننثره على أجسادنا نتيمم به، نقبله، نصلي عليه، أي شيء، أي رمز، يا
الهي ماذا يفعل عشاق مثلنا كان بينهم وبين وطنهم حراب وبنادق ودماء
وأجهزة مرعبة وجلادون؟ عند تلك السلسلة الجبلية الشامخة المسماة
كوماته، التي تبدأ من قرية "يك ماله".
لم يبق من تلك القرية سوى اسمها فقط لان أهلها جرى تهجيرهم قسرا إلىأمكنة
لا احد يعرفها، في حين أن "يك ماله" التركية مازال أهلها يعيشون فيها.
"يك ماله" كلمة كردية معناها بيت واحد. دخلنا الوادي العميق الطويل
نوعا ما. المسيرة تستغرق ساعة كاملة
من "يك ماله" حتى المقر على الخابور. سرنا عبر الوادي الضيق جدا مع
مجرى النهر الحدودي ووصلنا إلى المكان المراد. ثم التقينا بالرفاق
الذين سبقونا. كان وصولنا في يوم الرابع من تشرين الأول 1979. (لا يمكن
أن ننسى مثل هذه التواريخ والأيام). كانت مشاعرنا خليطا مفعما بالشوق و
الحب وتفاصيل لا يمكن أن نفهمها أو نستطيع تسجيلها. لأننا كرفاق كنا
نعرف بعضنا وقد تخرجنا من دورة واحدة في بيروت.
هذا الموقع الاستراتيجي والحصين للغاية في المنطقة يشبه المثلث.
الكثير من المهربين عبروا الحدود التي لا يحترمونها ولا يعترفون بها و
يعبرونها بقوة قلب نادرة، كانوا يمرون من هذه المنطقة خاصة في فصل
الصيف، أما في فصل الشتاء فلم تكن الطرق سهلة خصوصا في حال التنقل مع
الحيوانات. في هذا الموقع الذي تلتف حوله
وتطوقه أشجار الجوز والبلوط، يصب النهر الصغير الذي سرنا بمحاذاته في
بطن الوادي في الخابور، وهناك يتكون وادٍ طويل ينزل مع جريان نهر
الخابور، هناك اصطفت مقراتنا إضافة إلى مقرات الحزب الديمقراطي
الكردستاني الذي كان رفاقه قد سبقونا إلى هذه المنطقة ولأنهم سبقونا
إليه فقد ساعدونا مساعدة لا يمكن أن تنسى ذلك سنمر على تفاصيلها لاحقا.
المكان الذي كان يأوينا
هو عبارة عن غرفة واحدة ليس أكثر هي مكتبة ”حدك"، غرفة صغيرة "مترين في
ثلاثة أمتار" كنا ننام فيها وكان عددنا ثلاثة عشر رفيقا وهو عدد قابل
للزيادة في أي ظرف جديد أو أية زيارة متوقعة أو غير متوقعة وقد اكتضت
الغرفة بحشد الأنصار وهم (أبو يعقوب، أبو جهاد، أبو علي، أبو داوود وهم
المجموعة الأولى، أما المجموعة الثانية فتتكون من الرفاق أبو حازم، أبو
وجدان، أبو شروق وسلام تحياتي والمجموعة الثالثة أبو وليد أبو رضية،
أبو ثائر، أبو محمود روست، أبو نضال، وأبو غسان
آذار 2004
|