|
اتخذوا موقفا ً فالإنسان موقف .....
الفنان:
بديع الآلوسي
قال محمود درويش يوما ً :- للمقابر هيبة الهواء وسطوة الهباء ،،، بهذه
الكلمات ابتدأ .
يقولون :- وراء كل شيء ذا جدوى دقائق صغيرة أو ممهدات ضرورية تكون
كالصاعق في القنبلة هكذا أبين إن الذي دفعني لإنجاز كل تلك التخطيطات
واللوحات والتي انتهت كبوسترات هو احد الأصدقاء الأعزاء والذي أرسل لي
مقترحا ً يتمثل في عمل بوستر عن كارثة اليورانيوم المنضب في العراق .
بعد ان اطلعت على التفاصيل عبر الكومبيوتر - لا أخفيكم سرا ً - شعرت
بالخوف .
صراحة ً ترددت ماذا أرسم أول الأمر ، لكني ما إن دخلت في تفاصيل الفكرة
حتى بدأت الأفكار تتقافز . حاولت أن أضيف رؤيتي حول الموضوع جماليا ً
،انشغلت بالموضوع لمدة سبعة أيام وكنت اعمل بحماس والى ساعات متأخرة من
الليل مستغرقا ً في تكامل الفكرة التي تجلت بسته وعشرين عملا ً فنيا ً
.
بداية ً تسائلت : كيف نحول الموضوع الذي يتصل بالموت إلى هاجس جديد يبث
فينا الحياة والتفكير بالحلول الناجعة لإخراج العراق من هذا النفق
المظلم.
ان ما أدهشني ان الفكرة الواحدة صارت لها تجليات وظلال متعددة ، وهكذا
تحول اللامرئي الى تأويلات متشظية ، أرعبني هول كوابيسي المتخيلة لكنني
انتصرت عليها ، حطمتها مرات عدة واعدت تركيبها ، وحاولت ان اجد لها
اطارا ً اقوى وأصلب اعتمدت على رسم الفكرة بحجم كبير بعدها أخضعتها إلى
مبدأ الكولاج ومن ثم أدخلتها في جهاز الكومبيوتر لأعيد بنائها بشكل
نهائي .
بهذا جسدت أفكاري لا كسياسي بل كفنان له رؤيته عن هذا العالم الذي
تسكنه روح البربرية ، هاجس طالما أقض مضجعي :
- الى اي مدى ستصيب محاولاتي البريئة قلوب الناس وتحثهم على التأمل
والتساؤل وتخرج كارثة اليورانيوم المنضب من حيز التعتيم.
أحسست أني كنت مع الأرواح الهائمة حاولت أن أسترق النظر إلى حجم
الكارثة في محاولة مني لتجسيدها . قد أكون قد وفقت في تنفيذ جانب ٍ
منها في لوحاتي أو قد لا أكون إلا إنني أعلم أنها عبرت عني بشكل أو
بآخر في تلك اللحظات .
إنكسر الفضاء وتلوث لأن مناطق الجنوب في العراق أصبحت أماكن خطرة و غير
آمنة ، شعرت بالقلق وراودتني هواجس كثيرة منها : كيف نستطيع الأن أن
نتفادي الكارثة ومساعدة الضحايا ؟ لم ابحث او أفلسف الموضوع لأنه اكبر
من طاقتي ويحتاج الى تضافر الجهود العراقية والأقليمية والدولية للحد
من الكارثة . وجهودي المتواضعة تصب في هذا الاتجاه؟
قالت حبيبتي : هل تشعر بالرضى لما فعلت ؟
قلت : لا أدري بالضبط ، اشعر أن باستطاعتي أن أعط ِ المزيد .
قالت : وماذا تفكر ان تفعل بهذه البوسترات ؟
قلت : سأحاول ان ابعثها الى كل الأصدقاء .
قالت : وما الجدوى
قلت : إني كمن يرمي حجرا ً في بركة .
قالت : ثم ماذا
قلت : ربحي ليس أكيدا ً لكن محاولتي هي الأكيدة
قالت : أنك كمن يصرخ في وادي .
قلت : حقا ً إني لم استطع تغيير العالم لكني استطيع أن أشعل شمعة
لتبديد الظلمة
حينها اغرورقت عيناها بالدموع
قلت : لماذا تبكين ؟
قالت : انك إنسان حالم وسط أشباح ٍ كاسرة
قلت : ربما !!!!!!!!!
انتهت المسامرة مع حبيبتي ،، وعدت لترتيب حواسي وأوراقي الملونة متوقفا
ً على ما تمليه علي َالرؤية التي تتماشى مع الشكل والجوهر .
قبل ان ابعث برسالتي هذه الى اصدقائي شعرت بالإحباط وقلت : الله أكبر ،
هكذا أذن تخلت الأساطير واللآلهة والأنبياء عن أبناء الجنوب في العراق
!
ولكي لا يطول ليل العراق الطويل علينا أن نتخذ موقفا ً فالإنسان موقف .
|