|
من تداعيات عدم فاعلية أجهزة الكشف عن المتفجرات
عزيز العراقي
في العراق , من السهولة معرفة الانتماء والعائدية الحزبية سواء للصحيفة
او القناة التلفزيونية او خطب الجمعة في بيوت الله . فقد بلغ الاستقطاب
أشده , والصراعات طالت أبناء الطائفة الواحدة , والقائمة الواحدة , بل
والحزب الواحد . فكم هي الانشقاقات التي حصلت تحت لافتة الخلافات
الفكرية والمبدئية , وأبرزها ( طبعاً ) الخلافات في تحديد اولويات
احتياجات الشعب العراقي , وكيفية الوصول لإنهاء معاناة هذا الشعب
المنكوب . ومشكلة استيراد الكلاب البوليسية في الكشف عن المتفجرات تأتي
( في تحديد اولويات احتياجات الشعب العراقي , وكيفية الوصول لإنهاء
معاناة هذا الشعب المنكوب ) . إذ ليس من المعقول أن يكون هناك خلاف
فكري أو مبدئي بين هذه الكلاب ( السلوكَية ) وبين اغلب القيادات
السياسية للأحزاب العراقية
.
مثلما هو معروف , كان الكشف عن فضيحة عدم فاعلية أجهزة كشف المتفجرات
التي استوردت بمبالغ خيالية فوق سعرها الحقيقي من بريطانيا تسبب الحرج
لبعض القيادات السياسية , ومنعا لتطور الاتهامات والتخوين , وانشغال
البرلمانيين العراقيين بها, وتركهم معالجة قضايا وطنية أكثر ضراوة من
أجهزة كشف المتفجرات , خرج علينا اللواء قاسم عطا الناطق الرسمي لقوات
بغداد , وأكد مثلما اظهر في خروجه السابق : إن الوضعية تحت السيطرة ,
وشكلت لجنة للتحقيق . وفي نفس الوقت جري القيام بتجربة عملية أمام جميع
ممثلي الكتل السياسية , وذلك بتمرير الجهاز عل كيس ابيض . واخذ الجهاز
يصرخ بأعلى صوته , مما دفع بحماس جماعة المدافعين عن الجهاز للتصفيق ,
وترديد: الله اكبر , الله اكبر , وسط ذهول الذين اتهموا الجهاز . إلا
أن احد جماعة المدافعين اخبر الطرف المذهول : بأن الكيس ( دوّه حمّام )
, وهي مادة كيماوية أشبه بالنورة تستخدم في الشرق الأوسط لإزالة الشعر
. مما أعاد الثقة للمذهولين وزاد حماسهم في تأكيد فشل الجهاز , وقال
ممثلهم : ان هذا الكيس ( دوّه حمّام ) وليس مواد متفجرة . فأجابه نظيره
من الطرف الآخر وبشكل قاطع: بربك إذا مع (دوّه الحمّام ) هيج صرخ ؟ ويه
المتفجرات شراح ايسوي ؟!
الأمريكان من جانبهم مشغولين باعادة المجتثين من البعثيين إلى العملية
الانتخابية , التي حرّم الدستور ترشيحهم إليها . ومنعا لتطور مشكلة
صراخ الجهاز من (دوّه الحمّام) الذي سبب في زيادة الخلاف بين قيادات
الكتل السياسية , بادرت قيادة القوات الأمريكية بطرح فكرة استيراد
الكلاب البوليسية المدربة للكشف عن المتفجرات . ومثل أية قضية في
العراق أصبحت موضع خلاف بين مؤيد ومعارض , و ابرز المؤيدين البعثيين
المجتثين , وكما هي عادتهم في المساومة , دخول الكلاب الأمريكية مقابل
دخولهم العملية الانتخابية . وكان اكبر المعارضين بعض المجاميع في
التيار الصدري , ولهم كل الحق في الاعتراض , وقد يعتقد البعض ان
اعتراضهم لأسباب دينية , حيث ان ملامسة الكلاب تدخل في باب النجاسة ,
إلا إن اعتراضهم مشبع بالعلمانية وليس مع هذا التوقع
.
يقول جماعة التيار : ان الكلاب التي دربت على شم المتفجرات مكلفة , وفي
نفس الوقت فنحن شعب يعاني من البطالة , وبدل الكلاب يمكن تعيين الكثير
من شباب التيار , وهم أكثر كفاءة من هذه الكلاب , حيث يستطيعون الكشف
عن المتفجرات ليس بالشم فقط , بل وبالرفس أيضا. ومن خلالهم يمكن
السيطرة على باقي الظواهر السلبية الأخرى , مثل القمار , وشرب الخمور ,
ومنع مظاهر التحلل الأخلاقي , واستهتار طلبة جامعة البصرة, والعراقيون
يشهدون لهم بذلك . ويؤكد صدري آخر : إن هذه المجموعة تخاف من الكلاب ,
لأنهم يعتقدون إنها تكشف عن المخدرات أيضا
.
الدكتور موفق الربيعي رئيس حزب الوسط , وبحكم تجربته الغنية السابقة
حيث كان مستشارا للأمن القومي , دعم موقف جماعة الصدريين , بإثارته
الشك من احتمال ان تكون الكلاب نسخة صينية أو كورية , أي ليست أصلية ,
وعندها سيكون قد ضحك علينا مرّة أخرى , بعد أجهزة الكشف الأولى . وحفظا
لسلامة الكرامة العراقية , وبحكم كونه طبيبا , اقترح جلب مختبر من
مستشفاه في لندن - على أن تدفع الحكومة مصاريفه – للكشف عن الكلاب إن
كانت أصلية أو مقلدة . والجهاز عبارة عن حوض ماء يتم إنزال الكلب فيه ,
ويبقى رأسه فقط فوق سطح الماء , ويتم تخويف الكلب بعصا غليظة , فإذ لم
يبق بق الماء فان الكلب أصيل , أما إذا بق بق فان الكلب نسخة مصنعة ,
وعندها يتم كشف اللعبة
.
من العار على العراقيين أن يتم توقيف رئيس الشركة المنتجة لهذه الأجهزة
, ويودع السجن من قبل الشرطة البريطانية , وبسبب هذه الصفقة , رغم ما
جاء به من أرباح لدولته , والعراقيون لم يتمكنوا من محاسبة , أو
الإشارة لأي مسئول لغرض التحقيق عدا لجنة تحقيق قاسم عطا الكسيحة . وقد
حرف الموضوع من سرقة عشرات الملايين من الدولارات , وما تركته من آثار
دموية راح ضحيتها مئات العراقيين بين شهيد وجريح , الى ان ينحصر الجدل
: هل هي صالحة ام
ام لا ؟ واغلب المسئولين لحد الآن يؤكدون صلاحيتها !! ويعتقد اغلب
العراقيين ان الكشف عن جريمة شراء هذه الأجهزة جاء بسبب الصراع
الانتخابي , وليس بسبب الحفاظ على أرواح العراقيين . العراقيون يأملون
ان لا ترحّل مهزلة الكلاب الحالية الى دورات البرلمان الجديد , فقد
سئموا النباح , وباتوا يفرقون جيدا بين نباح الكلب الخائف , والآخر
المتملق , وثالث يسرق ما ائتمنوه عليه , ورابع جربوع ....الخ
.
|