|
بين الخوف من الخسارة والهلوسة السياسية
عزيز العراقي
يبالغ الكثير من الساسة العراقيين بالخوف من التزوير , الذي يمكن ان
تقوم به الأحزاب الحكومية , والمقصود حزب رئيس الوزراء " الدعوة "
وأحزاب قائمته الانتخابية " دولة القانون " . ولاشك ان المالكي وحزبه
قلقون وخائفون من ان يخسروا رئاسة الوزراء , ولا يزال موقفهم غير واضح
بين الطائفية وشعارهم الجديد في " دولة القانون " . هذا الارتباط النشط
بالجذر الطائفي للحزب , هو الذي يمنح المبالغات التي تأتي اغلبها على
لسان البعثيين وبعض الاتجاهات السنية إذنا صاغية لدى جماهير عراقية لا
يستهان بها , وكذلك لدى الزعامات العربية , مثلما حدث مع علاوي في
زيارته للسعودية ومصر , وطارق الهاشمي الى دمشق . وليس غريبا ان تصل
هذه المبالغات بتشبيه خطوات الحكومة العراقية بالحكومة الإيرانية ,
وتشبيه هيئة المسائلة والعدالة التي اجتثت البعثيين وفق مادة دستورية ,
بهيئة تشخيص مصلحة النظام الايرانية , والخوف , من ( انشطار )
المجتمع العراقي مثلما يحدث في ايران , وكأن العراق النموذج الفذ
للتماسك الوطني بعد التجربة الصدامية , وما أفرزته من أدران سرطانية
.
في إيران قانون انتخابات لا يسمح لغير أتباع المؤسسة الدينية المتوجة
بولي الفقيه ان يدخل الانتخابات , حتى ولو من المعممين الشيعة . ورفض
ترشيح الكثير من الحجتية ( مرتبة دينية تسبق آية الله تسمى حجة الإسلام
) من قبل مؤسسة تشخيص مصلحة النظام , الجهة التي تدقق الطلبات وتوافق
على الموالين فقط . والمسألة الأخرى هي عدم وجود هيئات محايدة تراقب
نزاهة سير العملية الانتخابية , واقتصرت على ممثلي المعترضين
الإصلاحيين , وهي رقابة قاصرة أمام أطراف الحكومة التي تدير العملية
الانتخابية, والتي تشبثت بموقفها وانكرت التزوير ,إضافة للمركزية
العالية التي تتمتع بها الحكومة
.
هذه المرتكزات وغيرها للنظام الإيراني غير موجودة في العراق , فلا وجود
لنظام ( الحاكم بأمره ) ولي الفقيه , ولا حكومة عالية المركزية ,
وتتوزع السلطات وفق الدستور الفيدرالي سواء لإقليم كردستان او للحكومات
المحلية في المحافظات . وإمكانية الحكومة في التزوير تضيق كثيرا لوجود
احزاب منافسة قوية في السلطة ومن نفس الطائفة , او من الطائفة الأخرى .
ومراقبين يشرفون على سير الانتخابات من هيئات دولية , ومن حكومات
اميركا والاتحاد الاوربي , والجامعة العربية , وآلاف المراقبين من
الأحزاب العراقية المختلفة ومنظمات المجتمع المدني , إضافة الى إعلام
مرئي ومسموع مفتوح في كل الاتجاهات, ولا توجد عليه أية رقابة, وهي
بإقرار الجميع معركة انتخابية حقيقية , وطاحنة
.
ان الخوف من الخسارة الكامن في نفوس هؤلاء السياسيين, هو الذي يجعلهم
يبالغون بحجم التزوير من الآن . فخسارة الانتخابات في عرفهم ليس بسبب
ضرورات موضوعية في اغلبها , بل مسألة شخصية مهينة , لاتسمح بها رجولتهم
التي تعلمت على الاستحواذ . والتزوير الذي يدعونه خط دفاع اولي لتبرير
الهزيمة التي ستفرضها سياط القائمة المفتوحة , واستشعار بفقدان القيم
البعثية والطائفية التي اعتاشوا عليها , ومرغت انف العراقيين في الوحل
خلال السنوات الماضية . نعم سيكون هناك تزوير وشراء ذمم ورشوة أصوات
انتخابية , وضعاف نفوس من الطرفين المرشحين والناخبين , الا ان هذا لن
يكون ترمومتر لقياس درجة نجاح الانتخابات, او فشلها . النجاح بما
ستفرزه من برلمانيين جدد يستطيعون ان يحددوا التوجهات الحقيقية للنهوض
بالبلد , ام لا . والأمل كبير بوعي الناخب العراقي لاختيار النجاح ,
والعراقيون مدعون اليوم لخلق ألأسطورة العراقية الجديدة , التي يجب ان
لاتقل في تردداتها التاريخية عن جميع أساطيره الإنسانية القديمة , ان
لم تكن أكثر .
|