|
آهلية منظمة الانصار لادارة الحوار العربي الكردي
"موضوع للبحث"
علي بداي
لو اردنا ان نتوقف امام اهمية المشكلة الكردية في منطقتنا ، سنجد
انفسنا لامحالة مضطرين لان ناخذ العراق مثالا، اذ انه النموذج الاكثر
وضوحا حيث لعبت القضية الكردية دورا مركزيا في تشكيل ملامحه عبر قرن من
الزمان وصولا لتقرير حاضره ومستقبله.
فلو ان المسالة الكردية قد حلت في العراق حلا ديموقراطيا منذ بدا
ظهورها كمشكلة في اربعينيات القرن الماضي،لوفرت على ثورة تموز واحدة
من اهم العقبات التي ساهمت لاحقا بتعثرها، ولما كان على الحكومة
العراقية التالية التي نحرت ثورة تموز ان تعقد معاهدة الجزائر مع
ايران، ولولا تلك المعاهدة لما وجدت الحكومة العراقية انذاك المسوغ لشن
الحرب على ايران في 21 ايلول 1980 ،ولولا تلك الحرب المهلكة لما افلس
العراق واستنزفت قواه بحيث راح يستدين من معظم دول العالم، ولولا
الافلاس المادي، لما استدار صدام الى الكويت، ولولا الكويت وغزوها لما
هبت عاصفة الصحراء التي اشرت على بداية تحطم الدولة العراقية وولوجها
العصر ماقبل الصناعي ، تلك العاصفة السوداء التي انتهت الى حصارحول
ملايين الناس الى متسولين وانتج شريحة من كبار السراق مالبثت ان انتقلت
بسرعة الى مواقع السلطة الجديدة.
ولو احصيت الاموال التي انفقت جراء الاصرارعلى تفادي الحل الديموقراطي
للقضية الكردية وجراء الاصرار على خوض الحروب، لفاقت ربما بقيمتها
الاموال التي استدانها صدام من دول الخليج، والتي كانت سببا في انهيار
علاقته بحكام دول الخليج و ادت الى ماادت اليه من من غزو الكويت وفتح
الابواب رسميا امام التدخل الدولي العسكري في الشان العراقي والعربي .
ولقد كانت المسالة الكردية على الدوام، المادبة العامرة التي اطعمت
كافة الانظمة الاستبدادية بتلويحها "بالخطر الكردي " والترويج لفزاعة
" الانفصال" و"تهديد سلامة الوطن "، فعاشت هذه الانظمة على هذه
المفردات، واعتمدتها كاساس فكري لتربية الاجيال الفتية في المدارس،
وعبر وسائل الاعلام بقصد قطع الطريق على التفكير المنطقي باصل المشكلة
الكردية .
وعملت هذه النخب الحاكمة في الشرق الاوسط ،على غرس هذه المنطلقات
الفكريةالسياسية بتربة الشرق الاوسط ذات الارث البدوي المتمثل بخليط
من الفكر الديني والعشائري مجسدا بمفاهيم "الاخوة " و" التكاتف"
و"الوطن الواحد او البيت المشترك" و" وحدة الصف المسلم" وهي مفاهيم
ذات جذور عميقة في التراث العرب \ اسلامي، وفي الذاكرة الجمعية المتخمة
باهوال الطاعون والحروب والغزوات والفيضانات والخوف من المجهول .
ومع تشكيل دولة اسرائيل في 1948وتعامل العرب البدائي معها ، وخساراتهم
المتلاحقة في 1967 و1973، اتجهت الاوساط الشوفينية العربية الى
استغلال البنية الهشة لوعي الانسان العربي، رامية لتشكيل صورة للكرد
وكردستان مماثلة لصورة الاستيطان الصهيوني في فلسطين، في محاولة
للايحاء بان كلي المشروعين الاسرائيلي والكردي، موجه "لقضم الاراضي
العربية" و"تفتيت الوطن العربي " رغم ان المشكلة الكردية تكاد تتطابق
في كل اوجهها التاريخية والانسانية مع المشكلة الفلسطينية لا مع
المشكلة اليهودية ، اذ ان كلا من الكرد والفلسطييين شعب عاش على ارضه
ولم يغزو احد منهما اراض شعب اخر، او يهجر شعبا اخر من اراضيه، وقد كان
كلاهما ، الشعب الكردي والشعب الفلسطيني ضحية الاستبداد العالمي حين
باع العالم الراسمالي الكرد في معاهدة لوزان بعد تجاهل معاهدة سيفر،
وباع الفلسطينيين في وعد بلفور.
من ناحية تاريخية قومية، يبدو تمزيق البلاد العربية وتوزيعها على
البلدان الراسمالية المستعمرة شبيها بتمزيق كردستان وتوزيعها على
البلدان المستحدثة نتيجة تفكك الامبراطورية العثمانية، اي تركيا
والعراق وايران وسوريا. لكن هذه المفردات التاريخية التي تشير الى
تماثل جذور المسالتين العربية والكردية قلما تجد من يلتفت اليها ،
وتخلو مناهج التعليم في كل الدول التي تتقاسم كردستان من طرح موضوعي
لجوهر المشكلة الكردية.
ورغم وقوف اسماء عربية بارزة الى جانب الحق الكردي كاحمد بن بلة الرئيس
الجزائري الاول بعد الاستقلال، واميل حبيبي الكاتب والسياسي اليساري
الفلسطيني، والكاتب المصري احمد حمروش الا ان هذه الشخصيات لم تبتعد
في فهمها للقضية الكردية عن السبيل المغلوط المتمثل بمفهوم "الاخوة"
حيث ينظرللكرد من قبل بعض هؤلاء الكتاب على انهم "اقلية عرقية سكنت
ديار العرب منذ القدم" متجاهلين حقيقة كون الكرد موجودين في جبالهم
الحالية منذ ماقبل 1100 عام من الفتح الاسلامي .
وتميزت مدرسة الحزب الشيوعي العراقي بمعناها الاشمل، اي الحزب
والمتعاطفين معه والجمهرة الواسعة المؤثرة من الكتاب والمفكرين
اليساريين الواقفين الى اليسار او اليمين منه ،بتخريج نخب متميزة من
مناصري الحق الكردي عبر الاجيال، اثرت تاثيرا بالغا في صياغة وعي
جماهيري اممي في مراحل مختلفة من تاريخ العراق الحديث، واستطيع الجزم
ان هذا الحزب قد اسس لرؤية متقدمة جدا للمسالة القومية ضمن اطارمجتمعات
الشرق الاوسط ومؤسساتها السياسية المتميزة بالانغلاق القومي ( قارن مع
تركيا، سوريا ، ايران).
بالمقابل، وجدت الحركة القومية الكردية في هذا الحزب عمقها العراقي
الذي نقل افكارها العامة الى اقصى قرى جنوب وغرب وشرق العراق ،واثمر
هذا الموقف عن ولادة نوع من التفهم الاجتماعي لدى الطرفين فكان المجتمع
العربي، وان دفع رسميا بقوة القانون والدولة المستبدة للوقوف ضد
المطالب الكردية، يشكل وسطا غير معاد لها ، وبالمقابل احجمت الحركة
القومية الكردية عن الاقدام على اي فعل يضر بالمصلحة العامة للعرب في
انحاء العراق حتى في اوقات تعرضها لحملات ابادة شرسة وقدرتها على تجنيد
انصارها القاطنين في مدن العراق المختلفة لتنفيذ عمليات مسلحة .
ومما يحز في انفس الدارسين والباحثبن الموضوعيين ،ان هذا التيار الذي
خلقه الحزب الشيوعي العراقي لم يلق التقدير اللازم من قبل اطراف الحركة
القومية الكردية ( ربما باستثناء العائلة البارزانية) بل شهد التاريخ
تجاوز البعض على ابسط القيم التي لاتسمح الاخلاق الكردية النبيلة
بتخطيها ، ففي حين كان قائد الثورة الكردية الراحل مصطفى البارزاني
يعامل العسكريين العرب الاسرى المقاتلين ضد قواته بالحسنى ، شكلت حملة
الابادة العنصرية في بشتاشان في ايار 1983 ضد المقاتلين العرب الحلفاء
،خروجا فريدا من نوعه من قبل مرتكبيها، عن النهج الذي سلكته الحركة
التحررية الكردية في العراق طيلة تاريخها.
وتميز الحزب الشيوعي العراقي عن كل الاحزاب العراقية الاخرى بقوامه غير
القومي وغير المذهبي او الطائفي ، لذا كان من الطبيعي ان ينتقل هذا
القوام الاممي لتنفيذ سياسة الحزب في الكفاح المسلح فتشهد كردستان تدفق
الاف المقاتلين من الرجال والنساء من كافة اطياف الشعب العراقي
وباغلبية عربية شابة لم تر كردستان من قبل. وعاش الاف الانصار سنين
بين القرى والقصبات الكردية مندمجين مع السكان بوجود ومصير واحد،
فتوفرت لهم فرصة فريدة للتعرف عن كثب على دقائق حياة المجتمع الكردي
وحجم معاناته جراء السياسة الشوفينية لانظمة الحكم المتعاقبة والحيف
التاريخي الذي لحق به ، وتعرف الشعب الكردي على تموذج اخرللعربي بدلا
من الصورة المالوفة للعربي جنديا يسكن الربايا، او عنصر امن يلاحق
الناس.
لكن ميزان القوى المختل اصلا، والطبيعة الوحشية للمظام البعثي حتم ان
تنتهي حركة الانصار الى الكوارث بدلا من كسب ثمار النضال الصعب، فجاءت
فاجعة حلبجة وحملات الانفال الهمجية ثمنا فادحا دفعته الجماهير القروية
التي احتضنت الحركة وتحملت الكثير من اجلها.
وبهذا خطت اخر ايام هذه الكومونة التي تحدت جيشا من اقوى جيوش المنطقة
،واعقب ذلك كله، المصير الذي انتهت اليه الاشتراكية الفعلية، لتتظافر
عوامل محلية وعالمية (بعضها لم يكن متوقعا) وفي خلال سنتين بالاجهازعلى
الركائز النظرية والعملية لحركة الانصار.
ان من الطبيعي ، بعد هذا كله والوضع الخاص الذي عاشته كردستان منذ عام
1991وبفعل التطور المختلف للقسمين العربي والكردي من العراق، والدور
الامريكي المنافق خلال الانتفاضة ان تتنامى مشاعر حساسية قومية على
مستويات القوى القومية او الاسلامية من الطرفين، لكن الغريب هو ان نشهد
بين صفوف الشيوعيين من العرب والكرد نشوء مااسميه با لنزعة
"القوموشيوعية".
متجسدة بموقف قومي، انفعالي، يتم بموجبه تحت وطأة الانكسار والفشل
،ترحيل اسباب ونتائج الاخفاق والنكسات الى الضفة القومية الاخرى .
وتجلت القوموشيوعية داخل الصف العربي باشكال عديدة ابرزها موقف منغلق
يلبس رداء معارضة "القيادات الكردية " وليس " الشعب الكردي الطيب" لكن
ملامسة بسيطة لسطح هذا المنطق ستظهر تهرئ هذا الرداء، كاشفا عن موقف
شوفيني واضح، وكذلك موقف يستند الى المقارنة بفشل المشروع القومي
العربي ودعوة الجانب الكردي للتخلي عن مشروعه القومي الذي بينت نسخته
العربية عن فشلها . اما في الجانب الكردي فتجلت هذه النزعة بموقف
انعزالي مقاطع ورافض كليا لكل ماهو عربي بما في ذلك فكرة الحوارذاتها،
مدفوعا باستنتاج خاطئ مفاده انتفاء الحاجة لهذا الحواربعد ان تمتعت
كردستان بحريتها .
وفي مقابل هذا لم تنشا للان ، موجة عقلانية مضادة، تستلهم المثل
الاممية ، وتدعو الى احياء التفاعل الثقافي المتمثل بتعريف الجيل
الجديد من العرب والكرد على ماضي الشعبين ومنجزيهما الحضاري وضرورة
تعاونهما من اجل تجاوز مرحلة الحوار غير المتمدن المتمثل ببعث القيم
القبلية والقومية المتخلفة، فتركت ساحة الجدال للاراء المتشنجة
المفتقرة الى معرفة التاريخ وعلى مستويات مختلفة في الاقليم وفي عموم
العراق تصل حتى مجلس النواب والوزراء ووسائل الاعلام التي تشكلت بعد
بدء الاحتلال.
ان منظمة الانصار، بحكم تجربتها العملية، واصرارافرادها على خلق دور
لهم في العراق الجديد وفرادة دورها الذي قد لايتكرر جديرة بالتصدي لهذه
المهمة الان بالذات، حيث تتراكم عوامل عديدة لخلق تقاطعات وتضاريس ،
تمزق وجه العملية السياسية الذي لانريد ان نراه ثانية عبوسا متجهما .
لابد اذن من الانطلاق من ان العراقيين جميعهم هم من يتحمل نتائج اي
تصعيد شوفيني من قبل اي طرف، لانهم هم الباقون الى جوار بعضهم ، فيما
يتحرك الاحتلال ودول الجوار وفق المصالح الخاصة بكل منها، و الحوارالذي
ننشد لايعني التطابق والتماثل باي حال ،بل البحث الجاد عن المشتركات
وتوظيفها الايجايي ،والحوار لن يكون لصالح طرف على حساب طرف اخر بل هو
بالنتيجة اسلوب لاضاءة المساحات المعتمة التي يتحرك عليها التطرف
والارهاب .
ان شعوبنا موحدة اصلا مع بعضها بعامل الفقر المشترك ، والاذلال
المشترك ، كونها مادة نشاط المجاميع العسكرية السلطوية
القوما\ دينية المتوحشة ،فهي هدفها الذي تسدد له اللكمات من لحظة
الولادة
لتدوسه فيما بعد تحت اقدامها ، فهذه الشعوب هي الاكثر فقرا في العالم
والاكثر تخلفا،
والاكثر تعرضا للقمع، وبفضل هؤلاء الحكام الشوفينيين من كل القوميات
تسير عجلة التاريخ في الشرق الاوسط الى
الخلف، عائدة الى السلف الصالح عل فيما قال وحدث قبل الفي عام مايدل
على
الوجهة التي يتوجب على هذه الشعوب ان تتوجه لها بعد ان ضاقت بها السبل.
نحن بحاجة الى حوار يفضي بنا الى تاسيس عالم دون
جنرالات وطواويس حرب وبيانات عن معارك يحيطونها بهالات القدسية وماهي
الاحروب
مخزية ..تستهدفنا جميعنا
|