|
الشهيد كامل شياع
تشييع رسمي وشعبي، وبغداد تفتح قلبها لفقيد أحبها
صانعا للكلمة النبيلة
..
وداعا كامل شياع
علي عبدالسادة


الجمع الجنائزي يتعثر بدموعه في دائرة تحيط به، يبحث
عن طريقة ناجعة لرثاء مثقف نبيل، إنسان حر، شيوعي من
طراز خاص منحنا نفسه- هكذا..بهذا الصمت الشجاع- شعلة
ضوء عتيدة.
الكل يبحث عن كلمة وداع أخيرة يلقيها على خشبة وعلم
احتوت، دون أن توفق، جسد النقي أبدا..كامل شياع.
دارت حوله، وهو الدائر فينا كلمة سامية، عيون
المفجوعين بأفوله، خالداً، في سماء نبلاء هذه البلاد.
هذا هو مشهد الباحة الأمامية لوزارة الثقافة أمس
الأحد، عندما تجمع محبو الشهيد ينحبون رحيله المدوي.
بينما كانت صورته وهو يدخلها في ساعات الصباح الأولى
محييا الجميع، تدور بين الجميع، أولئك الذين تعثروا
بدموعهم.
كامل الذي عاش مفتونا بهم الوطن وبناء الثقافة فيه،
رحل، في موكب تشييع رسمي وشعبي، يتجول، لاخر مرة، في
بغداد التي وقفت، وأهلها، تلقي عليه آخر التحايا،
كأنها تشكره، وتخبره بهائل الامتنان، وكبر المودة
لشخصه الذي لم يكف، يوماً، عن العمل والاشتغال على
لبنة أخرى في عمران الثقافة التي قتل أعداؤها رجلاً
مثله.
في ما عداه، فهو الرجل (الذي لم يبك في هذا الصباح)،
تحرك الباقون الأحياء، المنكوبون به فقيدا للثقافة،
وقد اختلطت لأجله العناوين الرسمية بتلك الشعبية، وكان
شياع على بعد قريب منهما، بمقياس النزاهة وحبه لعمل
ينقل الثقافة إلى ضفة أخرى حيث زهر الوعي يتفجر كلما
ولدت كلمة.
هكذا، صحبة موسيقى الجنائز الرسمية ومشيعين يخطون
الحسرة على رحيله، تحرك الموكب من وزارة الثقافة متجها
صوب ساحة الأندلس، حيث تجمع رفاق كامل، أمام مقر الحزب
الشيوعي العراقي هناك، وهم يلوحون له بكفوف عرفته،
دوماً، مصافحاً أنيقاً، قارئا مرموقا لهمومهم، مفكرا
رفيعا في قضاياهم ومستقبلهم. مر كامل الملفوف
(عراقاً)، بالقرب منهم، بالقرب من نصب سلام عادل، كان
هو الأخر، دون شك، يودعه. فالرجل التحق، بجدارة أنيقة،
بركب رفاق سلام. وقف الرفاق على باب مقر عرفه كامل، كل
المعرفة، مناضلاً أبى إلا أن يترك منفاه الطويل، إلا
أن يعود إليه، عضوا في فريق صناعة الأمل الأثير.
احدهم يسند اليه طرف خشبة كامل، يضرب على رأسه، التفت
نحو ارتال العجلات، تذكر ان (كاملا )كان يمر من هنا،
بصمت، عجلته بضع كلمات، وحمايته فكر ثر ينمو مع كل
صباح.
***
في باحة الوزارة، حيث كان كامل يرقبنا، نبكيه اخر
مرة، كانت زحمة الحاضرين تلفه بكل وداعة وتأسف على
رحيل رجل مثله، كانت الوفود تأتيه تباعا تسلم عليه
وتتنحى جانبا لتفسح المجال امام الوافدين الجدد..قطرات
الصباح الاولى لم تكن ندى، كانت دموع الاحبة المقهورين
برحيل شياع، فتى الثقافة الوسيم.
ولما انفضوا عنه لراحة للعين والاقدام، بانتظار خطوات
تطلقها موسيقى البوق الرسمي، عادوا اليه، حضنا كبيرا،
فالتفوا حول خشبته، عندما جاء احدهم بصورته فوزعها على
رفاقه وهو يجهش بالبكاء.
احدهم من بعيد يصيح:لماذا يموت كامل؟ فأستيقظ الجميع
من وهم ان كامل جالس، في الطابق الثاني على كرسيه
منكبا على البريد.
***
على جانب الطريق كانت الوجوه منكمشة تتساءل من هذا
الرجل المسجى بصورة وعلم ورجال يبكونه دما؟ لا بد وانه
من نوادر القوم النبلاء، فكفوا عن التفكير ورفعوا
الكفوف تحية له، حتى إن سيدة بعباءة سوداء ادارت وجهها
عنه وقد كفكفت دموعها بـ (شيلة الرأس).
احدهم، وقد كُلِفَ بنقل مراسيم التشييع تلفزيونيا،
أوقف التصوير. وبات يمسح عدسة كاميرته بكم القميص،
طرأت عليها دموعه المتساقطة من عدسته الحية.
***
في الأندلس، وكم عرفته هذه الساحة يخط فيها خطواته نحو
مقره، بيته، وخندق أرثه الفكري والجمالي، كان الجميع
يتحسر على لحظة وداع قريبة منه..لكن كامل لمحهم
يحيونه، يلقون عليه شكرهم وامتنانهم.
احدهم كان قد همس في اذن صاحبه: رفيق كامل كان يحاضر
فينا عن علم الاجتماع، ذلك اليوم أخبرناه ان الوقت
تأخر وانك أنهكت نفسك في العمل معنا. كأنه لم يسمع
شيئا.
***
منذ بدء المراسيم، وقد توافد المشيعون الرسميون
والشعبيون الى مقر الورزاة حتى ودعوه الى ثراه الاخير.
كان هناك الرفاق من قيادة الحزب: رائد فهمي، شميران
مروكي، صبحي الجميلي، سمير الساعدي، جاسم محمد عيسى،
جلال الماشطة، المستشار الاعلامي لرئيس الجمهورية،
تحسين الشيخلي، المتحدث المدني بأسم خطة فرض القانون،
طاهر الحمود وكيل وزارة الثقافة، اعضاء في مجلس محافظة
بغداد، وكلاء ومستشارون ومدراء عامون في وزارات
مختلفة، ناشطون في منظمات المجتمع المدني، شخصيات
سياسية وثقافية مختلفة، فنانون وادباء، كل محبيه، لكن
اخرين لم يسعفهم الوقت والظرف في الوصول اليه.
***
في قلب مبنى "طريق الشعب" ترتكن، في اجمل زاوية فيها،
غرفة مجلة الثقافة الجديدة، كلنا في الامس، لم نر
الباب مفتوحا، ولم نشهد نورها مضيئا، ولم يكن كامل
هناك، ينادي على رفاقه..أسترح "انه شاي فاخر". المجلة
حزينة على نجمها.. محركها الاساس..
لا ندري كيف سيكون العدد القادم من دونه؟.
***
موكبه يتلاشى في افق الطريق، اخر عجلات الموكب هبطت
في الطريق الى النجف، لم نعد نرى شيئا، غادر بغداد بعد
ان أرقه حبها واملها في حياة اخرى، غير هذه الظلمة
الحالكة.
هكذا رحل احد صناع الكلمة الحرة البارزين..
وداعا أيها الجميل كامل.
|