|
خامئني في خطبة الجمعة : تكريس لديكتاتورية ولي الفقيه وتهديد للقوى
الديمقراطية
د.أحمد أبو مطر
الخطبة التي ألقاها علي خامئني المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في
إيران يوم الجمعة الموافق التاسع عشر من يونيو 2009 ، من أخطر أدبيات
النظام الشمولي الإيراني في السنوات الأخيرة ، لأنه كان فيها شديد
الوضوح والصراحة معبرا عن أغلب توجهات نظامه داخليا وخارجيا ، وأهمية
ذلك أنه لا يأتي من مسؤول إيراني عادي أو عالي المستوى ، ولكنه من فم
المرشد الأعلى أي ( ولي الفقيه ) الذي يتحكم ويسيطر على كافة مقاليد
الحياة الإيرانية ، ويضع الخطط والتوجهات لكل صغيرة وكبيرة دون أن
ينازعه السلطة أو يخطئه أحد ، ف ( ولي الفقيه ) منزّه عن الخطأ وهو
بمثابة وكيل الله تعالى في الأرض . لذلك من شاهد البث الحي للخطبة ربما
هاله أن يتحول المسجد الذي أقيم في جامعة طهران إلى صالة لخطاب سياسي
وليس دعوي ديني كعادة خطب الجمعة ، وهذه مسألة مهمة وخطيرة لأنه لا
يجوز لأحد مقاطعة خطيب الجمعة أو الطلب للتعليق على ما قاله، بعكس لو
كان الخطاب في يوم عادي وليس في المسجد ، وهذا يعني أن المسجد
والحسينية تحولا في العديد من الأيام والمناسبات أماكن لاستعراض
العضلات السياسي ، وعلي خامئني ليس الوحيد في هذا المسار ، إذ أن أشهر
من مارس وما زال يمارس ذلك هو إسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطيني
المقال ، إذ أصبحت عادة أو موضة أن يلقي خطبة الجمعة في أحد مساجد
مدينة غزة منذ تشكيله الحكومة المقالة في يناير 2007 ، وهذا يذكرنا
بصرخة المفكر الليبي المرحوم الصادق النيهوم ( من سرق الجامع ؟ ).
أين تكمن خطورة الخطبة التهديدية؟
لم يترك المرشد الأعلى شاردة أو واردة إلا وتعرض لها في خطبته مباشرة
أو بشكل غير مباشر ، ويمكن تحديد مكامن هذه الخطورة فيما يلي :
أولا: الإصرار على نزاهة الانتخابات ورفض إعادتها
تناقض واضح في موقف خامئني من نتائج الانتخابات الرئاسية ، فقد دافع
بشدة عن فوز أحمدي نجاد ، فكيف ينسجم هذا التأييد مع إعلانه يوم
الثلاثاء الماضي أنه ( طلب من مجلس صيانة الدستور إعادة فرز جزئية
للأصوات بحضور ممثلين عن المرشحين لكي يتأكد الجميع من النتائج ) ؟.
وفي نفس السياق كيف ستغير إعادة فرز جزئية للنتيجة التي باركها خامئني
، وما هي نسبة ( الجزئية ) هذه من ادعاء أن 24 مليونا صوتوا لأحمدي
نجاد ؟.
هذا رغم أن العديد من الشخصيات الإيرانية المعروفة طالبت بإلغاء نتائج
الانتخابات ، فالمرشح الشيخ مهدي كروبي جدّد يوم الجمعة مطالبته
بإلغاء الانتخابات رغم تأييد خامئني لنتائجها في خطبته . وكذلك دعت
السيدة شيرين عبادي الحائزة على جائزة نوبل للسلام إلى إلغائها وتنظيم
انتخابات جديدة ، وقالت عبادي صراحة ( إنّ هذه الانتخابات شابتها
مخالفات ) ، وأكدت أنه في العديد من مكاتب الاقتراع لم يسمح لممثلي مير
حسين موسوي ومهدي كروبي بالدخول مما سمح بالتلاعب بالصناديق . وكما
أوضحت شيرين عبادي فهناك مفارقة صارخة تدلّ على التزوير ، إذ أشارت إلى
أن أحمدي نجاد كما أعلنت السلطات الرسمية قد حاز في الانتخابات السابقة
قبل خمس سنوات على 14 مليون ، بينما حصل في هذه الانتخابات على 24
مليون ، مما يعني زيادة شعبيته رغم كل الانتقادات الشعبية والمسؤولين
الرسميين لسياساته طوال السنوات الخمس الماضية ، وهذا يؤكد أن الذين
قاموا بالتزوير لم يراعوا العدد كي لا تنكشف ألاعيبهم الانتخابية .
وكذلك فإن أكثر عمليات التزوير أعطت الشيخ مهدي كروبي عددا من الأصوات
أقل من عدد أعضاء حزبه الذين أكدّ العديد منهم ، أنه من المستحيل أن
يكون عضو في الحزب قد صوّت لأحمدي نجاد ، ورغم كل هذه الإدانات يعلن
خامئني تأييده لنتائج الانتخابات ولأحمدي نجاد شخصيا .
ثانيا: استغلال الدين للهيمنة السياسية
هذه المسألة من أخطر ما ورد في الخطاب ، وهي ليست جديدة لأنها من لوازم
نظرية ( ولي الفقيه ) الأساسية ، كونه وكيل الله في الأرض أي لا ينطق
عن هوى وغير قابل للخطأ ، لذلك قال حرفيا : (الانتخابات أثبتت
الديمقراطية الدينية وحاكمية الشعب الدينية ) ، رغم أنه في كافة العلوم
السياسية والاجتماعية لم يرد ما يمكن تسميته ديمقراطية دينية أو
ديمقراطية غير دينية ، وإذا حاولت البحث عن توصيف ( الديمقراطية
الدينية ) لن تجد لها أي تعريف ، واستعمالها فقط للتدليس على الجماهير
بأن ما حصل كان باسم الدين وتبعا لتعاليمه ، لذلك لم ينس خامئني
التأكيد على الدعم الإلهي لهذه الانتخابات ، إذ ادّعى أن ( نسبة
المشاركة في الانتخابات بلغت 85 % وهذا يدل على الدعم الإلهي ) ،
وأعتقد أن هذا (الدعم الإلهي ) هو الشقيق الشرعي ل ( النصر الإلهي )!!.
ولم ينس خامئني أن يعطي أحمدي نجاد مسحة من بركاته كولي الفقيه المبارك
إلهيا ، فعند ذكره للمعترضين على نتائج الانتخابات الرئاسية قال: (بين
رفسنجاني ورئيس الجمهورية ( أحمدي نجاد ) اختلافات حول إدارة القضايا
الخارجية وتحقيق العدالة الاجتماعية ، ورأي رئيس الجمهورية هو أقرب
لرأيي من رفسنجاني ) ، وهذا دعم ديني من ولي الفقيه لممثله في رئاسة
الجمهورية ، وكون رئيس الجمهورية هو الأقرب لأراء ولي الفقيه فهذا يعني
أنه أيضا منزه عن الخطأ بهذه الصبغة الإلهية.
ثالثا: الاعتراف بالفساد ونفي التزوير
اعترف خامئني بالفساد في نظامه بصيغة ملتبسة تحمل التناقض في طياتها ،
فقد قال حرفيا: ( نعم يوجد فساد ، ولكن نظام الجمهورية الإسلامية هو من
أكثر الأنظمة الحكومية في العالم سلامة وصحة . اتهام الفساد ليس صحيحا
). فمن يفهم هذا التناقض ؟ ( نعم يوجد فساد ) ثم ( اتهام الفساد ليس
صحيحا ) ثم (يجب مكافحة الفساد على كافة الأصعدة ). أما بالنسبة لتزوير
الانتخابات فيقول ( بلدنا لا يسمح بالتزوير ) ، هكذا بصيغة إلهية
حاسمة مما يعني أن المرشد الأعلى ( ولي الفقيه ) هو الوحيد في مكان
الحقيقة ، أما المليون ونصف الذين تظاهروا في شوارع العاصمة طهران فهم
( أعداء الشعب الإيراني ) حسب وصفه .
رابعا : الادعاء بأن نظامه حارس الديمقراطية وحقوق الإنسان
وهذه تكاد تكون كذبة القرن الحادي والعشرين والقرن القادم أيضا ، إذ
يكفي العودة لتقارير المنظمات والشخصيات الإيرانية لنعرف أن نظام
الملالي لا يعرف أي قيمة للإنسان حتى لو كان طفلا يتم إعدامه شنقا أو
رجما بالحجارة ، وهذه الكذبة لا تحتاج لمزيد من التفصيل لدحضها فهي
ثابتة ثبوت شروق الشمس من الشرق وغروبها في الغرب .
خامسا : التمسح بقضية فلسطين
ولم يجد المرشد الأعلى من دليل على أن نظام الملالي ( حارس الديمقراطية
وحقوق الإنسان في العالم ) سوى أنه نظام يدعم الشعب الفلسطيني ، دون
ذكر أي وجه من وجوه الدعم سوى خطابات نجادي العنترية التي باعتراف
الإسرائيليين حشدت تأييدا عالميا لدولة إسرائيل لم تكن تحلم به .
والدليل على كذب نجادي القاضي بمحو إسرائيل هو إعلانه مؤخرا أنه يوافق
على حل الدولتين إن وافق عليه الفلسطينيون، وهو يعرف أن هذا مطلب الشعب
الفلسطيني ، فهل نصدقه في هذا التصريح أم في تصريحاته الخاصة بمحو
إسرائيل من الخارطة .
سادسا: التهديد والوعيد للمتظاهرين
وكيف ينسجم نظام حارس الديمقراطية وحقوق الإنسان مع التهديد الواضح
لخامئني بوقف الاحتجاجات والمظاهرات رغم أنها سلمية ويحرص قادتها على
أن تكون سلمية ، وكافة انتهاكات القتل والاعتقال من رجال أمن ومخابرات
النظام ، وكما أكدت السيدة شيرين عبادي بأنه في مظاهرة واحدة تم قتل
سبعة أشخاص ، وفي هجوم قوات الباسيج على جامعة طهران ثم قتل خمسة طلاب
من بينهم طالبتان وإصابة الكثيرين بجروح ، ورفض تسليم الجثث لذوي
الضحايا ، وتم اعتقال المحامي عبد الفتاح سلطاني مساعد السيدة شيرين
عبادي الذي يعمل معها في مركز الدفاع عن حقوق الإنسان ، كما تم اعتقال
الصحفي رضا طاجيك مسؤول الانترنت وسبعة من العاملين في المركز، كما
أكدت أن عدد المعتقلين خلال المظاهرات تجاوز 500 شخص ، وكل ذلك يجري
ويحدث في نظام الملالي ( حارس الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم
)!!.
ونتيجة هذا التهديد ،
أعلن المرشح الرئاسي مير حسين موسوي أنه لن يدعو مؤيديه لتنظيم
احتجاجات جديدة يوم السبت كما كان مقررا سابقا ، خاصة بعد أن رفضت
وزارة الداخلية طلبا بتنظيم تلك المسيرات السلمية . وقد لخص الرئيس
الإيراني السابق المقيم في المنفى في باريس الوضع بقوله : ( إن موجة
الاحتجاجات التي أثارتها الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها أصبحت
تهدد الحكومة بأكملها ) و ( إن هذا التحرك يثبت أن الناس يريدون
الديمقراطية وأن النظام ليس ديمقراطيا ، لذا فإن التحرك لن يتوقف ) و (
إن قوة الدفع أصبحت تهدد الآن بالإطاحة بحكم رجال الدين في إيران برمته
).
ويظل السؤال مطروحا :
من أصدق في التعبير عن مطالب الشعب الإيراني ؟ هذه المظاهرات
والاحتجاجات المليونية الإيرانية ، وكل هذه الشخصيات الإيرانية
المعارضة علانية وصراحة ، أم المصفقين من العرب لنظام الديكتاتور ولي
الفقيه كما أطلق عليه المتظاهرون الإيرانيون في هتافاتهم ؟. ألا نقول
في الأمثال العربية ( أهل مكة أدرى بشعابها ) و بالتالي ف ( أهل طهران
أدرى بفسادها وقمع ديكتاتورها )!!!.
ahmad64@hotmail.com
www.dr-abumatar.com
|