|
حركة الانصار ما كان لها وما كان عليها ( 1979 – 1988 )
-
( القسم الثاني )
لطيف حسن
(8 ) – طوبى لنا ، اننا نعيش مع الملائكة
البداية كانت صعبة على النصير الملتحق حديثا بالقواعد ، وفترة
التأقلم على الظرف الجديد ليست واحده قد تطول عند هذا النصير او
تقصر عند ذاك ، لكن بشكل عام كان عليه ان يهمل وينسى كل ما علمته
المدنية ، ولابأس ان اراد ان يتأقلم في فترة قصيره ان يستفهم و
يسأل ويستفسر ويكتشف بنفسه وان لا يهتم بما تثيره اسئلته من ضحك
القدامى عليه ، بدءا من التعود على طريقة استخدام الملابس الجديدة
كطريقة ( شد الجمداني ) ( والدوخين ) ( والبشتين ) الى قضاء حاجته
الطبيعية في تواليتات عجيبة منصوبة عند جرف او على ( الروبار)
الجاري , سمع عن كل هذا قبل ان يصل ، ويدخل عمليا ( حياة البيشمه
ركايتي ) الرومانسية التي كانت فيها الصورة ، وهي الان غير الصورة
الواقعية التي يعيشها عمليا .
لاشيء خصوصي وانت تتمدد للنوم الى جانب رفيقك في القاعة المشتركة التي
يسكن فيها من عشرة الى عشرين نصير ، لابأس ولا مجال للآعتراض ان كان
جارك يشخر في النوم بفضاعة او العكس انت تشخر وهو الهاديء في التنفس ،
او (يمجمج بصوت عالي ) شريكك في الصحن الواحد عند الاكل ، عليك ، بل
لامجال ان تتحمل وتعبر ، وانت سعيد جدا اذا كانت حصتك من مساحة
القاعة فقط ، مكان يسمح لتمديد بطانيتك بعد طيها الى النصف ( 70 سم
× 200 سم ) وتضيق هذه المسافة الى النصف تقريبا في حالة قدوم مفرزة
متعبة تقضي وقتا قصيرا للاستراحة ،
وتوقف هكذا نوع من المفارز في المقر يعني ان ( القمل ) قادم اليها
لامحال ، رغم الاجرائات التي تتخذ من قبل اداريي الفصيل ، كتبد يل
الملابس لغليها ، واجبارهم على الاستحمام في الحمامات البدائية
القريبة من التواليتات عند ( الروبار ) قبل ان يدخلوا القاعات ، كل
هذه الاجرائات لم تكن تحول دون انتقال هذه الحشرة المشاكسة الى
ملابس انصار المقرات الثابته ليتساوى الجميع .
ومن هذا الجديد الذي يكتشفه النصبر عند وصوله الى القواعد المهمه ،
ويخفف من الصعوبات الانصارية اليومية التي ذكرت حزء بسيط منها ، ان
الجميع متساوون في اجتراع معاناتها ، من الكبير الى الصغير ، فقد
عرف سريعا ان المقر الذي يعيش فيه يشلركه ايضا في قاعة خاصة اخرى
الفيادي الأسطوري ( ابوفلان ) بلحمه ودمه ، قرأه عنه انه نجح في
انقاذ و قيادة الحزب بنجاح في فترات حرجة من التاريخ ، سمع عنه الكثير
، لم يكن يفكر انه سيلتقيه في يوم من الايام ، انه من طينة غير بشريه
، طوبى لي اني أعيش اخيرا مع الملائكة ، والملائكه نزلت عندي
لتقاسمني المعانات نفسها .
وتمر ايام قليلة لاتتجاوز الاسبوع كانت كفيلة بان تزيل الدهشة
الاولى عنه ، ويكتشف ان ( ابو فلان ) ليس بالملاك الذي صور له ،
انه لايختلف عنه في أي شيء بدءا من تناول وجبات الاكل الجماعية ،
وحتى استخدام التواليتات الروبارية ، لافرق ،عدا انه معفي من
الخفارات والحراسة وبعض واجبات النصير الاخرى ، انه الان مثله نصير
يلتقيه كبشر على الارض ، يمارس هواياته المحببة بلا حرج ، يتقبل بعض
عاداته ويستهجن البعض الاخر ،
وبمرور الايام تزول الرسميات ، وتحل محلها الصداقة ، ثم الميانه ،
وتقوى الميانة الى تبادل النكات ، ويكتشف عنه الكثير ، وتسقط من
الصورة الى الابد اجنحة الملائكة ،
وبعض الانصار كان يتمنى لو حافظ في مخيلته على صورة الحلم القديمة عنه
، ولم تتسنى له فرصة التعرف عليه مباشرة والاختلاط به .، ألا انه كما
قلت يكتشف النصير ويتعلم في كل يوم شيئا مثيرا . .
( 9) - طنين الزنابير الذي اعتاد ان يطير خلف و حول الملكه
في مقرات الانصار وبحمايتهم ، عقدت اهم المؤتمرات الحزبية ، بدئا من
مؤتمره الرابع ، هذه المؤتمرات التي كانت تلاحق بلهاث الاحداث
المتسارعة ، وتراجع وتصحح من سياساتها القديمة ، في جو استمرار
وتعقد مسار الحرب العراقيه – الايرانية ، وبدت الحرب كأن لا أفق
لنهايتها ، وكلما طالت ، تخبط الحزب اكثر ، واحتار في طرح شعاراته
المترددة ، انهاء الفاشية ، أم اسقاط النظام ، وظهرت تيارات داخل
اللجنة المركزيه تدعو الى التراضي مع النظام ، مادامت الحرب اصبحت
غير عادلة ، الى غير ذلك من الخلافات في اللجنة المركزية التي كانت
على اشدها آنذاك .
لاحظ الانصار في المقرات الخلفية وهم يراقبون مايجري امامهم عن قرب
، بفضولهم المعروف ، ان القيادي فلان لايتحدث ويتجنب القيادي الاخر
فلان ، وانه سمع القيادي فلان عند الغداء ينتقد علنا فلان من
القياديين ، وتحول الهمس تدريجيا الى ثرثرة ، امتدت عبر المفارز الى
المقرات الاخرى . وتحول القياديين الى موضوع رصد دائم من الجميع
ومتابعة للزلات والأخطاء في السلوك اليومي ، في الصغيرة والكبيرة
التي تصدر منهم ، لتكون موضوعا للسمر ، وبتكرار نقلها شفاهيا ،
كبرت القصة وتضاعفت فيها المبالغة بالغزل والعجن .
برزت في هذا الجو ، او انها كانت موجودة سابقا ولم ينتبه اليها الانصار
لولا الفضول ، ان قلان مثلا لديه شلة من ولايته ، عندما يتحرك ،
كملكة النحل يطير خلفه وحوله زنابير الولاية . وطنيين خلية النحل هذه
، يختلف عن طنيين الخلية الاخرى ... وهكذا .
ولم يكن هناك اي متنفس لهذا الوضع ، الى ان انبرى (ابو الصوف )
( * ) في يوم من الايام ليعبر عن هذا
الضيق الجماعي بالقيادة التي كثرت حولها الثرثرات ، بتصفيط اغانيه
الساخرة المعروفة بالقيادة ، التي انتشرت بين الانصار كالنار بالهشيم
،
وكان ابو الصوف يردد اهازيجه هذه في كل وقت وجلسة سمر ، يحضر
اكثريتها القياديين وكان المرحوم مهدي عبدالكريم يرتاح جدا لهذه
الاغاني ويستلطف ابو الصوف شخصيا ، لاسيما الاغنية التي كانت تتناول
شخصية المرحوم (مله علي )، ولم يكن كل القياديين على شاكلة مهدي عبد
الكريم في الاريحية واخذ الامور بالبساطه وطيبة القلب وسعة الصدر ،
منهم من لم يكن يعجبه البهذلة المستمرة التي يثيرها ابو الصوف ،
فاتخذت بعض الاجرائات ذات الروح الستالينيه التي كنا معتادين عليها
للحد من ظاهرة الثرثرة المستفحلة بين صفوف الانصار ، وجرد لسبب ما
ابو الصوف من السلاح ربما كانت عقوبة له على طول اللسان على الاكثر
، لست متأكدا ..
( 10 ) - عجبا في بالتوك الينابيع ، نختلف في معنى و جدوى الشهادة
الاقدام على التضحية واسترخاص الحياة والشهادة ، اشياء لاتلد مع
البشر ، لأنها فعل نفي للحياة ، فعل يبقى غريبا تقاومه الطبيعة
البشرية بالمطلق ، اي انها ليست فطرية كما هي حب التواصل والبقاء في
الحياة عند الانسان والحيوان على حد سواء ، ومشاعر الخوف من الموت
والفناء غريزة طبيعية واصيلة ،
فالشجاعة والاقدام على ولوج مواقف قد تؤدي به الى الموت ، هي صفات ضد
الطبيعة وتسمو عليها اذا كان الثمن هو التخلي عن الحياة ، الشجاعة
هي جزء من اخلاق واعراف اجتماعية وقيم جمعية محلقة جدا ، تكتسب
بالتربية والتمرين والتدريب والمعايشة مع الاخرين ، وتمتحن وتستعرض
لترهيب المقابل في مواقف الاحتدام ، في الجوهر هي صفة ضد الضعف وروح
الآقتحام الفردي عند الجماعة ،
الانصار المقاتلون ، لايدخلون المعارك من اجل أن يموتوا حبا بالموت
والشهادة ، بل يدخلون المعارك بثقة عالية بالنفس من انهم هم الذين
سينزلون الموت بالآخر من اجل تحقيق هدف بقائه المهدد ، انه لايشعر
في ساحة المعركة الا بغريزة القتال دفاعا عن بقائه ، ( اقتل والا
تقتل ) ، منهم من يقول انه مبدأ شرير ووحشي ، لكن ماذا نفعل ؟ هذه هي
قواعد الحرب التي وضعها وفرضها علينا المقابل .
فالشجاعة التي يبديها الجندي التقليدي في الجيوش الرسمية في الحروب
، يكتسبها بالتدريب العسكري العنيف وغسل الدماغ لسلب الارادة ،
ومسخ مشاعره الانسانية ، فيحول الى مجرد آلة قتل طيعة بيد من هو
اعلى منه رتبة ، تفكيره ووعيه معطل ، يتلقى ولايبدع ، هناك من يفكر
عنه ، يوحهه الضابط الى التهلكة الاكيدة في المعركة دون ان يعترض
.، فالضابط يطبق خطة عسكرية في المعركة يعرف وحده مداها ، ويعرف
مسبقا عدد الضحايا المحتملين من الجنود البيادق الذين يزجهم فيها .
يختلف النصير عن الجندي العادي ، انه شيوعي في الاساس ، اي واعي وعلى
درجة لابأس بها من الثقافة عموما ، ويعرف ماذا ولماذا يفعل ، ويناقش
أحيانا ليقتنع ، يعرف لماذا يقاتل ، ولماذا يدخل المعارك ، يضاف لهذا
انه لايختلف عن الجندي في التدريب على السلاح واللياقة و أمتلاك
تكتيك خوض المعارك ، ولكن بوعي مختلف ، ويمتلك حيزا في الأ بداع
والارادة عند التنفيذ .
لم يختلف الانصار على معنى البطولة ، البطل هو من اجترح اعمالا شجاعة
وجريئة في المعارك الميدانية ، او قام باعمال فذة اثرت ايجابيا في
مجرى احداث حاسمة ، وقمة البطولة هي الشهادة أي بالتنازل عن حياته من
اجل هدف نبيل ، ينصر استمرار الحياة بشكل افضل ..
أذكر بطريقة استشهاد الرفيق الفنان ابو ايار كنموذج ، لانه سجل
ملحمة فذة في التضحية عن وعي بأعز وكل مايملكه الانسان في هذه
الدنيا ، عند ما وضع في موقف الاختيار ، اما ان يحافظ على نصاعة
شيوعيته من التلطيخ بالانتحار قبل ان يسقط بيد العدو وهو جريح عاجز
وضعيف ، او يستسلم لينقذ حياته ويترك مستقبله للأحتمالات المفتوحة
، من المؤكد اختياره للأنتحار كان سريعا وحاسما ليصون شيوعيته
ومبادئه التي هي كل تاريخه في حياته القصيرة التي عاشها ، اختار
الانتحار من أجل الابقاء على حياته المثال ، اي تاريخه المشرف كما
يفهما . .
طبعا هذا موقف صحيح من جدوى الشهادة من وجهة نظر شيوعي وضع بموضع
الاختيار ، يتناقض ويتعارض مع موقف بعض الاخوة الذين سمعت منهم في
غرفة ينابيع العراق البالتوكية، ويؤكدونه في مناسبات اخرى ، من ان
ما معناه ، أن الكينونة الذاتية المجردة ( الوجود ) هي الاهم والجديرة
بأن نلتفت اليها ويحافظ عليها لاننا لانملك عداها ، نفقدها ندخل
العدم ، وعليه يجب ان نبقى احياء و تحت اية ظروف ، حتى اذا كان الثمن
هو الخيانة ( في حالة الشيوعي الاعتراف على رفاقه والحاق الضرر بهم
التي منها احتمال التسبب بالموت لهم ) ولا ضرر من التخلي عن
الافكار و المباديء مهما كانت نبيلة فهي لاتعني شيئا بمقابل ان
تبقى على قيد الحياة ،
هذا يجرنا الى موضوعة سارترية يناقشها سارتر من زاوية فلسفته ،
قرأتها في مسرحية من مسرحياته المترجمة للعربية في ايام الشباب ،
اعتقد اسمها ( الايدي القذرة ) او غيرها لا اتذكر ، وهي وجهة نظر
موجودة على كل حال تدور حول محور الوجود والعدم ، وبالجوهر تلتقي مع
الافكار التي طرحها الرفيق العزيز ، لكنها ليست وجهة نظر شيوعية ،
وتتناقض معها تماما .
مالك سيف مات وانتهى الى مزبلة التاريخ من اليوم الذي اعترف به وسلم
الحزب بكامله الى جهاز التحقيقات الجنائيه ، وبقي بعدها محافظا على
حياته البيولوجية الى ارذل العمر ، اما الرفيق فهد فمازال حيا
بافكاره بيننا الى الان ، وهو الذي قدم من اجلها بوعي حياته .، اذا
الاختلاف هو ماذا تعني الحياة.لكل شخص .؟
وفي الغرفة حول نفس موضوع الشهادة ، يستكثر البعض على بعض الشهداء
منحهم شرف هذا اللقب ، و في رأيي ( و الذي لا يتعارض كما اعتقد مع
موقف الحزب من هذه المسألة ) ، ان النصير بمجرد ان يقرر التوجه
الى مواقع الانصار لحمل السلاح ، يصبح مشروعا للشهادة من اجل قضية
نبيلة ، ان سقط قتيلا في المعركه ، او فقد حياته في الثلوج ، او
اغتيل ، اومات في المقرات الخلفية جراء المرض ، او لأي سبب آخر فقد
حياته من اجلها وهو يناضل في ساحة المعركة ، كل الشهداء متساوين
تماما ، لاافضلية لاحد على احد ، ولايعنيني ، بل من المهزلة ان
نقسمهم الى طبقات كما يحلوا للبعض ، استنادا الى التفسير او الاصل
الديني لكلمة شهيد ، وكما يحدث الان في موقف النظام من الشهداء ،
وتقسيم الضحايا الى ضحايا ما بعد 1968 يعتبرون شهداء تصرف لهم
مستحقاتهم التقاعدية ، وما قبلها بمعنى لاامكانية للصرف على عوائلهم ،
اي لا امكانية للأعتراف بهم .
( 11 ) – اقوى هزة ارضية
أحداث 1 أيار 1983 في بشت آشان ، كانت بمثابة أقوى هزة زلزلت الارض
تحت اقدام الانصار ، وحولت المياه التى كانت راكدة في الاناء الى
امواج متلاطمة داخل نطاق منظمة الانصار، والحزب عموما اينما كان
متشرا ، في عمق الداخل او اسقاع الخارج على حد سواء ، وأصداء فضاعة هذه
الهزة الكارثة مازالت تتردد في كل شهر أيار ، من كل عام جديد .
ذهب ضحية هذه الواقعة من الانصار 65 شهيدا من بينهم نصيرة واحدة ، و
أكثر من 65 نصيرا بمستويات حزبية واختصاصات مختلفة وقعوا في
الاسر ، أكثريتهم امضى ستة أشهر ، وقلة منهم خرج في البداية ، بعد
المساومة و تبادل اسرى الطرفين بعد انتهاء القتال ،
الحرب بطبيعتها بلا شرف و لااخلاقية ، تبرر وتستند على خديعة الطرف
الاخر والغدر به اينما حانت الفرصة لتحقيق النصر عليه ، والحزب
عندما يدفع الى ان ينزل الى ساحة الحرب يجب ان يكون على دراية عميقة
بهذه الحقيقة ، لاان يعرفها ويحفظها عن ظهر قلب فقط ، بل المطلوب ان
يسترشد بمعارفه هذه ويهتدي بها في كل خطواته وهو في لهيبها ،
فالحذر يجب ان يكون متواصلا ، لامن التحرك الواضح للعدو الذي امامه
، هذا امر بديهي ، بل الشك الدائم بنوايا حلفائه الذين يقفون الى
جانبه ومن خلفه ، ( وهذا ايضا لم يكن مخفييا عنه ) ، و يمتحن مدى
تماسك تحالفه معهم امام مغريات المكاسب التي قد تقدمها السلطة لهم
بالمقابل ، وقد ظهرت هشاشة هذا التحالف عندما كان الثمن هو الحزب
الشيوعي .
كل مظاهر وتجليات وفوضى انكسار الجيوش في الحرب كانت واضحة على
الانصار والحزب بعد الخروج من نيران الاحداث ، الهزه فرزت بقوة
العناصر التي بقيت متمسكة بالحزب والمنظمة ، عن العناصر التي ارخت
قبضتي يديها من مواصلة التمسك ، وتحولوا الى اناس تكاد لاتعرفهم
، وقفت بالطوابير مع المرضى والنساء ووجهها نحو منافذ الخروج
للهروب من القيامة التي حدثت ، وهي تترك الساحة بتزاحم افواجا
افواجا وعلى ظهورها حقائيهم الصغيرة المحمولة . ،
بعد هزة بشتاشان لم يعد بالامكان اخفاء التناقضات والخلافات الخفية
التي كانت موجوده فيما بين اعضاء اللجنة المركزية وقيادات الحزب حول
عدد من القضايا العقدية التي منها كما ذكرنا الخلاف في الموقف من
الحرب بعد ان تحولت ايران من الضحية المعتدى عليها ، الى مواقع
الهجوم والاصرار على مواصلت الحرب بعد ان طردت الجيش العراقي من
اراضيها ، فانفجرت الى العلن كل الخلافات الاخرى المتعلقة بهذا
التقييم . كاعادة النظر في العلاقة مجددا بالنظام على اساس الوطن
مهدد و هو في خطر ، وضرورة العودة الى احضان النظام ، واحضان الجبهة
الوطنية ، كان كل شيء مربك وخارج من تحت السيطرة ،
فملكات النحل التي كانت تقود بدايات الشلل و التكتلات من قيادات
الحزب بدأت تشق طريقها نحو الخارج ( خارج الحزب وخارج الوطن )
تجر من خلفها حاشيتها من زنابيرها الطنانه التي اعتادت ان تطير
دوما حولها ،
وبعد هذا الحدث الكبير في حياة الحزب ، عوقبت بعض القيادات على
مواقفها الضعيفة في الازمة ، وتسلق بعض القيادات الى مراكز لم يكن
يستحقوها ، وقد جرت في هذه الفترة الفوضوية سلسلة من تصفية حسابات
قديمه وعملية أذلال البعض ، اتسم بالهستيرية والظلم واللامبدأية
وعدد م العدالة ، الكل مسؤول عنها قيادة وقواعد الانصار ، فالهزة لم
تكن هزة عابرة ، بل هزة عميقة جدا طالت الاخلاق والاعراف الحزبية التي
كانت و تركت اثارها العميقة على مسيرة الحزب اللاحقة ،
من ايجابياتها التي تذكر ، انها شذبت الحزب و منظمة الانصار من
العناصر التي ماعادت بامكانها المواصلة ، وابقت على النخبة النوعية
المجربة في المحن ، التي استمرت الى نهاية الحركة. .
ان الحكمة كما يقولون تأتي للمرء في النهاية بعد فوات الاوان ، وفي
ظرف جديد بحيث لايستطيع الاستفادة الشخصية منها ،
ان الزمن اردنا ذلك او لم نرد سيزيل حتما الأثار النفسية العميقة
التي تركتها الكارثة ، لاسيما عند الذين عايشوها ومن كان من
ضحاياها ، و ستصبح بالتقادم من التاريخ الذي يروى عن مرحلة صعبة
مرت ، هكذا تقول قوانيين الحياة ، وستحل محلها مصالح اللعب السياسية
، وتحالفات جديدة لجيل ولد بعد احداث بشت آشان مع ابناء عدو الامس
وصديق اليوم ، ولربما عكسه.غدا.... الى ما لانهاية ، واذا كانت بشت
آشان ننظر اليها بعيون اليوم كحقيقة مرة عشناها ، فهذه الحقيقة لن
تكون كذلك غدا ،
مع تقبل هذه الحقيقة ، لتبقى الأوراق التي سجلت عليها دروس بشت
آشان ، دروس مفيدة تستحق ان نتذكرها ونسترجعها دائما بعقل منفتح ،
مادمنا تتعامل الى مالانهاية مع لعبة اسمها سياسة .
(*) – ذكرت ابو صوف بالآسم لانه في تقديري شكل ظاهرة خاصة في قاعدة
(ناوزنك ) و( بشتآشان ) كان يجب الاشارة اليها بالتحديد ، ولايمكن
تناولها دون تخصيص كما كانت رغبتي هي في الابتعاد عن الشخصنه ، لكنه
فرض نفسه كالأبليس ، لأن أهازيجه كانت تعبيرا عفويا وصادقا عن مزاج
ومشاعر الانصار في ذلك الوقت .، وكان بهذا الشكل وذاك صوتهم الفوضوي
المدوي كما يقولون .
|