|
وجبة غذاء
في احد مقرات الأنصار
تقي
الوزان
في ريف
كردستان يسمى كل من له علاقة بالصحة دكتور , من حارس المستشفى حتى طبيب
الاختصاص, ودكتور شاكر كان يعمل موظف صحي في إحدى مستشفيات بغداد , و
بالكاد كان يعرف زرق الابر , إلا انه اكتسب خبرة طبية عملية في كردستان
. وجهه اقرب للاستطالة , لونه حنطي لامع ويعتني ببشرته , كان يرغب أن
يطيل لحيته مثل بعض الأنصار , إلا أن نعومة شعر وجهه تمنعه من ذلك ,
كان وسيما وأنيقا , ويحب دائما أن يظهر خصلات من شعره الأسود السبل من
تحت الجمداني , لباس الرأس الكردي . ورغم تجاوزه الثلاثين , الا انه
يبدو اصغر بكثير . نودي عليه بعجلة عندما كان يغسل وجهه بعد نهوضه
صباحا , لمعالجة حالة طارئة , حيث احترقت كفي " سرجل " خفر الخدمة
الرفاقية , وهو يجهز الفطور .
كنا في "
كرجال " مقر قاطع سليمانية وكركوك لأنصار الحزب الشيوعي , والمقر يقع
في قطع صخري حاد وعميق خلف شلال مصيف احمد آوه , وهي آخر منطقة عراقية
على امتداد الطريق النازل إلى قضاء مريوان الإيراني ,والمقر عصي على
قطعات الجيش العراقي ومدفعيته , ولا يسقط في الوادي إلا قذائف المدفعية
التي تقصّر في مداها, عندما يتبادل العراقيون والإيرانيون القصف
المدفعي وقت اشتداد الهجمات بين الطرفين . كان الفطور ذلك اليوم دسما ,
بعد أن اقنعوا الإداري علي عرب ليصرف لهم مواد الخبز المقلي بالدهن
ويرش عليه بعض السكر . وبعد أن أكمل " سرجل " إنجاز عدة أرغفة من
الخبز , تشتت ذهنه , وبدل أن يمسك العجينة من طرفيها ويتركها تنساب في
الزيت , انزل كفيه التي تحمل العجينة المفتوحة في الزيت المغلي ,
وانشده الجميع لصرخته التي طغت على كل شئ . أخذه الدكتور شاكر إلى غرفة
المستشفى لعلاجه , واستمر الرفيق أبو عناد الذي كان يساعده في إنجاز
الباقي من الأرغفة .
أبو عناد
أصبح آمر مفرزة متحركة في الفترة الأخيرة , وهي مفرزة جاهزة لتقديم
الإسناد عند طلب المساعدة من قبل السرايا والأفواج من مقر القاطع . كان
ابو عناد في طبعه لا يعرف السكون , كان يشعر إن سبب وجوده في الحياة هو
مواصلة العمل , وبكل أشكاله , وفي فترات راحته كان يلتهم الكتب
الموجودة في مكتبة القاطع , ويشارك بنشاطات ثقافية منها العمل في
مسرحيتين , وبسبب تدفق الطاقة عنده , اتهمه البعض ان وراء هذا النشاط
رغبة في الحصول على صفة حزبية أعلى .
لم نأخذ
المبادئ الشيوعية فقط , والتي تعني الانتصار للفقراء , بل أخذنا
بتقاليد وأساليب بناء الأحزاب الشيوعية , وكانت القيادة لمنظري أحزاب
دول المنظومة الاشتراكية التي تقود السلطة في بلدانها , وبالذات
الاتحاد السوفيتي , وما رافق هذه السلطة من تطور في أساليب العمل
البيروقراطي الذي أدى إلى انهيارها , وكان احد تجليات هذه التقاليد
تقديس الصفة الحزبية . وبدل أن يكون منح الصفة الحزبية نتيجة لحاجة
هيكلية الحزب وإمكانيات الرفيق , أصبحت تمنح كدرجة وظيفية , ورفعها عن
الرفيق عقوبة توازي في أكثر الأحيان عقوبة الطرد , وخلق هذا مجموعة من
العاطلين المتموضعين في هذه الصفات الوظيفية . ورغم اعتماد الحزب ومنذ
مؤتمره الخامس على تنشيط الديمقراطية , واعتماد الانتخابات الحزبية
كأساس في تحديد الصفة الحزبية , إلا ان آثار أساليب العمل السابقة وما
تركته من ترسبات , أعاقة الكثير من التطوير الذي كان يعوّل عليه للنهوض
بعمل الحزب , ولا تزال القدسية للصفة الحزبية هي الأهم لدى البعض,
ويستمدون منها توازن وجودهم . إلا ان أبو عناد وعند اشتداد المواجهات
مع قوات النظام , واستبساله في كل المعارك التي شارك فيها بدد هذه
التقولات التي أرادت الانتقاص من نقائه , وبقى هذا النقاء ليس في ذاكرة
رفاقه فقط , بل وفي ذاكرة الرفاق في البارتي والاشتراكي الذين شاركوه
هذه المعارك .
ابو عناد
يمتلك روح النكتة , وعلاقته جيدة بالجميع , اقنع صديقه إداري الموقع
علي عرب , بأنه صاحب موهبة شعرية. وعلي عرب من ديالى خريج ثانوية
الزراعة , ويعمل في احد الدوائر الزراعية في المحافظة , القي القبض
عليه عام 1980, وبعد تعذيب بشع اجبر على توقيع التعهد سئ الصيت بعدم
العمل مع الحزب الشيوعي . كان حريصا في إدارته للمواد التموينية لدرجة
تقارب البخل , كان يعطي الأرزاق المخصصة لذلك اليوم للرفيق الخفر مع
تجهيزات الفطور , لكي لا يطلب الرفيق أكثر عند قدوم مفرزة أو ضيوف
آخرين , ويأكل الضيوف من الحصة المخصصة لرفاق المقر , ودائما عنده
زيادة في الأرزاق . اقترح عليه أبو عناد أن يسلم حبات الفاصوليا
المخصصة لكل رفيق بالعدد , بعد أن يحسب عددها في علبة المعجون المخصصة
لكل خمسة رفاق , منعا لحدوث زيادة لا سامح الله بين علبة وأخرى , وأضاف
دكتور شاكر : ونمشيه على الحمص والعدس إذا ضبط الحساب. لا احد يتضايق
من ( حرص ) علي, بعد أن شاهدوه كيف اخذ ينشج كالطفل عندما أعيدت له
عضوية الحزب . وعلى اثر الجريمة التي ارتكبها الاتحاد الوطني بحق
الشيوعيين في بشتاشان , وظهور جلال الطالباني مع صدام سوية , انتفضت
شاعرية علي , فكتب قصيدة فيها كل بحور الدنيا ومحيطاتها إلا بحور الشعر
, ولم اعد أتذكر إلا مطلعها الذي يقول فيه : " والتقى الكبشان ....
صدام وجلال " , ولحنها أبو عناد بحرفية لا تقل عن حرفية نظم علي ,
وأقنعه بإلقائها في كل الاحتفالات الوطنية .
عاد دكتور
شاكر الذي يخلف سرجل في الخفارة لاستلام المطبخ من أبو عناد . كان شاكر
حتى في خفارته منظما , نظيفا , يضع الأشياء في مكانها , وكان يحب الصور
الفوتوغرافية أيضا . استعار من احد الأصدقاء في قرية احمد آوه القريبة
كامرة صور فيها بعض أللقطات , ونتيجة اعتزازه بحياة البيشمركَة أراد أن
يوثقها بأخذ عدة صور مع البغل , وطلب من الرفيق مسئول الإعلام في
القاطع أن يستخدم خبرته في اختيار أللقطات وزوايا التصوير, وبعد اخذ
عدة صور , فوق البغل , وبجانبه , وكيف يشد الحمل عليه , أو يعلفه .
أرسل الفيلم إلى إيران لغسله وطبعه , وعادت الصور بعد عدة أسابيع , ولم
يكن دكتور شاكر في الصور , بل البغل وحده .
طلب شاكر من
سرجل الذي لف كفيه أن يذهب إلى قاعة الفصيل ليرتاح , ولكن سرجل فضل
البقاء في المطبخ , ورغم آلام كفيه اعتذر لشاكر الذي كلف بالخفارة قبل
يومه . سرجل حساس ورقيق , ولا يعرف أن يضمر أو يسئ , ترك دراسته
الجامعية في بغداد اثر الهجمة على الشيوعيين عام 1979 , وعاد إلى
مدينته خانقين , وبعد عودته بثلاثة أيام اضطر للاختباء في غرفة صغيرة
لعدة اشهر , وهذه الفترة الطويلة ولدت عنده حالة من الانشغال مع ألذات
تمنع عليه التواصل مع الآخرين في بعض الأحيان , أو كما يسمى في الشعبي
( يسرح ) . قبل فترة اكتشفت شبكة تجسسية للحكومة في ( كرجال ) , كانوا
أربعة أشخاص , توزعوا بالنصف بيننا وبين البارتي المقابل لمقرنا . وبعد
إلقاء القبض عليهم حاولوا إشراك اكبر عدد من الرفاق معهم , ومن بين
الذين اعترفوا عليهم رفيق بغدادي معروف بذكائه وخفة دمه وحبه للنكتة
يدعى ستار . وللاحتياط أودع ستار معهم في غرفة السجن , واختير سرجل
ليكون معهم كسجين أيضا , عسى أن يسمع منهم شيئا , أو يستدرجهم للبوح
بأي شئ يستفيد منه التحقيق .
أنطرح سرجل
بين ستار والسجينين الآخرين , وندار إلى صديقه ستار , واخذ ( يستدرجه )
, وبعد دقائق , وضع ستار كفه فوق كف سرجل , وقبل أن يستوعب سرجل سر هذه
الحركة المريبة , دفع بيد سرجل بين فخذيه , انتفض سرجل وصرخ كأن أفعى
لدغته , اتكأ على الباب وقابل ستار , وغرق الاثنان في الضحك . طلب من
الحرس أن يأتيه بأحد رفاق القاطع , وبعد دقائق قال لرفيق القاطع : رفيق
ما اكَدر بعد , البرغوث أكلني . وبعد يومين , ذهب سرجل حرس مع ستار
لجلب الحطب من غابة صغيرة تقع على يسار المقر بنصف كيلومتر , وعاد سرجل
يحمل الحطب , وستار خلفه يحمل البندقية .
ونجح مكتب
القاطع عندما بعث الرفيق احمد عرب للالتحاق ببهاء الدين نوري , الذي
خرج من الحزب وأراد تشكيل تنظيم جديد , أو كما يسميه البعض ( انشقاق )
, وحصل احمد على عضوية المكتب السياسي عند بهاء , ونشط في سهل شهرزور ,
وبين قريتي آلان وحاصل المتجاورتين , عثرت عليه مفرزة من سريته التي
كان مستشارا سياسيا لها , وهي من وحدات الفوج التاسع الذي يشرف على
عمليات شهرزور ومحيط مدينة السليمانية . احمد عرب كان شديد الالتزام
بتنفيذ التوجيهات الحزبية أو الأنصارية , وكانت شدة لا تستقيم مع
صعوبات حياة البيشمركَة , وولد هذا بعض النفور منه من البيشمركَة في
السرية . ومن سوء حظه أن تعثر عليه هذه المفرزة بالذات , التي فرحت
بذهابه مع بهاء . طبعا لا احد يعرف بإرساله غير مكتب القاطع , اعتقلوه
, وهو لا يستطيع أن يخبرهم بأي شئ , وحتى لو اخبرهم , فمن الذي سيقبل
أن يصدق ؟ والى أن وصل إلى مقر القاطع , ولسان حاله يقول : ألف برغوث
من براغيث سرجل , ولا عذاب هذين اليومين .
سمعنا صوت
انفجارين خفيفين , هرعنا إلى المطبخ الذي تركناه للتو خلفنا , سحابة
كثيفة من البخار , تطايرت بعض الأتربة , أعشاب وأوراق يابسة تتزاحم وسط
البخار والتراب , كان فوق الموقد ثلاثة صفائح حليب ( نيدو ) مفتوحة
تخرج نافورات البخار , وتطايرت حبات الفاصوليا من الصفائح إلى السقف .
الرفيقة هدى شقيقة الشهيدة عائدة ياسين -وهي طباخة ماهرة – اقترحت على
الدكتور شاكر أن يطبخ الفاصوليا ( بجدر ضغط ) لكي تكون الفاصوليا أطيب
, ولما لم يكن في القاطع جدر ضغط , استبدل بصفائح النيدو , وفاتها أن
تخبره بان عليه أن يحدث عدة ثقوب في غطاء العلبة , فانفجرت العلب ,
وذهبت الفاصوليا هباء . كان دكتور شاكر مترب وكأنه خرج من معركة لتوه ,
والإداري علي عرب أشبه بمن فقد عزيزا عليه , ليس على تأخر غذاء الرفاق
طبعا , بل لكونه سيصرف وجبة غذاء جديدة . عطف عليه أبو عناد وقال : ولا
يهمك أبو حسين , آني والشباب نصعد نلطع حصتنه بالسكَف , والباقي وزع
للرفاق , بس كون أتدبر درج . ضحك سرجل من أعماقه , وقال : هم راح يكَول
الرفيق علي بسبب سرجل . واعتذر للدكتور شاكر على خراب شياكته .
استشهد شاكر
في معركة غير متكافئة بين مفرزة شيوعية وقوات الجحوش في دربندخان ,
واستشهد ابو عناد وعلي عرب في المعارك الشرسة التي خاضتها قوات
الأنصار مع قوات الجيش أثناء عمليات الأنفال المجرمة . وأكون شاكرا لكل
من يزودني بالأسماء الصريحة لهؤلاء الشهداء , او معلومات عن حياة
وشخصية هؤلاء الأبطال , إكراما لتضحياتهم وبسالتهم التي يتشرف بها جميع
العراقيين .
Wz_1950@yahoo.com
|