" نيف ساعت" ...معركتي الأولى في
كردستان علي بداي
"ابو وليد"
الى رفاق الرحلة الشهيد خليل، أبو إدراك ( أحمد لعيبي) ، أبو عبود (
زيدون صبري)، أبو آذار (عقيل الهيتي). بدت الصورة غاية في الغرابة
والتناقض ، ففي حين تفتحت كردستان أمامنا بخضرتها الفسيحة وخرير مائها
المتسلل بين الأقدام وقهقهات طيور القبج، كان لزاما علينا أن نشيح
بأوجهنا عن كل هذا الجمال لننزوي النهار كله في أكواخ مظلمة تعج
بالبراغيث بإنتظار الظلام الكثيف الذي سيسرق الوان الطبيعة ويخرس
الطيور ويتركنا مع صرير الحشرات الجبلية نتبع بألية خطى الدليل الذي
لانفهم منه شيئا سوى الأشارات.
كانت جبال كردستان بالنسبة لي ثاني الجبال التي أراها بعد جبال لبنان
بحمدون وعالية والناعمة وهناك كما الأن لم تشكل الطبيعة شيئا من
برنامجنا الحياتي ، هناك أيضا كنت مطاردا بلا الناهية .. لا تبتعد ..
لا تجلس في هذا المقهى .. لا ترتق تلك الرابية ، لا ولا ولا.....
في تلك التخوم الحدودية الخالية الا من الرعاة وقوات العسكرحيث بدأنا
بالزحف باتجاه بوابة الوطن غاب شيئان أساسيان :أولهما أوليات اللغة أي
اساسات التفاهم ، فهل كان صعبا أن يزود القادمون بمعرفة أولية بلسان
الادلاء ؟ لو سافر المرء سائحا لأسبوع سيكون عليه تعلم المفردات
والعبارات الأساسية التي تنقذه من التيه فكيف إذا كان متوجها في مهمة
طويلة محفوفة بالمخاطرلايعرف مداها؟ منذ تلك اللحظة ترسخ الأعتقاد لدي
- وكم كنت مخطئا- أن وجودنا في كردستان لايمكن الا أن يكون مؤقتا جدا،
فلابد أن كل شئ معد للتوغل السريع الى الداخل ، فنحن طيلة وجودنا في
لبنان لم نأخذ موضوع اللغة الكردية بجدية إطلاقا بل لم يكن هذا الموضوع
ليخطرعلى بال أحد مما رسخ الاعتقاد ، إعتقادي على الاقل، أن كردستان
ليست سوى كلمة سر للتوزع السري السريع على إمتداد العراق . أما الشئ
الأساس الثاني الذي غاب فهو سلاح شخصي صغير لوقت الضيق، وهي أيضا
مفارقة أن تتوجة لممارسة الكفاح المسلح عبر ممرات سرية خطرة منزوع
السلاح بل منزوع السلاحين: اليد واللسان!!
بمجرد مغادرتنا أخر بيت في أطراف القامشلي إختفت ألسنتنا وعدنا الى
بدايات الحياة قبل أن يتعلم آدم اللغة ، كنا نتفاهم عن طريق إشارات
وتراكيب لغوية لايجمعها مع بعضها نحو ولا رابط ، نعدو خلف الدليل
كمشدودين بخيط خفي ، يهبط نهبط خلفه، يقف نقف وراءه ، مرة أشار الينا
بيده وإنعطف فانعطفنا خلفه فصاح بنا انه يريد أن يقضي الحاجة ، ثانية
كان دليلنا راعي إسمه"عثمان" وكان شابا لطيفا ظل يراقبني أثناء
الأستراحة وانا أفرش أسناني ، وحين أنتهيت طلب مني بإشارة من يده فرشاة
الأسنان لتأملها فيما إنصرفت أنا ارتب حاجياتي بعد لحظات إنتبهت الى أن
"ابو آذار" كان يغص في ضحك حاول جاهدا أن يحبسه وهو ينظر الي، كان
عثمان قد إنتهى للتو من وضع معجون الأسنان على فرشاتي وقبل ان أتمكن من
فعل أي شئ ، أو إطلاق صيحة تحذير دس فرشاتي الوحيدة العزيزة في فمه
وبدأ يقلد ماكنت فعلت، ماكان لي ان أغضب فالمسكين يرى الفرشاة لأول مرة
في حياته وربما قارنها بما يقال عن إثنين متفاهمين: يأكلان من صحن واحد
، فأراد ان نفرش بفرشاة واحدة.
فكرت ماذا لو إنقطع الخيط ؟ ماذا لو مات الدليل فجأة ؟ من سيمسك بالحبل
ثانية في هذه الجبال الخالية الامن دوريات الجيش التركي وبيوت الرعاة ؟
أدرت برأسي على نحو مفاجئ نحو رفاق الدرب : أبو إدراك ( أحمد لعيبي) ،
أبو عبود ( زيدون صبري)، عقيل الهيتي( أبو آذار) قائد المجموعة والشهيد
خليل الذي استشهد لاحقا في ديالى. كانت الأمور تسير بإنتظام دون أن تدع
مجالا للشك بتوقع حدوث خطأ ما ، دليل يسلمنا لآخر والآخر يسلمنا لثالث
دون أن نفهم شيئا أو نهتم لشئ ..ناموا ننام ... أستعدوا .. نستعد ..كلوا
نأكل ..كل شئ بلغة الأشارة .
كانت ظهورنا مثقلة بالأحمال ،ملابسنا وحاجياتنا الشخصية، بطانيات ،
أدوية ، سكر وشاي وكتب ، كنت قد حملت معي مجموعة البياتي الكاملة
ومجموعة سعدي يوسف الكاملة التي اشتريتها من مكتبة الفارابي ببيروت
وكتيبات أخرى ، كان الأمر في الساعات الأولى هينا وفي يوم لاينسى
اضطررنا أن نعدو الليل كله وشطرا من النهار، مرة متسلقين وأخرى هابطين
كأننا نطارد غزلانا هاربة ، ثقلت الخطى ، وبدأت الأرجل تتخشب فصار كل
شئ ثقيلا ، القصائد والسطور والفوارز والحروف وهمزات الوصل تشدني للخلف
فالقيت بسعدي في كهف طعاما لأغنام وماعز ستأتي لاحقا، لكن أبو آذار
ساومني: إن كنت تتعهد بالتخلي عن الكتاب لي سأحمله أنا، قلت فرحا : نعم!!
ولكن حين وصلنا المقر إسترجعت الكتاب قائلا : ليس على المتعب حرج !!
وأنت أنتهزت فرصة برهنت خلالها على حبك الطاغي للادب فأشكرك ، ضحك
وأعاده الي.
إستمرت آلية الأستلام والتسليم ، ليل سهران متعب يلقي بنا الى أشداق
نهار مازال يتثائب فنغط نائمين غير مبالين بأيما خطر لنفيق قبل أن
يغادر النهار مستعدين للأنصياع اللامشروط لديل آخر وهذه المرة كان
دليلنا " محمد درويش" .
أتانا " محمد درويش" على تراكتور ، وكان رجلا عصيا على الوصف، وجهه
يشبه وجه تمثال من الجرانيت ولكن شفتاه لاتكادان تكفان عن الحركة،
يتكلم بحماس كما لو كان في مؤتمر وكأننا كنا نفهم كل مايقول ، راح
يتحدث لنا عن " الماركسزم لينينزم" وأبدى أسفه وخيبة أمله لكوننا
لانفهم مايقول ولايمكننا الأحاطة بثقافته الماركسية ، وأستمر بالحديث
الذي لم نكن نفهم منه شيئا فأبدينا بدورنا مشاعرالتعاطف بلغة الأشارة
وكنا بعد قرابة الساعة قد ولجنا مشارف قرية أخرى فترجل " محمد درويش"
وقال هامسا ما معناه: " نصف ساعة وسأعود" " نيف ساعت" واشار الى نصف
أصبعه " نيف ساعت" ،وكرر عبارات فهمنا منها أننا يجب أن لا نتكلم بشئ.
تبعناه الى حيث مدخل دار كبيرة ، سلمنا على شاب خرج لأستقبالنا ، كنا
فرحين بتحررنا المؤقت من لسانه وإتفقنا أن لا نسأل عن شئ مخافة إثارة
الشكوك خاصة وان آخر وصايا " محمد درويش" قبل أن يمضي بتراكتوره هي
إشارة الصمت :
أأأأِششششش ....قالها وهو يضع يده على فمه !
إستقبلنا صاحب البيت مضيفنا الشاب بجمل الترحيب التقليدية التي
تعودناها والتي يصعب التحقق من برائتها من تهمة المجاملة وترجمتها
الحرفية : ان المضيف سيضعنا على رأسه وعلى رموش عينيه وانه سعيد
بوجودنا وأن قدومنا هو الخير والبركة ووووو.. والحق أن مثل هذه
الترحيبات وان كانت تندرج غالبا في إطار المجاملات التي لاتعني شيئا
كأن يقول لك الحلاق " خليها على حسابي" الا أنها تشعر المخاطب بنوع من
الألفة ، وهكذا كان الحال معنا ، فقطعنا المرحلة الأولى نرد جميعنا على
كلمات الترحيب بتكرار عبارة" كلك ممنون " أي "شكرا جزيلا " بصوت واحد
وبأيقاعات مختلفة ، هذه هي ذخيرتنا الوحيدة من اللغة بمقابل رشات
الترحيب الكردية المتلاحقة، وهكذا أستنفدنا ذخيرتنا اللغوية المتواضعة
خلال الدقائق الأولى ولم تعد تنفعنا بشئ.
ليس بالأمر اليسير أن تصمت لنصف ساعة وتكتفي بترديد " كلك ممنون "،
وتبلع الاسئلة التي لاتفهمها ، وتؤلف الأكاذيب، أو تشغل نفسك باصلاح
حزام حقيبتك أو السؤال عن التواليت أو التشاغل مع ابي إدراك ذي الأسم
الغريب والصوت الخفيض الذي لايكاد يسمع ، أو إدعاء البله والصمم لكي
تمر الاسئلة المتلاحقة الى جانب اذنيك دون أن تعيرها إهتماما ،أو أن
تقنع " ابو عبود" أن يكف عن إستعراض معلوماته السياحية فلا يسأل ببراءة"
"جنده ساعت بو موصل؟" ، ربما كان أبو عبود على حق فلابد ان يجد المرء
خلال نصف ساعة مايمكنه من جعل جو المجلس إنسانيا ولكن من ناحية أخرى
لابد ان تمر نصف الساعة الموعودة بسلام فيعود " محمد درويش" لنا دون ..
هاهي ساعة كاملة من الخرس تمر .. وأثنتان ...وثلاث ساعات وتيار الاسئلة
يزداد تدفقا شيئا فشيئا من قبل المضيف الذي أتضح انه ليس على علم
بمهمتنا أو الجهة التي سنتوجه اليها فحامت أسئلته حول هوياتنا : مملكت؟؟
ويقصد من اين أتينا ونحن ننكر انتمائنا لاية مملكة او قومية، لسنا عربا،
ولاكردا، ولا أي شئ أخر ولا نتكلم اللغات التي يعرفونها لا العربية ولا
الكردية أما كيف جئنا الى هنا فكان جوابنا إشارة منا الى أحذيتنا
الرياضية حيث إدعينا لعب كرة القدم ضد فريق "ماردين" ولم تكن هذه القصة
المهلهلة لتقنع أحدا على مايبدو، ولما عجزالمضيف عن استنطاقنا أرسل في
طلب شيخ المسجد الذي كان يتكلم قليلا من العربية الفصيحة فانكرنا
معرفتنا بالعربية لكن الشيخ أوصل لنا رسالة واضحة مفادها ان صاحب البيت
يشك بشرعية وجودنا ويطلب منا ابراز جوازات السفر!!!!!
غادرنا الشيخ وقد خلف في فضاء الغرفة سحابة كثيفة من الشكوك حول حقيقة
وضعنا ،كانت هذه السحابة تسير نحو التكاثف التدريجي مع ولوج الظلام
لتمطر أسئلة لزجة أتجهت رويدا وجهة التهكم بدلا من الأستفسار. وبينما
كنا نحاول الأطالة في النقاش كسبا للوقت فتح الباب فجأة ، ودلف رب
الدارالكبير ومالبث بعد الأستفسار عن حالتننا أن غضب على إبنه فرمى "الجمداني
" من على رأسه وهي إشارة الى ولوج الموقف مرحلة الخطر، فهذا الفعل
الغاضب في التراث الكردي مرادف لرمي العقال عن رأس البدوي وإنخرط الأب
والأبن بنقاش فهمنا من خلاله أن مصيرنا يتوقف على لحظة نفاذ صبر المضيف
الذي راح يطور موقفة ليصيغ الحل الكارثي الاتي:
بما انكم لاتحملون جوازات سفر فساسلمكم للجندرمة التركية !!!
..."باسابورت نيا ...جندرمة هيا......"
كان صدام حسين قد وقع للتو معاهدة أمنية مع تركيا حول تبادل المتسللين
السياسيين وكانت التبليغات تنص بصرامة على تجنب الحديث بالعربية لأن
المخابرات على علم بتسلل العراقيين الى كردستان، قلنا له أتركنا إذن
نخرج للبرية فرفض لأاعتقاده اننا سنعتقل وسنبلغ عنه .. مضت قرابة
الأربع ساعات، لا محمد درويش في الأفق ، وفي لحظة ما من تلك الساعات
العجاف حين كان باب المجلس قبلتنا ومحط آمالنا وباب الفرج المنتظر، فتح
الباب فجأة ووقف الأب والأبن وكل من في الدار فزعا .. ها هو فصل جديد
من التراجيديا يحل. كان القادم الجديد هو الأغا الذي شكل قدومه بلحيته
البيضاء الطويلة وبكفيه الممدودين بكل إتجاه لأنتزاع القبلات وفروض
الطاعة نهاية لحلم التحرر من المآزق . احيط الأغا بالاهتمام والتعظيم
واجلس مكانا خاصا في صدر المجلس الذي بدا يمتلئ تدريجيا بالناس
القادمين من بيوت أخرى، وبعد أن مرت دقائق الترحيب المعد سلفا بتلقائية
،دارت عيون الأغا باتجاهنا مستفسرة وسرعان ماشرع بتنفيذ خطة معركة نذلة،
لاإنسانية، غير متكافئة ضدنا، طلاقة لسانه مقابل خرسنا ، مكانته كأغا
مهيوب الجانب بمقابل ضآلتنا كاجانب ضائعين، سلطته الدينية والدنيوية
مقابل عجزنا الكلي .إنهمك آغا النحس بقص حكايات وطرائف من الماضي كانت
تهزأركان المجلس بنساءه ورجاله وأطفاله ضحكا، ولم ندر إن كانت موهبة
الأغا الكوميدية هي السبب في هستيريا القهقهات أم انه ضحك مفروض على
هؤلاء المساكين طلبا لرضى الأغا ، تجمهر القوم على شكل حلقات متداخلة
في الجانب البعيد من المجلس ، قهقهات النساء المنزويات خلف أطفالهن تصل
عبر أصابعهن التي لاتفلح غالبا في حجب الأسنان الطويلة النخرة المكشرة
، الأطفال واليافعون الذين وجدوا فجأة مايمكنهم الضحك منه.. كانت مهزلة
مرة ..كانت لهجة السخرية التي إتصفت بها حكايات الأغا والتفاتاته
المتكرره نحونا في ذروة كل مشهد كوميدي وتكراره لكلمة(عربه) بين أقصوصة
وأخرى تشي بافتضاح أمرنا واكتسح جمجمتي سؤال خطير : هل ترانا سنساق
لملاقاة مصيرنا كالنعاج؟
مرات، يتأرجح الأنسان في مواقف خاصة بين حدود الوعي والغيبوبة ، الحكمة
والتهور، لايكاد يميز بينهما، تتحرك في أعماقه قوى خفية ومضادات هي
كالأدرينالين تمنحه طاقة إضافية لمواجهة الخطر، كان إحساسي بالخطر
الداهم قد حفز تلك القوى بأعماقي فراحت خلاياي تستنجد ببعضها من أجل
إنارة ولو فسحة صغيرة من الظلام الدامس الذي لفنا . تزايد الشعور لدي
أن الشبكة في طريقها لأن تلقى علينا وان مساحة المناورة التي توفرت لنا
في البداية عبر الأكاذيب والتهربات غير الانيقة من مطاردة الأسئلة
بإنتظارعودة درويش قد بدات تضيق . ألقيت نظرة على رفاق الدرب الجالسين
منكمشين بلا حراك بدرجات متفاوته من الاحساس بطعن الكرامة التي مزقتها
طرائف الأغا
وهكذا وجدتني أنهض فجأة لأخاطب الشاب بصوت متحد وبلغة هي خليط من بضع
كلمات بالكردية والفاظ غريبة وأشارات:
" أزانم باسبورت له دار محمد درويش!!"
إستفسر الشاب مني بتلهف عما أقصده وكأنه وجد في ماأقول ممرا يهرب من
خلاله من ملاحقة اسئلة الأغا وكوميدياته ، أو هكذا تصورت ، أعاد على
السؤال:
"هل تقصد أن جوازاتكم في بيت درويش وهل تعرف الطريق لتلك الدار؟ " قلت
بثقة :
" نعم نحن تورست شرعيون وجوازاتنا هناك وإذا رافقتني سأعود بالجوازات
خلال نصف ساعة.. نيف ساعت" "!!"
وكررت أمامه مافعل " محمد درويش" بأن وضعت سبابة كفي اليمنى على منتصف
سبابة كفي اليسرى.. "نيف ساعت!!"
تبادل الشاب بضع كلمات مع والده والأغا وبدا أنه حمل كلامي على محمل
الجد فقال:
"هيا بنا إذن!!"
لا أدري للان كيف إستوعب رفاق الدرب هذه المبادرة الغريبة فهم يعرفون
أن حكاية الجوازات هي كذبة إختلقناها بعد وقوعنا في المأزق، لكنهم على
مايبدو إستسلموا للقدر مصدقين الكذبة وغير معارضين لطريقتي في البرهنة
على صحتها طالما إنعدمت أية وسيلة أخرى لتحررنا من المأزق
كانت الفكرة التي ومضت فجأة في رأسي جنونية لامثيل لها ولكن لابديل لها
أيضا. كنت أثناء مجادلتي لصاحب البيت الشاب وطلبي منه أن يتركنا نغادر
بيته الى الجبل على مسؤليتنا، قد لمحت مسدسا مدسوسا على عجل الى خاصرته
اليمنى وقد اتجهت حواسي كلها للتفكير بخطة للأستيلاء على المسدس
ومحاولة أستغلاله لفرض شروطنا وهي شروط بسيطة: السماح لنا بالخروج من
البيت الى البرية او الجبل والتخلي عن فكرة تسليمنا الى الجندرمة وهكذا
فكرت في إستدراج الشاب الى " البرية" والتفكير هناك بطريقة للاستيلاء
على المسدس ولكن خطتي كانت أن يصاحبني أحد رفاق الدرب لضمان نجاح
العملية ، رفض صاحب البيت خروج أكثر من شخص ولم يفطن احد من جماعتي الى
مقصدي فيبادر الى مرافقتي كما أنني خشيت مناقشتهم لكي أطمأن صاحب البيت
أن نيتي سليمة تماما ! وقد ناقشت فكرة خروجي بمفردي سريعا مع نفسي
فوجدت أن أقل ماتحققه من كسب هو الكسب الزمني على أمل عودة " محمد
درويش" .
غادرنا الدار والجين دربا لايكاد القمر أن يكشف معالمه وكان المشهد
مخيفا ، ماأن تخطينا القرية حتى جذبني مضيفي من يدي محاولا إفهامي
تعليماته :
"حين أقول لك إنبطح أفعل ذلك !!"
وتيقنت عندها أننا ننام بين شدقي تمساح دون أن ندري، فالقرية التي
نسكنها قريبة جدا من موقع عسكري تركي ،كان صاحبي يتحدث الي بحديث خفيض
غيرمفهوم بيد أني أستطعت أن أتبين منه أن أحتمال الاصطدام بالجندرمة
التركية وارد في كل لحظة ، كانت عيناي تراقبان المسدس ، حاولت أن أفتح
معه حديثا فتعثر اللسان وطارت أنصاف الكلمات التي أعرفها بعيدا عن رأسي
فسكتت، كانت عيناي تتلصصان بخفة على موضع المسدس ، هل سأتمكن من
إنتزاعه منه؟ وبعد ذلك؟ عاد الي بعض عقلي ، عاد المنطق والحكمة ووجدت
ذهني فجأة صافيا وأستمر المونولوج بيني ونفسي : لنفترض أن المحاولة
فشلت ماتراه سيفعل بنا؟ أقل مايمكن تصوره هو تسليمنا مباشرة للأتراك مع
تثبيت محاولة السيطرة على المسدس كتهمة شروع بالقتل، سألني بدون أن
أكون مستعدا:
"في أي إتجاه سنسير ،أين هي قرية محمد درويش؟"
لم انتبه للسؤال وفجأة كما لو أنه قرأ مايدور في رأسي صوب الي نظرة
وطلب مني بلهجة لاتخلو من صيغة أمر: ابق على جانبي الأيسر! لقد أحبط
للتو الجانب المسلح من خطتي ، إتنهى الكفاح المسلح ، بعد الان سوف لن
أكون قادرا على الأستيلاء على المسدس ، أعاد علي السؤال " أين هي
القرية الى أين نتجه؟" قلت بدون تردد الى هناك وأشرت ناحية اليمين فقال
: "لاتوجد هناك قرى"
قلت "إذن الى هناك" وأشرت بيدي الى الجهة المعاكسة ، عدت الى تلافيف
الدماغ ، الى المناورة وتراث معاوية ، يتوجب أن لاتقطع الشعرة بيننا
وهذا الرجل، فقطعها سيلقي بنا الى لجة المجهول ، ولكن كيف السبيل الى
البقاء عليها ، أنه يشد بلا إنقطاع !
وعلى غير توقع لاح من بعيد شبح فجذبني مرافقي من يدي وأنبطح ففعلت
مثله، فصاح بالشبح وتعارفا ثم أنتحى بي الشبح الذي كان مسلحا ببندقية
جانبا وقال :
"من قاسم، بنج هفال يك كلاشنكوف ! دجلت عبور؟"
كانت خطتنا المجمدة بفعل إختفاء "محمد درويش" أن نعبر دجلة في اليوم
الثاني قلت في نفسي: لقد كشفنا وأن لم نكشف فها هو مهرب يعرض تهريبنا
نحن الخمسة مقابل أن نعطيه كلاشينكوف ، ومن أين لنا بالكلاشينكوف ؟ ثم
كيف لي ان أثق بمسلح مجهول الهوية؟ قلت على الفور كلا ..كلا ليست لنا
علاقة بدجله ، عاد قاسم الى الشاب ليتبادل معه كلاما لم أفهمه، ثم مضى
في سبيله.
مضينا في ذات إتجاهنا السابق ، قرابة النصف ساعة بلا جدوى أنا أطلقت
كذبتي الكبرى حول قرية " محمد درويش" والجوازات ومرافقي صدقها درءا
لليأس ، لكني أسمعه الان يقول لنفسه يائسا " لاتوجد قرية محمد درويش"
لا هنا ولا هناك ولا في أي مكان آخر.
أشتدت الظلمة وشعرت فجأة بموجة تعاطف مع الشاب تجتاحني،"لقد ورطناه
معنا " ، شعرت أن كلينا مطارد ،كم هي رخيصة حيواتنا ؟ حيواتنا نحن
الخمسة معلقة الآن بخيط رفيع مشدود بين " محمود درويش" وقريته الضائعة
وهذا الشاب الذي ساقنا القدر اليه هذه الليلة على غير توقع .. ولربما
كانت حياته هو أيضا معلقة بمصيرنا وإحتمال إكتشافنا من قبل الجندرمة
... منذ تلك الليلة تصدع شئ ما كالزجاج في أعماقي، صدع سيتشعب في
الأيام اللاحقة بشكل غير قابل للاصلاح حين سيستمع المسؤول في المقر الى
الحكاية بلامبالاة معلقا بفضاضة " وماذا تنتظر نحن كلنا جئنا هنا لنموت
" لأجيبه " أنا الان في الثالثة والعشرين وأن لدي الكثير مما يتوجب علي
عمله قبل أن أرضى بموت عديم الثمن والمعنى كهذا"
كنت في الثامنة عشرة من عمري مستعدا للموت في معتقل وزارة الدفاع دفاعا
عن كرامتي وصيانة للخمسة وعشرين اسم من اسماء المناضلين الذين أعرفهم ،
لم يرهبني العسكري الذي سحب أقسام بندقيته وصوبها نحوي وانا معصوب
العينين، وحين بلغت الثانية والعشرين كنت ايضا مرة أخرى أستعد للموت
وأتقبله كبديل عن تأييد صدام حسين، وحين أتى صدام للبصرة وأوعز باطلاق
سراحنا على غير توقع شعرت كأنني إنتصرت عليه شخصيا، لكني أحس الأن أن
حياتي رخيصة لاتساوى ثمن نعجة أو دجاجة، أنا ومن معي لا نساوي شيئا على
الأطلاق، نحن رهن للصدفة ، أتراه مصير مخطط هذا الذي نسير اليه؟ كنت
أكلم نفسي حين إنتبهت الى أن مرافقي قد ناداني وهو يشير بيده :
إنبطح... إنبطح.... كان الشبح الجديد قد إقترب منا مسافة لاتزيد على
العشرة أمتار دون أن نحس بوقع خطواته ، أشبه بالجني يرتدي البياض ، صاح
الشاب عليه فعرف نفسه فقمنا ، تقدم الشبح الجديد نحوي، أمسك بيدي
وأنتحى بي جانبا قائلا كلمات كادت أن توقف قلبي:
"من أية مملكت أنتم؟"
كانت لغته العربية سليمة لايمكن التهرب من التجاوب معها، سوف لن تنفع
بعد الأن أكذوبة فريق كرة القدم ، ماالعمل وما التصرف المطلوب لمواجهة
هذه الكارثة الجديدة؟ كرر الشبح سؤاله مضيفا اليه السؤال الأكثر حراجة:
" من أين انتم قادمون والى أين أنتم ذاهبون؟"
قالها وهو يحدق بي بإمعان بإنتظار الجواب ورأيت كيف التمعت عيناه
عاكستين ضوء القمر الواهن ، صمت، لم ادر كيف السبيل للخروج من مستنقع
الأسئلة اللزجة الذي دحرجني اليه .. عالجني بسؤال كلكمة موجعة غير
متوقعة :
" ألستم من العراق؟؟؟"
أردت ن أقول "كلا" لكن الحروف التصقت ببلعومي ، كان الشبح مصرا على
سماع كلمة :نعم ،وبينما كنت أحاول فك عقدة لساني أنقض علي بلكمة أشد:
" ماعلاقتكم بالحزب الكومينيست العراقي؟"
كنت كمن أنتبه الى نفسه فجأة أنه عريان في ساحة عامة ، قلت في نفسي :
اما اننا كشفنا بالكامل أو أن معجزة في طريقها لأن تتحقق، أجبت بالتواء
وتمهل:
"في الحقيقة ،نحن..... أصدقاء للحزب....ولكننا سواح وجوازاتنا لدى "
محمد درويش" الذي يسكن على بعد نصف ساعة" نيف ساعت" من هنا!
قال الشبح:
" لقد أعتقل " محمد درويش" وكان في عهدته خمسة رفاق عراقيين وقد بعثنا
قاسم وهو من مقاتلينا الأشداء للبحث عنهم لكن دون جدوى ، إننا مستعدون
أن نعط أربعين شهيدا على أن تمس رجل أحدهم بأذى ، الستم هم؟ رفاق درويش
الخمسة؟
وجدت نفسي أرتمي عليه بإنفعال وبشبه غيبوبة متأرجحا بين الحلم والواقع
لكني تركت خيطا رفيعا من الشك لم أشا قطعه، الجوازات !! قلت له أن
جوازاتنا بحوزة " محمد درويش"
عاد مرافقي الشاب وأنظم الينا وبد الاثنان حديثا يشوبه الضحك فيما كنا
نغير إتجاه مسيرتنا عائدين الى البيت –المآزق، البيت الذي خرجت منه قبل
ساعتين باحثا عن وهم أسمه قرية " محمد درويش" ولانفذ خطتي الخيالية
بتحرير مجموعتي بسلاح مسلوب ، في الطريق التقينا قاسم الذي غرق في
الضحك وترجم لي المنقذ :عرض عليكم قاسم المساعدة حين قال لكم انه ساعد
امس خمسة رفاق بعبور دجلة بكلاشنكوفه الشخصي، لكنكم انكرتم
وصلنا الدار انا و الشاب يتقدمنا قاسم مسلحا بكلاشينكوفه فهب كل من في
البيت واقفا من هول المفاجأة وعاد الدم الى وجوهنا من جديد ، كان الأغا
قد ولى ،إقتادنا الدليل الجديد الى منزل أخر مريح وفي اليوم التالي
تلقيت رسالة خطية من المنقذ تقول:
" أيها الرفيق العظيم إتصلنا بمحمد درويش ويقول لا يوجد باسبورت"
وكانت تلك هي المرة الأولى والأخيرة في حياتي التي يناديني فيها أحد
بلقب " الرفيق العظيم"