|
زاهد محمد ....
الشاعر والإنسان
محسن ناصر
الكناني

ليس مصادفة أن يخرج الشعراء من القرى أو الأرياف؛ ففي تلك الاماكن،
يمكن للطفولة ان تركض في الآفاق الرحبة، او قرب حافات المياه. فشعراء
العالم هم اطفال تلك القرى البعيدة النائية، يخفون طفولتهم ويعبرون بها
نحو المستقبل. ولا يمكن للشاعر التخلص من طفولته ابداً، فهي تختبئ في
وعيه الباطن وحسناً من قال:
- البلاد التي ليس فيها شعراء تموت من البرد..
وفعلاً:
القصيدة ترسل دفقة محبتها، وحرارتها الى القلوب الظامئة، واضاءة النفوس
بدفقات الامل، والتفاؤل والتمسك بالحياة وقيمها الجميلة، وهي قادرة
بالتأكيد على دحر البرد!
الحي: فضاء مكاني..
ومدينة الحي، التي وجدت نفسها غافية على كتف الغراف منذ فجرها الاول،
عندما كانت قصبة صغيرة، ظلت تتغنى بالابوذية: قصائد العشق لعشيقها
الغراف في لياليها المظلمة، فيتحول غناؤها المنغم الحزين، الى مصابيح
تضيء تلك الليالي، بالمحبة والمسرة، وتدفع باتجاه الأمل، والمستقبل.
في هذا الفضاء المكاني، ولد الشاعر زاهد محمد: وترعرع في أزقة محلة
السراي، وتشرب باصوات الطبيعة الساحرة، فانطلق يغني بحنجرة عندليب عاشق:
يا غراف يا ملعب صبايا الحي
على ضفافك نشيد بيوت رميله
بساتينك على الصوبين
يا غراف تين وخوخ ممليه
وعندما وجد الشاعر مدينته تختنق، داخل اسوار الحكم الظالم، وجور
الاقطاع، امتزجت قصيدته بالثورة، وروح المقاومة التي استمدها من مدرسة
الحزب الشيوعي العراقي، وافكار الحركة الوطنية العراقية التي تصاعدت
اثر التحولات الثورية بعد الحرب العالمية الثانية، وتمثلت بقوة ساعد
حركة التحرر الوطنية، ونهوض الطبقة العاملة، فاستمر الشاعر والسياسي في
كتابة أشعاره، في حضن نقابة السكك الحديد، محرضاً الجماهير ضد الحكم
الملكي الجائر. وعندما أعتقل، خرج زملاؤه والعمال يهتفون:
(حي ميت زاهدنا انريده)
وفعلاً أفرج عنه في اليوم نفسه.
ومن محلة السراي - في قاع مدينة الحي - وعلى ضفاف نهر الغراف، انطلق
باتجاه بغداد طالبا متفوقا، فحضن الطبقة العاملة مسؤولاً نقابياً، ثم
صوب الخارج، سياسياً قائداً بعد العام الأسود 1963، ليعيش سنوات الغربة،
حاملاً قلب الشاعر، وآلام شعبه..
وبعد 1968، يعود الى الوطن، متوجاً بتحصيل دراسي متفوق: الدكتوراه في
الاقتصاد السياسي، ليعين في وزارة التخطيط.
وبعد أن تلبدت الغيوم، شعر قلبه بالاختناق، فعاد الى الغربة، وفي قفص
المنفى، كان قلب الشاعر ينتفض، ويرتعش، مبدعاً لنا درراً في الابداع
الشعري، مكنته من أن يقف بجدارة في صف المبدعين العراقيين المعروفين:
الحاج زاير، ملا عبود الكرخي، ومظفر النواب.
شعره ومؤلفاته
للشاعر الكبير كثير من الشعر الشعبي، والشعر الفصيح، فقد ترك لنا ارثاً،
مسلسلات اذاعية غنائية، أبرزها (غيدة وحمد) وبرامج اذاعية ابرزها (ركن
الشعر الشعبي) الذي كان يبث من الاذاعة العراقية، وفيضاً من كلمات
الاغاني للمطربين العراقيين المعروفين: ناظم الغزالي، احمد الخليل،
وحيدة خليل، وزهور حسين، وغيرهم.
وقد اشتهرت من كلماته انشودة (هربجي كرد وعرب رمز النضال) كونها تركز
على قوة العلاقات النضالية بين العرب والكرد.
وظل الشاعر يغني ألمه، وآلام شعبه، في قصائد تحمل الحنين لوطنه العراق،
وتتغنى به وبكردستان، وبالانتفاضة الشعبية.
وظلت قصيدته نقية، بعيدة عن الزيف، والرياء. وقد وفى أحد أصدقائه ببعض
دينه، في طبع مجموعة شعرية بعنوان (أجنحة الظلام)، وهي مجموعة مكتوبة
باللغة الفصحى، فيما بقيت اغلب قصائده الشعبية، بعيدة عن الطبع، ما عدا
المحاولة الطيبة التي أقدم عليها الاستاذ عبدالرزاق الصافي في جمع بعض
قصائده القديمة التي تركها الراحل عنده.
وينتظر محبوه، مبادرة اخرى في طبع قصائده بكتاب مستقل. كما ينتظر
الجمهور طبع رسالته للدكتوراه في الاقتصاد السياسي.
ولابد من التذكير، ان الشاعر الراحل زاهد محمد، كان قد نشر كتاباً في
السبعينيات من القرن الماضي عن (ملا عبود الكرخي)، يُعد الاول في بابه،
كونه اول دراسة لشعر الشاعر الكرخي، مع نماذج شعرية له.
توفي الشاعر في الغربة، وكان يخفي في داخله، روح الطفل، وبراءة القصيدة،
وتمردها، وعنفوانها، وصلابة الثوري، وكان يردد في مقابلاته الصحفية: (أنا
حريص على التقاليد الحيّاوية)، مما جعله قريباً من النبع الاول: طفولته
على نهر الغراف في مدينة الحي.
توفي الشاعر بمصر في 1/11/2002، واقام له رفاقه، ومحبوه مهرجان شعر،
جاء متزامناً مع ذكرى انتفاضة الحي الباسلة، وذكرى استشهاد رفاقه في
النضال: علي الشيخ حمود، وعطا مهدي الدباس.
بعد سقوط النظام الصدامي، أقام له رفاقه، ومحبوه. حفلاً تأبينياً في
مقر الحزب الشيوعي العراقي بمدينة الحي، جاء ـ أيضا ـ متزامناً مع
الذكرى السابعة والاربعين لانتفاضة الحي الباسلة عام 1956، وقد حضر
التأبين جمع من الشعراء يتقدمهم الشاعر المبدع عريان السيد خلف، الى
جانب شعراء مدينة الحي، وظلت تلك الفعالية، ذات مذاق خاص، ولون خاص،
يعتز بها ابناء مدينة الحي، ومحبو الشاعر، واهله، والوسط الثقافي.
ثمة نشيدان، كانا يُنشدان في السجن، في المناسبات الوطنية، وفي
الامسيات الادبية، هذان النشيدان كتبهما الشاعر الراحل زاهد محمد، وذاع
صيتهما.
الأول بعنوان (ثوروا على الباغين) 1953- والثاني بعنوان (سالم حزبنا)
1954.
ثوروا على الباغين
ثوروا على الباغين ثوروا
وامحوا وحوش الشر
ثوروا ثوروا ثوروا
هيا ثوروا
ثوروا.. واخذوا الحكم
ليش الرجعيه تحكمكم
ودشوفوا الصين
كل اهلهه مرتاحين
لمن صدر أمره على الثوره
ثوروا ثوروا هيا ثوروا
* * *
ثوروا على العرش الفاين
واقضوا على الحكم الخاين
كل شي الذي نريده
يحصله الشعب بيده
بس عيشة المرّه
هذا الذي تضره
ثوروا ثوروا
هيا ثوروا
النه النصر مو لَعّدانه
حصن الشعوب احنه ويانه
وبرايتنه الحمره
كل خاين ندمره
ثوروا ثوروا
هيا ثوروا
سالم حزبنه
سالم حزبنه .. ما همته الصدمات
سالم حزبنا
يخسه اليضدنه .. والشعب حي ما مات
يخسه اليضدنه
* * *
چم حر مقيد .. اسال سجون الحكم
چم حر مقيد
سجن المؤبد .. ما يرهب الاحرار
سجن المؤبد
سالم حزبنه
* * *
يغراب الابگع .. ابكوريا اكل كفخات
يغراب الابگع
ظلتك ما تنفع .. حيل او بعد وياك
ظلتك ما تنفع
سالم حزبنه
* * *
باسم يقوده .. حزب الشيوعي اليوم
باسم يقوده
كلنا جنوده .. للسلم والتحرير
كلنا جنوده
سالم حزبنه
* * *
خل الرجوله .. حزب الشيوعي اليوم
خل الرجولة
ابمّد البطوله .. يحيا بهاء الدين
ابمّد البطوله
...............
سالم حزبنه .. ما همته الصدمات
سالم حزبنه
يخسه اليضدنه .. والشعب حي ما مات
يخسه اليضدنه
* * *
هذان النشيدان اسجلهما للامانة، كما وردت من الرفاق الرواد، الذين
عايشوا الرفيق الراحل في السجن.
اما قصيدته: (العشگ عاده على الغراف)
فهي تنتمي الى شعره الاول، عندما كان في مدينة الحي، وقبل أن يتوجه الى
بغداد، ثم الى المنفى. هذه القصيدة تتصف بالغنائية والوصف، والصورة
الشعرية، ولا يزال الجيل الجديد، يرددها في المحافل الشعرية، وفي
المناسبات.
يا غراف يا ملعب صبايا الحي
على ضفافك نشيد بيوت رمليه
بساتينك على الصوبين يا غراف
تين وخوخ ممليه
تتغاوه بحسنها وغفه الناطور
تغمز للحراميه
عدها انهود سموها الخلگ رمان
چنهه تلال سحريه
العشگ عاده على الغراف
مثل النفس بالريه
يا غراف چنه ازغار
نجي بهوسات
وصلنه السايبه وبعد اليميلية(1)
والحامض حلو رد بصوانيه
اهالي الحي هذوله احنه
زلم خشنه تتعشگ الحريه
نريد انظل عزم واصرار
لو هلهلت (نيريه)(2)
ـــــــــــــــــ
(1) السايبه واليميليه: جدولان يتفرعان من نهر الغراف.
(2) نيرية: امرأة حياوية، كانت تحث الثوار على القتال، وتزغرد في
انتفاضة الحي الباسلة 1956 .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة "طريق الشعب"
الخميس 30/12/2010
محسن ناصر الكناني
الحزب الشيوعي العراقي مركز الاتصالات الإعلامية ( ماتع )
|