أمنياتنا في العام الجديد.. طموحٌ الى القضاء
على الحرمان
صادق الازرقي
لم تزل أمنياتنا في العام الجديد هي هي، منذ العام السابق، والذي سبقه،
بل انها أمنيات جميع الأعوام والعقود التي سبقت طالما انها لم تتحقق.
انها معاناة متواصلة، وعينا عليها منذ سبعينات القرن الماضي، حين كان
الناس يتدافعون بالمناكب ويشتبكون بالأيدي، من أجل أربع او خمس بيضات،
يتفضل بها عليهم صاحب المحل، أو حين تستقبل جموعهم الذاهبة الى أعمالها
صباحاً في مركز بغداد (باص الريم)، الذي لا تزيد مقاعده على الستة
واربعين مقعداً، فيتدافع العشرات منهم للحصول على مكان، وقوفا او جلوسا
في الباص الميمون، فيما يظل الآخرون يتراكضون على سيارة أخرى تلوح في
افق مدنهم البائسة، ثم مرورا بالحروب العبثية ومقتل آلاف الناس
بنيرانها، وصولاً الى الموت المجاني في تفجيرات وأعمال عنف مجنونة بعد
العام 2003، الذي يقولون انه منحنا الحرية. ولكنه لم يمنحنا الأمان
والحياة الرخية.
لم تزل مشكلاتنا من دون حل، ويبدو أن لا حل قريب يلوح في الأفق، ففيما
يتعلق بأزمة السكن، وباستثناء مدة حكم رئيس الوزراء الأسبق اللواء
الركن عبد الكريم قاسم، وتوزيعه قطع الاراضي على المواطنين، لم تشهد
أزمة السكن أي معالجة جذرية، وكثير من مشاريع السكن العمودي في ظل
النظام المباد، جرى تخصيصها للعرب اللاجئين الى العراق في عهود سابقة،
في حين حرم العراقيون منها، كما لم تشهد تلك الأزمة المستفحلة، أي
إجراء لحلها برغم توفر الأموال، وبرغم تكاثر الناس وانشطار البيوت في
المناطق ذات الكثافة السكانية العالية.
ولم ير المواطن بعد عام 2003 سوى الوعود من قبل المسؤولين عن إسكانه،
فتناسلت الأخبار شبه اليومية عن مشاريع إسكان هائلة، ننافس بها الدول
المتحضرة على حد قولهم، وأفردت ـ كما يقال ـ منذ سبعة أعوام مناطق
لتنفيذ المشاريع الإسكانية، وقالوا، ان الفقراء سيحظون بقصب السبق في
الحصول على السكن. والنتيجة؛ السياسيون تمكنوا من الحصول على مساكن
متعددة في مناطق يختارونها بحسب رغباتهم، وتجاوزاً على شرط مسقط الرأس،
في الوقت الذي ظل الفقراء يتكدسون في بيوتهم التي ضاقت بهم.
وما يقال عن مشكلة السكن يصح أيضا على مشكلة الكهرباء، تلك الطاقة
المهمة التي ليس بالإمكان الاستغناء عنها، إذ عطل شحها إعمار البلد
وتقدمه، ويقول بعض المشككين، ان أزمة الكهرباء مقصودة، لغرض تحقيق
أهداف يسعى اليها بعض السياسيين الحاكمين من قبيل (جوّع كلبك يتبعك)،
اذ من دون الكهرباء لا مشاريع إعمار تتواصل، ولا معامل تشتغل ولا تشغيل
للعاطلين، ولا استقرار وراحة للمواطن في بيته، فيظل مستفز الأعصاب،
مستسلماً، في حين تظل الدول الأخرى، ولاسيما من الجوار تصدر إلينا
بضائعها التي لا يقبل بها أحد غيرنا!.
ويطول الحديث بشأن إخفاق أمانينا في شتى المجالات الأخرى، ومنها أعمال
تبليط الشوارع والرصف وإنشاء الحدائق، إذ كثيرا ما يصار الى تنفيذها
بأساليب خاطئة، وفي مقاولات مشبوهة، لتنتج لنا شوارع رديئة، وأرصفة
وحدائق اردأ، ثم يعاد تنفيذها مرة اخرى في مقاولات أخرى عقيمة. وهكذا
دواليك يجري هدر أموال البلد في أعمال غير مكتملة، ولا قيمة لها، يُخطط
لها في أروقة فساد مستشر، وفي ظل حديث المسؤولين عن الشرف والنزاهة
وقيم الأخلاق والفضيلة والادعاء بمحاربة الفساد. في حين ان عماد الشرف
والأخلاق والفضيلة فيما يتعلق بمسؤولي الدولة هو توفير السكن والضمان
المالي للمواطن، وخلق مدن وبيوت ترفل بالبهجة والسعادة.
وهذه بالتحديد أهم أمنياتنا البسيطة، ولكن العظيمة في الوقت ذاته،
والتي عجزت الحكومات المتعاقبة عن توفيرها لنا، برغم سهولة تحقيقها
لتوفر الإمكانيات المادية والبشرية المطلوبة لتحقيقها.
لقد أدرك المواطن العراقي بألم، ان الحديث عن الديمقراطية والحرية، لا
معنى له، إزاء حرمانه من متطلبات الحياة السليمة، التي تضمن حياته
الحاضرة ومستقبل أبنائه، وبتنا نخشى أن يفقد المواطن ثقته بالعملية
السياسية برمتها، إذا تواصل إخفاق المسؤولين المتعاقبين، في تنفيذ
أمنياته التي حرم منها طيلة عقود، وهو يطمح الآن الى تحقيقها في السنة
المقبلة، او في المدى المنظور، لاسيما ونحن نعيش عصر الانجازات العلمية
الهائلة، التي تختصر المسافات، وتنجز اعقد المشاريع التي تتطلب أعواماً،
في ظرف أيام وأسابيع، مثلما يحصل في دول أوروبا وأميركا، التي تنجز
فيها الشركات إنشاء المنازل والبنايات في أسابيع معدودة.
اننا نطمح مع شروعنا بالعام الجديد، الى أن يلمس المواطن العراقي تغيراً
أساسيا في حياته المقبلة، بما ينسجم والثروات الهائلة التي يمتلكها
بلدنا، إضافة الى طاقاته البشرية الكبيرة، الكفيلة بتحقيق طفرات نوعية،
على صعيد التقدم الاقتصادي والاجتماعي، وفي نمط حياة الشعب المعيشية،
فيما إذا توفرت النية الصادقة لاستخدام تلك الطاقات في مرافق الحياة
الصناعية والزراعية، وفي شتى مفاصل الحياة، لاسيما وان جميع السياسيين
العراقيين من دون استثناء يشيرون الى الأخطاء التي رافقت عملية البناء،
طيلة السنوات الماضية، وانهم يدينون الفساد، ويطالبون باجتثاثه،
وبإنصاف المظلوم وتحقيق العدالة. فما الذي يمنع المسؤولين من تنفيذ
برامجهم التي وعدوا المواطن بها، وهل نشهد مع العام الجديد تطبيقاً
عملياً لما طرحه السياسيون ودعوا اليه.