للاحتفاء بفرح ياسين امتياز وطعم خاص . فالحميميه التي جمعتني به عبر
السنين جعلتني أقرب من الكثير الى تجربته الإبداعية التي لطالما أطلعت
عليها ودرستها بتمعن مستكشفا بعين الناقد والقارئ المتذوق مواطن
الإبداع التي تميز تجربته بفرادتها وخصوصيتها......
لذا اسمحوا لي ان أحدثكم وبعجالة عن ذكرياتي ونص (ذهاب الجعل الى بيته)
هذا النص الذي هو أقرب الى جنس الرواية القصيرة . إذ شرفني صديقي القاص
فرج ياسين بقراءة مسودته الأولى في صيف عام 1993 ومنذ ذلك اليوم وهذا
النص يطاردني ، في حينها كتبت عنه مقالا طويلا وكتب جمال نوري أيضا
ونسينا ما كتبناه لأن صديقنا فرج ياسين انشغل وقتها بإصدار مجموعته
القصصية ( واجهات براقة ) وبعدها انشغل بالتحضير لرسالة الماجستير وظل
النص لثمان سنوات في أدراج مكتبه ولم يرى النور إلا في نهاية عام 2000
حيث نشر كاملا في مجلة الأقلام ولكن بحروف صغيره عصيه على القراءة مما
فوت الفرصة على الكثير من القراء للاستمتاع بهذا النص المتميز .
بعدها بشهور قررت السفر الى الأردن للقاء بأخي بديع الالوسي المقيم في
فرنسا وكانت مجلة الأقلام أحدى أهم الهدايا التي قدمتها له حين إذ .
وقتها لم يتسع الوقت لنتحدث عن نص (ذهاب الجعل) لكنني أتذكر جيدا باني
قلت له : في هذه المجلة ستجد نصا أدبيا جديرا بالقراءة وجديرا بالتأمل
أيضا ، لذا أتمنى عليك ان تقرأه بتأني لأنه لا يقل أهمية عن كل ما
قرأته في حياتك الماضية . وعاد بديع الى فرنسا ... وعدت أنا الى العراق
، وكتب لي بعد حين رسالة أشار فيها لذلك النص متسائلا : ماذا يريد ان
يقول فرج ياسين بهذا النص القصصي الطويل !؟ فكتبت له رسالة مطوله أحثه
فيها بإعادة القراءة كاشفا له بعض مغاليق النص ، من دون أن افسد عليه
متعة القراءة الثانية ... كون عمل القاص ليس عملا في التاريخ بل في
الاحتمال لأنه لا يروي ما وقع بل ما يجوز وقوعه ، وكون ( الأدب كذبة
تقول الحقيقة ) كما يقول كوتر .
واستمر الحوار بيننا عبر عشر رسائل مطولة كان يشغل الجانب الأهم فيها
هذه الرواية التي بذرت فينا القلق وأثارت فينا الكثير من الأسئلة .
نعم هكذا كنت افهم العمل المبدع فهو لا يمنح الراحة والمتعة حسب بل
يتجاوز ذلك إلى الاستفزاز والقلق والتحرش بالحقيقة
الجميل في الأمر إني كنت اقرأ لصديقي فرج كل تلك الرسائل الاخوانية وما
تحمله من انطباعات لفك شفرة النص ، وكان هو من ناحيته حريصا على سماعها
بفرح ومحبه .
على هذا النحو ورغم بعد المسافات احتفينا بنص (ذهاب الجعل ) ذلك
الاحتفاء ألائق به حد الانبهار... يوم لم يحتف به احد .
اليوم ونحن نحتفي بصديقنا القاص فرج ياسين قاصا مبدعا ، ادعوكم - أيها
الأصدقاء – والفت انتباهكم لقراءة هذا النص المخاتل . خاصة وانه قد صدر
مؤخرا عن دار رند في كتاب مطبوع أنيق وأصبح في متناول أيدينا . كلمة
أخيرة يمكن أن أسركم بها : إن نص ( ذهاب الجعل إلى بيته) لم يكتب
للعامة من الناس بل كتب خصيصا لعشاق القراءة ، وانه على صعيد الإبداع
أجمل وأطول واخطر نص كتبه فرج ياسين ، لذا اعتقد إن قراءة واحدة غير
كافيه أبدا لفتح مغاليق أسراره ، لأنه بحق نص مخاتل يظهر غير ما يبطن ،
وانه ينفتح على تأويلات وقراءات عدة .
ألقيت هذه الكلمة بمناسبة تكريم قصر الثقافة والفنون في صلاح الدين
للقاص فرج ياسين