|
لجنة تنسيق التيار
الديمقراطي في ألمانيا :
في التزوير ومعاني العفـو عن المزوّرين
تلقينا باستغراب وحيرة،
شأن غالبية العراقيين والقوى الديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني وهيئة
النزاهة، قرار ديوان مجلس الوزراء بالعفو عن المزورين، وتقديمه قانونا
بهـذا الخصوص. ومما يزيد في دهشتنا وحيرتنا أن مثل هـذه الخطوة
"العجيبة!" لا تأتي في زمن تنحسر فيه ظواهر الفساد في البلد وتضمر،
وإنما نراها تأخـذ في الاتساع، على الدوام، حتى أصبحت هي والارهاب
غولين، يتغـذيان من بعضهما، ويجعلان من الجهود والأموال المبـذولة في
عملية إعادة البناء والعمل على تطوير البلاد لا معنى ولا أثر حقيقيين
لها. لقد أشارالسيد رئيس هيئة النزاهة، أمام البرلمان مؤخرا، إلى أن
البلاد فقدت بسبب الفساد، في عام 2010 وحده، مليار دولار!. هذا ما
استطاعت الهيئة، بالطبع، كشفه، أما ما لم تصل إليه فعلمه عند الله
وحده!.
وعدا ذلك فأن توقيت
الإعلان عن هـذا "الانجاز!" ينطوي على إشارات، كل واحدة منها أسوأ من
صاحبتها. فهو يأتي بعد تشكيل الحكومة الجديدة، ودون اعتراضات جدية من
أطرافها على مثل هـذا التوجه الخطير، وكأن أطراف حكومة "الشراكة
الوطنية" قد توافقوا على أن يكونوا "رحماء" بينهم، ما دام المزورون من
"الأهل" والأنصار، ومن أفراد طوائف الساسة وعشائرهم وأحزابهم. ولـذا
فليس للناس المغلوبين على أمرهم، وهم أكثرية العراقيين، أن يتنظروا، في
مثل هـذه الأحوال، من حكومة تبدأ عهدها بالعفو عن مزورين وناهبين للمال
العام، ومن برلمان، ربما، يشرّع لمثل هـذا العفو، أو يوافق عليه، أن
يكونا عند عهودهما بمكافحة الفساد.
إننا لا نرغب، بالتأكيد،
لساستنا، وإن اختلفنا معهم، أن يتحدثوا بلسانين ويظهروا للعالم بوجهين،
فمثل هـذا نفاق يرفضه الدين القويم والخلق القويم، كما نعرف ويعرف
ساستنا!.
الناس والعالم لم ينسيا،
بعد، أن الكتل الحاكمة، اليوم، قد خاضت الانتخابات الأخيرة بشعارات
ووعود أساسية، في مقدمتها مكافحة الفساد والمفسدين. كما نتذكر، جميعا،
أن السيد رئيس الوزراء قد عاهد العراقيين، قبل ما يقرب من ثلاث سنوات،
على أن يكون عام 2008 عام الحملة على الفساد ومكافحته!. ولا نظن أن
أحداً يختلف معنا في أن تزوير الوثائق والشهادات فساد، وأن العفو عن
مزوريها فيه، على الأقل، إضعاف لمكافحة الفساد والمفسدين، إن لم يكن
تشجيعا لهما، قصدنا ذلك أم لم نقصده. إضافة إلى أن مثل هـذا "العفو ـ
المكرُمة" يضع الجدوى من الالتزام بالقانون واحترامه موضع تساؤل،
وينطوي على سخرية ما من حملة الشهادات الأكاديمية وغيرها، ممن كدوا
واجتهدوا، هم وعوائلهم معهم، سنين طوال للحصول عليها. ونحن ما نزال
نتـذكر تلك القصيدة "العصماء" التي سطّرتها لنا، قبل سنتين أو أكثر،
قريحة رجل دين وأحد مستشاري السيد رئيس الوزراء لشؤون الثقافة، في
حينها، بعنوان "طُـزْ بشهادة!"، ردا على ما كشفه محرر صحيفة "الحياة"
في بغداد، عن وجود أكثر من 11 ألف شهادة مزورة. المحرر أُطلق عايه
الرصاص، هو وعائلته، مساء اليوم الذي نُشر فيه تقريره، من قبَل
"مجهولين" ظلوا "مجهولين" إلى يومنا هـذا. أما صاحب "طُـزْ بشهادة"
فهو، اليوم، رئيس جامعة يُفترَض لها أن تغـذي المجتمع بالعلماء
والباحثين!.
ومن الدلالات السيئة على
توقيت هـذا "الانجاز" (لا بد أن المسؤولين يرون فيه إنجازا، وإلا لما
أقدموا عليه!) أنه جاء بعد أقل من أسبوعين على نشر (منظمة الشفافية
العالمية) تقريرها عن ظاهرة الفساد في العالم. وكالعادة فقد كان
لعراقنا "الجديد" قصب السبق في هـذا المضمار، فكنا ، والعياذ بالله، مع
أفغانستان وكمبوديا والكاميرون ونيجيريا، في مقدمة عشرين بلدا هي
الأكثر فسادا ورشوة في العالم، حتى أن التقرير يؤكد بأن أحوال الفساد
والرشوة في العراق، مثلا، بلغت، منذ 2006 مستوى لم تبلغه من قبل.
لقد ذكر السيد (علي
العلاق) الأمين العام لمجلس الوزراء، قبل أيام، عن وجود أعداد كبيرة من
المزورين في الوزارات والمؤسسات الحكومية، "منبها" على أنه في حالة
المُضي في تنفيـذ الإجراءات القانونية والجزائية ضدهم سيؤدي إلى زجهم
في السجون، سواء كانوا رجالا أم نساء. ولم يُغفل السيد العلاق الإشارة
إلى "أن هـذا الأمر سيكون محرجا وصعبا في الوقت نفسه!". نحن نجهل،
بالطبع، موطن الإحراج والصعوبة المشار إليهما من جانبه، في محاسبة من
ارتكب الجرم وحقّ عليه الجزاء!. هل سيكون "السلم الاجتماعي"، مثلا،
معرضا للخطر، لا سمح الله، إذا ما حوسب المزورون على جرمهم؟. ألم
يخرجوا في فعلتهم، هـذه، على القانون والشرع معاً، مع أن غالبيتهم تدعي
الإيمان والتدين؟. ألا يُنقل عن الرسول (ص) قوله بأن "من غشنا ليس
منا"؟. ألا يخجل أهل الإيمان والتدين وأحزابهم أن يكون بين ظهرانيهم
مثل هؤلاء؟. وفضلا عن هـذا كله، أليس من واجب الساسة "الديمقراطيين"
الراغبين في بناء "دولة القانون" حقا، أن يدعوا للقضاء "المستقل!"،
وحده، حق التصرف في مثل هـذا الأمر؟ فلماذا يدسون أنوفهم في شؤونه
إذن؟.
في الديمقراطيات الحقيقية
لا يتبع الحكام والساسة الديمقراطيون نداءات أحزابهم وطوائفهم
وقبائلهم، بل يصغون، فقط،، للمواطنين ويضعون حاجاتهم ومصالح البلاد فوق
كل شيئ.
في البلد الذي نعيش فيه
(ألمانيا)، وهي بلاد تقع، مثلما يصنفها تراثنا الفقهي، في "ديار الكفر"
ينظر القضاء المستقل، حقا، إلى مثل هـذه الجريمة بوصفها "جريمة
مُركّبة" تجتمع فيها جريمة التزوير العمد بجريمة سرقة المال العام
عمداً، فالمرتبات التي حصل عليها المزورون، ونظنهم قمة جبل الجليد
فقط،، اغتصبوها من الناس بوعي وتخطيط مُسبَق، وبالعمد كذلك، وينبغي أن
يُقام الحق عليهم بهذا المعنى، فمن يرتكب مثل هـذه الجريمة المُركّبة،
وبهـذه الروحية، يحمل في نفسه طاقة، واستعدادا، لجرائم أكبر وأخطر.
لا ندري إن كان بعضهم قد
أدى فريضة الحج، أو أعان بعض أهله على أدائها، بما ملكه من مال حرام
أتاه عن طريق التزوير، فخدع بهـذا أهله وأساء لدينه؟ أو أن "المؤمنين"
منهم قد خمّسوا، أو زكّوا، ما كسبوه، فاختلطت، بهـذا، أموال الشرع
بالمال الحرام، فلم نعد ندري هل زكّت تلك هـذا، أم لوّث هـذا تلك؟.
يبدو لنا أن تعامل بعض
المسؤولين مع ظاهرة تزوير الوثائق والشهادات المستفحلة ينطلق من عقلية
"طُزْ بشهادة"، ولأن الشهادة لا معنى كبير لها في عرفهم ، فهم يرون في
تزويرها، وما ينتج عنه، ذنوبا صغيرة، لا معنى لها، يمكن العفو فيها.
إننا نرى أن على العراقيين
جمعيا، من متدينين حقيقيين وغيرهم، ومن أحزاب وأعضاء مجلس نواب صادقين
مع أنفسهم وإيماناتهم، ومنظمات مجتمع مدني وقضاة يحترمون الحق
واستقلالية القضاء، أن يقفوا بوجه مثل هـذه المحاولات، بغض النظر عن
دوافعها، حتى لا تعيش البلاد نوعا من "الكوميديا" الديمقراطية
والقانونية، في الوقت نفسه، ويظل غول الفساد يفترس حياتنا ومستقبلنا.
لجنة تنيسق
التيار الديمقراطي في ألمانيا
|