من نحن مواقع للإتصال بنا أرشيف الكُتّاب مكتبة الموقع ملف الانصار الرئيسية

أهلا بكم في موقع ينابيع العراق... موقع الانصار الشيوعيين العراقيين  .... موقع علماني ... ديمقراطي ... يساري ... تقدمي... والمقالات فيه تعبر عن آراء أصحابها... والموقع لا يتحمل أيّة مسؤوليّة عن ماينشر بأسم الكُتّاب ...  ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم

 
 

       
Print Article    

20-12-2011

 

   

 

 

أيامٍ عسيرة في كهفٍ حقير

بقلم سمير القس يونان


كان هذا في كانون الأول من عام 1982 وكانت مرحلة صعبة ضمن طريق العودة من سوريا عندما كنا مكلفين ضمن مفرزة الطريق لجلب ما يحتاجه العمل الأنصاري والذي كان مستحيلا توفيره من داخل العراق من الأسلحة والاعتدة والتجهيزات العسكرية الشخصية واللوجستية والأدوية والبريد الورقي والموفدين من والى كردستان إضافة إلى تامين الطريق لجلب الملتحقين ومن كلا الجنسين إلى العمل الأنصاري من كافة أصقاع العالم ملبين نداء وطلب الحزب الشيوعي الذين كانوا قد تشتتوا في أرجاء المعمورة عندما خان البعث الجبهة الوطنية وضرب بأطنابه قواعد وقيادات الحزب حتى النخاع عام 1979…كان طريقنا ليلة أمس ونهار اليوم مكللا بالصعاب والماسي والمخاطر عندما عبرنا الحدود السورية التركية ووقوعنا في الكمين التركي ثم أخيرا عدم مجيء ألكلك ليعبرنا نهر دجلة عند الساعة الرابعة والنصف صباحا ولولا حسن الحظ والتحدي العنيد والمثابرة والصمود والتحمل اللامحدود لكانت النتائج لا يحمد عقباها لا يتحملها جسدنا الضعيف وهذا موضوع آخر حيث كان القرار بان نختبئ بين الصخور بدون حركة تذكر أما البغال المحملة فتم إخفاؤها من قبل أصدقاءنا حال وصولنا النهر ليلة أمس…في عصر ذلك اليوم الذي رافقني حياتي كلها وعلى حين غرة ظهر ألكلك على الجانب المحاذي للجبل والذي يعتبر بالنسبة لنا المنطقة الأمينة لطوبوغرافيتها الوعرة وكثرة الكهوف فيها وقلة تواجد الجاندرمة والدرك وربما كانت إمارة فينيقية في تلك العصور الغابرة وهم ألكلك بالعبور إلى الضفة التي نحن فيها وكم كانت سعادتنا عندما بدأنا بالعبور غير آبهين المخاطر المحدقة بنا التي من الممكن أن نقع فيها وكان النهر سريعا وقويا مما جعل عبورنا صعبا وخلال ساعة كان الجميع عند الضفة الأمينة وبدون توقف تسلقنا الجبل المحاذي للنهر عبر وادي لا يرى إلى أن وصلنا كهفنا المنشود...كان الكهف قذرا وسخا ورائحة روث الماشية وفضلاتها تفوح منه وكيفما كان فهو ملاذنا الأول والأخير وبدأنا في الحال بوضع خطة فورية لتامين حياتنا وماذا سنفعل تجاه أي طارئ قد يداهمنا وتم تحديد نقاط الحراسة ومن سيحرس وكيف سنقاوم البرد القارص والثلج المتراكم وتوفير الغذاء الضروري وكيف ستكون حركتنا لئلا يتم كشف أمرنا وماذا سنفعل إزاء الأنصار الجدد والذين أصيبوا بالإعياء والتقرحات تغطي أقدامهم ومنحهم العزيمة والشجاعة وخاصة الانهيار العصبي والنفسي الذي أصيب البعض منهم بعد وقوعنا في كمين قاتل بعد عبورنا الحدود التركية بثوان...كان الوقت ليلا وأول ما قمنا به بعد تحديد الحراسة المشددة تنظيف الكهف وتطهيره ورشه بالمبيد المتيسر وصنع باب بسيط للكهف ليقينا البرد أولا ولمنع خروج الضوء ليلا إلى الخارج ثانيا وكان النصير أبو سعاد قد كلفني بتوفير الغذاء للمجموعة المتكونة من أكثر من ثلاثين نصيرا ونصيرة من القرى المجاورة بحيطة وحذر وقام أصدقاء الحزب ومن خلال مؤيديه بتزويدنا ما نحتاجه من الفراش وأدوات الطبخ وقمنا بفرش الكهف بعد التنظيف الجيد والتطهير كما تم تحديد مجموعة لجمع الحطب المتوفر في الجوار وما هي إلا ساعتين وكان الكهف شقة مفروشة دافئة بعد إشعال الحطب وكان اغلب الأنصار القادمين من أوروبا وغيرها قد غلبهم النعاس والتعب وبعد ترتيب الكهف اسلموا للنوم مباشرة بعد تعقيم أرجلهم المتقرحة وفي هذه الأثناء ما كان ينقصنا هو الغذاء ونحن جميعا جياع لم نتذوق الطعام منذ منتصف ليلة أمس حيث كان عشاءنا خبز وحلاوة فقط ولذلك ذهبت يصطحبني النصير كوفان مع احد الإدلاء الأتراك من حزب العمال إلى قرية قريبة وكان الطريق وعر مغطى بالثلج قد يجتاز سمكه مترا وكانت القرية شبه مهجورة لم نتلمس مظاهر الحياة فيها لربما الصقيع والوقت المتأخر هو السبب في ذلك وقادنا الدليل إلى متجر صغير وتزودنا بكل ما نحتاجه ولمدة يومين...انقضت الليلة الأولى بسلام وقبل أن ينبلج النهار تم إيقاظ الجميع لقضاء حاجاتهم الضرورية خارج الكهف حيث بعد وضوح الرؤية علينا الركون داخل الكهف ويسمح للحراس بالخروج فقط لتأدية واجبهم وبهدوء تام ومنذ الصباح قمنا باستطلاع المنطقة وكان كل شيء على ما يرام وضمن البرنامج الذي تم الاتفاق عليه أن يكون الفطور عند الثامنة تماما ولا يجوز غير ذلك كما هي الحال في المقرات الثابتة وابلغ الجميع وكان العمل في الكهف طوعي فبادرت النصيرات رغم إعيائهن وأقدامهن المتورمة والمتقرحة بإعداد الفطور البسيط حيث الشاي والألبان واللحم المعلب والخبز وأكملنا فطورنا وكان الأنصار جميعا فرحين حيث نالوا القسط الكبير من الراحة في شقتهم المطلة على التايمز...كانت فرصة جميلة ونادرة أن يتم التعارف بين المجموعة كلها فكل واحد قدم من بقعة وكان للانصارالقادمين طاقات فذة وإمكانيات لو استغلت في وقتها لامكن من القيام بمهام علمية لا يتصورها العقل فمنهم الرسام مثل الشهيد أبو أيار والبروفسور والطبيب والمهندس والخبراء في الاقتصاد والإدارة والاتصالات وغيرها من حقول الحياة والعلم المختلفة وترجمت هذه الإمكانات عندما رفضوا العيش الرغيد في تلك الأصقاع البعيدة عن جروح وآمال أهلهم وأحبائهم في العراق ملبين النداء ليأتوا ويناضلوا...كانت الجلسة الأولى والتي شارك بها الجميع ما عدا الحراس مهمة للغاية حيث تم فيها التعارف وقدم كل نصير نفسه للجميع وتحديد الأسماء الحركية لكل نصير وأدار الحوار آمر المفرزة وأكد مرارا على الاحترام والمحبة والالتزام والتضحية والتحمل والصبر وكتمان السر والصراحة والشجاعة ووضع العراق ومستقبله في المقام الأول من اهتمامنا وتطبيق كل ما يدعم ويعجل في إصلاح واقع البلد المؤلم والموجع وكان الجو وديا ومرحا في نفس الوقت كما وكانت الطروحات ايجابية ومتفائلة للملتحقين وكانوا يلحون على سرد بعض البطولات التي قام بها الأنصار في جبال كردستان الشماء وفي الحال انبرى النصير عبد المسيح وقص بشوق والجميع يسمع كيف تمكن من التخلص من الطائرة السمتية وهي تلاحقه في بساتين بازي ولمدة ساعة وكنا قد نسينا إننا في ارض يلفها الخطر من كل جانب وكنا نتجنب الحديث حول هذه النقطة خوفا من أي ارتباك أو صدمة قد تصيب بعض الأنصار...انقضى اليوم الأول وكل ما يحيط بالكهف طبيعيا لان الجميع ملتزم وتكونت علاقات بين الجميع وكنا نجلس على شكل حلقات نتناول كل ما يدور بخلدنا ويتم التطرق حول حياة الأنصار ومقراتهم وغذائهم ومعاركهم وعن النظام وتواجد قواته ومعنوياتها وعن الوضع في الداخل وهل للحزب قاعدة عريضة بين الجماهير بينما النصير الرسام مهموما في إخراج تلك اللوحة التي تعجبنا بفنه الرفيع وإحساسه المرهف فقلت له ستأتيك كردستان وفيها من المناظر الطبيعية الساحرة ما يمكنك من إقامة معرض كل شهر وبهذا الكلام ازداد تلهفه لملاقاة أرضنا الحبيبِة وبلغنا النصيرات بان الغداء يقدم عند الواحدة ووضعنا جدولا لعدة أيام وحسب الأطعمة المتيسرة لدينا وعرض على الجميع ليبدوا آرائهم وأعربوا عن إعجابهم عن هذا الأسلوب حيث الكل مهم وكلنا خلية واحدة ولها من الأواصر والوشائج ما يمنحها القوة والصلادة لمواجهة كل خطر يداهمها...واستمر الحال طبيعيا ولم نعاني من أية مشكلة حيث الطعام لا باس به والعلاقات الأنصارية عالية والحالة المعنوية قوية وجو الكهف لا باس به سوى الاغتسال الاستحمام والبرغوث الذي يسلب راحة الجميع إضافة إلى ظهور القمل كحشرة مزعجة تنافسنا غذائنا ولا تتركنا أن ننام وما جعل المشكلة أكثر صعوبة استحالة القضاء عليها والتخلص منها لأنها تتواجد في الأماكن الحساسة المشعرة من الجسم حيث للتخلص منها أولا يجب الاستحمام وتعقيم الجسم والتخلص من الملابس القديمة وكل ذلك شبه مستحيل وخاصة النصيرات...كان أمامنا مضيق خطر علينا اجتيازه لنكمل المسير إلى قاعدة أخرى وكل يوم بعد أن يرخي الليل سدوله تقوم مجموعة من الأنصار القدماء باستطلاع هذا المضيق الذي لا يبعد كثيرا عن الكهف لمعرفة حالته الأمنية عن كثب وبما أن للدرك والجاندرمة والمجندين الأكراد علم بتواجدنا في المنطقة لأننا وكما أسلفنا قد وقعنا في كمين للأتراك عند اجتيازنا للحدود السورية التركية ولذلك يبقى اهتمامهم متركزا في المنطقة التي نحن فيها ومراقبتهم للطرق والمضايق المقترحة والمتوقعة وفي نفس الوقت بقاءنا في الكهف وبهذا العدد الضخم وكما أظن كان عددنا يتجاوز ثلاثون نصيرا إضافة إلى الإدلاء والبغال والأحمال وأيضا يكثر في المنطقة التي نحن فيها الرعاة وكما هو معروف فان كل الحكومات تعول على الرعاة مكسبا في تجنيدهم خدمة لمآربهم في نقل المعلومات ورصد الحركات إضافة إلى المضايقات التي أخذنا نتعرض لها من البرغوث والقمل وأمور أخرى جعل من اتخاذ قرار بقاءنا من عدمه في الكهف مسؤولية كبيرة... ومضى يومان آخران والحالة كما هي وبدا الضجر والسام يتسلل إلى نفوسنا وكنا على أمل أن الحالة الأمنية للمضيق ستتحسن لاعتقادنا أن المقابل سيصيبه اليأس من اصطيادنا متوقعا مغادرتنا للمنطقة حال عبورنا النهر وما زاد الحالة سوءا حاجة أجسامنا للاستحمام وغسل الملابس واصبب اغلبنا بالأرق من تلك الحشرات اللعينة حيث تدب نشيطة عندما نخلد إلى النوم ومن الغذاء المكرر والحركة المقيدة بحيث كنا ننتظر حلول الليل لنخرج ونتنفس الصعداء وما من سبيل أمامنا سوى التحلي بالصبر وكنا نقضي اغلب وقتنا بلعب الورق والشطرنج والحزورات والألغاز والنوم والأحاديث الشيقة وكانت المجاميع المكلفة بواجبات الحراسة وتوفير الحطب وجلب الغذاء وإعداد الطعام والاستطلاع تقوم بواجبها على أكمل وجه بينما أبو أيار كان دائما منكبا على الرسم والشيء العجيب في طريقته انه كان يرسم صورة في مخيلته ولمدة دقيقة ثم يدير ظهره ليرسم وخلال ساعة لوحة ولدقتها كنت أتصور إنها مكوناتها تتحرك وخلال فترة بقائنا في الكهف رسم عشرين لوحة تجسد حياتنا اليومية وآهٍ لو كانت تلك اللوحات بمعيتي الآن كانت ستعطي لهذا المقال طعما أكثر مما يعطيه المقال برمته...وحسب اعتقادي حل اليوم التاسع وبعد الاستطلاع تبين خلو المضيق من رموز العدو وهكذا عند الصباح وبعد تناول طعام الفطور عقدنا لقاءا للمجموعة كلها وها أبو سعاد يقول أن اللحظة الحاسمة قد أزفت وإننا هذه الليلة سنغادر بعون الله عشنا الأزلي نحو العراق الذي طالما اشتقتموه وما نرجوه من الجميع الشجاعة والتعاون والحيطة والحذر من أي طارئ والصبر ويجب على كل نصير أن يتصف بروح التحدي والإصرار وتم وضع خطة لكيفية مسيرنا ومن سيكون في المقدمة ومن في المؤخرة وكيفية عبور المضيق والتزود بالغذاء والراحة خلال هذا النهار لكي نستطيع مقاومة الطريق والبرد والصقيع الذي سيواجهنا هذه الليلة كما ويجب أن تكون الحركة من حول الكهف ولهذا اليوم بالذات شبه معدومة وشدد على الأنصار القدماء بان يكونوا نموذجا يحتذي به في المساعدة وتقديم المشورة والصدر الواسع والإقدام والثبات عند الشدائد وكانت وجبة الغداء معتبرة ودسمة حيث قمنا بشراء كبشا وتم طبخه وإعداده في بيت احد الأصدقاء وما هي إلا لحظات فقط كانت العظام وحدها ترقص في المأدبة وبعد الظهر تم الاستعداد الفعلي فأخذنا بارتداء المعاطف المطرية والاعتدة وفحص السلاح وتنظيفه وجمع الفراش والبسط وترتيبها والأواني استعدادا لتسليمها وقمنا بإزالة كل الآثار التي استحدثتاها خلال إقامتنا فيه وهكذا والمجموعة المسئولة عن البغال والأحمال ذهبت لإعدادها وهكذا عند المغيب كان الجميع حاضرا ومتأهبا...ودعنا الكهف على أمل الرجوع إليه ثانية في جولة أخرى مجهولة ودعناه جميعا وكان رمز الوداع ليس مصافحة بالأيدي كالعادة حيث لا أيادي له ولكن بقبلة عند الباب وكأننا نقبل ضريح قديس آو مزار لأحد أولياء الله وكم شكرناه لاستضافته لنا كما وتشكل رتل طويل من الأنصار وسار باتجاه العراق حيث الذكرى والمسقط وألام والكلمة والسر وكم من نفس وكيان وجسد ينتظر وصولنا بشوق ولهف فمنهم ينتظر ليستلم قطعة سلاح ومنهم من ينتظر وصول هؤلاء القادمين من أوروبا لعلمه المسبق بقدومه إلى كردستان وكان حملنا كبيرا ليحمله سبعة من البغال المتمرسة وان طريقنا سيكون حتما شائكا وصعبا ولكن أمام المناضل العنيد ستذل كل الصعاب كما سنرى في أعداد أخرى قادمة.....


 

العراق في 19 كانون الأول 2011