من نحن مواقع للإتصال بنا أرشيف الكُتّاب مكتبة الموقع ملف الانصار الرئيسية

أهلا بكم في موقع ينابيع العراق... موقع الانصار الشيوعيين العراقيين  .... موقع علماني ... ديمقراطي ... يساري ... تقدمي... والمقالات فيه تعبر عن آراء أصحابها... والموقع لا يتحمل أيّة مسؤوليّة عن ماينشر بأسم الكُتّاب ...  ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم

 
 

       
Print Article    

19-02-2012

 

   

 

 

علي
2-1

نبيل ياسين

نبيل ياسين يعود للكتابة


لم يرد السيد السيستاني، ولم تصل اجوبته.
لم تكن تلك مفاجأة لي ولكثيرين توقعوا ذلك. وتوقفت عن الكتابة شهرا لكي يتسنى الوقت للسيد السيستاني للرد. التقيت بممثلين عنه في بيروت قبل اسبوعين. جرى الحديث عن الرسالة التي تطلب اجوبته. كثير من القراء والمعنيين والسياسيين الذين التقيتهم يعرفون ان الغرض لم يكن طلب الرد بقدر ما كان كشف الواقع البائس الذي يعيشه العراق وشعبه.
اقترحت على احد ممثلي السيد السيستاني في بيروت، للخروج من الحرج ( اذا كان ثمة حرج في توجيه رسالة اليه) ان لايرد مباشرة على الاسئلة، فقد يكون من الافضل كتابة رأي السيد السيستاني، كما كتب قبله الشيخ النائيني ، وقبلهما علي بن ابي طالب، في الدولة والمواطنة والحقوق السياسية والمدنية والالتزام بالدستور وتحريم الفساد، يكشف عن رؤية المرجعية الدينية لنظام الحكم وفلسفة الدولة والنظام السياسي.



قرأت جميع التعليقات التي نشرت على مقالة (في انتظار السيستاني) وقرأت أيضا تعليقات أخرى في مواقع الكترونية أخرى أعادت نشر المقالة. أريد أولا أن اثبت حقيقة مطبوعة سأنقلها مباشرة من اختتام المقالة، حتى لا يساء فهمها كما هو معتاد، وهي(إنني بانتظار أجوبتك أيها السيد الجليل. وسأتوقف عن الكتابة حتى يتسنى لك الوقت للرد على أسئلتي) وها قد وفيت بوعدي وتوقفت عن الكتابة شهرا لكي يتسنى للسيد السيستاني الوقت الكافي للرد. من جهتي اعتبر الوقت كان كافيا وأعود إلى الكتابة دون أن انقض عهدي فهو مثل عهد الاشتر الذي أوصاه أميره علي أن لاينقض عهدا عقده حتى لو كان مع عدو فكيف بي وأنا عاهدت أصدقاء ومحبين.
إن فكر الدولة الذي وضعه علي ليس سنيا أو شيعيا وليس إسلاميا فحسب. انه إنساني ينتمي إلى العقليات الإنسانية الكبرى مثل فكر أرسطو والتنويريين الكبار.
ليس علي سنيا ولا شيعيا. ففي فلسفته السياسية كان إنسانا جعل من الإسلام موقفا إنسانيا ولم يقف داخل الحدود العبادية ويتنكر للحياة. لذلك تعامل مع الإنسان بغض النظر عن دينه وقوميته. لو عرضنا اليوم فلسفته السياسية والاجتماعية على المفكرين والفلاسفة المعنيين بالدولة وسيادة القانون وفقه الدستور والتعددية والحقوق المدنية والسياسية لوجدوا فيه رائدا قبل لوك وروسو ومونتسكيو وبن وميل في قضايا الحريات والحقوق والمساواة ووظيفة الدولة الاجتماعية. واذا كان الشيعة قد أصبحوا في الدولة ألان فأي فكر سياسي يختارون؟
شرط الدولة قبول الناس بها
يعتبر هيغل إن الدولة تكون مقبولة متى ما قبل بها الرأي العام، العاقل طبعا، فهيغل يعتبر العقل أداة التاريخ. ويعتبر لوك أن الملكية الفردية هي أصل نشأة المجتمع المدني. وتعارضه الماركسية في هذا الشأن ويصبح حديثها عن المجتمع المدني نقيضا لفكرة الملكية الفردية، هي التي تمجد الملكية العامة وتتنكر للملكية الفردية. لكن علي يعتبر المجتمع المتماسك هو مجتمع الطبقات المختلفة ( واعلم أن الرعية طبقات لايصلح ببعضها إلا ببعض ولاغني ببعضها عن بعض).
ويعتبر لوك أن الدولة هي نتاج العقد الاجتماعي، وعلي يعتبر الدولة سلطة الإرادة العامة كما اعتبرها روسو.(إني وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، وان الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم ، وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله على السن عباده) وهو بهذا يحول شرعية الحكم إلى العقد الاجتماعي والإرادة العامة حيث يعبر موقف الرأي العام عن هذه الشرعية بالقبول أو الرفض. ولكن ما هي وسائل قياس موقف الرأي العام؟ بالتأكيد ليست الانتخابات وحدها. فالانتخابات سرعان ما تتحول إلى ندم لدى كثير من فئات الرأي العام.وما يدرينا ما الذي يشعر به الرأي العام الشيعي تجاه دولته فضلا عن استياء الرأي العام السني الذي يرى في الدولة، دولة طائفية لماركة الشيعة فيها أو لهيمنتهم عليها أو لتفرد بعضهم في إدارتها. لم يقم علي دولة شيعية. ومع هذا فان دولته شهدت بداية الصراع التاريخي بين مبادئ دولة ديمقراطية للجميع وبين أسس دولة للخاصة تضطهد المجتمع الذي تحكمه، فقد عانى الشيعة كثيرا من (فكر الغلبة) الذي يحسمه السيف.
لدينا جيران نشكو منهم.فهل لو كان لنا جيران أفضل لدفعوا إلينا سياسيين أفضل؟ هل من المعقول أن تثمر معارضة نظام دكتاتوري ،لأكثر من ثلاثة عقود ، نظاما سياسيا يقوم على المنازعات الناسفة للاستقرار والأمن والدولة والمواطن والموارد النفطية الهائلة التي توزع كل عام، على موازنات لم تبن البلاد ولم تريح العباد فيما يتدحرج العراق إلى ضعف إقليمي جعله خائفا من رغبة دول - قرى، ودول-عشيرة في تقسيمه وإضعافه والسطو على حقوقه السيادية والتاريخية والجغرافية والثقافية والاقتصادية؟هل حقا أن مجلس الرئاسة ومجلس الوزراء ومجلس النواب لا يستطيعون مجتمعين قيادة البلاد ولا يتمكنون من وقف انهيار العراق إلى الهاوية الأخيرة؟
ليس صحيحا اتهام النظام بأنه طائفي. فالنظام ليس شيعيا وليس سنيا. انه نظام عصبوي متعصب للعصبة السياسية والعائلية والقبلية و المناطقية أكثر مما هو نظام يمثل الطوائف. فلا الشيعة يستطيعون قبول شيعي بدون (تطابق) كامل مع(العصبة) ولا السنة يستطيعون ذلك.كان حزب البعث قد وصل إلى هذه الحالة وضيّق المشاركة في السلطة ومغانم تلك السلطة حين احكم صدام قبضته في النصف الثاني من السبعينات قبل أن يكون رئيسا مطلقا.إن النظام اليوم مجموعة متصارعة من الإيديولوجيات العصبوية والفئوية الضيقة. انه نظام خلاصات الأحزاب والتجمعات السياسية القائمة على الولاء العائلي والأخوي والعشائري والمناطقي. وهذا الولاء هو الذي يأخذ الشكل الطائفي لان الشكل الطائفي يغطي هذا الولاء فالعائلة إما شيعية أو سنية والإخوة كذلك والمنطقة إما شيعية أو سنية والعشيرة كذلك. ولذلك يبدو النظام طائفيا وماهو بطائفي إلا بقدر الغطاء الأخير لا أكثر.وهذا ينطبق على القوى السياسية والقوى الدينية معا. فالتداخل بين مصالح العصب السياسية والدينية موحد رغم انه لدى هذه الطائفة قد يبدو اكبر وأوضح من تلك الطائفة، وان دور مرجعية هذا الطرف اكبر وأوضح من مرجعية الطرف الآخر.

مثل سومري: لا جديد تحت الشمس
والأسوأ في الوضع الحالي هو الانعزالية التي تعيشها العملية السياسية في ما يفترض انه نظام ديمقراطي للتعددية والمشاركة المدنية الفاعلة. فالسلطة تجتهد في عزل أكثر الفئات عن المشاركة وتخترع أفكارا لمشاريع قوانين لإبعاد كثير من القطاعات العراقية عن المشاركة. ولعل ما نسمعه بين فترة وأخرى من (تهديد) بإسقاط الجنسية عن العراقيين المتجنسين بجنسية أخرى أو إسقاط الجنسية الأخرى وكأن العراق هو الفردوس المستقر اليوم.
لاننسى أن المثل الذي يقول (لاجديد تحت الشمس) هو مثل سومري. أي رافديني عراقي صميم. فهل لاجديد تحت شمس العراق اليوم؟
إنها السلطة! السلطة التي ظهرت فجأة أمام علي، لا باعتباره إماما للشيعة ولا باعتباره معصوما، وإنما باعتباره ذا مشروع ونظام سياسي واجتماعي يشكل النقيض لحالة الاستبداد واحتكار السلطة وتغييب المجتمع وتقويض سلطة الرأي العام التي جاءت في مفهوم الأمة وحقها في الاختيار والرأي والحل والعقد.كيف يمكن أن تكون سلطتنا أخلاقية؟ هذا هو جوهر السلطة الفسلفي. من السهل أن تكون دكتاتورا، ولذلك يعج التاريخ ببقايا الدكتاتوريين وأحذيتهم ونياشينهم بينما يعيش رجال الدولة ، النادرون، في تاريخ آخر هو الاستمرار كمل ونموذج.
يستطيع أي قاتل أو مجرم أن يكون دكتاتورا. ولكن لا يستطيع أي أخلاقي إلا أن يكون رجل دولة عادلا ونموذجا ومفكرا. يستطيع أي دكتاتور، وتستطيع حاشيته أن تعده،إن يدعي انه مستبد عادل. وهذا ليس تناقضا لفظيا ولكنه محاولة للقتل، أي قتل العدل بالاستبداد.فليس هناك مستبد عادل وليس هناك عدل يتحقق بالاستبداد. إنها جملة ارتزاق وتبرير لا أخلاقي. أما العدل وهو نقيض الاستبداد، وإما الاستبداد وهو نقيض العدل. أطروحة المستبد العادل أطروحة الفكر الاستبدادي الذي يبرر كل محاولة لترسيخ الحكم. من الجبر إلى الإرجاء،ومن مقولة: أن لله جنودا من عسل إلى القتل صبرا.ومن إشاعة مفهوم الفتنة إلى(الأجندات الخارجية) . وبالمناسبة تلفظ كلمة(أجندة) حسب ثقافة صاحبها وقدرته اللغوية ولذلك اضحك كلما سمعتها في المقابلات والتصريحات السياسية والخطب الدينية.
لماذا أصبحت المعارضة منذ أكثر من ثلاثين عاما جزء من النظام الإقليمي ثم توسعت ارتباطاتها لتصبح جزء من النظام العالمي؟ ليس غريبا أن تكون كذلك مع أقلمة الشأن العراقي في حرب إقليمية استمرت ثماني سنوات. وليس غريبا تدويل الشأن العراقي في عملية غزو الكويت التي تشكل تهديدا لمصالح الدول الكبرى الاقتصادية والجيوبوليتيكية. لكن الغريب أن هذه المعارضة، التي تشكل النظام الحالي، قد ذهبت إلى الاقلمية والتدويل دون مشروع.
لإيلام الكاتب والمؤرخ والشاهد على ذكر وإيراد وقائع التاريخ، القديم والحاضر. ولكن يلام من صنع هذا التاريخ بالصورة التي حدث بها. أما لدينا، في العراق فان الشاهد يدان لأنه شاهد الحدث. وهذا أيضا جزء أساسي من فكر السلطة التي تغيب الشاهد لأنها تريد أن تغيب التاريخ.
ذهبت المعارضة إلى التدويل دون مشروع. أو الأصح أن التدويل وجد معارضين بدون مشروع فاثر أن يتعامل معهم، وفي رأي آخر، إن يستخدمهم.وبعد سقوط النظام التي كانت المعارضة تعارضه تم البحث عمن يشبه المعارضة. أي بدون مشروع.
وتم زواج مشوه مخلوط لينتج صراعا على السلطة مستخدما الديمقراطية باعتبارها توزيعا للسلطات ، وتمثيلا للاغلبيات والأقليات. ولكن بما أن القوى السياسية لم تكن مملك مشروعا ليتم انتخابها وفق أهدافه فقد وجد التدويل إن البضاعة البديلة للسوق السياسية هي الطائفية فتم خوض الانتخابات بمشروعين هما السنة والشيعة لا يملكان من البرامج ألا قضايا مثل التهميش والتغييب والإقصاء
ووجدت الأقلمة والتدويل بين يديها أدوات اعتبرتها الوحيدة الصالحة للتعامل معها فإذا بها توقع نفسها وتوقع العراق في فوضى وصراعات شخصية وفساد لاحدود له وإمكانيات معدومة وخبرات ملفقة ومزيفة وصلات وعلاقات عائلية وعشائرية ودينية ومذهبية شكلت بمجموعها نظاما سياسيا جديدا سرعان ما اصطدم بالمؤهلات الطموحة للنهب والسرقة والاستحواذ علي المناصب وغنائم الدولة ومحاصصة الدور والممتلكات والأموال والمناصب فصار سفراؤنا نصفهم من

الدستور والانتخابات: ليس هذا كل شيء!

كشف انتظاري لجواب السيستاني عن محنة. أو بالأحرى، ورطة . يلوم كثير من المؤرخين إصرار علي على التمسك بقيم الدعوة الإسلامية مثل العدالة والمساواة واحترام المال العام واعتباره ملكا لجميع المسلمين والتمسك بالأولويات، فيما يعتقد اؤلئك المؤرخون أن علي كان يمارس المبادئ فلم ينجح فيما نجح معاوية لأنه كان يمارس السياسة. نعم ، كل هذا صحيح. لكن الحكم على علي ومعاوية ليس صحيحا. فعلي كان يحكم مقيدا بمبادئ الحكم ،بينما لم يتقيد معاوية بذلك. قيود حكم علي كانت العدالة بينما لم تقيد العدالة معاوية. قيود علي كانت الحقوق العامة لمواطني دولته، بينما صادر معاوية هذه الحقوق واعتبرها ملكه الشخصي. هكذا نستطيع
إن نقيس وظيفة الحاكم. وبالنتيجة نكتشف أن عليا كان يريد دولة عادلة ودولة مواطنين ودولة ضمانات اجتماعية ودولة ملتزمة إمام شعبها ودولة لها قضاء عادل وقانون له سيادة فوق الجميع بمن فيهم هو، ودولة لها طبقاتها الاجتماعية ونخبتها الثقافية والحقوقية القادرة على تقديم الخبرة وبناء دولة مواطنة فيها حقوق سياسية ومدنية واجتماعية يلعب الدين فيها مع الإنسانية دورا واحدا هو حماية حقوق الإنسان.ليس بالضرورة أن تكون دولة لا تحترم حقوق الإنسان ، وتستبد، وتصادر حقوق المواطنين هي سياسة ناجحة بينما تكون دولة الإنسان فاشلة.
لقد نجح السيستاني في قضيتين واجهتا النظام الجديد، الأولى إن الدستور كتب بيد وأفكار عراقية ، لكن ها نحن نحصد التناقضات المريرة فيه، ونعاني من التفسيرات المصلحية لهذا الفريق أو ذاك، ونعاني من أزمات سياسية مستمرة، بينما الدستور يعاني من سوء الاستخدام ويصبح مثل جرائد يوم سابق تصلح للف الأطعمة أيام زمان. والثانية انه نجح في تحقيق إصراره على إجراء انتخابات
عاجلة لم تستطع الأمم المتحدة استخدام (العوائق الفنية) لتأجيلها، وجاءت الانتخابات بأغلبية شيعية وواجهت العملية
السياسية مأزقها الأول بمقاطعة السنة لها ثم نشأت مشكلة التهميش والتغييب ودوامة النسب التمثيلية على الأساس المذهبي. لكن المشكلة لم تكن في جانب دون جانب آخر ،فالطبقة السياسية برمتها مصابة بعاهات، منها الانفصال عن آمال وطموحات الناس، ومنها التركيز على الصراعات السياسية التي تغطي صراعات شخصية وصراع منافع وإيديولوجيات ومعتقدات ليس بالضرورة أن تكون واقعية وعقلانية، حتى بات التورط بنقدها أو اتخاذ موقف صريح منها حرجا تغطيه مواقف عدم استقبال السياسيين من قبل السيد السيستاني ونقدهم بشكل غير مباشر من قبل بعض ممثليه في النجف وكربلاء وبغداد.