من نحن مواقع للإتصال بنا الأرشيف مكتبة الموقع ملف الانصار الرئيسية

أهلا بكم في موقع ينابيع العراق... موقع الانصار الشيوعيين العراقيين  .... موقع علماني ... ديمقراطي ... يساري ... تقدمي... والمقالات فيه تعبر عن آراء أصحابها... والموقع لا يتحمل أيّة مسؤوليّة عن ماينشر بأسم الكُتّاب ...  ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم

 
 

       
Print Article    

20-02-2012

 

   

 

 

عن الـ(طائر بين حلمين.. ساكن بين جرحين)..!!

كريم كطافة

تعودنا على مناداته بـ(أبو هادي) واللقب هنا منفتح على عالمين (الهداية) و(الهدوء)، لكنه كان أقرب إلى الثاني... لا يتكلم كثيراً وإن تكلم فسيأخذك معه شئت أم أبيت إلى عالمه.. عالم النكتة والطرفة والالتقاطات الذكية.. لم أعرفه سابقاً أنه (مزهرٌ) وحتى حين استوقفتني بضعة نصوص في مواقع الكترونية موقعة بهذا الاسم لم أعرف أنها لصديقي (أبي هادي).. لاكتشف متأخراً أن ذلك السطح الهادئ كان يكمن تحته عالم صاخب.. عالم جمع ما تشظى منه على شكل قصائد ونصوص كان قد نشرها على مدى سنين في مواقع الكترونية وجرائد عراقية، وها هو الآن يعمل على حفظها بين دفتي كتاب اختار عنوانه منذ بدايات النشر، عنواناً تقمص حيرتنا جميعاً نحن الطائفة الاستثنائية، عنوّنه بـ(( طائر بين حلمين.. ساكن بين جرحين)).
ما أقسى ما عاشته طائفتنا الاستثنائية (طائفة الأنصار) في تلك الجبال الممتنعة والدروب الموحشة والمجاعات المتناسلة حاملين الروح على أكفٍّ راجفة مرة من أعاصير الشتاء بزمهريرها القارص ومرة متعبة من تسلق تضاريس القمم التي تناطح السماء.. كنا عشاقاً لفظتنا المدن والقرى حين أُحتلت بالقبح ولذنا بمحاريب المتصوفة في ثقوب الجبال البعيدة.. طاردتنا جيوش متناسلة من رحم الفجيعة وقسّت علينا طبيعة لا ترحم... و(مزهر بن مدلول) أحدنا.. كتب نصوصاً لا تنتمي إلا لنفسها.. ليست قصائداً.. ليست قصصاً.. لكن المؤكد هي تلك الموسيقى التي كانت تسري كالنسغ في عروقها منذ أول همسة إلى آخر لوعة.. موسيقى تتلون صعوداً وهبوطاً في منحدرات ومتعرجات حياة كانت تستبدل منافيها والمنفى واحد..
قسّم رحلته (كتابه) إلى مرحلتين.. واحدة للشعر والأخرى للبوح المفتوح.. وكان الرحلة كلها بوحاً ينبجس من تحت الجلد ويسيل على تضاريس زمنه الوعر.. لم ير غير الجمال المفجوع بالقبح وما عليه كجراح عاشق إلا منحه لمسات من مفردات صادمة لا تدري من أين يأتي بها ليضفى على القبح جمالاً.. كان (مزهر) في هذه الرحلة مزهراً بالشعر.. ولا شيء غير الشعر.. والشعر ليس كله قصيدة.. قدم لنا "أحلاماً مكتملة، بيضاء ومجسمة، طاعنة بالفرح ومكللة بالأناقة.." باثاً في أعماقنا لحناً متساوقاً مع تنهدات فلاسفة ومفكرين وثوار وشعراء وغواني وحبيبات ضائعات.. الداخل في هذه الرحلة لا يملك إلا أن يلجم روحه وهي تريد الانفلات مع أحلام الشاعر... لا بد من التأني.. ثمة سطور، ثمة كلمات، ثمة أشباح وظلال تتلامظ خلف السطور والمفردات لا تملك إلا أن تعود إليها مرة ومرتين وأكثر لترتوي من وهج الجمال الكامن في أعماقها... هي رحلة لجمال هارب من جيوش القبح... تماماً كما رسمها في لوحة قصيدة أرادها قصة.. وكيف طاردته تلك القملة العنيدة لتنهك لوحته وتتناسل جيوشاً من القبح في مزرعة لوحته الجميلة... ومنذ ذلك اليوم وهو يطارد القبح وينظف بساتين الرأس ومزارع الروح الندية...مزهر... كان مزهراً بالعشق ونداوة الروح طيلة السنين.. ومن الآن سوف لن أنخدع بصمته المتلجلج على حافات الصخب الكامن تحت جلده.