من نحن مواقع للإتصال بنا أرشيف الكُتّاب مكتبة الموقع ملف الانصار الرئيسية

أهلا بكم في موقع ينابيع العراق... موقع الانصار الشيوعيين العراقيين  .... موقع علماني ... ديمقراطي ... يساري ... تقدمي... والمقالات فيه تعبر عن آراء أصحابها... والموقع لا يتحمل أيّة مسؤوليّة عن ماينشر بأسم الكُتّاب ...  ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم

 
 

       
Print Article    

14-06-2011

 

   

 

 

الكتاب : عند قمم الجبال

المؤلف: حمودي عبد محسن

دار النشر : فيشون ميديا- مدينة فكشو- السويد 2009

صور الغلاف : محرك البحث كوكل

رقم الإيداع الدولي : 978-91-977445-6-0  

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف  

Boken :Vid bergens toppar

Författaren: © Hamudi Abed Muhsen

Förlag : Visionmedia Kronoberg HB

Växjö – Sweden 2009

Omslagets bild: av images.google.com

SBIN: 978-91-977445-6-0

قراءة في دفتر ذكريات بيشمركة

)حتى الشمس لا تخلو من بقع ) حكمة اسكندنافية

حمودي عبد محسن يقدم في صفحات من دفتر ذكريات بيشمركة لوحات واقعية في  أسلوب أدبي جديد يوثق فيها فترة تاريخية مهمة من تاريخ العراق المعاصر يرتبط بتجربة ذاتية ومعاناة ومعايشة مع قوات الأنصار التي شاركت في مقارعة الظلم ونظام فاشي استخدم الشدة والعنف كأسلوب في حواره مع القوى الوطنية العراقية عامة. هذا الشاب الجليل الذي يحمل معه كل آماله وتقاليده النجفية وأعرافه العريقة يحمل سلاحا ليقاوم الظلم والاستبداد مع أخوة له من المقاتلين الأكراد في ملحمة وطنية ويتجاوز كل الحدود.

الأدب الواقعي في سرد حمودي لذكرياته يأخذنا إلى تفاصيل دقيقة ووصف لطبيعة بيئة كوردستان من قراها وقصباتها في جبالها الشاهقة وبين الوديان ليعرفنا على تلك الرائحة الزكية لزهور البراري وآمال المحاربين ، سرد يذهب بالألباب حين يخوض غمار مواضيع مهمة يعطي للحياة معنى ويتركنا لنتأمل صلابة وشجاعة الإنسان المؤمن بعدالة قضيته متحملا الصعاب وظلم الأنظمة وقسوة الطبيعة.

يعرفنا الكاتب ومن وجهه نظره على تفاصيل نادرة لم يوثقها أي كاتب عراقي بكل تلك الدقة . كنت على موعد معه حين أرسل لي أول حلقة من حلقات ذكرياته كي أرسلها بدوري إلى أخ عزيز يعمل محررا في موقع حكومة إقليم كوردستان واعني به الأخ شكري برواري. فبدأت بالقراءة

" الذاكرة هي نتاج  غزير بالتصورات و الخيال  و الأحداث المخزونة فيها ، و مكرسة للشيء الأهم  المتمركز فيها  والذي يفضي بطغيانه على أشياء أخرى عابرة في التاريخ ، و هي أيضا انعكاس لواقع اجتماعي - ثقافي في الممارسة اليومية  و المعرفة مستمدة من التفاعل بين الإنسان و أخيه الإنسان و بين الإنسان و الطبيعة  و بين الإنسان و آلته الإنتاجية ، ذلك يتم بلغة التبادل القادرة على الجمع بين ما هو متوارث عبر الأجيال و بين الحضور اليومي الذي يظهر إلى السطح عبر لغة رشيقة لها علاقة بالحدث الواقع قديما أو حديثا......................"

وجدت نفسي أمام كم هائل من المعرفة التي لا يستطيع المرء اكتسابها إلا عن طريق المعايشة والتطبيق . عند حمودي يلتقي الفكر النظري بالتطبيقي والعملي في عملية تداخل إنساني  يضيف إلى كل التناقضات بين بيئته الأصلية النجف وبين قرى كوردستان بعدا جديدا يفجر فيه كل إمكانياته الإبداعية ويوظف كل تلك التجارب الإنسانية في عمل أدبي واقعي يفتح باب الاجتهاد بمصراعيه ويقدم نموذجا فذا لتجارب المناضلين كي يكون قدوة للآخرين أمثاله ليوثقوا تلك التجربة الإنسانية التي تحولت اليوم إلى جزء من الحركة التحررية الكوردية المعاصرة من ناحية ومن ناحية أخرى ملكا لكل الإنسانية كتجربة ذاتية تحمل هموم الوطن والإنسان . إن الحيف الذي أوقعته سياسة حزب البعث القومي في العراق على الشعب العراقي لا يمكن حصره في كتاب او مجلد وذلك لهول المأساة وقربة من الذاكرة والوعي العراقي.

كتب لي مرة يعاتب الساسة والسياسيين بعد سقوط النظام البعثي 18 / 6 / 2005 ليذكر الآخرين بمرارة قائلا:

 ............ ))في الوقت الذي يخوض شعبنا تجربته الأولى في إرساء الديمقراطية و أعمار البلاد بظروف في غاية الصعوبة  و القسوة بعد اندحار الدكتاتورية الشرسة  و ما سببته من ويلات بشرية  ومخلفات الخراب و الدمار للبلاد ، لابد من العودة إلى التاريخ وإلى أولئك المناضلين العرب و الكرد و الآشوريين  والكلدان و التركمان والأرمن والصب .. مسلمين ومسيحين .. مثقفين و حملة شهادات عالية .. عمال و فلاحين ، هؤلاء الذين بدأوا حركة المقاومة ضد الدكتاتورية عام 1978................. إنهم يمتهنون مبادئ سامية من أجل بناء عراق ديمقراطي فدرالي لشعب تعذب و عانى كثيرا ، لكن أين الأنصاف بتاريخهم النضالي ، وما هو الموقف منهم في المسيرة

السياسية الجديدة ، وأين هي تلك الدعوة ليساهموا في بناء الوطن ؟

أن التجارب الإنسانية التي يكون فيها إنكار الذات خاصية مكونة لكل تلك التضحيات يقدم روائع أدبية رفيعة تبقى خالدة وحية في ضمير الإنسانية. تلك هي تجربة حمودي عبد محسن وطفله المدلل قارئي الكريم.

 

د. توفيق آلتونجي

السويد

15 / 12 / 2008

 

المقدمة

لقد كتبت مذكرات طويلة أثناء حركة  الأنصار - البيشمركة ضد الدكتاتورية التي تواصلت قرابة 12  عاما ، تخللتها أحداث  وحكايات  وأساطير  وتداعيات وقصص قصيرة  ورؤية واقعية عن بساطة العيش للفلاح الكردي البسيط المتواضع  في قريته الصغيرة أو الكبيرة ، وحلمه الإنساني  بالتخلص من بطش الدكتاتورية  وتوقه للعيش في طمأنينة وسلام ، لذلك كان الفلاح يرى أن البيشمركة هو المكافح الحقيقي لتحقيق حلمه القادم ، فقدم كل ما عنده من إمكانية لمساعدة البيشمركة سواء كان ذلك مأكلا أو لباسا أو مأوى ليليا أو نهاريا ، وفي نفس الوقت كان يشعر البيشمركة بالراحة في القرية ، و غالبا ما كان الفلاح يساهم في الحراسة ليقضي البيشمركة قسطا من النوم ، وليواصل مسيرته النضالية عند الفجر ، وقد وجدت في الفلاح تلك الشيمة والحرص واستعداده  للتضحية بحياة عائلته من أجل البيشمركة وقد التقيت بالعديد من الثوار  من مختلف الحركات التحررية في العالم أثناء دراستي سواء كانوا من أمريكا اللاتينية أو أفريقيا أو آسيا ، أو من خلال اطلاعي على أدبيات هذه الحركات  لم أجد مثيلا لهذا الاستعداد بالتعاون والمساعدة من قبل الفلاح للبيشمركة في كردستان في أية بقعة من بقاع الحركات التحررية والثورية ، وهذا ما لفت انتباهي منذ أن دخلت كردستان في بدايات عام 1980، وهنا لابد أن أشير إلى أن فشل حركة جيفارا في بوليفيا هو أنه لم يستطع أن يدرك أن الفلاح البوليفي لم يكن لديه الاستعداد للتعاون مع حركته  ولذلك فشلت حركته و أسر جيفارا جريحا في أحد المعارك  ثم أعدم ، فقد كانت حركته انعزالية عن الجماهير معتمدا على مبدأ البؤرة الثورية ، وكان عمر حركته قصيرا  بينما حركة البيشمركة كانت جماهيرية تخدمها طبيعة الأرض من جبال  ووديان وسهول ، وذات عمر طويل وتجربة طويلة  وأشخاصها يمتلكون صبرا طويلا ويدركون التقلبات السياسية ويحسنون المناورة السياسية والعسكرية ، بالرغم من أنها مرت بانتكاسات عديدة ووقعت أيضا في أخطاء كثيرة  وصراعات مسلحة دموية راح ضحيتها مئات من البشمركة البواسل ، فكانت تكبو ثم تنهض وهذا سر ديمومتها وانتصارها لأنها حركة جماهيرية  تعبر عن مصالح الفلاحين .

هذا أيضا ما جسدته في المذكرات ، إلا أن تلك المذكرات ضاعت مني في زخم الحركة  وتنقلاتي المتواصلة ، وقد حاولت أن أسجل بعض القصص القصيرة عن الطفل  والعجوز الكردي الذي يتمسك بحلمه بالخلاص من الدكتاتورية  قبل مظاهرة أربيل التي اشتركت فيها مع صديقي الشهيد سعدون ، وكنا نحن الاثنين فقط من العرب اللذين ساهما في المظاهرة  والتي مهدت لانتفاضة آذار في أربيل1991 فيما بعد ، وقد سجلت بعض القصص في بيت العزيز سرود ، فحركة البشمركة أحد الموضوعات التاريخية لأن لا يمكن أن نتعرف على تاريخنا نحن البيشمركة جنبا إلى جنب مع الفلاحين، وهذا يقدم لنا نماذج من الخبرة ، أن نعرف أنفسنا ،فننتمي إليها وفق القناعة التي تولد لدينا ، لنكشف عن ذلك النوع من التاريخ ، تبقى من اختصاصنا ، وهذا الطريق الوحيد للحقيقة والمعرفة التي تشغل مساحة واسعة من تفكيرنا واهتمامنا، فعلى الرغم من أن الموضوع  متشعب ،وواسع يشمل كافة التفسيرات ، والمفاهيم ، الذي يشغل بال البيشمركة ، فهذا ما يجعله موضوعا خصبا وطابعا استثنائيا ، مثلما كان يتجلى لمجمل خبرة التاريخ ، مثالا ونموذجا للحقيقة التي من خلال خطابنا السياسي ، حيث يظهر تناهي فهم إنساني ا، التاريخ يرتبط بعالم الإنسان ، فهناك تواصل لابد منه ، في إطار ثنائية الوجد بين الثائر والناس ، إذ دونه كان من المستحيل التحرر من الدكتاتورية ، وهذا يلتقي من خبرة كفاح المدينة في كونها كشفا حقيقيا لوحدة الصراع والتضاد مع الدكتاتورية ، وإذا كانت خبرة حركة التحرر تلتقي مع خبرة المناضلين في المدينة فان البيشمركة كان السند الحقيقي لهم ، وهذا بالضبط ما حقق الأهداف ، والإيضاح ، والذي يتطلب الفهم والتفسير ، لأن الدور التاريخي للبيشمركة يعزز شكل النضال ، وهو الكفاح المسلح ، فالدور التاريخي موضوع للسابق ، نفهمه على أساس انه لم يعد يبتعد مع القوى الأخرى في المدينة ، وبعد مشقة طويلة بات لا يفصلنا عنه سوى الزمن ، أفلا يعني أن موقفنا اليوم من حقيقة مرتبطة بالجزء الأكبر من واقعية التحرر من الدكتاتورية ، ما معنى هذا ؟‍ انه إدراك إمكانية التعايش بسلام بعد نيل الحقوق كما حدث في كردستان العراق

 

أزهار كردستان

ذات مرة كنت أحاور والد سرود الخبير بالزهور عن زهور رأيتها ، فكان يقول لي : ( لا أستطيع أن أقول شيئا إذا لم أرها ) ، وها أنا أروي قصة تلك الزهور : كنت ، وبحكم اختصاصي في الجيولوجيا ، أجمع الأحجار المعدنية ، وألقي نظراتي عليها ، محددا مكانها ، متفحصا إياها مسجلا ملاحظاتي في دفتر صغير ، ثم أضعها في ( عليجتي ) ، وأنا أجوب أرض كردستان نتيجة ما تتطلبه حركة المفارز المقاتلة ، وعندما تصبح ( عليجتي ) ثقيلة ، أفرغها من الأحجار المعدنية ، لأنها تعيق خفة الحركة خاصة إذا كنا في مسيرة طويلة ، تتطلب صعود الجبال ، وفي أثناء هوايتي تلك كنت أراقب الورود من سفوح الجبال في أشهر الربيع ، إذ هناك حادثة غريبة حدثت لمجموعتنا الجيولوجية في القرم ، فقد كنا ندرس ، ونبحث عن معدن الحديد ، ونحدد انتشاره على الخارطة الجيولوجية ، وحالما انتهينا من تحديد موقع الحديد ، صعدنا إلى الجبل ، وإذا بنا نجد أن خارطة انتشار الحديد مرسومة على الأرض على شكل ورود صفراء ، مما أثار تعجبنا وتساؤلنا ، حينها تأكد لنا أن هذه الورود ذات ارتباط بتواجد الحديد ، وظلت هذه الحادثة تطاردني إلى كردستان ، فكنت كلما أنظر من قمة جبل إلى سفحه أتفحص الأرض ، وأبحث عن توزع ورود أو نباتات برية ، هكذا صرت أرغب دائما الجلوس قرب أي قطع جبلي ، يظللني من الشمس ، ويمتع نظري بالتطلع إلى الوادي أو السفح ، وانتعش من نسيم الهواء ، تضرب وجهي رذاذ المياه الهابطة من أعلى الجبل ، ينتابني إحساس بالهدوء ، والطمأنينة في ظل الطبيعة السخية ، المدهشة ، الفاتنة ، ثم أنقاد إلى حلمي ، وحلم الفلاح في الخلاص من الدكتاتورية ، وأغتنم الفرح على الأرض التي تشبعت بالخضرة ، والأنهار ، والينابيع ، والزهور ، والكفاح الإنساني من أجل أن تنفض عنها الأحجار ، والصخور ، والأدغال ، وتتحول إلى حقول ، ومزارع ، وبساتين ، إذ اندمجت مع الأرض ، وشممت تربتها ، وعانقت أوراق أشجارها ، ولمست وريقات النرجس ، وارتويت من أعذب المياه الصافية ، وحرثتها بحربتي لأدفن جسدا مخضبا بالدم ، بالعرق ، بالنبل ، وأودعه بالحزن ، والدموع ، هذه هي الأرض غمرة كفاح ، ومسيرة طويلة على الأقدام ، يتغلغل شذاها في أعماق الروح ، وتتصاعد أنغامها من تغريد طائر الكاو ، من خرير الجداول ، من همس أوراق الشجر ، من تصافح سنابل القمح في نسيم الفجر ، دائما تتحدث عن جوهر سري ، و تتكلم عن التاريخ بواقعيته ، بأساطيره ، وتغمر الإنسان بوحدة عميقة لا مثيل لها ، تتموج روحه مع بهائها ، وتتجدد مع سحرها ، في إيقاع الزمن ، في عالم مرئي يحيطه ، إنها رعشة من التاريخ ، يحيا فيها الإنسان خلوده الدنيوي ، هكذا كنت أتأمل اللحظة الخالدة ، لتتجدد روحي بالحب ومعنى الوجود ، وجدوى الكفاح ، وأتخلص من تعب المسيرة الطويلة على الأقدام حاملا على كتفي بندقيتي ، وعلى ظهري ( عليجتي ) ، ويتغير عندي مشهد العالم ، لأكتشف زهورا في القطع الجبلي ، حدقت إلى بهائها ، وسطوة ألوانها السحرية ، ومأثرتها الجمالية المتوازية ، المتناسقة ، المنسجمة مع إيقاع المياه ، كانت منبعثة على حافتي ممر أسود دقيق لمياه هابطة من أعلى القطع لنبع صغير ، تحيطها حشائش خضراء ، وترتعش رعشة خفيفة حين يداعبها رذاذ الماء ، وكلما رحت أقترب منها ، وأتفحصها بعيني المبهورتين ، كان يتملكني إحساس إنها تنظر إلي ، وتدعوني أن أتحدث عن سر ، أكتمه في داخلي ، وأنا أحاول أن أسترجع ولادة ألوانها بعد أن اتحدت نظراتي معها ، كانت بيضاء ناصعة ، مزينة ببقع حمراء ، ثم أصبحت صفراء فاتحة ، مزينة ببقع سوداء ، مع هبوب نسيم دافئ ، فتساقط قطرا من أوراقها أشبه بدموع حزينة . يا للعجب  ! هذا ما قلته مع نفسي احتراما إلى صمتها ، وأنا مشوشا ، عاجزا أن أكلمها ، بغتة تضرجت بحمرة كأنها فتاة خجلة عذراء بشعر مسرح أسود ، تطوق عنقها قلادة بيضاء ، تندفع الدموع من عينيها ، فبقيت ساعات أتابع تبدل حركة ألوانها ، ورؤية شحوبها تارة ، ووميضها تارة أخرى ، و هي تستأذني أن اكتشف سرها ، وكلما تغير لونها ، تغير جمالها بصمت إلى شكل ، وجوهر آخر ، فصارت ألوانها أشبه بإخطبوط يلفني بأذرعه ، ويهيمن علي ، إنها تتحد معي اتحادا لا انفصام منه ، وانفتح أمامي عالم جديد ، صار يترك أثره على كفاحي في المسيرة الطويلة ، فعندما أعيش معاناتي ، و أنا أنزل جثمان شهيد إلى لحده ، ، وأطعمه بالتراب ، والحجار ، فيصير قبرا خالدا ، أهرع إلى أي نبع قربي أو حقل ورود ، فأقتطف زهورا ، وورودا ، وأزين القبر بها ، و أنا أمسح دموع الألم والحزن ، هذا ما كنت أستطيع أن أفعله ، أن أمسح الدموع من عيني ، وخدي ، هذا هو الفرق بيني و بين تلك الزهور النائمة في النسيم ، في الظلال ، و المتفتحة ، والمتغيرة الألوان بتأثير شدة أو ضعف الضوء عليها ، لم أعرف اسمها ، ولم أهتد إلى شئ عنها سوى أنني أعرف موقعها في أحد القطوع الجبلية في منطقة زيبار قرب سهل نهلة .

 

الدموع

كلما التقيت هذا البيشمركة بعد الأنفال السيئة الصيت تنسكب من عينيه الدموع ، وقد عرفناه صلبا صبورا في النضال الطويل ، إلا أن الكلمات التي تنساب منه على فقدان زوجته كانت مؤلمة إلى الحد الذي تتجمد في عيوننا الدموع ، ربما لو مرر هو أصابعه على جفونه ، وعصرها لسال منها دما ، وهذا عذره لما يلج في خاطره من ألم ، فلم يبق أمامه إلا أن يمد بصره ، ليتجلى الحزن على وجهه ، وكنت أسأله : ما بال عينك دمعها لا ينضب ؟! فكان يجيب بصمت ، وأنا أقرأ أعماقه ، وهو يخاطبها ، وأنا أكتب : ( أنظر إليها من السماء ، بآلاف العيون اللامعة لأرى نومها ، لأرى انسدال الليل ، وسحائب بيضاء ، كما لو أنني من عيون ، أريد أكون الليل صامتا ، كل شئ فيه صامتا ، أنا غير موجود إلا في حلم الليل ذاته ، في الحقيقة ، هنا لا تضمحل عيوني ، ولا تلغي مسار الليل

ولا سيادتك يا سيدتي !

 أنت تنامين خالدة ، يسكن الجمال جسدك الرائع ، مزينة بلون أزهار الليل ، ستغفرين لي نطقي : أننا خلقنا من نسيج الأحلام ، أنني موجود في الحلم ، لم أكن أعرف من أنا ، مستيقظا في حلم أم صوت صامت في الليل ، أو تحررت من الموت الصلد ، صعب المراس ، لم أكن أعرف من أنا قبل أن أنام ، إذ لي واجب مقدس أن أنجزه ، أن أنظر إليك في الليلة المعتمة ، العميقة…ولأن عيوني تقطع آلاف الأميال كي تنظر إليك ، كي أراك تنامين وحيدة على ألوان الأزهار ، وتصحين بشكل رائع في الليل لأنك دائما تبدين جميلة ، الآن دموعي توهجت مثل حريق هائل ، وجهك أكثر لمعانا من دموعي يشبه شيئا لا يوجد قط ، كل شيء ينساب هاربا مثل فراشة ناعسة

مرآة الزمن سيدتي لامعة جدا مثل القمر …أحبك إلى الأبد …أحبك من مسافة اقطعها منفردا ، سبعة أيام ، ويخلق الكون من جديد مثل سعة بحر ، وكبر بحر ، مثل وميض تصادم خوذة مقاتلين عندما تلتقي الرجال ، لقاء كبير ، معركة نسيج من النور والظلام ، رجال يتقاتلون ، يموتون ، حبل ربطنا ، سلم تصعدين عليه إلى السماء مثل برج بابل الشهير ، وحدك رائعة يا سيدتي ! تجتازين الزمان مثل نهر عتيق ، ها عيوني تغدو أجفانها متعبة ، تتعلق فيهم صورة حصان جامح يدق حوافره فوق سنابل شقراء ، تطلعت حولي عندما تنهضين ، يهفهف شعرك كعادته في نسيم الليل ، وتعبرين الدروب ، ثمة موتى في الطريق ، موتى يزيدون على الألف ، يتكدسون على بعض ، استقرت قاطعة الطريق ، عيوني تخاف الموتى بينما أنت تنهضين ، فتعلقت الدموع في عيوني ، تألقت مثل كواكب الدراري ، كان لي ذلك قديم قدم الزمان ، يروع لي كشف الدجى ، ظلمة الليالي ، أنوار التجلي ، فالأسى أسى من الدموع ، وأنت تستفيقين ، فتتعانق الدموع عناق لقاء ، صافية دون أي رياء ، تضج بالحنين دونما ضوضاء ، وتسامره ابتسامة رسمت على وجهك ، رائدة السعادة ، ويتجلى شفيق الأفق منسابا بالندى يتطهر بماء السماء ، وجهك صبوح ، مستحدث بنفحة طيب بلا مشبه ، ها أنذا بسطت وجهي أسترد الدمع عن حلمه بحسنك الجميل ، فأيقنت ما نمت إلا وطيفك يراودني ، ويحييني بعد الموت ، ولا ريب أن أكون صامتا ، ومسكني مستقر في عينيك شاء لهما أن يختما في قلبي) 

هكذا كنت أرى صديقي يتحدث بالصمت ، وأنا أتأمل وأفسر صمته العميق ، والدموع تترقرق في عينيه ، وقد تجاوز الكهولة ، هكذا البشر في وحشة الفراق تفيض أرواحهم بالتقرب إلى وجه الحبيب رغم أن عيونهم تستفيق بالدموع وتكون الخدود مسبح الدموع ، ومورد ملئ العيون حزنا ، فكنت أكرر مع نفسي ، تكمن عظمة الإنسان بالحب

كوابيس زنزانة

كنا نسير بتمهل وبطء في برواري بالة متجهين إلى إحدى القرى على طريق مغطى بالثلج ، مغمور بالضباب ، وندف الثلج الكبيرة تترسب طبقات فوق أغصان الأشجار ، وعلى أكتافنا ، وصار البيشمركة الذي يسير أمامي أبيض تماما ، وهو يسير بصعوبة ، وتحفر أقدامه بالثلج ، وسقط عليه كوم كامل من الثلج ، بحيث بدا لي أبيض من فرط سقوط الثلج ، لا يجد ضرورة لنفضه ، فسألته : - كيف الشتاء في كردستان ؟

فوقف ، واستدار نحوي ، فكان وجهه مكلل بالثلج ، فحرك كتفيه ، وذراعيه ، ونفض الثلج عنه ، وقد حرك شفتيه ، ليقول :- جميل

ثم استدار ، وواصل مسيرته ، وأخذ يردد :- هنا الحرية ، أتنفسها ، وأشعر بجدوى وجودي ، وأنا أحمل البندقية

ثم صمت ، فسألته :- وهناك في بغداد

استدار بجسده كله نحوي ، وقال :- ماذا تقصد ؟!

:- الحرية

:- أنت تعرف ، لا وجود لها في عهد الدكتاتورية …إنها كوابيس زنزانة

:- لا أفهم…هل كنت في زنزانة ؟!

:- أجل ، كنت في الجحيم ذاته … سأحدثك عنها في القرية

وفي القرية ، وفي مسجدها راح يروي لي عن كوابيس زنزانة ، وأنا أستمع إليه في غاية الذهول ، وأنصت إليه ، وأسجلها وأرويها : ( كان  يتقلب على السرير قلقا صامتا ثم راح ينظر إلى السقف ويواصل تحديقه إليه بينما كانت رائحة جسد زوجته الغافية إلى جانبه متعلقة في وجهه . لم يكن يريد النهوض بالرغم من أن الساعة كانت تشير إلى الثامنة صباحا ، وضع أصابع يده على شفتيه لكي يدفن التثاؤب الشرس في داخله ، ويبعد عن مخيلته الصور الباهتة المشوهة التي بدأت تتراقص بسرعة أمام ناظره ، وشيئا فشيئا أخذت تتراكم في السقف ممزقة جسده المهشم في زنزانته تحت الأرض . لم يخرج منها إلا قبل يوم ، عبثا حاول أن يقبر تثاؤبه ، ليحل محله صوت السجان الخشن وهو يفتح باب زنزانته بتمهل ، ويأمره : - حضر نفسك !

انتابه اضطراب عميق كان يلازمه منذ أودعوه  الزنزانة جعله يتصور بادئ الأمر أنه قرار الإعدام ، فصار السجان قبالته عمود الموت ، استغرق في تأمله مذعورا صامتا ، ومنصرفا عن أي شيء يربطه بالدنيا لكن تلك اللحظات المرعبة لم تدم طويلا فقد اكتشف أنه السجان لا عمود الموت .

لملم حوائجه بسرعة فائقة . عصبت عينيه . اجتاز الباب منهك القوى ، وهو يقوده من ذراعه ترافقه طبطبة حذائه . لا يتذكركم من الوقت مضى وهو يسير في دهليز بارد يعود لعصور سحيقة يحتبس فيه الهواء ويمتلئ بالعفونة ، فجأة توقفت طبطبته . كاد قلبه ينفجر كالبركان . تسمر في مكانه مرتعبا وسيطرت عليه فكرة رهيبة : سيخرج من الدهليز ميتا . مشى مرتبكا ، حزينا ، وهو يكتم صرخات مخنوقة في أعماق كيانه ، ويتصارع مع جوقة شياطين تودعه بصيحات جنائزية .

    أطلقوا سراحه

سار في الشوارع والأزقة والأسواق تائها ، لا يعرف شيئا . سار بخطوات قصيرة وبطيئة يستنشق حريته ووجه الجلاد بصوته وأنفاسه المرهقة لأنفاسه ماثل أمامه ووراءه وأدوات تعذيبه تلاحقه . لا يدري لماذا كان يغيظه نور الشمس الذي لم يره لمدة طويلة ويغيظه الناس الذين يمرون بقربه دون أن يعيروه أي اهتمام . أجل ، أغاظه ضجيج المقاهي والصياح والضحكات وصخب السيارات . لم يعرف في أي سجن كان .كل ما يتذكره كان في زنزانة تحت الأرض .

تثاءب…كان تثاؤبه خافتا مثل أنينه في تلك الزنزانة ، كان يعلو وينخفض منتشرا على أجزاء جسده وعلى الزنزانة الرطبة المتآكلة المقذوف فيها وحيدا . من شدة التعذيب راحت مخيلته تسيطر عليها كوابيس مرعبة فقد رأى جدران الزنزانة تتسع إلى ما لا نهاية ، وهو يركض كالمجنون والجلاد يركض وراءه وهو يحمل بيده سيفا…بعدها تخيل إنهم رموه في بركة ديدان قذرة أخذت تنهش جسده وهو يتلوى،

ويصرخ ، ويموت ، ويحيا من جديد ويموت مرة ثانية .

تململ في الفراش وطوى ساقيه ، أراد أن يوقظ زوجته ، دغدغت أصابعه أجزاء عدة من جسدها الناعم حتى توقفت عند بطنها الذي يتلذذ كثيرا حين يلمسه . أطلقت ضحكة ناعسة ثم سحبته برقة من شعر رأسه إلى صدرها وطوقته ، وهي تقول : -  عذابي الطويل قد زال حينما فتحت الباب ورأيتك .. .

رقد قربها مسترخيا وهو يهدهد كلماتها ويردد بداخله : الحب ما ألذه ! لكنه بغتة عاد إلى عوالمه ، إلى جثث الموتى التي تتوزع فيها وصراخ المعذبين والدهاليز العفنة والأبواب الموصدة ثم غزت مخيلته صورة مجنونة لزوجته وقد علقت عارية من معصميها في سقف زنزانة تعذيبه  وصار جلاده جلادها ، أخذت تصرخ بوحشية من بشاعة التعذيب وتنزف دما : احمر ، أصفر ، أزرق .

وهو تائه في كوابيس وعفن الموتى وسحنة الجلاد الكريهة ، أيقظته طرقات على باب الدار . اعتدلت زوجته جالسة وقد شحب وجهها وتراقص القلق في عينيها . كاد يبعد الوسواس بالقول أن الطارق ربما هو قريب عرف بإطلاق سراحه ، لكن طرقات عنيفة أخرسته ودبت القشعريرة في بدنه حين مست يدها الراجفة ذراعه وهمست : يا ستار من جاء ؟!

ولكي لا تقرأ الخوف في وجهه أشاح عنها هامسا بوهن : ( ربما هو أخي لا تخافي ) ، لم يفطن والطرقات تكاد تمزق أعصابه إلى أن أحدا غيرها لم يسمع بعد بإطلاق سراحه ، لا يدري متى أخرجه عنف الطرقات من الشلل ، فراح يجرجر قدميه نحو الباب متحاشيا نظرات الهلع في عينيها وهو يأمن النفس بأن الطارق قريب أو صديق …لماذا يعودون لاعتقاله ، وقد أطلقوا سراحه البارحة فقط ؟ وربما لإطالة هذا الشك ، لم يسأل عن الطارق بل فتح الباب بيد راعشة .

اقتادوه معصوب العينين وهو يتظاهر بعدم الرعب مما ينتظره في الزنزانة …لكن الرعب لم يفارقه ، ولم يفارقه التعذيب من جديد بأشكال أكثر بشاعة ، لا يمكن أن يتحدث عنها المرء ، وهكذا أطلقوا سراحه من جديد ، هذه المرة لم يذهب إلى البيت ، بل التحق بالبيشمركة ليتنفس الحرية ، ويحمل البندقية ،كان ذلك في عام 1981

 

الديوان

أن التقليد السائد في كردستان ، والذي يعبر عن ذاته من خلال الأسلوب والممارسة  لأمر بالغ الأهمية ، فمنه يمكن أيضا أن نتلمس العادات ليست مجرد شكل عابر أو ظاهرة سريعة زائلة ، بل انسياب تاريخي عاشه المجتمع منذ القدم مكرسا للتوارث جيل بعد جيل ، وهذه نظرة أولية تدعونا إلى البحث في المجتمع الكردي تاريخيا واجتماعيا ، تميزه عن شعوب المنطقة لغة وثقافة ، لذلك فأي بحث أو دراسة ميدانية ونظرية لابد ما يبررها قولا : أن الشخصية الكردية لها سماتها الخاصة تحتاج إلى تصويرها وتفسير واقعها المتداول …وهذا ما يدعوني التركيز على النقاط الآتية :

1 - طابع الأسى : أن المجتمع الكردي عانى من الظلم والاضطهاد لفترة زمنية طويلة من قبل الحكومات الرجعية المتعاقبة على الحكم ، فتجلى هذا الظلم على شخصيته ثقافيا ، وجعلته يتوق إلى الحرية وهو يقدم التضحيات المتواصلة التي لم تعد خافية على أحد ، فالأسى ظل يرافق أجيال متواصلة حتى استطاع أن يحقق حريته.

2 - طابع المقاومة : حدثت ثورات عديدة تجسدت في طابع التحرر من الظلم حيث توجت بثورة شيخ محمود الحفيد ، الشيخ أحمد البرزاني ، وثورة المرحوم القائد ملة مصطفى البرزاني ، وكان طابعها الكفاح المسلح ، الذي أعد أجيالا متمرسة لهذا النضال .

3 - الانتكاسات : لقد مرت الثورات بانتكاسات عديدة أبرزها انتكاسة عام 1975 بعد اتفاقية الجزائر المشؤومة ، وهذا ما جعل الشعب الكردي يعتمد على نفسه في قيادة ثورته ، فقد صلب عود مناضليه للتحدي ، والصمود .

4 - التغيرات الاجتماعية :لو تأملنا حقبة ثورة المرحوم البرزاني لوجدنا إنها أضفت طابعا سياسيا ، وقرار ذا دلالة للتحرر من الظلم ، وهذه الثورة أمدت الشعب بتجدد في طبيعة الحياة والاستعداد على تقديم كل شئ للثورة فقد أكسبته صلابة وجرأة وتحدي رغم الأخطاء التي وقعت بها ، فهي أسهمت بتجلي أشياء جديدة في التآلف المعاش بين ثورة مسلحة ، وطبيعة الحياة اليومية العادية للناس ، وأرست تقاليد وعادات تميز بها الشعب الكردي ، فالقروي ملزم أن يأوي البيشمركة ويساعده ، ويستضيفه في بيته الفقير من الطين والصخر، ويقدم له المأوى والغذاء ، ذلك كان أحد العوامل الحاسمة في ديمومة الثورة ، التي أعطت فهما تاما له ، أنه بهذه المساعدة يصنع نفسه ، ويصنع التاريخ ، وكان ذلك نتاج لوعي قومي وثقافي ، إذ وجدناه نحن البيشمركة ، ولمسناه حينما التحقنا بالحركة بحقبة أخرى ، متلائما مع لغة مشتركة ، ومضمون مشترك لمقاومة ظلم الدكتاتورية المقبورة ، ومن خلال ذلك ، ومن خلال كل العصور التي مر بها الشعب الكردي ، أحيا نزعة التعاون التي امتدت إلى جذور المجتمع رغم العداوات القديمة والثارات العشائرية ، لقد أحدثت تحولات اجتماعية وتغيرات متلاحقة حيوية سياسية : ( أن العشيرة أو القرية تسخر للثورة ) ، ومجمل هذا التقليد حد إلى حد ما من تأثير العشيرة على الفرد ، وأصبح الانتماء للثورة ، وهذه التطورات أحدثت تغيرات في المجتمع التي أبرزت نوعا جديدا من الانتماء ، وأصبح تقليد يومي وحدت الغاية والنضال من أجل الوصول إليها ، وعلى هذا أساس هذه النظرة  فان دراسة الشخصية الكردية تتخذ أهمية خاصة منذ أن تأسست كيانات البيشمركة ، وقد حدث انقطاع في امتداد الثورة بعد نكسة 1975 إلا أن التجدد ظل موحدا معها حتى لمت كيانها ، وإن هذا الانقطاع لم يدم طويلا ، وبقي المفهوم سائدا ، ومعمولا به ، فالماضي جرت صياغته بشكل آخر ، وهو بناء المقرات في المناطق العاصية ، يمكن للبيشمركة أن يرتاح فيها ، ويقضي حاجاته التوجيهية ، ويتسلح بذخيرة معينة ، وغالبا ما تعقد الاجتماعات للتداول بشؤون تطوير الحركة المسلحة ، واستيعاب الزخ الكبير من الملتحقين الجدد ، فأصبحت المقرات مراكز قيادية تنطلق منها المفارز القتالية ، لاقية الدعم من القرى ، فهذه الحقيقة لابد من معرفتها على كونها تجلي التطور التاريخي للبيشمركة التي أخذت تحتل القصبات ، وتوجه أعنف الضربات للجيش ، وقد توج ذلك بانتفاضة آذار الذي طور عمق الصلة بين الجماهير في المدن والبيشمركة ، فقد أسقطت المدن ، وحررت الأخرى ومنها مدينة كركوك .

وهنا بعد هذه التوطئة فإنني يجب أن أشير إلى قضية_ الديوان_بوصفه نتاج لهذه التوطئة ،أي نتاج لممارسة ديمقراطية عامة أولية في القرية  أو ممارسة ديمقراطية بدائية ، وقد يصح أن نطلق عليها نظام الشورى في القرية ،ولهذا بودي أن أوضح بعض المسائل في هذا الصدد :

1 - انعدام وجود سلطة الاستبداد الدكتاتورية في المناطق المحررة ، وسيادة سلطة البيشمركة التي عملت على تطوير هذه الممارسة الديمقراطية سواء في داخل القرية أو بين القرية والبيشمركة ، ولذلك تمتعت القرية بحرية تتلاءم مع الظرف الثوري التي تمر بها حركة البيشمركة التي أخذت تعني بشؤون الناس ، ومصائرها التي تجابه أشرس دكتاتورية عرفها التاريخ ، إضافة إلى أن القرية بحاجة لمن يحافظ على كيانها ، ويحميها من هجمات الجيش ، ويدافع عنها ، ولذلك صار الترابط مصيري يهم الجميع في مصلحة مشتركة إلا وهي التخلص من الدكتاتورية .

2 - إن الديوان هو عبارة عن غرفة مؤثثة بسجادات أو بساط بسيط على الأرض ، ووسادات تشبه الدواوين الشرقية ، تعقد فيه الاجتماعات ، والتداول بشؤون القرية ، وحل مشاكلها بعد حضور وجهاء القرية ، أو أغلب أفرادها لهذه الاجتماعات ، وغالبا ما تدعو المفارز أهل القرية إلى الاجتماعات لغرض توضيح النهج السياسي للبيشمركة والتطورات المستجدة وموقف البيشمركة منها  أو طلب المساعدة من القرية في أمور تخص البيشمركة .

3 - إن أغلب القرى لها مختار يساهم في إدارة شؤون القرية ، وقد يكون بيته ديوان للحوار ، وقد يكون هو نفسه شيخ العشيرة خاصة في القرى الصغيرة ، ويتطلب من المختار أن يحظى باحترام أفراد القرية ، وحسن علاقته مع مفارز البيشمركة .

4 - الدواوين تكون أمكنة للضيافة وتعقد فيها مناسبات الأفراح والأحزان ، واستقبال مسؤولي المفارز لضيافتهم في بيت المختار ، وهنا لابد الإشارة أن كل بيت يستقبل بعض من أفراد المفارز ، وقد يكون مسجد القرية هو الديوان سواء لاستقبال المفارز للمبيت أو عقد اجتماعات مع أهل القرية .

5 - أتذكر إن هناك مشاكل كثيرة حدثت بين مفارزنا ، وبعض القرى ونحن نمارس أرقى نضال ، وحينما يجري الاجتماع مع وجهاء القرية أو ندعو أفراد القرية للحضور ، يلمس الإنسان تلك التصورات والأفكار التي تطرح بتعبير عن أمور الحياة والموقف من الدولة الاستبدادية ، ويلمس أيضا طرق التعبير، ونضج المحتوى في حل الإشكاليات المطروحة للنقاش .

إن الديوان هو امتداد تاريخي ، امتداد للماضي ، وميزته العامة هي الممارسة الديمقراطية ، وقد تكون ميزته أيضا القدم .

 

موت وحب

 

كان النهار عاديا ، والشمس تميل إلى الغروب ، ثم حدث كل شئ بسرعة ، طائرات الدكتاتور حلقت فوق القرية في وادي الجبل ، ورمت حمولتها من قنابل ، وصواريخ ، تغير العالم ، وانهدمت البيوت ، كان انفلاق الحمولة إلى زرقاء بلهب حارق ، وحشية بالغة داهمت أهل القرية ، وأصبحت علاقتها بالسماء التي تنحدر نحو الزرقة غامضة ، ومجهولة ، أحنت رؤوسها ، وأغمضت عيونها ، لأنها انتفخت ، وخرجت إلى الأمام ، واسودت الدنيا فيها ، كانت الكلمات مسموعة ، والصراخ مسموع ، فقد فصلت رائحة دخان الانفجارات الغروب المنحدر نحو الزرقة إلى ضلالة أرضية ، قنابل الدكتاتور قاتلة ، مؤذية فتمددت أجسادهم جثث هامدة ، وانكشفت بسرعة استثنائية لتستوعب فهما أخيرا ، أن قنابل الدكتاتور قاتلة ، مؤذية ، حرمتها من تعاقب سحر الغروب ، وحرمتها من عدالة الأرض ، إذ كل شئ اسود في عيون أهل القرية ، هبط الراعي ئازاد راكضا من سفح الجبل ، الذي لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره ، إنها لحظة رمادية ، ناقمة ، لا يعزيه فيها شيء ، وفر قطيعه إلى أعلى قمة الجبل ، لحظة عمياء ، هائجة ، حصلت أمامه بوضوح ، لا نهايات عادية لها ، فجأة ثمة نسمات باردة هبت من الوادي ، أصابه ذعر الألوان ، وهو بعينين مقيدتين إلى القرية  انعقدت في فمه الكلمات التي انطلقت هائجة أيضا بلا صوت ، طوحت به في القرية يبحث عن الجثث الهامدة ، عن من يبحث ؟! عن أهله ، فالقرية كلها أهله ، عن حبيبته ، فالقرية كلها حبيبته ، وعلى شفتيه دعاء وعلى وجهه ارتعاشة خوف متصلب ،لم يستمر ذلك طويلا ، فقد احتضن حبيبته ، وتسرب غاز الكيمياوي إلى جسده ، ولم يكف في حديثه عن الدعاء ، هذا فناء ! لأن في هذه اللحظة كانت الأرض هي المعنى الكامل له ، لم يستطع أن يروي قصصا عن قريته ، هكذا غاب ئازاد في فترة غياب القرية في الموت البديهي حيث كل كلمة منه فيها اعتراف : الحب ، الصدق ، النبل ،رغبة متشابكة في الكلمات ، وهو يشم رائحة طين القرية قد تبدل ، ورائحة ترابها قد تبدل ، وعبثا حاول أن يهز حبيبته الذي كشف عن سر الحب في الموت ، فهي لم تكن لديها لحظة لتبكي في دمائها مثله ، كل شئ في القرية أصبح غير قابل على الحياة والاستمرار ، إذ كان للنجوم أن تجرد من ضوئها ، والقمر من بياضه لأكثر من لحظة ، لأكثر من عام ، كان ئازاد يعاند طويلا أن أهل القرية سينهضون من الموت ، وتتأرجح الكلمات ، هكذا كان يغيب كل شيء : عين الماء ، الشجر ، الحيوان ، الإنسان ، كلها تغيب في أقصى ما يمكن ، فلم يجيد ئازاد التحديق ، فاسودت الدنيا في عينيه ، وينغمر في غياب أبدي على صدر حبيبته .

 

كل شيء في بكاء

حول مائدة الأكل والشراب

والدكتاتور في زهو ، وثراء

من خبز الفلاح

من زبد البقر

من مذبحة القرية

ذئب تستر في ثياب

وعلى المنابر صياح

وعندليب ينوح في كردستان

ورياض الدكتاتور حافلة بالغربان

والخراف

والغزلان

وهو أسد في قطع الرقاب

فكل شئ في بكاء

في كل بيت بكاء

أحقا سئم ئازاد الحياة

والصفر تضاعف في أعداد

موت حبيبته في أعداد

وتتماوج الأفكار كتماوج البحار

وهو في انتظار !

أتنجو الحبيبة من الهلاك ؟!

من بطش الدكتاتور

من نمور ، وذئاب

وينهدم الكون من أساسه

ففي كردستان بكاء

وحكايات ما تشاء

وينهض ئازاد…!

 

أسطورة الكاو

 

بزغت ليلا نجوم ، وبدور

ومن مدخل بيته رأى نجمات أولى

قديمة

طالعة فوق الوادي العميق

رأى أنوارا متناثرة

ظلالا في أبراج

أحس أن النهر في الوادي

سحر سري فضي

كان يميز لونه عن بقية الألوان

يغطيه عطر الزهر

رائحة الأشجار

وعقاقير النبات

والأوراق الرطبة الندية

تقطر ندى

في بداية كل مساء

وهو يخرج من بيته

ويرى : ظلال خطوات

مشتهاة

تبشر بمجيء الليل

وانحدار جليل في الألوان

 في تلك اللحظة يكون الضوء

قد دق الوادي 

ويكون الكاو قد تهيأ للغناء

صادفته في الرؤية :

نجمة مجهول تشبه السماء

تثير أعماقه

وتشغف عيونه بدمعة رقيقة

صوته جميل في كل مساء

هادئ ، وناضج

وناعم مثل سطوع النجوم

يغدو لطيفا

في مجد الأضواء والسكون

في مجد اللون الأزرق الخفيف

ما أجمل هذا المساء !

يتفتح الوادي إلى امتدادات بعيدة 

صوته جميل في كل مساء

يهز سيقان ورود خالدة

لم تغن الورود

إنها تنتمي للوادي

وصخب نهره الصافي اللامع

إنها تنبعث من دقيق حافاته الصخرية

المتعالية ، المنحدرة في سواد الليل

دائما الورود لم تغن

وهو يتحرق شوقا إليها ،

إنها بعيدة المنال

يخلد صوته المألوف

في رقص سيقانها

وفي الوادي بيت وحيد

معزول

بيت من حجر وطين

بابه مفتوح كل مساء

في هذه الليلة القمر مضيء

في متاهة النجوم

كم هو مفرح أن تكون الليلة مضيئة !

حيث الحنان والصداقة تلفان الوجود

حيث البيت شيء مألوف

في كل صباح يخرج صاحبه

ويعيد تشيد مزرعته

سكون عميق ، وشدو الكاو

في أروع روعته

وفي الأرض مسك يفوح

وعطر زهر

أراد الكاو نشيدا أوحدا

يستنطق صدى صيحته

من جانب الوادي

رجعا على البيت يفيض

يعتاد ترديده في كل صباح

والشمس ناشرة أشعتها الحمراء

والكاو يردد إنشاد اللطف

في كل صبح بالنسيم عابق

وفي عز النهار صورة لطفولة

في البيت الذي لا يعرف التواريخ

تطأ خطوات طفل

الأفق بعيد

ذكريات صوت الأجداد

تصيبه بالذهول

تلك شاهدة قبر

اندهاش لمعجزة السنين

شئ ثابت لا يحتاج إلى بحث

ذكريات معتادة ، متكررة

العشب ينمو ، يعلو

مشيدا سياجا ابتدعه لوحده

الطفل يلامسه بيديه الصغيرتين

يداعبها مع تبدد الغروب

القمر يدنو في الليل من جديد

ليس شيئا غريبا هذا

أن يغني الكاو

إلى بيت الطين

إلى النار في الموقد

إلى خبز الصباح

إلى لغز الوادي

إلى الحلم الأخير

إلى شاهدة القبر

إلى رمز الوجود

ينفد صوته في روح المخلوقات

آه ،وا أسفاه ، قنابل الدكتاتور تدمر البيت

تحطم الأشياء ، وتذوب

الكاو يغادر بيته

ذكريات لا تنسى

لن يرى الطفل

لن يرى البيت

لن يرى أحدا 

لمن يغني بعد الآن ؟!

وأن يمنح نفسه الكلمات

ظل الكاو ينتظر بلا طائل

فقد تحية الوداع الأخيرة

وكف عن الغناء

 

أصداء الربيع

 

بالنسبة له كبيشمركة كانت روحه تهفو حية متقدة مرفرفة نحو الأرض المزدهرة في دأب مماثل وانكفاء على الربيع ، اكتشاف سحر الأرض  وألقها  ورونقها وسخاءها وكان ذلك في الأيام الأولى من الربيع ، كأن بقية الأيام جسر للحياة فقط فيها الانتظار والترقب كي تؤدي إلى الربيع حيث صفوة الأشجار فيها شرايين تتدفق ببراعمها منساقة بطيب معطاء فتخفق روحه وتهب له حبا  وإعجابا بأنغام المياه الوارد من الشلالات أو من السماء ، ها هو ذا تراه قابعا مع الطبيعة أينما استقرت المفرزة وهي تعبق بالألفة الفريدة ، بينما هو راحت تجثو على صدره نكهة تفتح برعم ، فيهفو إليها ويحدق فيها منجذبا مسحورا فينتشر على وجهه اللطف وتغالب شفتيه ابتسامة عذبة ، متموجة في عينيه الصافيتين ، فتضمان وجهه تلك الابتسامة المتألقة بين شفتيه ، وعندما تداعب أنامله البراعم يحسبها كانتقال اللؤلؤ بينها  ، خاصة المتفتحة منها ، ويرن سقوط المطر خفيفا منسابا كالخطى ليتفتح فردوس الربيع أمامه  يلتئم مع عقد الندى ، وتشرأب روحه  التي تتحلق بالرؤيا من عينيه ثم تنسحب نظرته على الجبال الشاهقة ، حيث تطل منها طيور ساجعة مغردة وهو في صمت ذكريات كل ربيع ، لا تكون الارض خالية من الحزن حالما يتذكر أنه ودع بيشمركة فيها ، تتقطر فوق مشاهده سحائب بيضاء وترمق عيناه الشاخصتان الذاهلتان أطيافه الحبيبة ، فيتمتم ألفاظا منبعثة من صدره كأنه يحمل روحه في روحه ، ثم ينحت الكلمات على جذوع الأشجار الندية ، وتتبدى نظرته إلى الأفق البعيد ، مرحة ، هفهافة ، إنها نظرة شفافة طاهرة مسربلة بالطيف ، ويلاحق فراشة صغيرة بديعة الألوان ، ويتردد صوته دافئا ناعما : أنني قبضت عليها ، فيمسكها من جناحيها وينظر إليها كأنه يفتش في أسرارها منزلقا إلى عينيها وخفة جناحيها وترتسم في عينيه كامل صورتها ثم يطلقها في الفضاء ، ويطارد أخرى  منزلقا قرب جدول ماء كل شيء فيه متناسق ومتآلف ، توهم عينيه بظلال سمكة مرت سريعا ، وتحاول قدمه أن تنزلق في الماء ، وروحه تتناغم مع فراشة جديدة قبض عليها بطريقة تناغم يديه اللتين لا تؤذيا الفراشة ، وهو يردد إيقاعا مناسبا مع خرير الجدول  تناغم بإيقاع مشترك . أن الربيع بلونه ومطره يعزف موسيقى متناسقة مع روحه وحركة جسده فيمثل متسقا ملونا بنبرات صوته ، وكلمات ملحنة تنبعث من أعماقه : الربيع جميل في كردستان ...  هذا النزق الرشيق يجعله مبتعدا عن مكان استراحة البيشمركة ، فيتفق لقدميه أن تتحركا ويديه تصفقان في ظل مرن أخضر فتتفجر في ذاكرته فكرة معينة تتجاوب مع الطبيعة ، وها هو يرمق الكاو أو بلابل  نافرة  فيقف هنيهة  ليلقي عليه نظرة ناعسة ثم تهبط نظرته إلى حركة الكاو وانتقاله من غصن إلى آخر ، ويسمح لقدميه أن تغوصا في ماء الجدول البارد الصافي فينتشي كامل جسده ، ثم تضطجع قدماه على الضفة وهو راض مستكين ، فالماء بارد ينشط جسده  وهو يستجدي أن يمسك الكاو ويداعب ريشه ، ترى أي تآلف معاش بين هذا البيشمركة وأوائل أيام الربيع ، تجتذبه صفوة خضراء  مختارة من عشق البراعم مرتشفا نظرة يفيق قلبه إليها ، وغالبا ما تتمخض عيناه بالدموع منذئذ تهادي إليه خبر استشهاد بيشمركة ، فيبتعد عن المفرزة  ويمارس طقوسه مع هياكل الربيع  وصوره الخلابة  وأنغامه الشجية ، ، وفي الفجر له عالم مهتز هو سفح الجبل ، فله ألحان عفوية شفافة متألقة ، أما الصباح فهو بوهج مغموس بالنشوة حيث تغمس أحاسيسه لذة الشمس الكامنة خلف الجبل ، و يزجي سمعه إلى أنغام زجلة ناعمة تسري نغمتها في عروقه  تختفي وتظهر  ليتفجر جوهرها في معنى الصباح  الذي أستشرفه ليتذوق نشوة تنقلها الطيور والألوان والروائح العطرة ، لقد وهب هذا البيشمركة حياته كلها للنضال ضد الدكتاتورية موطئا قلبه لجمال كردستان ، فالجمال له تعبير آخر غزير العطاء ، يستل أرق العواطف عمقا وتدفقا  واستصفاءً ، تجعل هذه العاطفة متعلقة به حبا أبيض يخشى المرء أن يفارقه ، وهاهو يرتبط بالربيع أكثر جمالا وقيمة حيث يجمعه المعنى والتناسق ، والرونق والمجد ، كأنه خرج من برعم كردستان  يتفطر حلاوة وشجونا ، وتتشقق ألوانا من متعة الترنم  تنور ألف فهم وتفسير، وكثير من العطر المصفى في أجواء الطبيعة منذ بواكيره الأولى ناضج موهوب يحيا في أفق جديد ، ينسرح نظره إلى الطبيعة مشغوفا بها  ، ومنذ طفولته وجد فيها نغما خفيا تسلل إلى روحه وهز كيانه  فسرح إليها منذ أن بزغت نظراته على نبع سخي ونقي ، وزوق صدره بها وتعلق قلبه بأزاهير متفتحة صامتة صابرة ممدودا ظله عليها في أصداء الربيع

 

الذاكرة الحية

 

أنا الآن في الهزيع الأخير من الليل حيث يعتصرني الألم بكفه ولم أعد بحاجة إلى كف آخر حيث يكفيني هذا الألم لأكافحه ، والذي ينتابني من حين إلى حين مثلما هو الآن ويأخذني وميض غريب وهو يفززني من انهماكي في الكتابة عن كردستان و يجعلني على يقين تام  ودائم باستحالة نسيان الأحداث التي مرت بي ، إنها الذاكرة الحية  التي تشعرني بإحساس لن يتلاشى عن مشاعري ، فمشاعري صادقة وفي غاية الكمال وخوفي أن لا تسجل الذاكرة الحية كل الأحداث أو  خشيتي من نفسي أن لا أستكملها ، وأنا أبدأ من حين إلى آخر في تسجيل السطور التي تغمرني بسعادة كبيرة  حتى ولو كتبت سطورا قليلة مجتهدا في تدوين الكثير منها ،  فأنظر إلى الوميض الخافت للمصباح الموضوع على الطاولة والأوراق المبعثرة عليها  إذ يأخذني التدقيق في سكون  منحنيا على الأوراق ، وفي بعض الأحيان يحملني الخواء لعالمي  فأبحث عن شيء يمنحني الدفء والتآلف .. وقليلا ..قليلا  أجده في رنين التليفون ، كما يبدو لي أني أتنفس عالمي بصعوبة وأقرأ ما كتبته بصعوبة أيضا ، فأحول نظري إلى نافذتي التي تقع بجوار طاولتي واستمع إلى قطرات المطر التي تطرق نافذتي والتي تتشرب منها الأشجار والأرض ، ثم أزيح رأسي عن الأوراق بعد لحظات السعادة التي تملكتني حين أنجز شيئا من صفحات من دفتر ذكريات بيشمركة ، فتأخذني زخات المطر إلى الذاكرة الحية من ظلال كردستان ... الظلال لا تصمت ، وتسمعني ترنيمة رقيقة شاردة بلا ضجيج ، وتعطيني أملا أن الكاو يثرثر في منامه في مثل هذا الوقت ، فأقف قرب نافذتي ملتزما الصمت  أتفكر بالماضي ، وهذا شئ مألوف بالنسبة لي  نابع من لحظتي .. شئ عجيب هذا الحنان الذي يتفجر في الأعماق .. عندئذ تأتيني الذكريات والتي أصبحت ذروة في تراث التعبير المنشود ، أجل ..  أتوقف قرب نافذتي ..لاشيء سوى أني أتوقف برهة من الزمن توقظ في داخلي الذكريات ، أحاول أن أستعيد عافيتي في الكتابة وأحاول أن أطمئن نفسي على أنني أستطيع المواصلة في الكتابة ، أنني أكتب بعد قليل وتتراءى لي وجوه في وميض الخلود .. عايد ، حكمت ، أبو رستم  أبو علي النجار ...  ابتسامات أبدية في علو السماء الزرقاء الصافية  بل تظهر فيها أربعة نجوم ساطعة على تجربتنا التحررية من الدكتاتورية ، فكانت أعماقي ترتعش من فرط الذكرى ومن فرط الضيق فأنهم لم يشهدوا التحرر من الدكتاتورية ولا يمكنني أن أحدثهم ، فجاءتني القدرة على تحمل ذلك بمفردي حيث لا شئ سوى الأرق يأخذني على مشارف الكتابة  التي تكاد تنتهي ، لن أحتمل ذلك بمفردي ربما – الانتهاء من النص يمنحني الإشارة للنوم -  كل شئ يبعث على التفكير حتى ذكرياتي ، أمسك بالحدث .. آه من تلك الليلة التي انزلقت علينا وجبلتنا بالدم  والمقاومة ونحن نتلمس عظمة الدم  والمقاومة ، حينئذ أتذكرها فأمسك بقطرة الدم .. بالعشب ..  بالحجر وأتابع جوهر الخلود ، وأنا أرى وجوه قدسية تسمو هناك قد أدت واجبها الوطني فأعزي نفسي فاجعل العزاء ينسجم مع الذاكرة الحية ، فالمطر ينهمرخارج نافذتي وأنا ألقي نظرة على ضوء المصباح الخافت بينما عيناي تتأرجحان فوق الأوراق وتستقران في تاريخ 19| 2 |1982 ، فقبل هذا التاريخ بأيام كنا نتنقل في سهل الموصل وقد بلغ عددنا الستين مقاتل حيث كنا نختفي في النهار ونظهر في الليل ونستطلع مواقع الجيش ونخطط للعمليات العسكرية  فكنا نتحرك بحذر ، فشاءت الأقدار أن نقضي هذه الليلة في قرية ( سينا ) القريبة من قرية ( شيخ خدر ) التي لا تفصلها عنها إلا مدرسة القرية  التي تقع في أطرافها ، ويحدها من الخلف جبل دهوك الوعر الأجدر  ويواجهها سهل واسع ينتهي في جبل ألقوش ..  وقضينا الليلة في المدرسة بعد أن وضعنا كمينا على الشارع الترابي الذي يؤدي إلى شارع دهوك - الموصل  وحارسين قرب باب المدرسة  وفي الليل استطاع جيش من المغاوير الذي جلب من الجبهة بغية الانتقام منا نتيجة لكثرة العمليات التي قمنا بها خلال تلك الفترة ، التسلل وتطويق القرية بنشر قواته في الجبل وكمائنه في السهل وقد لاحظ الحرس أبو علي حركة غير عادية باتجاه المدرسة وهي مجموع من الجنود فأطلق النار عليهم ثم تبعه حكمت مسرعا وأطلق قذيفة آر بي جي  فجرح في بطنه وحدثت معركة قرب المدرسة ، ثم قررنا الانسحاب وبقي أبو رستم وعايد مع الجريح في حين ذهب أبو علي لجلب  ( بغل ) لسحب الجريح ، وأثناء انسحابهم وقعوا في كمين للجيش استشهد على أثرها عايد وحكمت  واستطاع أبو علي  وأبو رستم الانسحاب بعد معركة مع الكمين ووقعت جثتي الشهيدين في يد العدو ، في حين قتل من العدو ثمانية جنود وضابط ، وهكذا تمر أيام الكفاح وتستمر بطولات أبو علي النجار وأبو رستم فيستشهد أبو رستم في سهل نهلة  في معركة ضد الجحوش بعد أن أنقذ رفاقه حيث غطى انسحابهم بعد أن جرح وقاوم إلى أن نفد عتاده فأطلق النار على نفسه ،  ويستشهد أبو علي في معركة ضد الجحوش في باعذرة ، ربما انتهت الذاكرة الحية بعد العناء المشترك الذي سأعانيه في النوم غير المستقر لذلك  أشفق على نفسي في جدال مع الألم  وأنا بودي اطلاق صرخة قوية من داخلي: النجوم الأربعة الساطعة لم تر التحرر من الدكتاتورية.

 

الثائر الأسطورة

 

من المسلمات المطلقة للبيشمركة هو التفاعل مع القرية في المناطق المحررة ، إذ كانت تستحثه دوافع عديدة لذلك نمت وتطورت مع مرور الزمن حيث قوة أواصر التعاون بين البشمركة والقرية ، فنضح في روح البيشمركة حب الآخرين باتقاد نتيجة  لوعي الذات لمقاومة الدكتاتورية ، وصنع التاريخ الإنساني لشعب عانى من الاضطهاد والاستبداد وقدم التضحيات الكثيرة ، وغرس هذا الحب في أعماقه لأن تلك المسيرة أوقدت بنور الكفاح وارتبطت بشخصيته التي أصبحت جزءاً منه  ومن تاريخه ، وهو يعتز بها ويفتخر بها دائما والتي ربما ميزته عن الآخرين ، إذ غايته كانت تنبعث في التحرر من الظلم وكما يدرك أن غايته لا تصدأ وهو يبقى يحن إليها كتآلف مع الناس .. إلى تلك الوجوه الطيبة من أهل القرى التي أطعمته وآوته في أحلك ظروف  وعانت أشد تعسف من قبل سلطة الاستبداد في التهجير والتشريد والأنفال سيئة الصيت ، فكان يؤمن بأن الاستبداد زائل وأن السعي للوصول إلى غايته ليس سهلا ، وكان يعزز إيمان انتصار قضيته شيوخ القرى الذين مروا بتجارب صعبة في الحركة القديمة  وشهدوا سقوط الحكومات الاستبدادية ، وكانوا يكررون دائما : ( أن الحكومات تسقط ... والثورة تستمر  ) ، و غالبا ما كانوا يتذكرون الثائر الأسطورة محمود يزيدي الذي أرعب السلطة بعملياته العسكرية في أعوام 1975 وحتى أعوام 1978 وقدرته في الإفلات من  إنزال الجيش في مناطق كارة التي كان يعتصم بها لوعورتها وسهولة حركته فيها وتعاون أهل القرى معه ، وكان أيضا يقوم بعمليات عسكرية في المدن ويتخفى فيها ويتمثل بشخصيات متعددة ليفلت من أيدي العدو ، فهو كان يحسن الكر والفر كوسيلة من وسائل طريقة مقاومة الجيش والتي تمتد جذورها التاريخية إلى المقاومة الأسبانية أثناء احتلال نابليون لأسبانيا ، وانتشرت كتكتيك نضالي في الحرب العالمية الثانية ضد النازية  والفاشية ، وكذلك استخدمته المقاومة الجماهيرية في أمريكا اللاتينية ضد الدكتاتوريات ، إلا أن المقاومة الكوبية امتزجت بالدعم الجماهيري من داخل المدن وهذا ما حدث في كردستان أثناء انتفاضة آذار 1991، فقد امتزجت بتحرك البيشمركة  والهبة الجماهيرية التي اقتحمت الأجهزة القمعية للسلطة ، وقد سبقتها مظاهرات في بعض المدن مهدت لذلك خاصة في أربيل ، ومن الجدير بالذكر إنها بدأت كتحرير في رانية و كركوك ، وهذا ما يؤكد على التفاعل ما بين الجماهير وحركة المقاومة  والذي نجح فيه محمود يزيدي ، فكانت قرى كارة شديدة التفاعل معه ، وذكر لي أحد مختاري القرى أن فن تحرك محمود يزيدي مع مفرزته الصغيرة فاق أجهزة السلطة القمعية للقبض عليه ، وذات مرة استدعى ضابط الأمن زوجته  وسألها : ( هل يأتي محمود إلى البيت ؟ ) ، فلم تستطع أن تنكر ذلك ،  لأنها كانت حامل بولده ، فأجابت : ( نعم ) ، فلزم الضابط الصمت ، وقال لها : ( أنت ذكية ) . إن عجز السلطة للإمساك به ، جعلها ترسل مندسا بين صفوف مفرزته  وكان ذلك من الأعمال الخبيثة التي كانت تستخدمها الأجهزة القمعية التي راح ضحيتها العشرات من المناضلين ، كان محمود بحكم ذكائه ، وبحكم عمله السابق كنائب ضابط في الجيش ، وهو ابن المنطقة ، فهو من قصبة باعذرة ، يشك في الشخص الملتحق ، إلا أن الآخرين كانوا يزكونه ، فذات يوم من أعوام 1978_1979 كان محمود ينام تحت أضواء السماء المزركشة بالنجوم في قرية بلوطة ، وكان المندس حرسا  فأمطر محمود بوابل من الرصاص ، وجعل محمود يتخضب بدمائه الطاهرة ، وقبل مماته أوصى مختار القرية أن يدفنه ، ويدرسه بحوافر المعز ليختفي قبره ، و لتفشل السلطة بالعثور عليه ، ونبشه ، وكانت السلطة تحاول الوصول إلى معلومات عنه ، إلا أنها فشلت في ذلك ، ولم يفش المختار سره رغم المعانات التي لحقت به ، إن قبر محمود لابد أن يظهر بعد أن تحقق حلمه بتحرر شعبه من الظلم ، ولتضع على قبره باقات الورود ، ولنقف دقيقة حداد احتراما إلى بطولته التي أصبحت أسطورة بين الناس .

 

ترنيمة وجه الميت

 

كان الضابط جالسا أمام منضدته ، والتعب باديا على وجهه ، كأنه أمام جسد ميت ، يفتح له عيونا حزينة مقهورة . تراءى له الحريق المنعزل لمعركة الأمس قبل لحظات الغروب الأولى . ناره عابثة في بقعة صغيرة من الأرض ، ترتجف لتحطم أشعة الشمس الذهبية ، وتغير لون ضيائها ، فتحجب عن العين رؤية قمم الجبال الشاهقة ، والطائر البني الحائم المرتعب من تشابك الألوان . العشب المحترق يمتد حتى عين ماء صافية ، تتشبث على سفح الجبل . الدخان المتصاعد يشوه خضرة الأوراق ، ويطعن نضارة الصيف . كان الرصاص يدوي ، وجثث جنوده تتراقص بائسة في عينيه الحذرتين ، القاحلتين مثل صحراء تناثرت فيها أعشاب برية . تطلع حواليه ، لمح جنديا يسير ببطء وحذر . كان الجندي عابس الوجه متعبا ، يتخبط وكأنه في كابوس مريع ، ولم تمض لحظات حتى سقط ميتا أشبه بوميض برق في ليلة راعدة ، ممطرة ، وأخذت تتداعى أمامه صور جثث الجنود المتساقطة كما لو إنها تخرج من الجحيم لتعود ثانية إلى الحياة ، وهو وسط النيران اللاهبة الزرقاء كأنها القيامة !!! وعادت من جديد صور جنوده الميتة تجول في رأسه وهي تتصارع مع حيوانات عملاقة تلتهمها مثلما تلتهم البغال الشعير فانتابه رعشة قوية ، صرخ على أثرها : ( تقدم ) . كان الجنود يقتربون من الموقع ، وهم يطلقون النيران من أسلحتهم . تبعهم بحذر وبطء بعد أن توقفت المقاومة ، تقدم ، نحو الصخرة فوجد شابا ترتسم على شفتيه ابتسامة وداع ، فتش في جيوبه فعثر على درهم فقط ورواية ( دروب الجوع ) وقصيدة عنوانها ( إلى ولدي الذي لم يولد بعد) .

    صارت الابتسامة الوادعة تلاحقه ، فترددت في فضاء الغرفة أغنية إعادته إلى عهود قديمة ، كادت تنطلق منه قهقهة تسخر من غربته عن نفسه ، من وحدته ، وحين شعر بالبغض حبس دمعة كادت تسقط من عينيه ، ثم عاد إلى نفسه ، تناول كتاب ( دروب الجوع ) وأخذ يقرأ بتلهف شديد كمن يبحث عن شيء فقده . تعلقت صفحات وسطور الكتاب بذلك الوجه الوسيم المدمى ، ودخل المشهد في موكب حزين إلى أعماق روحه . تطلع إلى زوايا غرفته شزرا ، فوجدها قد امتلأت بحشرات لم يعرفها من قبل . تناثرت في فمه كلمات يحد بها نفسه ، تزاحمت مشاهد الرتل المهيب مجددا أمام ناظريه . أيقظه مجددا صوت ضربت الأرض بقوة وهو يقول : - هناك أحد ( الفرسان ) يريد التحدث إليك …... سيدي

:- دعه يدخل …

    أجاب الضابط بضجر ، وهو يعتدل في جلسته ، وتصنع بملامح جادة ، ولكنه لم يستطع إخفاء وجه الميت المتلاحم مع صور كتاب (دروب الجوع ) . التقت عيناه مع عيني ( الجحش ) الواقف قبالته مندهشا حائرا ، ووضع يديه على المنضدة ، وصار ينقر بأصابعه العشر لحنا جنائزيا .توقف عن النقر ، تفحص الهيكل الواقف أمامه ، وقال : -  ماذا تريد ؟!

    تقدم ( الجحش ) بارتباك ، ووضع أمام الضابط منديلا أسود منتفخا بم احتواه .

: - ما هذا ؟!

سأل الضابط بحدة .

: - أرجو أن تفتحه ، يا سيدي ، وسترى ما بداخله ، أجاب الجحش بصوت متلعثم .

مد الضابط بهدوء ذراعيه إلى المنديل ، وبدأ يفتحه بتردد ، فجأة نهض من مكانه منتفضا ، وصرخ 

: - ما…ما هذا ؟!

: - أذن أحد المخربين ، سيدي …

   خيم الصمت مجددا ، تراجعت أصابعه ، وشعر بالضعف ، حبس صرخة كادت تنطلق من فمه . فتح خزانة المال ، وأخرج منها مبلغا ، وسلمه إلى ( الجحش ) الذي جاء ليستلم مكافأته ، وعندما أراد الخروج صاح به الضابط : - قف … لقد نسيت أن تأخذ الأذن …

: - عفوا سيدي …

وهم ليأخذ المنديل المدمى بالأذن ، فإذا بالضابط يقول : - اتركها…

    أغلق ( دروب الجوع ) ، ووضع رأسه على ذراعيه المتشابكتين فوق المنضدة ، وأغمض عينيه . انبعث وميض يد ساحرة ، يد أمسكت المنديل ، فهتف بكلمة ( لا ) . مد يده إلى الأذن ، ووضعها على راحة يده اليمنى ، وصار يتفحصها ، بغتة قفزت من يده ، وسقطت إلى الأرض ، تابعها محاولا الإمساك بها ، لكنها ابتعدت ، حاول مرة ثانية الإمساك بها ، فافلتت من يده ، رمى بجسمه عليها ، كان ذلك بلا جدوى لأنها طفرت من بين ذراعيه ، جال بنظره حواليه بذهول ، أخذت جدران الغرفة تهتز ، وأثاثها يتحرك بلا انتظام ، وسقطت صورة الدكتاتور على الأرض ، وتناثر زجاجها ، نظر إليها فإذا بها تصرخ به : - سأعدمك …

    أصابته رعشة قوية ، تحسس أذنه اليمنى فكانت في موضعها ، انحنى مجددا ليواصل بحثه عن الأذن زاحفا على الأربع،حينئذ يئس من العثور عليها ، وخرجت منه صرخة مجنونة: - ما هذا ؟ أين الأذن ؟!

أيقظه من جديد صوت الجندي : - نعم سيدي …

    نظر إليه بعينين مفتوحتين على وسعهما ، أراد إخفاء ارتباكه . نهض من الأرض متصنعا الوقار ، وقال : - هل ناديتك ؟!

: - أجل سيدي …

: - إذن خذ هذه الأذن ، وادفنها ، و أترك المنديل على المنضدة .

    جلس مرتخيا على كرسيه منفصلا عن رؤياه الكابوسية ، فرفع عينيه إلى الجدار ، رأى صورة الدكتاتور في موضعها ، وخيل له أنه يراه لأول مرة . وجدها صورة عادية تخفي ابتسامته ونظرته أشياء مجنونة …

    أمضى الضابط ساعات مرعبة إلى الوقت الذي سار فيه مع أولى دقائق غروب الشمس ، فقد جمعوا أهل القرية ، وصفوهم صفا واحدا أمام قريتهم المهدمة والمطرودين منها  قسرا ، توجه قائد القوة بالأمر إلى الضابط الواقف واجما يتحسس المنديل الأسود في جيبه

: - أطلق النار عليهم !

جفل الضابط ، وتراجع إلى الوراء ، فاتحا فاه ، هز رأسه وأخفضه نحو الأرض ، ورد بصوت متكسر

: - سيدي ، لا يمكنني فعل هذا…

صرخ الضابط بفصيلة الإعدام

: - أنتم…

وأومأ إلى ضابط آخر يقف بجنبه بنزع رتبته ، وقف ، وهو يتلمس المنديل الأسود في جيبه ، ويشد عليه في جيبه ، علت هامته ، وطاولت هامات الرجال الواقفين ، أخرج المنديل من جيبه ، شدده مضموما بقبضة يده اليمنى ، ابتسم ، وقال هامسا : - انتهى كل شيء …

قطع همسه لعلعة الرصاص ، وسقط الجميع على الأرض : نساء ، وأطفال ، ورجال …

 

اقتحام ربية

 

 عندما  وهبنا الله كل شئ لم يكن ذلك عبثا فقد أعطانا القدرة على الشعور بأننا أحياء في ملكوت الطبيعة حين تهب الرياح وتتساقط الأوراق  والأغصان  وتتصدع الجذوع  وفي الأعالي يجلجل الرعد مدويا  فنشيع نظراتنا إلى وهج البرق الأبيض فكم هو  سريع ومذهل ، وفي أعماقنا أسرار رجال تهدي إلى التأمل ، فيها يلوح لنا مشهد الغابة  التي تقربنا ببرودتها إلى الدفء حين نبحث عن حشائش يابسة نشعلها ونكدس فوقها الحطب لنشعر بالدفء ، وتثار نار الشوق في أحلامنا وهي  تترنح بين الجذوع وأشجار الصنوبر وتصر على ذلك في اثارة  الدفء ، وبعد لحظة ليست طويلة  يتساقط المطر بغزارة , لا أمل أن نستغني عن المكان ففيه نتلهف إلى استمتاع فريد ونحن قرب موقع العملية العسكرية ، وكلنا يفتخر إنه استمتع بالحياة بما فيه الكفاية في أرض كردستان ونحن لا زلنا في ريعان الشباب إلا أن طول الوقت لم نقضيه في النقاش بل في تبادل الخواطر عن الغابات  والجبال والمغارات والكهوف ، حيث هكذا وجود فيه متعة ونحن نتطلع إلى شئ جديد في يوم طيب  حسنا…حسنا …أحدنا يقول سنعيش طويلا  وبهدوء  ورقة  وما نفقده من أفرادنا خسارة كبيرة ، ماذا ينبغي أن نفعل بعد الانتصار ؟ فهذه مسيرة طويلة وصعبة  ولا أحد يريد أن يقضي حياته خارج هذه المسيرة …ماذا نفعل هنا في هذه الغابة وبين شقوق الصخور ؟ ألم نكن نهدف إلى العملية ..  أجل الاستراحة تعطينا طاقة جديدة  كنا ندرك ذلك إلى الحد الذي تمنينا فيه أن تطول كي ننعم بالدفء قرب النار ، وكلما تخللت مسامعنا  زخات المطر جعلتنا نذهب مع الخيال ونزيد من حطب النار … الوقت بطئ  ولا زال يختفي بين أسلحتنا ، بعضنا كان  يتجول في الغابة وآخرون في الوادي وتحت المطر وهم في شغف ونشوة  أو لا يسره  هذا الاستعداد الوجداني ، والعملية لا تستكثر علينا النقاشات  ولا يستطيع أحد أن يتمادى طويلا ، فكل شئ مرهون بإشارة الانطلاق ، والانتظار يخلق الجزع  والقلق وربما  تضايق البعض  وهامت خيالاته في الوديان آخرون تولهوا بها عندما عرفوا أسرارها ، إننا سنضرب ربايا ألقوش ونقتحم بعضها  ورأينا أن نصب لعناتنا عليها ، إن الوقت يتمطى .. وها هو الغروب قادم  وتقدمت السرايا  المؤلفة من مائة مقاتل ، وكان على الأقل ان نقتحم ربيتين ، وتسللنا من جهة الجبل لتكون ظهورنا إلى ألقوش كي نباغتها بسرعة ، وكانت إشارة الهجوم تبدأ من ربيتنا ، وقد غلب علينا الهدوء والتماسك ، زحفنا إلى الربية .. نحن مجموع الاقتحام  حيث لم تبعد عنا عشرة أمتار  وانطلقت أول قذيفة- أر بي جي - فأخطأت الهدف  وانطلقت القذيفة الثانية ولم تصب الهدف ثانية ، فركضت أنا واستوليت على سياجها فسقطت الربية من الممرات التي تواجهني ولم يقدر أحد من الجحوش أن يتحرك  وفي هذه الأثناء قام الحارس بالرمي باتجاه رفاقي  وأنا أصرخ أن يتقدموا لمساعدتي  فلم يتقدم أحد فبقيت وحيدا على السياج وفتحت إحدى الربايا نارها باتجاهي وحاصرتني عند السياج  وقطعت عني طريق الانسحاب ، وبقيت لفترة حتى اعتقد رفاقي أنني استشهدت ، وظلوا يحاولون  بشتى السبل سحب جثتي ، انتظرت لحظة وركضت باتجاه رفاقي وحين أدرك إنهم يطلقون النار علي انبطحت بسرعة وصرخت في إيقاف إطلاق النيران ، وبعد وصولي اليهم سالما انسحبنا بهدوء ، وفي صباح اليوم التالي شاهدت سروالي قد مزقته الطلقات ، وقد أخذني الرفاق بالقبل ، وكانت مجموعة الاقتحام  يعتقدون أن جحشا خرج من الربية  فرموا عليه ، هذه ليست المرة الأخيرة التي أتعرض للحصار وأنجو منه ، لقد فقد كنت دائما ارتدي جلباب الصبر في مثل تلك المواقف وأقضي على القلق والتوتر الكفيل بإخراج المرء من الحصار ، لأنني كما قلت في البداية نحن وهبنا كل شيء للقضية التي آمنا بها .

 

 

 

 

أنشودة الراعي

 

عيناه الصغيرتان السوداوان

تعرفان أسرار الجبل

نظرتهما المديدتان

تعرفان أسرار المطر إذا هطل

تعرفان موقع الصخر

من كل الجهات :

سفح ، وادي ، وغابات شجر

وهناك قبر جده تحت الشجر

الراعي نشط…

قدماه قويتان…

وقلبه في وجل…

صبي في الرابعة عشرة من عمره

يتسلق الجبل

ويرمي الماعز بالحجر

ويصفر بشفتيه

هناك ماعز حاد عن الرتل

إذ أراد أن يتخذ في وقفته هيكل

في عينيه صورة جبل

محركا رأسه

مستغرقا في شمس المغيب

حمراء ، برداء في خجل

والزهور منبثقة من بين أطرافه

جمال…مذهل ….حنون

يبدو وكأن المغيب في ضحك

يتردد رجعه في الوادي العميق

ويرتعش…

ثم يعود السكون من جديد

متجاوبا مع تأمل الراعي

والماعز مطاوعا له

جمال…مذهل… شفاف

ربما _ تمطر أوراق اللوز البيضاء

أو زنابق ماء

وهناك طيور ملونة

في البعيد…وأرض معطرة بالحناء

فجأة ، ذاب هذا الألق الجبار

آه ، تلك غيمة سوداء

تغطي قمة الجبل

يفهم منها معقل البشر

ملاك عظيم فمه ملئ بالأمطار

الراعي تتحرق روحه للمطر

متعطرة للزهر

كان يراقب أطراف الماعز

تحتها صخر أجرد عاريا

وقربها شجرة عرموط برية

رغبة مهمومة للغناء

تسيل الألوان الكثيفة

وتثير مرحه

أعشاش من السحب

تتفجر…

مزخرفة رؤوسها بألوان كل الأشياء

كل الأشياء في جمال

مهتاجة روحه للغناء :

سحب السماء

غيمة سوداء

ويده مفتوحة للمطر

ثم يصفر

يتجمع الماعز

وتأتيه أغنية من المطر

أصداء تنزلق إلى الوادي العميق

أصوات حلوة بينها صوت الكاو

ترامت على بعضها وكل ما يحيط الراعي

بدايات ونهايات…

كل ما حوله :

أغنية رقراقة

وما هي إلا لحظة كاملة

متوحدة مع روحه

تشع عيناه الصغيرتان السوداوان

وترتعش قدماه القويتان

وتنفرج ابتسامة حلم على شفتيه :

أنشودة…أنشودة

 

ربيع كردستان بوجه آخر

 

في عمق الحياة بطبيعتها .. وفي مشهدها اليومي رغم عاديته تبصر عيوننا رموزا كثيرة تمكننا من الرؤية الشديدة ما وراء الممرات الرتيبة المقفلة علينا من مشهد الغموض في الجبال والوديان والدروب بعالمها المرئي ، انه حلم ساحر ملئ بالسكون والنشوة الذاتية ، والشيء المرئي – صراع مع الإنسان دائما– هو الأكثر إثارة .. تجرجرنا أحلام اليقظة التي  قد تكون مثيرة للعين أو مملة في حزام يربطنا مع الطبيعة ، الحلم دائما يتآكل مع مرور الزمن ، وتخف لحظته مضطربة أو مفترسة ، و فيه أيضا تلك الرغبة في اكتشاف المزيد من كينونة الطبيعة والعثور على مشروعات للذات ، فتلك متعة كافية لأن تجعلك تتعلق بالمصادر التي تلاقيك طالما أنت في حلمها ، أثيرة .. مهدهدة .. فخورة تتقدم وتشكل إضاءتها الخاصة أو البقع المبهرة الخضراء ، نعم هذا هو الشيء الذي تحيا فيه جيدا حيث تحيك لنفسك نسيج الرابطة ، فها هو الثلج يذوب بإيقاعه الخاص  فينحدر أو يتهاوى بسرعة أو ببطء خارجا من قيلولته الشتوية ومستيقظا من نومه ليغرق الأرض بمياهه العذبة كي ينتشر العشب الأخضر في الريح أو ليمنح الخابور والزاب الكبير هديرا  ، وتنطلق زغردة من مكان تتكاثف فيه الأشجار .. فكل شئ يتحرك مع ساعة الوقت وكل كائن يدور ويغني أو يتكلم بنغمة ذوبان الثلوج بصلوات متكررة بعد كل شتاء بمباركة الشمس ، عاشقة سحر الربيع .. عبر الجليد .. عبر تفتح براعم الورود ... حلم يقظة زرقاء حيث الأجواء المتجددة والملونة بخفة الأحمر  والأبيض  والأصفر  بالوردي والأخضر وقد تكون معطرة بالمطر  حيث الرغبة في سقي الأرض ، الرجال كثيرون  يسيرون بمرح منحنية أجسادهم ليحفروا حفرا في الأرض  ويحشوها بالأغصان  ثم يملؤها بالثلج الملفوف أيضا بالأغصان  ويطمرون الحفرة بالرمل البارد ، فيمر الوقت ويمضي الربيع والثلج في حفرته لا يذوب لكي يستخرجون منه جزءا للصيف يضعونه في  اللبن  فيشربونه باردا طازجا ، فهذه الأرض بصخب مياهها الهادرة وترفها الربيع الخصب رائعة تحيك بوعود الثمار ، وتبعث أريجا من طبعها وهي أيضا غامضة مع المسك والورد  ومحافل صخب المياه والشلالات وهمهمة الينابيع ، شعور ممدود من ظلمات الشتاء القارص البرد إلى صفاء السماء في هدهدات لانهائية لأشجار في تشعب أغصانها وارتفاعها ، فهناك كل شيء واضح ويسير بنظام جمالي دوري  لكل سنة تمر ، فالربيع الأخضر : رفاهية وسكون تلتقي العيون في كردستان ، نعم ... انه يجيء بشيء جديد فتطلع الشمس مشرقة أو حزينة من وراء السحب او حمراء أو صافية من وراء الغيم ، فقط يمكن إدراكه في حوض الصباح اليومي الهائل وأنت تتأمل الجانب الآخر من ضفة النهر ، حيث لا تستطيع عبور الخابور  إلى ( كوماته ) أو الزاب الكبير إلى ( زيه وه )  ولا أحد يسمع صراخك  لأنك لا تستطيع التغلب على الهدير الصاخب للنهر  فتضطر اللجوء إلى لغة الإيماء التي يجيدها البيشمركة ، فتظل تئن أو تهمهم تحت غزارة المطر وتخيم منتظرا حكاية ارتفاع منسوب المياه  فتشعل النار وتغوص في حكايات ذوبان الثلوج حيث تتحطم الجسور الخشبية التي بناها البيشمركة من جذوع وأغصان الأشجار ، وقد تنتظر عدة أيام متوسلا للنهر أن يهدأ ولو قليلا بغية العبور إلى الجانب الآخر ، وهنا أتذكر مزح البشمركة مع بعضهم  ليقضون الوقت ، وقد يدوم الانتظار عدة أيام  وخاصة نكات ومزاح أبو روزة الذي لا ينفك يعاند أبو تحسين المحبوب من قبل البيشمركة دائما ، فقد لا ينفع  ( الجلج ) في شق المياه  ولا حتى الخوض سباحة ، هناك أشياء كثيرة في مخيلة البيشمركة يبطل مفعولها في مثل هذا الوقت سوى الانتظار  إلا مفعول المراعي ذات الأعشاب الخضراء الغانية ، أرض رائعة مبهرة انتزعت الثلج من فوقها وانفصلت عن الشتاء إلا أنها لا زالت باردة مغوية ، وفي مثل هذه الوقت الحرج قد تتساقط قنابل جيش الدكتاتورية قرب البيشمركة  فتتعقد الأمور أكثر ، كل شئ كان يجري ببساطة تودع الشتاء هكذا انقضى الشتاء مرحبا الفلاح بالربيع الذي له وجه آخر في حياته عبر الثلوج والضباب ،فلا يرى البيشمركة كثير من الأشياء في الضباب وقد يكون مفيدا له ذلك أن يمر متخفيا مارا قرب ربايا الجيش دون أن يراه الجندي فلا يوجد أكثر عمق من استفادة البيشمركة من الضباب فإنه يغطيه ويحميه ويحرسه ، فالضباب أيضا أكثر غموضا حيث لا يرى البيشمركة عن قرب زميله ، وذات مرة مررنا قرب ربية بسرعة بالغة تحت جنح الضباب   فكان صديقي صباح كنجي يقول : ( رأيت الجندي في الربية ، وهو لم يرني )  فكنا على مقربة جدا من الربية ، وكذلك أثناء الضباب لا نرى القمر المعلق في عمق الليل  و تسحبه غيوم تجري ليس مثل القمر الوديع الخدر في نوم البيشمركة ، وحالما تسقط الغيوم  مطرها تنتزع البيشمركة من نومه  فيستيقظ مهزوما من المطر إلى مغارة أو كهف  ويرغمه سحر الطبيعة العصية أن ينظر إلى سحرها ، والمطر المراقص العشب المرتجف وحيث تفوح الزهور البرية في الندى الليلي وهي تبعث على الانتعاش ، أجل ، البيشمركة يعشق الربيع ويعشق صخب الخابور والزاب الكبير  والماء لا شكل ثابت له ومتنوع وله ألف مكان في جبل أو وادي ويدق الأرض الندية بعنف غريب ...  في عظمة وخلود و في مجد كل من ينظر إليه بعين الجمال ، وهو أجمل ما يعيش المرء من أجله ..  الجمال الأخاذ .. الربيع الزاهي ينشر ألوانه على الماء ، وتلك الغمام الأخرى في الصمت وفي الليل ، والأرض خضراء ... ومياه الينابيع أو المنحدرات صافية رقراقة إلا مياه الأنهار الكبيرة  فتتلون  مثل ما تريده الطبيعة , هذا أجمل ما يعيشه الإنسان طويلا ، هو الربيع من وجه آخر :

من أكون ؟!

هذا الليل قد جاء

والمطر فوق الحشود

وسرعان ما ذابت الثلوج

و أزهرت البراعم

من أكون ؟!

لا أكون غيري في حتوف

تغوص ساقاي إلى الركبة في المياه

ويأتيني لحنا خفيفا في شجون

وبجانبي تنشر العطور

الزهور

لا أكون غيري في مجهول

لا أعرف ساعات الغروب

ولا أعرف الغيوم حين تزول

سأتوحد مع الرقة ، و الصمت ، والسكون

في الخشوع

من أكون ؟!

هكذا أمضي في الضباب

في لفحات شمس

والبلبل يغرد كالمخمور

في عشق الهواء الطلق

ويعود…

وأعود

لا أعرف من يكون ؟!

بلبل في السماء

للمساء ويعود

في الغموض

فضاع في صدمات الأشجار

وسقط بين الصخور

فتساقط الثلج بانهمار

والجليد في انكسار

لا يكون…في العيد هنا

لا يكون إلا حرا في غروب

هكذا قد جاء

المطر

وسقط فوق الحشود         

الريح السوداء ( ره شه با )

 

اختفيت في منتصف عام 1988، فترة ليست قصيرة في مدينة السليمانية  في بيت عائلة حمة شوان ، العائلة النبيلة والكريمة التي ارتبط اسمها بدعم النضال الثوري ضد الدكتاتورية ، اذ يقع البيت في منطقة الحدائق الأربعة _جوار باخ _ حيث مواقع السلطة  وأجهزة المخابرات  و الأمن ،  وتعج بالدوريات  والحراسات الليلية ، وكنت أرتدي ملابس مدنية عادية  وأتنقل بشكل طبيعي بوثائق معينة ، باعتباري أحد أصدقاء حمة شوان  جئته للزيارة من بغداد ، ولم يعرف أحد أنني بيشمركة ، إلا أنني لم أكثر من التحرك لئلا يثير ذلك الشك وهذا يؤكد مدى المسؤولية التي كنت أتحملها إزاء العائلة ، فلمجرد انكشاف أمري سوف ألحق ضررا شديدا بالعائلة التي تؤويني  وتسهل اختفائي  وإنجاز عملي كبيشمركة …ومن جملة الأمور التي لابد الحديث عنها بصدد العائلة هو ارتباطها بالثقافة ، فقراءة ما هو جديد من الإصدارات  والكتب إحدى سماتها  وأغلب النقاشات التي كانت تدور مع الضيوف هي غالبا حول الفن التشكيلي  والأدب  وأحيانا حول المسرح والتاريخ  ونضال البيشمركة الذي  يحظى باحترام لا مثيل له عند أفراد العائلة ، وهذا ما أفرحني كثيرا ، وقد لاحظت أيضا تلك العناية الفائقة بتربية الأطفال بغية أن يشقوا طريقهم إلى ما يطمحون إليه في المستقبل فالتربية كانت نموذجية وواعية وحريصة حيث الاعتماد على تعبئة ذهن الطفل بالمعرفة التي تتناسب مع ذكاءه وتجيب على أسئلته المتنوعة وكذلك تشعره بالإحساس وإنه لابد أن يمارس استقلاليته ومرحه اليومي كطفل ، وكنا نتحدث مع الدكتورة شكرية رسول عند زيارتها للعائلة عن مواضيع شيقة للنقاش ، وهي الملمة بقضايا التاريخ والأدب والفكر فكانت تغني وجودنا بمعرفتها الشمولية ، فمن هذا البيت النموذجي في التكوين الأسري  كنت أواصل كتابة مخطوطة رواية ( الدفان و الغجرية ) ، والتي أطلع عليها في البداية المؤرخ العلامة المرحوم حسين قاسم العزيز صاحب الكتاب المشهور (البابكية) وقد أحسن العلامة موضوعها ، آملا أن أتم إنجازها  فصدرت في عام 1997في كتاب ، حينئذ تلقيت رسائل من المرحوم علامة اللغة الدكتور إبراهيم السامرائي ، وهو يقول في رسالته : (  لم تعرف عيناي النوم حتى أكملت قراءة الرواية ) ، وكذلك من الباحث الكبير المرحوم هادي العلوي … 

  كان صديقي الوفي حمة شوان  المثقف  الواعي  والذي ينهض مبكرا في الصباح ليمارس الرياضة في ساحة البيت ذات الحديقة الصغيرة التي تزهو بعناقيد العنب  يخرج معي للتجوال في أسواق  وأزقة المدينة التي غالبا ما تكون أبواب بيوتها مفتوحة ليلا ، قد تكون بحاجة إلى أن تؤوي البيشمركة بعد تنفيذ عملية عسكرية ضد مؤسسات الدولة القمعية  هكذا هم أهل السليمانية ثوريون في طبعهم و حميمون في سجاياهم ، محبين للأدب ومناصرين للأدباء ، لذلك ازدهرت المدينة بالشعر والنثر  والفن ، فكنت دائما أبحث عن الازدواجية  بين الثورة والثقافة وكأنهما توأمان في هذه المدينة ، وقد حاولت أن أهتدي إلى هذا التوأم تاريخيا   فلم أستطع رغم النقاشات التي كنت أخوضها مع المعنيين بهذا الموضوع الشيق، فصرت أحاول استيعاب اللغز الأعمق لهذا التوأم  وفهم الحقيقة الكاملة ، هكذا كانت تتملكني صرختان الأولى صرخة الثورة ضد الظلم والثانية صرخة الثقافة ، صرختان تتغلبان على كافة الصرخات اليومية وعيناي حائرتان وأنا أسأل نفسي : ( من أين جاءتا ؟ ما هو امتدادهما التاريخي ؟) ، هكذا حاولت أن أجد لهما تفسيرا ولعلي اهتديت إليهما  ، فالمدينة تسلحت بذوق حسي واستيعابي ضمن تطورها وتبحث خارج حدودها في المعرفة الإنسانية ، فكان روادها من طلبة العلم و شعراءها كرواد لتأثير انفعالي ، لينطلق ما بداخلها من تعلم نحو هدف أكبر وهو التوأم الذي يثبت استقلاليتها ويحررها من ظلم تسلط الدكتاتوريات كإجراء ليربط ما بين الحياة و الثقافة و ما بين الفعل الحسي والفعل الثوري  لتبني كينونة سياسية - اجتماعية للإدراك الشمولي ، لذلك حاولت أن تجد خطابها الخاص سلفا ومستقبلا ، إذ لا ثورة بدون ثقافة ولا ثقافة بدون ثورة ضد الاضطهاد ، هذا المعنى كانسجام وتحديد و تأطير خلق صيرورة صرخة التوأم لتتفرد بها المدينة وتتوحد مع عالم الكرد ، عندئذ أصبح سلوكا وممارسة وتكوينا ليكون حضوره متواصلا ولتفرض المدينة منزلتها ، وقد أفرحني معرفة التاريخ ، إذ أن أميرة إمارة السليمانية كانت امرأة ، أجل كنت أشعر بالدور الاجتماعي والحضاري للمرأة في السليمانية فهي ذات رأي مستقل فكريا ، فلا عجب أن تجد في بيت واحد تعدد المفاهيم  وتعدد الانتماءات السياسية سواء ما يخص المرأة أو الرجل كما أن المرأة  تسهم في التطور الاقتصادي  السياسي في العائلة والمجتمع ، وكنت ازداد فرحا عندما نتجول في شارع - توي مه ليك - الواسع والطويل والمنتشرة على جانبيه الأشجار ، أو نذهب إلى -  سه رجنار - في وقت الغروب حيث العوائل تنتشر على امتداد جانبيه فرحة و مرحة يتزاورون مبتهجين في يوم العطلة ، وتسمع أصوات السلام والترحيب  وتدعوك لمشاركتها جلستها لشرب الشاي  وأكل الحلوى أو المساهمة في تذوق مائدتها الشهية  إنك سوف تخرج من هذا الاحتفال البشري البهيج كأنك تخرج من عائلة واحدة متماسكة ، إلا ما حدث لي في مساء يوم ربيعي هزني في مكاني ، حيث كنت أواصل كتابة مسودة ( الدفان و الغجرية ) ، وحمة شوان جالسا إلى جنبي وفجأة سقط مطر خفيف  وهبت ريح سوداء عارمة  هزت الأشجار   والأبواب  وانقلبت بعض الأشياء في ساحة البيت   فنهضت مرتبكا  وأنا أسال حمة شوان باستغراب :

- ماذا يحدث ؟!

فأجاب ، و هو يبتسم كعادته :

- ره شه با …

ثم صرنا نتحدث عن قوة هذه الريح   التي تأتي من الوديان من خارج السليمانية المحاطة بالجبال ، إنها تكسر الأشجار  و تسقط بعض جدران البيوت  خاصة تلك البيوت القديمة و أحيانا ترافقها زوبعة- كيزة لوكة - تدور ، وقد تجعل الإنسان لا يستطيع السير ضدها ، و هناك من يعتقد إنها تطرد الشر  ، ثم تطرقنا إلى - باو بوران - الرياح القوية مع مطر غزير   التي تختلف عن - فرتنية - السريعة المطر ، و كذلك تطرقنا إلى - توفان - الطوفان الرهيب المخيف ، كل هذه الرياح تحدث في الربيع و الشتاء و الخريف ، تركني حمة شوان ليتابع ما أحدثته الريح السوداء في أشياء باحة البيت  و أنا أقف محدقا من صالة البيت الأمامية بالأشجار التي تهتز بعنف ، هذه الأشجار التي تعلقت عيناي بها والتي يزهو بها البيت ، عدت إلى الغرفة  وواصلت كتابة مسودة  ( الدفان و الغجرية )  وقد تعلقت في عيني صورة الرياح  والمطر  والفيضان  وأنا أكتب عن عالم آخر   بعيدا عن السليمانية : ( رعدت السماء ، وهطل المطر غزيرا ، وتحول صراخي إلى غناء  وفاض الفرات   وفاض الجدول   وأغرقتني المياه   وصرت من ذلك الحين أغنية ) .

                                                               

 

الشاعر والحب

 

     تتساقط ندف الثلج الكبيرة  وتترسب طبقة رقيقة على أغصان الأشجار والنباتات البرية وعلى أكتافنا ، وكانت الجمادانيات فوق رؤوسنا ونحن الثلاثة نبحث عن مغارة في شتاء 1981  في وادي ميرالنة ، فصار صاحبي البيشمركة أبيض تماما وهو يتحرك بتثاقل على ضفاف جدول رقراق  وجد ضرورة نفض الثلج عنه   فاستدار  ووقف قبالتي   وقال : - من المستحسن نفض الثلج

    فأجبته : - لم يبق إلا القليل من الوقت وسنصل ( الشكفتة )  ، كنت أرى رموش عينيه قد غطاها الثلج   فتساقط من إثر حركة ذراعيه   وكتفيه طبقات من الثلج  وأراد أن يحرك شفتيه ثانية ليقول شيئا   لم يخرج من شفتيه سوى فحيح ، فسألته :-كيف الشتاء هنا ؟!

     لوى فمه بابتسامة ووتر حنجرته   ونفخ  وقال : أشعر بجدوى الشعر هنا !

    ثم استدار بجسده كله ، وقال : - سأقول لك شيئا منه في المغارة …

فاجأني ذلك لأنه كتوم على شعره ونادرا ما يقرأ لنا منه ، فقد كان يقطف وردة نرجس بين أزهار عطرة في ربيع زاه من سفح جبل يجري تحته الزاب الكبير الصاخب و حفظها في ذهنه كصورة ساحرة أخاذة  خلبت لبه في لحظة لا تتكرر مهددة بالدمار والاحتراق من قبل جيش الدكتاتورية ، حدثت أشياء كثيرة في قرى كردستان حيث سفوح الجبال اشتعلت بلهيب النيران ، فهو من تلك القصص التي احترقت شخصياتها دون ذنب و لم تكن مصادفة أن يصنع شعره بل أرست عنده وفي التاريخ قصص شعب عانى وتعذب كثيرا ، وهو على الأرجح الآن مستغرق في التفكير ويدمدم  وهو يتنهد بارتياح  وفي رعشة صوته الداخلي تنبعث طقطقة من شفتيه ، كما لو أنا أستمع إليها في غاية الذهول والدهشة ، ومن جديد يصبغها الثلج باللون الأبيض  وتمر ساعة وأخرى  حتى وصلنا الكهف   وأنا أرغب في الحديث معه   أرغب أن يحدثني عن السنوات التي مر بها   تلك الحياة الكئيبة الموحشة الغارقة بالخوف . فرحنا نجمع الحطب وبذلنا جهدا في البحث عن جذوع البلوط اليابسة المهشمة ، فأوقدنا النار فتسلل الدفء إلى أجسادنا  و نزعنا بنادقنا والجمدانيات والقماصل  وبدأنا بتحضير الشاي في قواطي كنا نحملها معنا في العليجات   وتلمسنا الدفء  وانتابتنا راحة لا مثيل لها ، أخرج صاحبي دفترا   وراح يقرأ الشعر بهدوء :

لابد لي أن أفكر في الدوامة المليئة بالأضواء

في الصخب المتواصل والناس الراكضين

عندي رغبة في الحياة ، في توازن الزمان

عيناي في ضمور   أرعاهما  وأرعى الدماء ،

الدموع تترقرق في عيني صافيتين

عينان فيهما ظلال الألم  والخوف  والموت ..

أذود عنهما قدر المستطاع  هذا هو الألم

لا ينقصني شيء سوى الأمان .. سوى ركام الأحزان

أنا هنا في أمان ..  جسدي كامل لا ينقصه شيء

ربما هي تنظر إلي .. وأنا أراها في ثوب العرس

الجبال البيضاء .. الأشجار البيضاء ..

حتى دائمة الخضرة بيضاء

الحياة هيئة روح  .. انتبه إليها

أصطدم بها لأراها : الجبال .. الوديان ..  الأشجار

ساكنة فيها نبض من روح و نبض من حياة

فيها الماء الطاهر ... الإنصات الخفي

وجدائل الحب .. أحكي لها كل شيء

حتى عن سرير العرس..  متناسيا خواطري الحزينة

كزوبعة تعوي   تعصف أياد الجلاد

سأحكي لها عن رنة الحب في شفتي ..

في الماء الطاهر  .. في الدماء  .. في الأضواء

هذه رحلتي الشتوية كبيشمركة ينام في المغارات

 

    تلك كانت قصيدته وبواعثها الأساسية هي الرغبة في تحطيم المسافات بين ما يشارك فيه كبيشمركة   وبين التأمل ، فاستغراقه في شتاء كردستان باعتباره وعي تضامني مع كل ما يتآلف معه ..  فسيادة الحلم  .. ونفي درجات الشكوكية هي نوع من نهاية الواقع لحلمه الأكبر بتحرر كردستان من الدكتاتورية ، وهبت للقصيدة معنى  وأثمرت عنده المستقبل الغارق في السريالية في وحدة الصمت مع وحدته  و فيها انطواء على الذات  لأن القصيدة تحمل باب الانفتاح على العالم الخارجي لتكون مرآة عجيبة للواقع  تجد معالم طريقها للحلم والتحرر الواهب للمعنى – وهو الحب – و فيها بعث يومي يقود إلى إدراك النصر  في وحدة فنية  وخبرة إنسانية وعقلانية و فريدة في لغتها ، فقد كانت إرادة التعبير تسكنه لغة قادرة أن تشد مقاومة الدكتاتورية  تجمع له أحلامه بعد أن عثر عليها في الجبال و في الوديان و في الشتاء البارد  وفي زهو الربيع .. حامل الحلم   وواهبه ، من تجدد خيال جامح لشاعر يكتشف جمالية كردستان   .. وفيها معنى شامل ونهائي للتوحد مع ندف الثلج  والانبثاق إلى عالم ساحر بأضواء مختلفة ، وأمواج عالية   يقهر الزمن   ويطمح إلى عالم مثالي يدركه في مسيرة الآلام   في هويته كبيشمركة  وكشاعر  بكل وضوح معاني القصيدة ، ونسجها من أجل الانتصار  و كساها جمالا بلا رهبة صمت وضمنها تطلعات بشتى الألوان في حلم الأبدية لكردستان الفاتنة …كانت هذه اللحظة الفريدة العابرة كفيلة أن ينطلق بشعره إلى الآخرين  فلم يقبل بارتجاف العزف   فبقي في وحدة الهوية كبيشمركة وشجاع  كشاعر صموت ، لتضطرم النار في أعماق الآخرين حينما يسمعون كلماته التي تأسر القلب ، فيها قفزات مدهشة  وصفاء  وعذوبة  مفعمة بقدرات فنية نادرة في تعبيرها لأنها حال الحياة ولأنها ذات الطابع التأملي  وتغالب الجمود والسكون ، مضفورة بأوراق الشجر ومسرورة بالحيوية والازدهار بصبر محتم اسمه النصر…أجل عواصف أقبلت عليه   وأهوال   وكوارث مرت بها كردستان على يد الجلاد   وهو لم يتخل عن المكان   ولم يتشرد  ولم تبارح خياله الأرض لأن في أعماقه فورة تجعله يتحمل المجاعة  والموت  والنار ، ولم يتوقف عزفه في الشعر . 

   

 

 

الطائر الجميل

 

كان الليل قد تجاوز منتصفه حينما انتهيت من قراءتي لرواية ( طيور الشوك ) للكاتبة الأسترالية كولين مكلو ، فارتميت على سريري قرب الشباك  أصيخ السمع إلى مطر الصيف الهادر والصاخب والمتقطع ، وأنا أدقق في كلمات الاقتباس الواردة في الصفحة الأولى من الرواية ذات الأجزاء الثلاثة و الذي اعتمدته الكاتبة كعنوان لروايتها من أسطورة قديمة تقول : ( أن هناك عصفورا يغني مرة واحدة في حياته  وغناءه أعذب من غناء كل مخلوقات الأرض . فمنذ اللحظة التي يهجر فيها عشه يطير باحثا عن غصن شائك ولا يرتاح حتى يجده عندئذ يغرز في صدره أحدى شوكاته وأكثرها طولا وهو يتابع غناءه بين الأغصان الوحشية ، وإذ هو يلفظ أنفاسه يرتفع فوق نزعة في غناء يفوق شدو السنونو والشحرور روعة ,أغنية فائقة ثمنها الحياة ويتجمد الكون ليسمعه  ويبتسم الله في سمواته ، لأن الأفضل لا يمكن بلوغه إلا بألم كبير …أو هذا على الأقل ما تقوله الأسطورة ) ، غطيت وجهي بالكتاب وأنا لا أعرف كيف أنجو من أساطير انتحار الطيور التي ملئت ذهني بالارتباك  محاولا ايجاد معنى لذلك  وما هي والغاية التي تربط الكائن الحي بين الحياة و الموت ؟ خاصة وأن الأمر يتعلق بالطيور التي تجلب البهجة للإنسان في تغريدها  وكمال شكلها وزهو ألوانها ، فلم أكن استوعب هذه الأساطير إلا من باب الفهم الرمزي  الذي يربط الكائن الجميل بالطبيعة , فأطلقت العنان لذهني أن يجول في عالم الطيور  و يكتشف أسرارها  وعذوبة ألحانها ، ويسرح في بساتين  وحدائق  وغابات  وواحات  وفسحات بيوت مزهوة بالأشجار ، ثم رحت استعرض أشياء كثيرة  واستنبط ما قرأته عن طائر التم الذي يلقب بطائر الأشجان أو طائر الموت أو التم التعيس  أو طائر الترقب والتوجس ، وهو طائر جميل  أبيض اللون  أحمر المنقار و طويل العنق وقد قيل عنه  أن له حويصلة كبيرة  وهو طائر ماء شبيه بالإوز الا انه أطول منه عنقا كما ورد في المنجد ، والبعض يحاول أن يؤكد أنه الإوز ويسمى أيضا طائر الفردوس ، و أسطورته  تقول : ( أنه يحلق إلى أعلى بقدر ما يستطيع  ثم يطلق أحلى أغنياته أو بالأحرى يغني أغنيته الأخيرة الحزينة قبيل انتحاره  ثم يسقط ميتا من الفضاء ) .

      نهضت من سريري  و وضعت الكتاب على الطاولة  و ذهني يتابع عالم الطيور العجيب ، ثم وقفت قرب الشباك  إذ صار الطقس هادئا  ورقيقا ورائعا ودافئا وأنا أتأمل ألق السماء الأزرق الرائق ونجومها  التي انسلت خافتة ببريقها من خلف سحب تلاشت في لحظة ساحرة ، إذ كان صمت شامل يلفني ويندهش بصري نجم خر إلى الأرض من السماء البعيدة  ناثرا ضياءه على وجه الدنيا ، كنت أيضا أتأمل بياض الملك البهي الساطع الذي شرع يفصلني عن عالم نوراني بهيج  ويقودني إلى طائر الجميل ، ففي صيف عام 1982 تسللت مفرزتنا ليلا إلى قرية مهجورة  قرب باكرمان  تطل على سهل يمتد إلى عقرة متجاوزة خفية ربايا الحكومة ، فاستقر الحال بنا  في واديها الذي يشقه جدول صغير تنتشر على جانبيه أشجار الفواكه  ، تمددنا على الأرض متعبين ومرهقين بعد أن نظمنا الحراسات على سفح الجبل  و منافذ القرية خشية من هجوم مباغت من الجيش أما أنا فوضعت ( عليجتي ) تحت رأسي مطروحا على أوراق الصنوبر التي جمعتها من أشجارها  مأخوذا بجلالة القمر المهيب  المتألق في السماء الزرقاء ومنسرحا إلى وجوه أهل القرية الحزينة  و عيونهم الباكية وعلى بيوتهم التي شيدوها بالطين و الحجر و جذوع الأشجار  و هم يرونها تنهار  وتداس بآلة الحرب الشرسة و يطردون عنها عنوة بقوة سلاح الدكتاتورية ، فكنت أخاطب نفسي : ( إنهم سيعودن يوما إلى بيوتهم فرحين ) هكذا كنت أشعر بالفخر لوجودي في القرية وأغفو هادئا على الأرض ونسيم الوادي يلاطف وجهي .

     أنهضني من نومي في صباح باكر صياح ديك و هو يصفق بجناحيه ، كنت أتصور في بادئ الأمر أن أهل القرية قد عادوا إليها ، فرفعت جسمي قليلا وأنا أتلفت و لم أر سوى البيشمركة لا زالوا نائمين فأيقنت أنني كنت أحلم و راودني سؤال : ( من أين جاء هذا الديك إلى قرية هجر أهلها وخربت بيوتها ؟  ) ، فكان صوته يتردد في الوادي ، ويختلط مع أصوات تغريد ورنين وسجع وهديل طيور وخرير الجدول  خالقة جلبة الصباح المنعش ، كانت تلك لحظة متوحدة مع أزهى الألوان حيث حمرة الصباح وخضرة الأشجار و زرقة الجدول ورمادية صخور البيوت وصفرة الأعشاب و سواد عيون الفراشات و سواد صراصر الأشجار الفسفورية العيون في ظلام الليل .

    كان كل شئ هادئا في صمت الأرض الأبدي  فلا لعلعة رصاص ولا هدير طائرات ولا انفجار  قنابل ولم يباغتنا الجيش ، فكنت أراقب الأشياء  وأمتع عيني بشجرة التوت التي تتدلى منها ثمار التين الناضجة ، وعلى حين غرة حط طائر جميل على غصن الشجرة و راح يشدو لحنا رائعا ، كان صغير الحجم يشبه العصفور رقيق المنقار وطويل وأسود الذنب والجناحين و أبيض الصدر وعلى رأسه ريشتان صغيرتان منتصبتان ، كان يواصل غنائه  ويصفق بجناحيه بنشاط ويهز رأسه بمرح ويقفز برشاقة ليرقص في الهواء تحت ثمرة التين ، وينقرها ويتغذى منها ثم يعود إلى الغصن ويتابع غنائه منتشيا  مرحا ، وقد استمر يرقص تحت ثمرة التين و يقفز إلى غصنها  ويغني  حتى طار  ، واصطدم بجذع شجرة صفصاف وسقط على الأرض دون حراك ، فأسرعت إليه  فوجدته مرتعشا موصوصا  ثم همد فارشا جناحيه الصغيرين على الأرض .

    أوصدت الشباك  و عدت إلى سريري مكتئبا لأغفو في عباءة الليل و أغوص في لغز الطبيعة  ولغز أساطير الطيور المنتحرة ، إلا أن الاكتئاب قد غادرني حينما تذكرت أن أهل القرية قد عادوا إلى بيوتهم  وشرعوا حياة جديدة آمنة بعد أن انهارت الدكتاتورية في كردستان .

                           

العاصفة الثلجية

 

اشتد الصقيع  وتساقط الثلج بغزارة وثارت الريح وهي تهز الأشجار البيضاء  ، كانت الريح تئز بصفير عاصف  وتصفع وجوهنا وتخز عيوننا وتغلق أفواهنا وتلسع آذاننا ، إذ ابتدأ كل شئ يثار برعب فدفقات الزوبعة الثلجية تعوي وتعصف في الوادي والثلج يضرب كل حاجز  ويتكوم  ويتطاير بقوة ، ويصطدم بحافات الصخور الضخمة  ويندس في شقوق قطوع الوادي  ويتراكم في قعره ، فأكوام الثلج والجو الأبيض والضباب الكثيف كلها تسد علينا طريق الصعود إلى أعلى ، مع صراخنا أن لا يحيد أحد عن الآخر كنا نصعد  حيث لا يمكننا الرجوع إلى الوراء حينما تهب عاصفة عنيفة  وتعول الريح بغضب وتعربد بضراوة ، لذلك عزمنا أن نصعد طريق الوادي الضيق المتجهم  حيث التعرجات الحادة والصخور المتناثرة التي يغطيها الثلج ،فكنا نشق الثلج بأقدامنا الذي يصل إلى ما فوق الركبة ، اذ يجب أن نواصل الصعود  و أن لا نتوقف  لئلا تتجمد أقدامنا  وتتخشب أجسادنا  فالمسافة التي قطعناها في الصعود ليست قصيرة ، لم يكن يرى أحدنا الآخر عبر الضباب  فهو يحيطنا من كل جانب ويلفنا ويركد علينا كغطاء وكجدار يحول بيننا ، فلم نكن نرى قمة جبل كارة وحتى  الأرض التي يصر الثلج فوقها ، إلا أن أقدامنا تقصقص الثلج بصعوبة ، فاقتربنا إلى بعضنا الآخر وشكلنا سلسلة طويلة مستقيمة ليتقدم الأول  ويشق الطريق لفترة ثم يتوقف ليرتاح  وينضم إلى المفرزة و هكذا كنا نتعاون بإرادة تتحدى التقهقر والاستسلام للعاصفة الثلجية ، فعزمنا على مواصلة الصعود إلى أعلى ووجدنا الطريق بصعوبة بعد أن كنا نصعد على ما يسمى في المفارز القتالية نحو _ الاتجاه _ وكنا كلما شققنا الثلج بأقدامنا تكومت على أثره أكوام أخرى فصارت ملابسنا بيضاء  يغمرها الثلج  ويغطي رذاذه وجوهنا  ورؤوسنا  ويحجب عنا رؤية الاتجاه الصحيح ، وقمة الجبل التي تكدس عليها الثلج  صارت أشبه بمدى طويل مستو  ولابد أن نعثر عليها  وإلا سوف نقع من قطع جبلي قد يؤدي بنا إلى الهاوية لم أكن أفكر آنذاك إلا في بيت آزاد المتواضع في قرية كارة التي تقع مباشرة في أسفل الجبل على وادي عميق حيث كانت مفرزتنا قد ارتبطت بعلاقة حميمة مع أهل القرية منذ نزولها في عام 1981، فقد عرف أهلها بشجاعتهم  وسخائهم  وارتباطهم القديم بحركة البيشمركة ، واشتهروا بتحديهم للأنظمة الدكتاتورية  وفشلت قوات هذه الأنظمة أن تخترق واديها   أو تقتحمها   لأنها كما كنا نقول إنها من القرى العاصية  أجل لم أكن أفكر إلا أن أرى آزاد - الطفل الذي يحلم أن يصبح بيشمركة  ،  المرح   النشط   الذي يستقبل المفرزة  ويوزع أفرادها على بيوت القرية  وهو ببساطة نراه راكضا   قافزا  دائرا حولها ، مشيرا بيده إلى الباب قائلا بصوته الواثق الحازم : ( بيشمركة )  فيخرج صاحب البيت مرددا ( أهلا وسهلا ) .

      فجأة هدأت الدفقات الأخيرة للعاصفة الثلجية  وكأن الزمهرير القارص قد فتر   والضباب انقشع ، وصار الهدوء يخيم على الوادي   والسكون في كل مكان ، فبانت لنا قمة الجبل  وبان لنا بياض الثلج الساطع   المنبسط فوقها فصرنا ننظر إلى بعضنا   باندهاش دون أن نفهم كيف وصلنا إلى القمة   بعد أن نفذ البرد إلى عظامنا  وشحبت وجوهنا  وثقلت أجسادنا  وتجمدت أيادينا  وتثلجت أصابعنا ، لم نكن نرغب أن يطيل وقوفنا لئلا يتجدد شبح العاصفة ، فعملنا بسرعة بأيدينا  وأقدامنا  وحرابنا  وكعوب بنادقنا حفرا للنزول على نفس درجات الطريق في الثلج المتجمد أسفل القمة المؤدية إلى القرية   لنكون على ظهر سفحه ، وقد استغرق ذلك منا وقتا طويلا   حيث كانت المغامرة لا تخلو من المخاطرة التي قد تؤدي بنا إلى السقوط من أسفل القمة  وهذا ما كنا نخشاه فعملنا بهدوء وحذر ، ثم نزلنا بترو إلى ظهر السفح  ورحنا نبسط ظهورنا   وسيقاننا على الثلج  واضعين بنادقنا على بطوننا   ( وعليجاتنا ) على صدورنا   وكنا نتزحلق   دافعين بكعوب أقدامنا   وعكوس أيدينا   حتى وصلنا ساقية المياه  وهي تمتد إلى داخل القرية ، ثم تجمعنا  وسرنا على شكل رتل إلى مدخل القرية  فوجدنا أهلها يستقبلوننا بالترحاب كعادتهم  ، وكان في مقدمتهم آزاد الذي  يعلو وجهه الزهو . 

 

 

الغد المشرق

 

     عادة ما تختار مفارزنا  مكان الاستراحة قرب ينابيع المياه البعيدة عن مواقع الحكومة العسكرية والتي تنتشر بكثافة في أرض كردستان ، تجنبا لهجوم قد لا نكون مهيئين له مسبقا وكي لا نكون في مرمى المدفعية أو مكشوفين لقصف الطائرات ، أما بعد العمليات العسكرية التي نقوم بتنفيذها ضد الربايا  و الحاميات وأرتال الجيش  ومؤسسات الدولة القمعية  فلابد أن يكون المكان خفيا و آمنا حتى يتاح للبيشمركة حق الاستراحة لفترة مناسبة ، وغالبا ما نتجنب إشعال الحطب سواء للتدفئة من البرد القارص في الشتاء أو طهي الطعام أو إعداد الشاي  لأن الدخان المتصاعد سوف يكشف المكان ، و نكون حينها عرضة لهدف محدد لقصف الطائرات إذا ما حلقت لتمشيط المنطقة ، كما نسميها  في التعبير العسكري ، وكثيرا ما تباغتنا الطائرات ونحن في حالة استراحة ، و لذلك  نصرخ  - انتشار - فيتوزع البيشمركة قرب الأشجار أو بين الصخور أو الكهوف إن وجدت تجنبا للقصف الصاروخي و قد استشهد الكثير من البيشمركة نتيجة مباغتة الطائرات  خاصة في أعوام 1980 - 1986، ففي صيف 1982  وفي صباح مبكر أنجزنا كمينا لرتل عسكري للمغاوير على طريق ديرلوك - العمادية لمعاقبة تلك القوات التي كانت تلحق الأذى بسكان المنطقة ، فألحقنا بها خسائر فادحة  ثم انسحبنا بسرعة إلى عين ماء تقع خلف قرية - رزوك  وانتشرنا حول منبع الماء ، أما أنا فجلست في ظل شجرة صنوبر  ساندا ظهري إلى جذعها وباسطا ساقي إلى الأرض ، بينما تقف أمامي شامخة شجرة بلوط  تتدلى منها ثمارها الخضراء بكأس رأسها البني ,  وأستمع إلى خرير ساقية الينبوع التي تتموج مياهها برقة كما لو أنه يريد أن يقودني إلى عالم هامس و سري  ليمنحني اللطف  والسرور ، ولم تمر  لحظات بينما انصت إلى لحن متصاعد  وأنا أتلفت إلى الساقية متأملا النباتات الصغيرة على حافتيها وهي يحركها هواء شذي ينزلق من خلف جانبي الأيمن ، إذ هناك جبل يشقه واد عميق ، وكذلك كنت كلما أثبت بصري على ثمار البلوط  وجدتها تهتز وتعانق أوراقها الداكنة الخضراء والتي تسطع فوقها أشعة الشمس الحامية ، وتتخلل أوراقها لتطعم الأرض بحرارتها ، كأنها تداعب الأوراق الخافقة ، والأرض الراسخة في طبيعتها ، وعطر النباتات التي تملكها كالزهور ، فلم أحس بحدود فاصلة بيني ، وبين كل هذه المكونات التي أخذت ترفرف في أعماقي أشبه بنغم كوني ، وتنهضني من صمتي ، وسكوني القاسي ، المخيم على روحي ، وتسألني : ( ماذا تريد ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍ ) .كنت أرى عصافير تنقر ثمار البلوط ، وتقفز على أغصانها ، وتضفي بأصواتها تداخلا مع النغم الكوني ، تختلط ، وتتدفق في انسياب منبسط مع خرير مياه الينبوع ، وتترك آثاره علي لتعمق ارتباطي بالنغم ، كنت أجيب على السؤال : ( غد مشرق ) .كنت أتصور الأيام القادمة كيف ستكون بعد سقوط الدكتاتورية ، كنت أراها ليست مثل هذه الأيام ، إنها ستكون دون حروب ، دون عنف ، وسيلمس الإنسان حريته ، وسعادته ، ذلك جعلني أسند رأسي إلى جذع الشجرة ، واستغرق في تفكير عميق ، جليل ، أدركت أنني أقحمت نفسي بالتكهنات ، والتصورات، وأنا أردد مع نفسي : ( الغد المشرق ) . رحت أتذوق ثمار الغد القادم ، والحياة الجديدة القادمة  التي سأعيشها ، وأتوقف عند اللحظة التي فيها تقطف يدي ثمرة النجاح الذي نسعى من أجله الآن ، وكيف سنلتقي نحن البيشمركة الشباب بوجوه بشوشة  بعد نهاية الطاغية الذي نقاوم ظلمه و بطشه , ثم نتحادث عن الماضي  ونتذكر الأيام الصعبة ، تلك ستكون لحظة خالدة . لقد كنت أنظر إلى ثمار البلوط  ولم أجرأ النهوض كي أقطف ثمرة منها  لأن فكري كان يقرأ القادم من التاريخ حيث سيصبح كل شيء من التاريخ : الماضي   واللحظة الآنية و المستقبل . خيل لي أن المكونات التي تحيط  بي من كل جانب تحدثني وتحاورني برقة  وصفاء ، وتقرأ لي شيئا خفيا عن الغد المشرق . ظل بصري ساهيا في البلوط  إذ صار شيئا ما يقلقني في أن لا أرى الغد المشرق ، فقد كثر الشهداء الأعزاء في خضم نضالنا   وودعناهم بالألم   والحزن .

كنت أتخيلهم شامخين و خالدين في ذاكرتنا ، إذ يبقى صوتهم  البعيد ملهما لنا ، لا يخمد في داخلنا بنفحات التعب  والإرهاق اليومي ، وفي ثنايا الإحساس أن تظل أسماءهم عالقة في أذهاننا ، أصابني شعور بأن تلك هي لحظة الجميع التي لن تنتهي ، بل تعاودنا دائما في صرح الحياة  وهذا ما كنت أبتغيه ، لحظة أزلية لا تزول ..  أجل   كنت أرى خلودهم   وألقي نفسي على الأرض التي تخلد قبورهم ، وكنا كلما مررنا بقبورهم  نقف وقتا طويلا  ونظل واقفين  والدموع تترقرق في عيوننا   ونحن نخاطبهم : ( أنتم خالدون ) . فكانت تتراءى لي صورهم  مما جعل روحي تنكمش  وعيناي تجفلان في أشعة الشمس ، لم يدم هذا طويلا   لأن دويا هائلا أخرجني من حالتي فنهضت من مكاني  ورحت أتطلع كبقية البيشمركة إلى مكان الانفجار ، كان الدخان يتصاعد من انفجار قذيفة مدفعية   سقطت على سفح الجبل  ثم تواصل القصف المدفعي ،  فرأينا حركة غير طبيعية في القرية ،ثم أدركنا أن صبيا راعيا يرعى ماشيته على سفح الجبل  فانتابني إحساس بأنه لم ينج من هذا القصف العنيف  وإنه سوف لن يرى الغد المشرق . ذلك آلمني كثيرا  و أنا في توقي  وتصوراتي   وتكهناتي  وطموحي  لرؤية الغد المشرق .

 

 

الكاو والنرجس

 

أرهقنا المشي لعدة أيام فاستقر بنا الحال في وادي أتروش العميق و الكثيف الأشجار والبهي في جماله ، فنام أفراد المفرزة من شدة الإرهاق  والتعب  ببن واحات أزهار النرجس البيضاء  وفوق الحشائش الخضراء ، إذ الأرض مكان النوم   والهدوء  والراحة ، نتحصن بين صخور ملساء من أي طارئ يسلب الأمان ، فاستلقيت على ظهري ، ولم تمض لحظات وإذا بطائر الكاو يمر قربي متبخترا ..هادئا ..  واثقا في مشيته  وهو يهدل بصوته الرقيق ، ثم صار يحوم حولي ، حاولت أن أنام  فلم أستطع وأنا أتطلع إليه بعينين يداعبهما النعاس ، فجلست مدهوشا  وأنا أنظر خلفي لئلا أكون قد استقريت في مكاني لأسد عليه طريقه إلى بيته بين الصخور ، فانتقلت إلى مكان آخر تحت شجرة صنوبر ، فازداد الهديل من قريب ومن بعيد   فضج الوادي بالهديل و التغريد وسجع الطيور ، وارتعشت أزهار النرجس  وعينا الكاو تلمعان تحت وضوح لون القمر المضيء ، فلاحت لي حركة جناحيه برفرفة عجيبة وادعة  ملهمة لعيني  وهو يقترب من النرجس   ويقفز فرحا  ويداعب ساقها بمنقاره كأنه يقبلها قبلة خفيفة لا نهاية في حنانها ، ثم التصق بها كما لو أراد أن يدفئ جسده بها ، وصار يدور حولها حارسا إياها من أي مكروه ، ثم استدار وواجهني   فقلت مع نفسي : إنه يكلمني : ( نم بأمان …لا تزعج زهرتي ) ، كدت أن أنهض   ولي أمل كبير إنه يفهمني ويفهمني النرجس ايضا بأنني أحبهما  وأنا لا أشكل أي إزعاج لهما ، وأني شغوف لأسمع حديثهما السري ، بودي أن أسمعه عن صدق ، وبودي أن أكتشف في روضة هذا الوادي ان هنالك  حب من نوع آخر ، انتظرت متلهفا حديثهما وربما – شجعتهما نظراتي الأمينة أن يتحدثا في هدأة الليل ، خفض الكاو رأسه باستحياء  واحترام   ثم نقر في الأرض   وبدا لي إنهما يتكلمان بلحن استنشقه مع النسيم العابر إلى بعيد :

الكاو : الليل لم يخسف   والقلب في زجل إليك .

النرجس : صحت النجوم  فالسماء بدون نجوم ظلماء .

الكاو :آتيك كالليل زائرا .

النرجس : تبرجت بأحلى زينة   وأنت في الليل تبرحني .

الكاو : أطول الليل أمتطيه فرحا من كلكل .

النرجس : وأرفع المجد مهلهلا .

الكاو : أقتات من عطرك دون جهل .

النرجس : وتتخبط بيديك ترهلا .

الكاو : تنكرين محبتي  وصوتي هديلا .

النرجس : موت الأسد في خضابه بطلا .

الكاو : أأشرب الندى من أوراقك بخلا .

النرجس : معاذ الله …جسدي شمس معسلا .

الكاو : ربي ما أنت إلا كريمة   وموضعك أصلا .

النرجس : عجبا…تعبث بجناحيك عللا .

الكاو : والله استحي من الليل سينجلي مللا .

النرجس : البدر لم يغب ، والليل ينطق بمطر السماء هطلا .

الكاو  والنرجس بصوت واحد :

             إلا يا رياض الحب          تمر كالسحابة رحلا

 

 

حب كردستان

إن الحب هو أسمى ما توصلت إليه البشرية في تاريخها الإنساني من الناحية الجمالية والشعور الذاتي بأن الإنسان يعيش في علاقة تبادلية مع ما يحيط به من بشر   وبيئة ، وهذه العلاقة في تداخل متبادل مع مرور الزمن دائما ، وتترك انعكاساتها على الشخصية في السلوك  والممارسة   والتأمل ، ويهب في سيرته الشخصية كل شئ لها ، وفي المقابل تمنحه القوة في الإحساس بأنه يعيش رقي جماله في حرية تامة  بعد أن أوصلته إلى الحقيقة بأنه ارتبط بهذا الحب ، وهو أيضا ثقافة  ووعي ذاتي للفرد والمجتمع ، يدخل في إطار الوعي الاجتماعي التاريخي ، وهو تنوير  وشعور بالمعرفة ، وكونه إرادة إنسانية تتولد عنده ويمتع نفسه لكي تدخل البهجة إليها ، وقد يتأثر الإنسان بظروف ذاتية وموضوعية لتولد هذا الشعور بالمحبة ، وتكون روحه على استعداد تقبلي مباشر أو غير مباشر ، وهذا ما تؤكده الأزمنة التي عاشها البيشمركة ، حيث هو  يقارع أشرس دكتاتورية في العصر الحديث ، وقضيته تتمتع بصلة فريدة بمفهوم العدالة ، والتي تتطابق تماما مع تطلعه  وغايته من أجل حب كردستان ، فهنا يتداخل المفهوم الإنساني مع البديهيات السياسية التي لا تخلو منها سيرته ، فلكل بيشمركة على الصعيد الفردي قصة خاصة به مع هذا الحب ، ولذلك سأتطرق إلى واحدة منها …كان أبو ندى واحد من الرجال في زهرة الشباب ، وهو قائد طائرة - ميغ - كان يحب العمليات الجريئة   وقد نفذ العديد منها مع أخوته البيشمركة ، كان يرتدي زي البيشمركة البسيط الذي يقي جسمه من البرد كما حالنا ، حيث مرت بنا ظروف صعبة وقاسية ، فكنا نسير بأحذية مرقعة  وملابس رثة ، وهو لم يتذمر  ولم يبد تعسفه ، فقد كان مرحا ، يحثنا على العمليات الاقتحامية  ويريد أن يكون في المقدمة ، وذات يوم سألته : - لماذا هذا الإلحاح ؟ فأجاب بهدوء : _ أريد أن أقدم شيئا كبيرا

فأثارني جوابه فسألته : - تريد أن تموت ؟!

فأجاب بابتسامة :-  لا…

فقلت : - إذن ، ماذا تريد ؟

فقال : - أريد أن أقدم شيئا …

فصرت أندهش لأجوبته ، وأنا أحاول أن أدخل إلى تصميمه ، وهو لربما – لا يريد أن يفصح عنه ، فتطلعت إلى عينيه الدامعتين  وهو يقول : - أنا أحب كردستان ، وأنا أريد أن أقدم إليها شيء كبيرا …

فانفصلنا ، وأنا الآخر تترقرق بعيني الدموع   أردد مع نفسي : _ يا لعظمة الإنسان ! ولم تمض عدة أشهر على هذا الحوار  فقد استشهد مع أخوته الأبطال من أهل العمادية ، وأنا أتذكر هذا السمو الإنساني دون ان  أعرف اسمه الصريح .. ومن أي مدينة هو .. ومن أية عائلة ، إلا بعد أن كتب عنه أبو سعد في موقع الناس   فلا يسعني إلا أن أقول ، وأتذكر تلك الدمعتين في عينيه :

هذا النور من هذين العينين

يضطرم…

وقد رف…

ورف ضوء القمر

وصعد النور

وصعد النظر

والدمع في عينيه

كالقطر

في كدر

خفضت أنا البصر

وجليت في ضياء ولهب

فانطفت شمعة

وتجهم الظلام

في سرج الليل

كالقطر…في كدر

شرقت عيناه بدمعتين كبريق

مثل الرحيق في يوم سهر

لم تر عيناي أحلى منهما

ولم تر عيناي ملامة مثلهما

أنا في مسالك الطريق

أنا في مسالك البصر

بعد أن ألبسه حب كردستان

إكليل زهر

 

 

حادثة في قرية

   

 غالبا ما كانت تسير مفرزة البيشمركة إلى القرى في الدروب الضيقة والملتوية ، فوق الهضاب والتلال و الوديان  أو بمحاذاة سفوح الجبال ، فالقرى متناثرة ومتباعدة ، بينها تمتد مسافات غير قصيرة وقد تحتاج إلى ساعات حتى تصل قرية أخرى ، السائر في الدرب يسمع طرقات فأس قادمة إليه من سفح الجبل أو من عمق الغابة .. طرقات قوية فوق جذع شجرة تمزق لحاءها منذ سنوات وصدى من بعيد يرن في الوادي ، إذ لا يخلو هذا الوادي  أو ذاك من رنين  تراكم أعواما فوق أعوام في زمن الحرب أو السلام ، وتلك إشارة أزلية عن كدح الإنسان ، انهار الجذع وسقط مع دويه على الأرض وقطعت أغصانه ، الضربات قاسية و قوية على نفس الأثر ، والجذع كما بقايا كل شجرة يجمع منه الحطب للتدفئة والطبخ ونار الخبز ، السائر يسرع في خطاه سواء تحت السماء الزرقاء أو بين الأشجار الوافرة أو فوق العشب  الأصفر في الصيف الطويل ، والسائر يسير تحت السماء الملبدة بالغيوم و تحت المطر فيتوحل حذائه و حافة سرواله ، إنه يسير بين أزهار الربيع الرائعة ذات الألوان الجذابة ، ويسير حينما تشرق الشمس وتذوب الثلوج وتغوص أقدامه في شلالات السواقي ، ويشعر السائر أنه في ذهول من وفرة السماء  ومن بطن الأرض ، حيث تزدهر عيناه بتنوع البيئة ،فكل شئ ينمو برقة ، وهو يسرع الخطى إلى القرى المضيفة  المرصعة بيوتها البسيطة بأعمدة الجذوع ، فالقرى هي مأوى مفارز البيشمركة نهارا ، وفي الليل المظلم البارد يرى السائر أضواء الفوانيس تلمح له عن بعد ، وترحب به ظلالها الرتعشة عبر النوافذ  ، بينما يتصاعد الى اعلى دخان المدافيء المنبعث من الجمر المتوقد كضباب من تلك الجذوع المشتعلة التي جلبت من سفح الجبل او من الغابة  وحملت على ظهور البغال ، هي القرى نفسها احتضنت أسلافا  وأجيالا   لتكون أسماء مشهورة خارجة من التاريخ ، وكم دمرت قنابل الطغاة بعضها فشيدت على أكتاف أبنائها من جديد ، وكم  عام مضى حينما دمرت ثم  شيدت من جديد ؟ يدب فيها شريان الحياة ، فالفلاحون في مزارعهم مندمجون مع الأرض و يستخدمون سواعدهم  وأقدامهم ، فينظفوها من الصخور  حاملين إياها على أكتافهم ،لكي  يخلوها من الأحجار والحصى   والأدغال   والأعشاب  لتكون سياجا أو تلالا صغيرة، ثم يعثرون على التربة السوداء فيحرثوها ويبذروها مثلما فعل أجدادهم  ، يحنون قامتهم بنفس الهمة ، و ينز عرق الجبين ، ثم ينظمون السواقي ويغمروها بالمياه  لتثمر الأرض  وتحصد  وليكون لها مردودا سنويا ، أشياء كثيرة تغيرت في القرى ، وأشياء كثيرة لم تتبدل ، حب الأرض  والتآلف معها  ورعايتها رغم كل ما تحفره قنابل الطغاة ، فالأرض لم تتبدل هي نفسها ، والهمة لم تتبدل هي نفسها ، والكدح لم يتبدل هو نفسه هذا هو رقي التكوين ما بين الإنسان والأرض ، أما النساء فرؤوسهن معصوبات  بالمناديل وعليهن عبأ العمل في البيت ، يحملن الحطب ويطبخن الطعام ويحملن على أكتافهن ( تنكات ) مملوءة بماء الينابيع ، أما الأطفال فيلعبون فوق  سطوح المنازل أو في ساحة القرية أو في مرحهم مع رعي المواشي ، فيصيحون ويصرخون ويصفرون لئلا يحيد ماعز عن القطيع الذي يسير وراء قائده التيس الذي يعلق في عنقه جرس يدندن اينما سار وأينما قفز فيتبعه القطيع فوق الأعشاب التي جفت من قطرات الندى ، وتطارد الكلاب نابحة أي ماعز حاد عن القطيع حتى الحيوان يدب في حركته في القرية سواء حصان يصهل أو بغل ينهق أو بقرة تخور أو ديك يصفق بجناحيه ، هي القرية فيها  رائحة عنب جاف وطين  وحطب مشتعل  ودخان متصاعد  وخرير ماء رقراق  وندى دقيق من حفيف أوراق الأشجار   وشذى نسيم ، إنه عالم في شريان الحياة .

  وحينما يقترب السائر من مدخلها ينتابه قلق شديد فيلازمه إلى أن يخرج منها ، تلك هي الكلاب النابحة تجاهه ، ولولا صياح صاحبها لنهشت أنيابها الجسد ، فكلاب القرية لها قصص كثيرة متداولة  وبعض الفلاحين يتباهون بها حيث يرجعون السبب إلى قدرتهم في إعدادها بسلوك طبيعي يومي دون تكلفة ، وهي ترافق المواشي جرو كان أو أشبال تتمرغ في التراب ، لتنشأ في السليقة مرتبطة بصاحبها مخلصة وفية مطيعة ومعتمدة على حاسة الشم الشديدة والبصر الحاد والذاكرة القوية  لتكون على استعداد كامل أن تضحي بنفسها من أجل صاحبها  ومواشيه وبيته ، وعادة تستخدم الكلاب في القرى لحراسة المواشي ، وقد سمعت ذات يوم من أحد القرويين ، أن كلابه طاردت ذئبا وعادت بعد عدة أيام مثخنة بالجراح وهذا يعني أن معركة شرسة دارت بينها وبين الذئب وانتهت بقتل الذئب ، وأنا أتذكر ما قرأته عن القدماء المصريين الذين تركوا تماثيل وصور الكلاب في الأهرامات ، والأغريق استخدموها في زمن السلم والحرب ، والرومان علموها صيد الأسود والنمور ، هي من الثديات ذات الذاكرة العجيبة والتي يعود ظهورها إلى 60 مليون سنة  ودجنت قبل 14 مليون سنة ، أما الكلاب في قرى كردستان تختلف في حجمها وشكلها وطولها ومظهرها ولونها وذات مرة دخلت قرية فواجهني كلب ضخم كشر عن أنيابه  وأرخى أذنيه وانتصب ذيله وشعر أرجله وهو يزوم  فجفلت في مكاني ولولا صاحبه لنهشني  ، لربما اعتبر دخولي إلى القرية غبر مسموح به وأنني أشكل خطرا عليه وعلى قريته ، وقد كنا نتفادى القرية لمعرفتنا بشراستها ، وإذا أردنا أن ندخل قرية في عمق سهل الموصل لغرض ما كنا ندخلها في الفجر حيث تتعب الكلاب من النباح والحراسة الليلية وتهدا ، أنني أتذكر عندما دخلنا قرية قريبة من ( مانكيش ) في منتصف عام 1982 وتوزعنا في بيوتها لنقضي الليلة فيها ، ثم ذهب الحرس إلى تل من أجل الحراسة  وتوزعنا أنا  وأبو إيفان في بيت واحد ، إلا أننا سمعنا فجأة إطلاق رصاص  فهرعنا من البيت  واقتربنا من الحرس  فعرفنا أن كلب هجم عليه  وعضه   فاضطر أن يطلق الرصاص عليه للدفاع عن نفسه  وكانت الإصابة مميتة بالنسبة إلى الكلب ، فمشى الكلب إلى بيت صاحبه   فخرج صاحبه غاضبا  ثم رجع إلى البيت ببندقيته بينما الكلب يئن من الألم  يفتح عينيه ثم يغمضهما   ثم ينظر إلى صاحبه بحزن كما لو أنه يودعه  وهو مطروح على الأرض فسحب صاحبه البندقية   وقتله كي يخلصه من الألم  حيث كانت هي طلقة الرحمة ، رغم انها مؤذية لنا مؤذية إلينا حيث نسمع آخر حشرجة من الكلب ، كان الوضع مضطربا ومتوترا ، وقد حاول أبو إيفان بذكائه أن يهدأ الوضع ويعتذر لصاحبه فانسحبنا من القرية وأنا أفكر بهذا الارتباط الوثيق بين الإنسان والحيوان الوفي .

 

 

مصادر حكايات في كردستان

 

    الذاكرة هي نتاج  غزير بالتصورات والخيال والأحداث المخزونة فيها ، ومكرسة للشيء الأهم  المتمركز فيها والذي يفضي بطغيانه على أشياء أخرى عابرة في التاريخ ، وهي أيضا انعكاسا لواقع اجتماعي _ ثقافي في الممارسة اليومية ، والمعرفة مستمدة من التفاعل بين الإنسان وأخيه الإنسان أو بين الإنسان و الطبيعة أو بين الإنسان و آلته الإنتاجية ، ذلك يتم بلغة التبادل القادرة على الجمع بين ما هو متوارث عبر الأجيال  وبين الحضور اليومي الذي يظهر إلى السطح عبر لغة رشيقة لها علاقة بالحدث الواقع قديما أو حديثا ، والغرض من هذه المقدمة البسيطة  هو أن أشير إلى أن القروي الكردي له ذاكرة حيوية  جامعة سواء كان ذلك بالتناقل أو التبادل   لينتج أدبا شفويا   يتمحور حول الطبيعة  والحيوان المفترس   والبطولة ، وهذا النوع من الأدب شائع في ريف كردستان ، إذ لا تخلو قرية من أدبها الشفوي  ونلتمس آثاره أيضا من الإيمان الديني  والتراث  والعادات   والتقاليد الاجتماعية ، كظاهرة ملموسة ذات مصادر متنوعة دوافعها إثبات الهوية الاجتماعية  المتوحدة بين الطبيعة والحياة ، وهذا النوع من الأدب لا يمكن وضعه في خانة الأسطورة لأنه يفتقد مقومات   وملامح التكون الأسطوري ، وبما أنه بنيوي  وحكائي  و يجسد انعكاسا للواقع الاجتماعي  ويحمل مقومات الحكاية ، فلابد أن نصنفه ضمن باب الحكايات الشفوية   إذ أغلبها غير مسجلة   أو لم تحظ باهتمام من الأدباء  و الكتاب  لتثبت ضمن نتاجاتهم الأدبية ، وهنا بودي أن أركز  على جوانب من مصادر الحكايات المتعلقة بالطبيعة   والإنسان  والحيوان :

 

أولا : المتعلقة بالطبيعة :

1-  الكهوف والمغارات :

لم تجد كهفا أو مغارة في جبل أو في وادي  أو قرب قرية إلا ولها حكاية  ذات طابع رمزي أو ذات حكمة ، وغالبا ما يكون بطلها شابا متنبأ بالمستقبل يمتاز بالفطنة والذكاء  والصبر والبطولة ، فهذا كهف يقع بين ديرلوك  ومجمع شلي دزة على جانب الزاب ما بين قرية ساركي وريدينية  ..  تدور حكايته عن شاب تنبأ بعام غزير بأعاصير ثلجية سوف تطمر القرى ، فلم يصدقه أحد  حتى شيوخ القرية المعروفين بنباهتهم ، فراح يجمع الحطب داخل الكهف و غطى فتحة الكهف بباب خشبية  وصنع بداخل الكهف مدفأة و عمل منفذا لدخانها لكي يخرج من الكهف ، وشحن الأغذية من لوز وجوز وعسل  ومواد لا تتعفن ، المهم إنه كون له بيتا محميا من الأعاصير ، وفعلا حل الشتاء وحلت كارثة الأعاصير الثلجية  التي طمرت القرى  و لم ينج منها سوى هذا الشاب الفطن الذكي . هذه الحكاية تذكرني بواقعة حقيقية حدثت في شتاء عام 1981 ، إذ شيدت قرية صغيرة قرب قرية يكمالة عند منحدر الوادي  على الحدود التركية  و على الطريق المؤدي إلى  مجمع باكوفا وأغلبهم من عوائل بيشمركة قاطع بهدنان ، وحينما حل الشتاء هبت عاصفة ثلجية عارمة وغطت القرية ولم ينج منها أحد ، وعمل البيشمركة المستحيل لإخراج الجثث التي تجمدت تحت الثلج ، والتي جلبت الأسى  والحزن على الناس المطمورين بالثلج ، هذا ما ردت أن أؤكده أن الحكايات لها صلة بالواقع أو إنها مستمدة منه .

 

2 - الزوابع الثلجية :

غالبا ما تتحدث هذه الحكايات عن البطولة الفردية في تحدي الزوابع الثلجية التي تهلك الناس ، وهي تتحدث عادة عن قدرة الفلاح في تجاوز المحنة وإنقاذ المتعرضين لها أو المحاصرين بها سواء في سفوح الجبال أو على قممها  أو في الوديان ، وهنا لابد من الإشارة إلى أن هناك نوع من الحذاء الخشبي المدور البسيط الذي يستخدمه الفلاح في شق الثلوج وإحداث طريقا فيها ، وقد عاصرت الكثير من البيشمركة الذين تعرضوا إلى مثل هذه الزوابع التي ضحيتها العديد من البيشمركة البواسل وخاصة عند الطريق بين طريق بهدنان وهركي أو كوستة أو على جبل قنديل الذي يطلق عليه الجبل المجنون .

3 - الأنهار :

    من المعروف عن الأنهار في كردستان إنها تفيض في فصل الربيع والخريف ، ولعبورها يتفنن الفلاحون في إيجاد الوسائل البسيطة والذكية ، و هناك أمثلة كثيرة على ذلك : مثلا إذا كان وادي النهر ضيقا  فيربطون بين ضفتيه حبلا قويا ،وعليه  حبل آخر ملفوف ببكرة  كبيرة  متحركة مع سحب الحبل الأول ، ولذلك يتم العبور فوق النهر  ويكون العابر معلقا في البكرة  والفضاء و المياه الصاخبة تجري من تحته ، أما إذا كان النهر عريضا  والأرض مستوية  فيجازف العابرون  (بالجلج) وهنا تحدث أشياء عجيبة  وغريبة يستثمرها الفلاح في حكاياته  ويوظفها في إطار التراث اليومي لأفراد القرية وافتخاره بهم  ولانتمائهم إلى قريته ،  فكم من الناس غرقوا مع ( جلجها )  ، وكم من الأبطال أنقذوا الأطفال  والنساء وسط الإشادة ببطولة المنقذ ذي القوة غير الطبيعية في تحدي فيضان النهر .

 

ثانيا : الإنسان

 

1 -  الراعي :

لقد حظى الأدب الكردي نثرا و شعرا بتصوير جمالي للرعي  فغالبا ما يحدث حب واقعي بين الراعي و فتاة القرية ، و قد تكون نهايته مفرحة  تنتهي بالزواج  أو تراجيديا محزنة حيث يلعب التقليد العشائري دوره  و تأثيره سواء بالفاجعة  أو بالفرقة بين الحبيبين ، و قد عاصرت الكثير من الأحداث المأساوية في هذا المجال ، فالراعي  وهو صبي يرتبط بالطبيعة و يغني لها  و يحاور قطيعه دون أن يفهم القطيع ماذا يقول ، لربما يميز القطيع صوته وصفيره ، فشخصية الراعي لها سمة خاصة ، هو هذا الطابع الرومانسي الذي يجعله يتلهف للحب ، وأكثر الرعاة هم مجيدون للغناء  وقول الشعر  وينتظرون لحظة العودة إلى القرية للقاء الحبيب الذي يأتي ليحلب المعزة ، وهنا يدور حوار الحب  وأغلب القرى لها واقعة في هذا المجال ، وكثيرا ما سطرت الحكايات حولها .

2 -  البيشمركة :

 هو الشخصية الفدائية من أجل كردستان ، وأهم ما يمتاز به  هو التضحية بنفسه من أجل الآخرين  ولذلك فهو قوي  وشجاع  ونبيل  ومنقذ ، يحارب العدو ويلحق به الأذى  وتفتخر القرية بعدد أفرادها الذين التحقوا بصفوف البيشمركة ، وعادة ما تجري المفاخرة بمسئولي المفارز ، كيف اقتحم صفوف العدو؟  وكيف فك الحصار عن الآخرين؟  وكيف صد تقدم العدو ؟  وغالبا ما تجري المبالغة  حتى سطرت حكايات عجيبة  وغريبة ، وذات مرة عادت مفرزتنا إلى مقرها قرب الخابور ، وكان في استقبالنا القائد المجرب توما توماس الذي عاصر الحركة الكردية منذ نشوئها ، يعتمر على رأسه ( جمدانيان )  فتعجبنا لأنه عندما يضع  (جمادانيين ) على رأسه فهذا يعني إن خبرا جاءه عن شهيد أو شهداء ، و قد لاحظت إنه يحصي عدد أفراد المفرزة عندما تقدمنا نحوه  وصافحناه  ثم أخذني من يدي جانبا  و سألني ، ما هذه المعركة التي يتحدث عنها الفلاحون في سهل الموصل  التي اشتركت فيها الطائرات ؟  وكم من الشهداء سقط فيها ؟ فأجبته : ( إننا لم نخوض مثل هذه المعركة  و لم يسقط منا شهداء )  ابتسم  و قال : ( حكايات فلاحين ) . كان ذلك عام 1982ونحن لم نزر المقر آنذاك  لفترة سنة كاملة .

 

3 -  الصياد :

ينقسم الصيد في ريف كردستان إلى قسمين : أ- صيد الطيور ب- صيد الحيوان .

أ- إن صيد الطيور يتركز بالدرجة الأساسية على طائر القبج ، وهو طائر جميل حسن الصوت  متوسط الحجم  طعم لحمه لذيذ ، وهناك فنون عديد لصيده  وغالبا ما تكون بالشبكة  في وقت الليل ، حيث يأتي بمسجل يحتوي على كاسيت لصوت قبج ، ثم تستخدم أضوية لإيقاعه في الشبكة ، وهو يعيش على شكل مجاميع   وهذا ما يسهل عملية صيده وهناك حكايات كثيرة عن صوته  وحذره  وتخلصه من الشبكة .

ب- إن أهم صيد في هذا المجال هو الوعل الجبلي ، وغالبا ما يصاد بالبندقية  وفي وقت الخريف  لأن الذكور تتقاتل من أجل الحصول على الأنثى عبر صراع بنطح الرؤوس ، فالأقوى هو الذي يفوز بالأنثى  وعادة يصاب الذكر في هذه الفترة بالغباء  إذ يكون اهتمامه الأول و الأخير الحصول على الأنثى ، وهنا تتحدث الحكايات عن غباء الذكر،  والصياد عادة يكمن له عند ينابيع المياه   أو الجداول أو تتبع أثره ، وهناك حكايات مثيرة حول هذا الموضوع .

وهناك بعض الحيوانات تصطاد بالفخاخ الحديدية ، حيث تترك في المكان الذي يعتقد الفلاح إنها ترتادها ليلا ، ويتفحص الفخ عند الصباح أما بالنسبة للمسيحيين فلهم فنون كثيرة بصيد الخنازير البرية  التي تتحرك بشكل مجاميع   وعندما تتعرض للخطر فإنها تنزل من السفح إلى الوادي ، و هناك مجموعة أخرى تكمن لها ، هذا في النهار   أما في الليل فغالبا ما يكمن لها قرب المزارع  حيث إنها تتلف المحاصيل ، والحكايات كثيرة عن غبائها   و تركها بعضها لبعض حالما تتعرض للخطر .

 

ثالثا : المتعلقة بعالم الحيوان .

 1- عندما تستمع إلى الفلاح   و هو يحدثك عن الدببة ، سيشرح لك طقوسها  وإنها ترقص على شكل حلقات في أيام الخريف ، و الويل لمن يسرق منها وليدها   لأنها ستظل تحوم بالمنطقة  و هي تزأر   و تخور أو تجرحها   فإنها ستنتقم لا محال ، و عادة ما يحدثك بأنها تسرق الرجال حيث تسحبه إلى الكهف فتلحس ركبتيه  فيظل عاجزا عن الحركة و تغلق عليه باب الكهف عندما تغادره بصخرة ضخمة ، و إن الغرض من سرق الرجال هو أن تلبي رغبتها الأنثوية ، وهناك حكايات كثيرة حول هذا الموضوع ، وذات يوم هبط فلاح من جبل كارة وهو مخضب بالدماء ، وقد عرفنا منه أنه فوجئ بدب  و حاول أن يطلق عليه النيران من رشاشته ، إلا إن الدب استطاع أن يأخذ منه رشاشته بعد معركة بينهما ،   وقد تمكن بصعوبة في الإفلات من مخالبه وهل أراد الدب أن يخطفه ؟ هذا ما لم نستطع أن ندركه .

2- إن الذئب يهدد الماشية دائما  وهو يتمتع بذكاء الصائد  وحسن الاختفاء  وخفة الحركة الليلية  والتربص بالفريسة  وسرعة الانقضاض عليها ، وإن عدوه الرئيسي هو الكلب  ، فالقروي يهتم كثيرا بتربية الكلاب  وتعليمها الدفاع عن ماشيته ، وذات يوم كانت مفرزتنا في قرية قرب ناحية مانكيش ، وأتذكر جيدا أن الحارس الليلي للمفرزة كان يقف على تل  ولم يشعر إلا بنباح الكلاب  وهي متجه نحوه ، فأطلق رصاصه عليها  فتراجعت  وقد جرح واحدا منها ، ثم سمعنا بعد ذلك صراخا ، فخرجنا نتابع الحدث  و إذا بصاحب الكلب   ينظر إلى كلبه بألم  ثم ذهب إلى بيته   وجاء بطفله  و قال لنا : ( لو قتلتم طفلي أفضل لي من قتل هذا الكلب ) ، عندها أدركنا كم هذا مؤلم أن يفقد كلبه الذي يحمي ماشيته من الذئاب ، وتدور حكاية عن ذئب يقتل كل ليلة خروفا في قرية   وقد جزعت القرية منه بالرغم من محاولة رصده  وقتله ، فهذا يقول قد مرق قربي  وذاك يقول رأيته يسحب خروفا ، فأصاب القرية الجزع التام  حتى استعانت بقرية أخرى تمتاز كلابها بالضخامة  والقوة وقيل في أحد الليالي تربص له الكلب وعندما حاول أن يفترس خروفا هجم عليه الكلب إلا إنه فلت منه  فطارده أياما وليالي  حتى استطاع من الذئب  وقتله  وعاد إلى قريته منتصرا .

 في ختام هذه اللمحة القصيرة لابد أن نشير إلى أن الحكاية تخرج من أعماق الفلاح الكردي ، فيها المشاعر والأحاسيس  بأن المحكي أو المصاغ  ليس فقط أدبا شفهيا   بل فيه تجلي للواقع و لغاية ذات بعد اجتماعي  ووظيفة اجتماعية  تتمركز حول الرمز  و التراث  والاعتقاد   والانتماء .

 

 

جمال كردستان

أن التواصل مع الطبيعة دوما كظاهرة أو واقع  تجعل هناك ارتباط مشترك بينها وبين البيشمركة ، يؤدي ذلك في سياق التاريخ إلى التآلف اليومي المعاش المبني على الفهم  والذي يولد حس جمالي لمكونات الطبيعة التي تؤثر في البيشمركة نتيجة معرفته لتضاريس الأرض ، وحركته المتواصلة فيها  وتعايشه الدائم بين أكنافها ، فتنمي الشعور الجمالي عنده في التآلف والتواصل وتستحوذ على ذاته من خلال الصور المنعكسة ، فتتفتح روحه أمامها كما لو يجري اتفاق مشترك غير مدرك   يشعر من خلاله بالألفة مع الطبيعة ، وبما أن بذورها صالحة  وثمارها جنية رغم الخراب والتدمير الذي مارسته الدكتاتورية المقبورة في كردستان  إلا أن البيشمركة كان يتغذى من ثمار أغصان الشجرة حبا  وحرية وهو مغمور بالعواطف  ومأخوذ  بالشعور الجمالي المتوارث المتلائم مع ملكة عواطفه الذاتية  بما لها من تأثير مباشر من جمال ساحر للوديان  والسفوح  والمروج في روضات محصورة بين الجبال ، ولما لها من جلال باهر مؤثرة عليه بجوها الباسم   فيحن لربيعها ومليكها الأخضر المقبل وصدح غناء البلابل بين الزهور أو تحت قطرات الندى بين أريج العطور ، أو أيادي صغيرة ذات وجوه باسمة تداعب أغصان رطيبة ، أو ترى العيون في الشتاء كيف تغطي الغيوم أعالي الجبال  وقممها في تحجب وطلوع .

    يتلمس البيشمركة تأثر عواطفه بالكون  وتهيج أحاسيسه الرقيقة في الجمال حيث الصور الرائعة البديعة  ومناظر باهرة سواء تحت أشعة القمر أو قرص الشمس ، والطبيعة في أجلى مناظرها بألوان بديعة تلوح  وتبدو فاتنة وهي تتحلى بقلائدها  مبتسمة الثغر وطالعة بكونها غير مستترة ، وقد يكون البدر في علوه وضاء  يغمر الكون بشعاعه  لاغيا الظلمة ، والليل ملئ بالكواكب ، والصبح ضاحكا على صياح الديك ، والشمس آذنت بالمغيب   تؤم إلى شهد اليوم   ابتسامة روح  ودمعة تترقرق في العيون  ومذاق على حبل اتصال بعاطفة جياشة …

- كردستان هبة الجمال !

هكذا كان يردد  -  ده له برين - القلب المجروح -  الراعي- كوجر - من رعاة أهالي سميل … كم أثارني غبار الأحزان فتجلت لي الطبيعة باكية لأمكث في غفوة مؤلمة وأتمتم بكلمات مع الطبيعة  لأفيق من غفوة آلامي  وأعود  فأناجي الطبيعة بكلمات أكثر شقاء لخبر استشهاده صيف عام 1985 أثناء عبور خط الربايا ليلا على الحدود العراقية السورية في الأراضي العراقية ، وقد اشتهر - ده له برين -  بغنائه   وتعلق عواطفه بجمال كردستان ، و كان يحب جمال كردستان   ويقدسها فوق كل شيء  ويهتز لبدرها  ويبتسم لفجرها   ويعشق أرضها وسماها  فغرامه بالطبيعة غرامه بكردستان  وتغزله بجمالها  لأن طفولته تغذت بها ، فنما هذا الشعور الجمالي وفي قلبه هوى إلى الطبيعة كراعي   يشتاق إلى البدر  ويفتتن للنجوم وهي تتلألأ في السماء ، وكان قلبه يفيض إخلاصا لكردستان و ولاءً لشعبها ، فطالما دق على وتر الغناء على بعد أو على قرب :

- كردستان هبة الجمال !

   فكنا نحن البيشمركة نردد هذه العبارة المشهورة بيننا  بآلام قلب متوجع لفقدان- ده له برين - الوفي الحنين وصاحب النفس الحساسة   والعاطفة الثائرة ، لم يكن متشائما  ولم تثقله آلام الصعوبات  ولم تخمد أبدا مشاعره الوقادة  الهائجة ، كانت روحه جنة عواطف  تجري كالأنهار  يبتسم للحياة ابتسامة ظافر و متفائل ، وأنا أتذكره   وأقول الكلمات بفخر :

هذي كردستان اليوم ترتادها الأفراح   وتتزاحم

فقد نما غرس جمال كردستان مكارم

من بعيد وجه القلب المجروح دائما باسم

فسقط على الأرض وجرائم الطغاة جرائم  

مثخنا بجراحه  مصاب المصاب للموت كاظم

ودماه على الأرض تروي الجمال مكارم

فضاقت صدورنا   والأخبار تأتينا عظائم

وأمسينا بالنائبات كأنما لها عوالم

فلم يبق أمامنا إلا أن نحارب الدكتاتور الغاشم

وفي القلب وجد  وفي العيون دموع تتلاطم

غمائم محتدة فوق غمائم تتزاحم

يضنينا الحزن على القلب المجروح ويتعاظم

وليس لنا من الذكريات سوى الصبر قائم

هذي كردستان اليوم ترتادها الأفراح  وتتزاحم

 

 

 

جبل كارة

 

    تحطم الظلام المنتشر على طول سلسلة جبل كارة  وانتهى التيه ، إذ الليل ما يزال ليلا في هزيعه الأخير والبيشمركة مهتديا بالنجوم التي كانت تختزنها السماء ، وهنا أرواح صارخة على الجبل تسكن جسده وتشيع الطرقات بأحلام الليل ، أمواج صاخبة من الأضواء الساطعة   تتمايل كعباد الشمس في النهار نحو الضوء الغامق بين طبقاته .. يسير البيشمركة وهو يتغلب على رتابته  ويفك ارتباطه بالظلام  ليغادر المكان .. الجبل القديم مرعب و مخيف في الظلام  .. موحش وخال من البشر في مثل هذا الوقت ، البيشمركة مقتنع تماما أن الجبل عاصي ومأوى وهو سلسلة عظمى في نزعته الطبيعية للتآلف معه  ومع عيون المياه  والمغارات  والكهوف  والوديان ، مدركا جماله الخفي  ورمزيته في الكفاح ضد الدكتاتورية  ، فلم تستطع فيالق الجند اختراقه   وان اخترقته فإنها تخترق حافاته المنحدرة الهرمة وبصعوبة ، وكم من مرة انتهكت حرمة ونوع الدلالة إذ كل موقع فيه علامة للبيشمركة ، ففرت فيالق الجند هاربة متراجعة بخوف  فهو الإظهار والاختفاء  التستر والتحجب  خاصة اطلاقة قمته البهية   التي تشرف على قرى بعيدة  وقريبة وتلال وجبال  ووديان يفصلها شارع معبد يمتد من شيلادزة حتى طريق سرسنك ، فعندما يتسلق البيشمركة قمته ستكون عيناه دامعتين  حيث لها علاقة حزينة بالقرى المهجرة والمحترقة ، لكن روحه مهتاجة بالسرور للقرى التي ما زالت الحياة تجري في بعضها ومغيب الشمس خلف جبالها ، هذا السر الرهيب أنه اكتشاف الجمال الطبيعي ، سواء تكشف الشمس أمام البيشمركة أو تكشف السماء مليئة بالنجوم قربه ، فكوكبه ليس عاديا إنه من تاج عال ،  فتهيمن عليه الغبطة سواء المتصدر من السماء أو الأرض ، فهو فوق القمة سيد ثابت وسط أعجوبة الطبيعة السخية   وهو يحوم بعينيه بإجلال ، إذ تخلق السماء بزينة قمرها   ونجومها واهبة الضوء على الأرض ، فالبيشمركة فوق قمة جبل كارة مخلوق مفضل تعطيه الطبيعة خلودها  وهو بوده أن يسير على قمم كارة ، ويكتشف وعلا جبليا ودبا وذئبا أو خنزيرا بريا ، وتتعب عيناه في البحث وسط وعورة الجبل وتشعب وديانه وضيق ممراته ودروبه السرية ، ولو سار كل تلك السنوات التي كافح بها الطغاة  سيظل يحتاج إلى سنوات أخرى ، ويشعر بقيمة هذا الجبل وسيكون صريحا مع نفسه هنا مكان آمن حيث لم تطأه قدم جندي ويمكنه أن يتمدد قرب عشب عين ماء دون حراسة  وتلوذ شفتاه بابتسامة ساخرة لعواء ذئب  وتمتشق من بين شفتيه: ( هناك ذئب ) .

    الليل ما زال ليلا   وفي الهزيع الأخير منه لمعات خاطفة من النجوم وقد سقط رذاذ المطر ليرش وجهه  وهو في أنفاسه الهادئة ، أنفاس الحرية ، ليقضي الساعات منشغلا بنومه  ثم ينهض .

الصخور الجافة ندية فوق الأرض ، هادئة ، آمنة ، وقلب البيشمركة هادئ أيضا أن روحه تزهو في معرفتها أن الخريف شاء أم أبى آت مع عري الزمن ، تخمد الأوراق صفراء على الأرض ، فهناك صرخات طويلة : الزمن يتعرى أيها التاريخ ! كفانا طغاة ، من سيحرك الكفاح ، إن لم أكن أنا فمن يكون ؟! صرخات طويلة ، لتتفجر أصوات قرى ، ومدن ، وعوالم هذا الجبل القديم ، لأنني عليه ، هكذا كفانا طغاة ، البيشمركة : أمل ، شروق ، في الهزيع الأخير من الليل ، وصبر مع الجبل ، ومع الدروب المحفوفة بالمخاطر ، الجبل موطنه ، يغسل وجهه رذاذ المطر  وقد يظهر قوس قزح ، والسعادة منذورة للجبل أوسع ما يكون ، سينذره الصباح أن الليل انتهى ، والبساتين المحروقة ستزهو ، وتهب نفسها للشمس في خصوبة الروح ، ورحابة الكون ، حلم الليل مكثف ، وسريع  إشراقة فجر جديد ، وتبدأ نقطة مشعة ، تنير الجبل إنارة دائمة ، الليل ما يزال ليلا ، وهزيعه الأخير يسير نحو الفجر ، الزمن قصير ، الجديد يفرض رؤياه على البيشمركة .

 

                                 الوعل الجبلي

 

    في خريف 1982 وبعد أن امتلأ ذهني بالحكايات عن الوعل الجبلي تلك الحكايات المنتشرة في قرى كردستان ، والتي تتمثل بعرس أنثى الوعل الجميلة ذات الضرع الأبيض الأملس الذي يكاد يشبه حليبها بعد الولادة  و القرنين المائلين إلى الخلف و العينين الواسعتين الكبيرتين اللتين تنظران دائما باندهاش و الأنف المستقيم   و الشعر البني الداكن القصير والأرجل الرشيقة السريعة عند القفز والركض ،تلك هي أنثى الوعل التي تتصارع من أجلها الذكور نطاحا ، و تلتقي بعنف كأي معركة لمنتصر أو مهزوم  أو خبرة النطح وفن استخدامه يحسم المعركة ، فالقوي المتصارع هو الذي يفوز بالعروس وهي لا تأبه للمهزوم جريحا كان أو منزويا خجلا  أو مطروحا على الأرض  أو تاركا رفاقه ، تستسلم للقوي الفائز بالقتال لاجلها ، هذا أيضا شأن دنيا عالم الحيوان شأن الحكايات العجيبة فالأنثى تحب اللعب مع الذكور ، وعندما لا يستجيب احد للعبها تتركهم منسحبة  مهمومة متفردة وحدها بين الصخور ، إنها تحب ذاتها و تحب أن تحظى بالاهتمام من قبل الذكور ، وإنها إذا شاخت أيضا تترك القطيع وتهيم في الجبال عجوزا تروي ظمأها من الجداول  و الينابيع  و تسد رمق جوعها من البلوط  والنباتات  والحشائش ، وإذا جرحت تعالج نفسها بنفسها  فتمتص خضرة الأحجار أو الأعشاب ليلتئم جرها ، وتأوي إلى الأماكن الوعرة الخشنة لتكون في مأمن من الضواري والصيادين ، وإذا فاجأها خطر تلم نفسها بشكل مدهش و تتدحرج إلى أسفل  و هي تقي نفسها من الحجارة الحادة والصخور ، إنها عنيدة بطبعها نشطة  تحب صغارها ، تحمل في بطنها ما بين 1- 3 و تلد في المناطق الجبلية النائية مرة واحدة في السنة ، وإن صغارها حديثي الولادة يقفون على أرجلهم  وبعد عدة أيام يتبعونها في الصعود والنزول فوق الصخور على حوافرهم المنحنية و تعلمهم القفز على الصخور المرتفعة للهروب من الأعداء ، وإذا دنا أجلها تلتفت إليهم وتثغي وتهدهد خاصرتها و تصبح آذانها منتصبة متجه إلى أمام ، فتتركهم وفي عينيها نظرات حزن وألم ، تلك هي الحكايات عن أم الوعول التي يلازمها الاندهاش .

    إن ما حدث لي غير متوقع على الإطلاق ، إذ اجتمعت مفرزتنا تحت قلعة الجيش المهجورة التي تشرف على الطريق المؤدي إلى (سوارتوكة ) و ( اتروش ) ، حيث بدا الجيش آنذاك بسحب قواته من بعض المناطق ليرسلها إلى جبهات القتال مع إيران ، ففرغت المنطقة من تواجده مما سهل حركة البيشمركة و سرعة التنقل ، ففي الوقت الذي كنا نعبر بعض الشوارع في الليل لنتجاوز الكمائن صرنا نعبرها في النهار .

       كان الهدف من تجمعنا أن نقوم بعملية عسكرية و قد وضعنا الخطة لتنفيذها وتم إقرارها ، إلا أنني كنت أفكر باحتمال التضحيات  وغالبا ما أغرق بالتفكير قبل تنفيذ العملية  خشيتي أن أفارق أحدا منا  الذي لم يفهم من الحياة سوى ماضيها الصعب ولم يتذوق طعمها فهو ساكن الجبال و الوديان ويعاصر الإرهاق و التعب البرد و الحر والعطش و الجوع في أحيان كثيرة لمتطلبات مهمات البيشمركة سوى في الاستطلاع أو الدخول إلى المدن و القصبات أو العمليات في وحدات الجيش . فحاولت أن اجبر نفسي على أكف عن التفكير و أصرف ذهني عن التضحية بالذات من أجل قضية آمنا بها ، فمشيت ببطء بمحاذاة ضفة الجدول  يثقلني وقت تنفيذ العملية ، و أنا أصغي إلى تغريد طائر ، راح يتنقل بين أغصان لأشجار  والنباتات المتشابكة التي تساقطت أوراقها صفراء داكنة وتراكمت على العشب ، وأنا أخرج من بين كثافة الأغصان  واجهتني أشعة الشمس المتلاشية المنحدرة نحو الغروب والمائلة إلى الحمرة ، كانت تطغي بوسعها في السماء على بصري .. إنها هائلة وضخمة لينغرس مشهدها في ذاكرتي ، إذ كنت أواجه فيض كوني لتوديع النهار  ، لم أجد ما أقوله لنفسي لهذا الانبهار  بل أخذت أرفع بصري إلى السماء  ثم أنحني برأسي إلى الأرض و أتلفت وأنظر إلى الأمام فجفلت في مكاني إذ كانت تواجهني بغطرسة ثم استدارت إلى الجدول و صارت تروي عطشها ، ولم تمض برهة حتى مشت واختفت بين الصخور إلا أن وجهها برز من بين حافات الصخور  وراحت تنظر إلي بعتاب  كما لو تتحداني  وتدعوني إلى مبارزة ، خيم صمت مشحون بالتوتر ولم تطلق هي صوتا  أو أتكلم أنا ، و كنا ننظر إلى بعضنا باستغراب ، فقد كنت أتصور إنها ستتوثب وتنطحني بقرنيها  إلا أنها لم تفعل ذلك فأنزلت بندقيتي من كتفي  و سحبت أقسامها بهدوء لئلا يرعبها الصوت  وتهرب ، قفزت فوق الصخرة  وصارت قبالتي تماما ثم رفعت البندقية و سددت نحو رأسها  ولم تتحرك من مكانها حيث كانت تنظر إلي فقط  و كأنها تخاطبني :

     - ماذا تنتظر …أرم ؟!

     كانت تقف مزهوة و أنا أتردد في اصطيادها  اقتربت منها بخطوات مرتبكة  ووقفت هي في أتم الاستعداد لمواجهتي  و هي ترمقني نظرات شزرة كما لو إنها توحي لي : خطوة ، خطوة ثانية ، ثالثة …ارم …ذلك سيخفف قلقك عن نفسك …ماذا تريد ؟…هل تريد أن نتصالح ؟ ألست أنت من جنس البشر ؟…صوب ، ارم ، لا تخطأ الهدف ، سترن رصاصتك في رأسي.

    خيم صمت مشؤوم  وأنا لم أتحرك من مكاني  أحاور أعماقي ، أهذه مبارزة ؟ أنزلت البندقية  و جعلت فوهتها نحو الأرض  وأنا أتراجع عن تفوقي عليها  وأتنازل عن المبارزة غير المتكافئة كأنني أعتذر لجمالها  و كبريائها  وعنادها ، فانتابني الخجل من نفسي عندما أحسست بأنني أساهم بانقراض أم الوعول الجبلية فلم يبق منها إلا القليل وأنثى الوعل تودعني منتصرة محاكية عالمي : انتظرتك  و انتظرتك  وأنت لم تصطادني ... ماذا جرى لك ؟

     عدت إلى المفرزة فرحا  و أنا أفكر في هذه اللحظة الحاسمة ، أنني لم اصطادها  و لم أشترك في تناقص أعدادها  وسيأتي اليوم الذي تكون الوعول الجبلية محمية في كردستان .

 

المهد

 

كانت الأيام الأخيرة من الخريف قد حلت على ربوع كردستان والأمطار لا زالت تهطل بكثافة  والطرق موحلة والشمس تميل إلى الغروب ، ونحن نتوزع في قرية من قرى برواري بالة تحت وابل من المطر ، وتم توزيعنا من قبل المختار المعروف بعلاقته الطيبة بالبيشمركة ، فدخلنا أنا وتوفيق يزيدي إلى بيت متواضع  بسيط في نهاية القرية  بلا أثاث يذكر سوى البساط الأرضي وفيه غرفة واحدة ، وهذا ما يلاحظ في أكثر البيوت المتواضعة والفقيرة وكانت مدفأته متوهجة ، ولا زال المطر يهطل بغزارة في خارج البيت رمينا أسلحتنا وأحزمتنا على الأرض وبدأنا نتدفأ قرب المدفأة ونحن ننظر من خلال الباب والنافذة إلى المطر العنيد الذي زاد منسوب مياه الأنهر ، كل ذلك جرى بسرعة حتى عاد الدفء إلى أجسادنا ، في بادئ الأمر لم نكن نهتم من يكون في البيت فالمهم هو أن نجفف ثيابنا ونطرد البرد عن أجسادنا ونتعشى ثم نغادر البيت حاملين فراشنا إلى المسجد لننام باطمئنان ، وهكذا استسلمنا إلى عاطفة جياشة بفترة قصيرة كي ننعم بالهدوء ، فلم نر سوى مهد طفل  وفتاة في ريعان شبابها بثياب بسيطة نهضت فجأة حينما دخلنا وقلنا بيشمركة ورحبت بنا ، وراحت تنظر باستغراق إلى الباب المفتوح ، فخرجت بسرعة خفيفة الحركة إلى الموقد الذي يقع في مدخل البيت وبعد برهة عادت إلى الغرفة  وبدأت تهز المهد  وتترنم : ( بابه ته ده آتين )  فانتبهنا إلى الطفل الذي فيه ، عندئذ سحبته إلى صدرها لترضعه  ثم أرجعته إلى المهد  وخرجت  وعادت بصينية الأكل ، وراحت تهز المهد وتترنم ثانية فعندها سألها توفيق :

- أين والده ؟!

ابتسمت  وأجابت باعتزاز  وفخر :

- بيشمركة …

    أظلمت السماء وتوقف المطر وأخذنا الفراش لننام في المسجد

وتحدثنا قبل أن ننام وقد عرفت أن زوجها ذهب مع إحدى المفارز لتنفيذ عملية عسكرية ، وفي الصباح وعلى صياح الديك نهضنا وعدنا بالفراش إلى البيت فأكملنا فطورنا وامتلأت ( عليجتانا ) بالزاد ، وخرجنا من القرية وفي طرقنا صادفنا المفرزة التي ينتمي إليها زوج الفتاة فسأل عنه توفيق لم تمر برهة  فصرخ توفيق باسمي ، فتقدمت إليه مدهوشا  ووقفت قربه وعلى وجهه قلق وجزع  فأحسست بالضيق في قلبي وتوجست أن شيئا قد وقع ،  كان توفيق يواجهني ،وعيناه محمرتان  منتفختان وهو يقول بخفوت :

 

- هل تعرف ؟

- ماذا ؟

- استشهد زوجها…

فلم يبق أمامي إلا أن أقول :

في زمن بعيد

كم كانت الأم لطيفة !

الطفل الرضيع

بكاءه الحزين

وهدهدت أمه مهده :

الأب سيعود

عن قريب

سيعود

كم كانت الأم لطيفة !

هزته في عطف

في فرح

باشتياق للأب البعيد

فانحنت ، وأخذته بصدرها

وأطعمته حليبها

يا برق…!

إذا جئت

فآتينا بالأب البعيد

الأب البعيد…

هناك مودع

وفوق قبره ألف زهرة

أفلاك سماء

تلمع

وأضواء قناديل تجمع

من عينيها لم ينزع

والطفل الرضيع

بكاءه حزين

وأنت يا خريف !

غذ السير السريع

المنيع

وحمائم في نواح

وتسجيع

وفؤاد الأم وجيع

والطفل رضيع

الأب بعيد

دماءه دفئ الخزامى

لا تضيع…لا تضيع

مثل نجم الصباح

في توديع…

وأنفاسه طيب مسك

لا تضيع…لا تضيع

وغذ السير يا خريف !

للطفل الرضيع

وها قد بلغ وليده الفطام

ونشأ بين الجبال

في توديع …

وكبر بين الأجيال

يحمل اسم والده البعيد ….غذ السير يا خريف !

 

 

حزن السماء

 

كل شئ عند هذا البيشمركة زاهي الألوان في سماء كردستان ، لحظة واحدة يرفع رأسه وينظر إلى السماء بصبر وهدوء ، السماء المزخرفة بالنجوم الوضاءة المتلألئة المتألقة فوقه والمترعة بلونها الأزرق الصافي ، كأنه يقرأ النجوم ويدخل باب التنجيم  وهو يستطيع أن يتحدث عن النجوم الأولى  ونجمة الصباح ودلالتها ، وعيناه ساهيتان إلى دروبها  وإيحاءاتها دائما. تبدو له الرؤية واضحة في أشهر السماء الصافية ، وحينما يكتمل الهلال بدرا  ويصبح القمر - الملاك الأبيض - في القبة السماوية واطئا كان أم عاليا  زاهيا ينير ضوءه الطرق ، وعندما تلوح السماء دون نجمة فيها  وليست وضاءة أو شاحبة واطئة ، ويلف البيشمركة  ضباب وصقيع شديد البرودة  تراه يحن إلى أشهر السماء الصافية ، فهو ذو قلب صاف يحب الأرض التي تشع فوقها الأنوار ، ولهذا البيشمركة قصة طويلة في الحياة  ، فحينما السماء ترعد وتبرق تنحدر دموعه على وجنتيه  تنمان عن وحدته التي فرضها على نفسه في سكون ، فأسراره مع الحياة تسري في نفسه قاسية ، ولا يغادره التفكير سواء في السماء أو الحياة  أو كلاهما معا ، ويتصور أشياء كثيرة  قد يتصورها غيره ، ولكن لا يعرف أحد هذه المرة بماذا كان يفكر ؟ وهو يستطيع أن يفكر ويواصل الحياة  ويتذوق ثمرات نضاله ، فربما - كان يفكر بالذكريات  ولحظات طفولته السعيدة ، وهو ينظر إلى السماء ويتشعب بصره بالأفلاك السماوية ، وربما - كان يفكر أن يتغافل الحياة  ويذهب إلى الموت ، وذلك كان مفاجئا لنا وبغفلة ، من الآخرين انحدر في المقر إلى مكان منزو  ووضع البندقية في فمه وأنهى حياته ، وهنا لا يسعني أن أقول عن ذلك الزمن البعيد الذي ظل عالقا في ذهني وأنا منزو في غرفتي  وصدى تلك الطلقات يرن في رأسي :

حزن السماء      

شدونا بالسماء إذ نجومها تساقطت

وأرفلت بأنوارها  وهبطت  

 وساقت ماءها فوق رؤوسنا مطرا

صافيا .. طاهرا ..ناصعا

لا عندنا من العهود حمى من بللنا

تلك العهود بأضواء السماء تبرجت

وشفيق الأفق منها دمع حزن

حزنا على العهود تمر

وفي وجه الزمان تزأر

عهود بها حزنا على العهود

وتتفجر…

ما أقسى عهود الفراق وأعنف !

فيها حزن ، فيها من يموت ، ويقبر

وفي القلب تحز ، وتحفر

لم يبق عنده غير صور زمنه

تريه أطيافا وتعبر

 

 

رجال في ربيع الشباب

 

كم هم طيبون في كل يوم  عاشوه ، وما أكثر الأيام التي تركوها خلفهم  وهم يعتزون بالحياة  ويأملون الخير لشعبهم  والمستقبل الزاهر  

كم هم طيبون في كل يوم كانوا به يحلمون ! لم يحبوا التفكير بأنفسهم ، حسنا كم هم يحبون السلام في أوج ثورة البيشمركة ! سيكون الغد جميل ذلك كان يسري في عروقهم كالدماء  وهم مجبرون على حمل السلاح لأن العدو أمامهم شرس و قاسي  ووحشيته مكروهة ، فلابد أن يقاوموه أجل تعاون معهم أحد أفراد الربية من أهل الفرات الأوسط ليسلمها لهم  واتفق معهم على إشارة وهج ضوء من ( لايته ) أثناء حراسته ، لكي يدخلون الربية بهدوء وهي تقع على شارع ديرلوك - العماديية ، يربطون جنود المغاوير بالحبال  ويأخذوهم أسرى ، هكذا اتفق الجندي مع البيشمركة  وهكذا فعل البيشمركة ، دخلوا الربية  وطلبوا من الجنود أن يسلموا أسلحتهم إلا إن الشر كان ينبع في قلوب جنود المغاوير  ففتحوا النار ، ونشبت المعركة داخل الربية   وقتل الجنود ، واستشهد نخبة من البيشمركة وهم في زهرة الشباب  كان ذلك عام 1982، وكلما أتذكر تلك النخبة ينتابني إحساس بطيبتهم  ولا يسعني إلا أن أذرف الدموع  وأحفظ القهر في قلبي  وأنا أتذكر تلك الوجوه الطافحة بالأمل ، وأنشد لنفسي كي أقلل من تعب كهولتي  و تعب السنين  وأتذكرهم كأنهم يتحدثون معي  وأتحدث معهم  وأقول :

قسما بأعلى الورى شرفا

لم يغمض لي في ذلك اليوم طرفا

لم يكسني أحد في كهولتي شفا

رؤيتكم لي إلا خالقي رؤوفا

وقر عيني دائما صرتم رؤوفا

لأنني لا أمل عنكم وصفا

ثمة معجزة أنتم أهلها وصفا

وهل رأيت العندليب الصادح جفا

بل هو في الروض والزهور ألفا

يخطفني برق السماء ليلا وكفا

شعاع كواكب الدرى ألفا

وفي محراب النضال استشهدتم وصفا

الطريق للخيرين مرتضى ألفا

ولتزهو الأرض والامهات بأسمائكم لطفا

واقتدي ببرقكم المتألق لهفا

ومن سنا الليالي يخترقني لفافا

وفيض أنواركم للبشر شرفا

 

 

رقصة الدب

 

إن الدب بكبره وثقله الذي يصل وزنه إلى أكثر من 110كغم في وديان كردستان الصخرية الضيقة وقطوع الجبال التي من الصعوبة الوصول إليها ، ولا يمكن الوصول إلى مغارته إن وجدت  فهو يتحرك ثقيلا بجسمه الضخم القصير ذا القوائم القصيرة التي تنتهي أقدامه بخمسة براثن قوية  تترك أثرها على الطرق والممرات  وغالبا ما يلاحظها الصيادون المهرة الذين يمتلكون خبرة طويلة في تتبع الأثر  والاصطياد فهو أشعث الوبر  بني اللون له عرف من الفراء حول رقبته  وأكتافه ، يجيد السباحة في الأنهار لاصطياد الأسماك ، وهو من الثدييات وآكلات اللحوم والنباتات  ويعتبر العسل واحدا من أكلاته المفضلة المنتشرة في الأشجار وحافات الصخور ، وكذلك من أغذيته المفضلة النمل ويرقاته في الغابات والأزهار وأوراق الأشجار والبلوط والثمار الطبيعية وحبوبها ، وعادة يتسلق الأشجار والصخور بحثا عن أعشاش النمل والنحل ، وطوله لا يتجاوز المتر ونصف المتر ، ويعمر أكثر من ثلاثين سنة ، وتحمل الأنثى تسعة شهور  وتضع من جروا إلى أربعة ، ووجهه خاليا من الشعر ، وقد كثرت الحكايات حوله ، ومن أبرزها أن الأنثى تسرق الرجال وتحملهم إلى مغارتها أو كهوفها السرية  فتلحس بلسانها ركبتي الرجل وتجسهما حتى تجعله لا يستطيع الحركة ، وعندما تغادره بعد أن تمارس متعتها معه  تغلق فتحة المغارة بصخرة كبيرة لا يستطيع الرجل أن يزحزحها ، وقد سمعت الكثير من هذه الحكايات المثيرة العجيبة ، وكاد البعض ينكرها من الفلاحين ، وقد تسنى للبيشمركة في وادي ( زيوة ) أن يشاهدوا جروا يتشبث بالحياة للخروج من الخابور  فهرعوا إليه وأنقذوه من الغرق في المياه وهو لم يتجاوز الشهرين من العمر ، إلا إنهم في الليل كانوا يسمعون هيجان الأم  وهي تدور  وتخور ألما ، وقد حذر بعضهم بعضا من غضبها  فقد كانت مخيفة وخطرة وكانوا يشيرون إلى أنها كانت تختفي في النهار وتظهر في الليل شرسة مستعدة للقتال من أجل ابنها ، وقد بقي الجرو فترة عدة سنوات مع البيشمركة في المقرات ، والمعروف عن الدببة هيجانها عندما تفقد أطفالها  وعندما تتعرض إلى الجرح ، وغالبا ما تداوي نفسها من الأعشاب البرية ، وحدث لأكثر من مرة أن اصطدم الفلاحون مع الدببة في جبل كارة  وقد شاهدت اثنين من الفلاحين نازلين في وادي كارة أحدهما ينزف الدم من صدره وقد فقد بندقيته  بعد أن أخذها الدب منه  وقاتله بالصخور  ففرا هاربين من صدمة المفاجئة ، والحديث مع الفلاحين عن الدببة يثير الفضول لكثرة الحوادث في كردستان  وهو ما يؤكد أن الدببة كانت كثيرة في كردستان وتصل إلى حدود مدينة الموصل , فقد حدثني البيشمركة صباح كنجي إن إحدى قريباته خطفت من قبل الدببة  وقتلت ولم يعثروا أهلها في الوادي سوى على شعرها وعظامها ، والصيادون سابقا كانوا يستفادون من شحمها لصناعة الصابون ، وكان الشهيد عابد وهو من أهل قرية ( سوارة ) قرب جبل كارة مولعا في متابعة الدببة  وكنت أراه العارف بأسرارها  وأسرار جبل كارة ، فذات يوم اصطاد دبا وسلخه وحشا جلده بالتبن  وكان يقول لي أن الدببة ترقص

 

زهرة الثلج

 

لقد حاولت هذه الزهرة في حكايتها قيد التشكل أن تجعل من الثلج ملاذها إيقاعا  ورقصا  وأغنية و يقيها شر تقدم جند الدكتاتور  لاصطيادها ، فالجند يصعب عليهم التقدم في الثلج  وأن تتقدم آلته الحربية ، فتخيل كيف تجلس هذه الزهرة في الثلج  بنظرتها الضائعة  تكتم حزنا عميقا ، ولم تكن هي إلا في حلم  ولذلك أطلق عليها – زهرة الثلج – فقد أتعبتها الأيام  وأضناها الوجد  وهي تتجاوز الأسى برائحة جسدها العاري الأبيض وهو يسكب الحب فقد برز جسدها من العمق ، حيث تعيش فقط في الثلج  وهي تفيق وحيدة كلما هبت عاصفة ثلجية ، نهايتها دموع  ووداع  تغلفها رائحة زمهرير  وتبدو جالسة تتذكر السنوات منذ زمن قديم في الحرية الجوهرية ، تمتلك البصيرة  والإرادة  إنها تمثل نشوءها الخاص الذي يتوافق مع رغبتها كما لو أن الثلج يطيع أبهتها تلقائيا كي تعلن ارتدادها عن العالم الفعلي  وتشكل تضادا مع الطبيعة و مع الوجود المطلق الغير انعكاسي لطفولتها في التاريخ ، استقرار وتمايز ودوام في كل شتاء ، لكن أهل قريتها هجروا بالقوة من ديارهم  ولذلك اختارت أن لا يكون لها تاريخ وأن تقع خارج الزمان ، هكذا يقول الفلاحون عنها في بيئتها في مقابل جمود المكان لبراعم الربيع فليس لها علاقات متصارعة مع الدب  ولا تضاد  فردية سالفة الذكر حينما يراها الدب  يشمها عبر اللاتاريخ  ويواصل سيره في دروب الخراب والدمار الذي تركته الدكتاتورية ، وسواء كان تكرار لخراب القرى المتروكة أم لشجاعة الزهرة في بسالتها  وشهامتها تجاه الاستبداد ، فتترك الدب يسلك طريق انهيار الجدران ، فالدب لا يجد تقدما للجند في التغيرات الدائمة التقلب ، وان التاريخ ينقل الحكاية من الخارج و من أهوال القتل اليومي ، رؤية قاسية في تعبيرها المأساوي  لم تبارح الخيال ، فورة توظفها – زهرة الثلج – في اتجاهات مختلفة ، تلك عناصر قديمة من معجم التاريخ ، يتجمد في سكون ، في نار مضطربة ، في أعماق الثلج جذرها للزمن الضاغط ، بلا حدود معاشة يشعرها تدمر البيوت بالمرارة نحو الزمن الميت ، والصباحات المظفورة ، وعواء القلب ، كلها تتمتع بمولودية نادرة و مفعمة بالقوة ، فيها طابع تأملي ، هذا حال الزهرة في طبعها حتى ولو كان البعض المهزوم مسرورا بالحياة  وحيويتها فهو تائه ، فالفرح استثناء  عابر  وهمه أن يعبر دائما عن وجوده ككائن حي ، زهرة الثلج لا تخاف السعادة  هنا ثمة زاوية فاصلة  ما عدا الصمت  وكلما تقرع العواصف الثلجية  تنهض الزهرة صامتة ، ليس صحيحا أن من يسرق النار من السخط السماوي  من حجارة نار الجحيم ، ولذلك فهي في تلاوينها غريبة حد التنافر  بتأملاتها الصامتة  الغامضة  ولها أصالة من الأرض التي نبتت عليها مستوحدة مع الثلج في جو البرد القارص ، لحظة ثابتة وجهها يمحي أحلاما  أن تصمت لأن هذا جزء من طبعها ، تحارب العدو في الظل .. في هيبتها ، وتحقق بياضها المشرق ، وكأنها تتأمل البعيد على نحو هادئ حالم ، هذه المفاجأة الأولى بالتصورات  والرؤى  بياضها المشع على نحو باهر كلؤلؤة في صدف الثلج يشكل وقفة شامخة ملقية ظلها الكثيف على ما عداها .

 

زوجة

 

تلك هي الزوجة في العقد الأربعين  لا شبيه لجمالها ، ممشوقة القوام  ، وقد وقفت عند عتبة باب بيتها  تنتظر عودة زوجها البيشمركة ، وقد اتجهت عيناها نحو الشمس ، فبانت جفونها مطعمة  مصبوغة بلون الشمس ، فكل رمش من جفونها مغموسا بالكحل يتهادى من لمعان ساحر متواز مع خرزات قلادة ذهبية تطوق عنقها ، يتدلى على صدرها منها نتوء بارز كثريا في السماء ، مرصع بحجر ثمين يقدح لمعانا في وجه أشعة الشمس ، لقد جمعت وقفتها بين جمالها  وقلادتها  والشمس الساطعة ، فانداحت من جبينها قطرات من العرق تداعب وجنتيها  المحمرتين في قيظ الصيف ، كانت نظراتها مصوبة نحو الطريق  وعيناها تحاكي المجهول  وهي تردد مع نفسها : ( عله.. يعود ! ) ، فجأة حركت رأسها فاهتزت خصلات شعرها  واستقرت على جبينها ، لقد جمعت هذه الزوجة خصال الجمال الشرقي بين السمار والبياض  والفم الدقيق والأنف المستقيم  والروح المتسامية للوفاء  وانتظار العودة ، إنها في انتظار  وقد حسبت ليالي وأياما .. ستة أشهر ولم يظهر ، وعندما دخلت مفرزته إلى القرية  تقدم إليها مسئوليها في حزن كبير ، ظلت هي واقفة في الصمت العميق ، حينها ترقرقت الدموع في عينيها  وهي تقول : ( لقد رحل… ) ، والكلمات تهيج في القلب  والألم :

 

تريد أن يعيش ولو مثل سنبلة نحيلة

مثل يد مقيدة ، ومربوطة بالحياة

صيرته الأعاجيب مثل نبض المياه

تريده أن يعيش من أجل طفل نحيل

جائع مثل الزمان ، لا يكف عن الوجود

عن حنق السنين ، ويشيع موسيقاه

كرمز الغروب ، كرمز الخلود

يطل عليها كالفجر القريب

ويبقى مرآة لا نهاية لها

هو نفسه مرآة لا نهاية لها

هو نفسه ذلك النور السماوي

يخفي ألمه ، وهو كذلك حزين

لا شئ في عتمة المساء

مجرد يريد أن يغني أغنية رائعة

يمنح ذاته نطق الكلمات

غسقا يخشخش فيه الحب

من دون أن يفسد الوجود

في الليالي الباردة والدافئة

في نهاية الليل الوحشي

إذ لم تعد هناك فسحة للأمل

في فراغ العالم المثقل بالظلال

في شكل الوجه المختفي

الذي يلجأ إلى الكلمات

إلى المسافات لعبور الزمان

تريده أن يعيش ولو مثل سنبلة نحيلة

وتتدلى من عينيها دموع مرهقة

 

 

شجرة السبندار

 

كم صعبة هي الدروب إليك

منتصبة

عمودية خضراء

قشرتك بيضاء

تبلغين غيمة سوداء

وتنشدين السماء

فارعة

مظفورة في الأرض التي أحبتك

وأحببتيها

مضفورة في مكانك

حين توجد المياه

أغصانك طويلة تعانق فسحة الفضاء

قد تكونين وحيدة

تحتفظين بصمتك

قرب ينبوع ماء

وتوصدين أبوابك للضباب

للمطر

لثلج الشتاء

فتكون لمستك لمسة ملاك

ويصرخ حفيف أوراقك في الرياح

قد تكونين مع أقرانك الأشجار

فتبدأ الأوتار بالرنين

وتصدح الأصوات بالغناء

أنت تعرفين منبتك كردستان

وتعرفين تعاقب الأعوام

الشمس حمراء

أنسام المساء

خيوط الفجر البيضاء

ونجم الصباح مضاء

أنت تعرفين جيش الأعداء

قذائف طائرات

دوي دبابات

أزيز الرصاص

و النيران تشتعل في حبات الرمان الحمراء

تعرفين أشياء كثيرة

سفك الدماء

صرخة الأطفال الأبرياء

والموت مخاض…مخاض منذ قديم الزمان

والبيشمركة مسيرته طويلة ليل نهار

وأجفانه تعبة في ظلك

عابقة روحه برائحة  الطحالب

 الأعشاب

الأزهار

أنه شريك معك

من أجل البقاء

أنت مزهوة دائما

تغتسلين بسحابات بيضاء

تحت السماء الزرقاء

وحينما يتعلق طائر بعنقك

تكشفين عن فرحك

وتطلقين جملتك المشهورة :

حكاياتي حكايات كردستان

كان الدليل شيخا عجوزا قصير القامة ، ذو عينين صغيرتين ، أسمر البشرة  يفيض من وجهه الصبر وتحمل مشاق الحياة ، وهو يقود مجموعتنا الصغيرة من الملتحقين في صفوف البيشمركة ، كان يصعد بنا الجبال الشاهقة وينزل بنا إلى الوديان العميقة ، وكلما توقف أو تركنا في مغارة أو كهف  نشعر بالارتياح ، وبعد برهة من الزمن يعود إلينا بزاد الخبز  والجبن  والطماطة  والبصل ، لم نكن نعرف إلى أين يذهب وأين يختفي ، هذا لا يهمنا  فالمهم هو أن لا يتركنا في جيوب الوديان  ونحن لا نعرف الطرق  وأسرار الجبال ، كان يخفينا في الغالب نهارا  ويسير بنا ليلا  تحت أضواء ملك الليل  والنجوم المتلألئة في السماء ، لم نكن نرتدي أحذية الجبال فتشققت حافات أقدامنا وسالت منها الدماء ، وهذه مشكلة أزعجته كثيرا حيث أخذ يراعي ضعف قدرتنا على المشي بسرعة وصار يتمتم بكلمات يؤنب بها أهل المدن ولم يكن أمامنا إلا أن نلزم الصمت  ونلوذ بمعاناتنا ، فالعطش أضنانا  وصرنا لا نتحمل الصبر بعد أن تيبست الشفاه   فسألناه عن الماء  فكان يجيب بامتعاض :

-   خلف فتحة تلك القمتين الجبليتين يوجد ماء .

حاولنا أن نسرع في المشي  ونصعد حتى نصل الفتحة الجبلية  إلا أن ذلك دام ساعات وعندما بلغناها  قال بصوت خافت :

-   استراحة عشرة دقائق .

و لكثرة ما بنا من إجهاد طالت استراحتنا نصف ساعة  ثم سألناه عن الماء  فأجاب باقتضاب :

-   قرب شجرة السبندار .

هكذا بدأ تعلقي بهذه الشجرة  منذ دخولي كردستان عام بداية عام 1980، نزلنا إلى الوادي بعد أن طلع الفجر علينا  واقتربنا من الشجرة  فإذا بينبوع ماء صافي ، اروينا ضمأنا من مائه البارد  فانتعشت أرواحنا  وقد حاول أحدنا أن يقتلع من بين الأعشاب أوراق تشبه أوراق الجزر  فانتبه إليه الدليل  وصرخ في وجهه :

-   لا تأكله …

ثم راح يشرح لنا أن هذا النبات يسمى ( كلد نشينداني ) العشب المجنون  فالذي يأكله يصاب بالهذر  والهذيان  ، لم نمكث بالمكان طويلا فواصلنا مسيرتنا  مرهقين  وذات نهار اختفينا في مغارة  وإذا بأفعى سوداء تخرج إلينا من جحرها  فارتعبنا ، فهذا أمسك بحجر  وذاك عصا  أما الدليل فمشى إليها ببطء  وأمسكها من ذنبها  ووضع إصبعي يده اليسرى تحيط بها  وسحبها بسرعة فائقة  ومسكها من عنقها ، فاستسلمت الأفعى  وصارت تتدلى من يده  ثم خرج  ووضعها على الأرض فزحفت  و اختفت بين الصخور عاد إلينا  و قال :

-   إنها أصبحت مسالمة …

سار بنا في طريق وعر  صعب وانتهى بنا إلى قرية على الحدود التركية  لا أتذكر اسمها ، ونحن نسير على طريق ملتو  فإذا بدواب كانت تسير أمامنا  تحيد عن الطريق  وتصعد إلى السفح  لتتجاوز الطريق ، فرأيت بقرة تراجعت إلى الوراء  وصعدت السفح  ملتحقة بالدواب  فتوقف رتلنا ، فرأيت أفعى ملتفة على نفسها  ما لبثت أن رفعت رأسها  ونظرت إلى الدليل  ولم يقترب منها  و هو يردد :

-   كورا مار…الحية العمياء …

ولم تمض برهة  فزحفت ببطء  واختفت بين الأعشاب ، وصار هو يحدثنا عنها : إنها خطرة سامة لا يتجاوز طولها نصف متر  على العموم قصيرة الطول  سميكة وغليظة ، غير مرنة مثل الأفاعي الأخرى و تلتوي التواء بطيئة المشي ، وفمها كبير  لا تنفخ ، وتقلص عضلاتها ، رأسها مثلث يشبه رأس السلحفاة ، نظرها ضعيف ، و حاسة السمع عندها ضعيفة أيضا ، إلا أنها سامة ، قاتلة ، فالذي تلدغه في رجله ، تتورم ، ثم ينتشر السم في جسده ، و يموت ، وذات مرة  لدغت فلاحا من قريتنا  فمات رحمه الله  كان إنسان طيب القلب ، وذات يوم رأيتها تحت سلة الطماطة فوق بغلي  فسحبتها من ذيلها  ورميتها على الأرض هكذا تخلص بغلي منها .

ثم التفت إلينا  وأردف قائلا : 

- هل شاهدتم البقرة كيف حادت عن الطريق  وللعلم  إنها لا تأكل

العشب المجنون إنها تميز بين الأعشاب .

فصارت أبصارنا تلتقي صاحبنا الذي حاول أن يأكل أعشاب الجنون  وضحكنا سوية  وصاحبنا يقول ، والابتسامة ترتشف على وجهه :

-   لم أكن أعرف أن البقرة أذكى مني .

هكذا تكرر الضحك وتغيرت أجواء المسيرة المتعبة ولشدة ما أثار انتباهنا أن دليلنا العجوز لم تظهر عليه مظاهر التعب  ولا الملل  بل كان ينزعج كثيرا عندما نسأله عن الماء ، وصرنا نتحمل العطش  عل تلوح لنا شجرة السبندار  المنقذة للعطاشى ، فكنا دائما نجدها عند حافات المياه . أشرفنا على مقرات البيشمركة قرب ( يه ك ماله )  فأشار لنا أن نسير على الطريق الصحيح الذي يؤدي إلى المقرات فسألناه بكل ود :

-   لماذا لا تأتي معنا ؟

فأجاب :

-   أنا عائد إلى قريتي .

هكذا ودعناه بعد أن أحببنا روحه الطيبة وحرصه علينا  وأوصلنا بسلامة إلى البيشمركة  أنه كان نموذج شهم  و نبيل ، خاصة تلك الكلمات الأخيرة التي سمعتها منه :

-   كردستان تحب البيشمركة .

استقبلنا البيشمركة بالترحاب كملتحقين جدد  وتلقينا العناية الفائقة لمعالجة جروح أقدامنا ،  ولم يطول بي المقام في المقرات  فنزلت مع المفارز ، وهناك مع مرور الزمن  التقيت بأهل العمادية الشجعان والمخلصين لقضية شعبهم ، والذين ربطوا حياتهم بها  وقدموا الكثير من الشهداء الأبرار . وفي ذات يوم كنت أحدث صديقي سردار عمادي  صاحب الثقافة الشمولية عن شجرة السبندار  فكان يجيب :

-   عمرها طويل …هكذا أيقنت أن حكاياتها حكايات كردستان .

                             

صدى الحب

 

فاوضت عيني ينبوع الدموع             قارورة منه قذفت  على الغالي

كم هالة سقطت على الوادي               أكاليل الزهور على قبره ظلالي

وكم احتضنت الأرض أجسادا            أرواحها طيب مسك في الأعالي

ما رغبة حياة حبيبته هلالا دونه       عيد الربيع ومطره أزهار التلال ِ 

 

ماذا أقول…وأنا أكتب هذا النص ؟ عندما تأخذني الذكريات  إلى ماض بعيد ، وأبوح بسر حفظته في صدري و قفلت عليه حزني ،  ورميت مفتاح صندوقه بين أزهار النرجس  وعهود الربيع  يتلألأ كلما تهدهده أشعة الشمس ، أو يناغمه صدح البلابل  أو تنام عليه أوراق الورود الذابلة  أو أوراق الخريف الصفراء المتساقطة عليه .. تعانق رأسه ، وتملأ طوله عطر الفصول  وتدثره الثلوج ، ماذا أقول ؟… أقول أن شراسة ضواري النظام المقبور أطفأت شعلة الحب  أم  أطفأ الموت كوكبه المضيء ،  فرحلتي مع بوابات القلوب كثيرة إلا أنني أنتخب منها ما أوجعني  لأنها تستحق الحزن لأعوام كثيرة كلما تذكرتها ، لذلك أنتخب منها كيان همس حلم يغور في أعماق نفس بشرية  وديعة ، لم تتمن إلا أن تتخلص من مخالب الضواري  وتفوز بالحب ، فهذا البيشمركة الذي كان في ريعان الشباب  تفتح قلبه لفتاة من قريته تعلقت كقلعة فوق جبل  تنساب تحتها القرى والجداول على شريط أخضر  بديع في منظره ، كانت حبيبته تنتظره بغفلة من أهل القرية قرب ينبوع الماء أثناء غروب الشمس ، وها قد لاح لها  أنه قد عاد مع دوابه التي كان يرعاها كراع ذكي ، كانت هي تمسك إناءها الفضي لتملئه بالحليب لم تقل شيئا سوى أن أعطافها قد ارتعشت خجلا  واحمرت وجنتاها ، ونزت من عينيها أواصر اللقاء ، ثم بركت على قدميها  وحلبت من ثدي المعزة ، حيث كانت أصابعها تداعب نهد المعزة برقة  ثم ضغطت على حلمتها  فانساب الحليب دافئا طازجا يخضب يديها بقطراته ، تركت الإناء يفيض على الأرض ثم وقفت قبالته  وشفتاها ترتجفان ، وهما في توق لاستقبال شفتيه  فتقدم إليها ببطء كأنه يخوض امتحان حياتي عسير  فتسمرت هي في مكانها  قلقة  التقت عيونهم و التقت يده بيدها  ثم زحفت شفتاه في الهواء  والتقت بشفتيها  ورسم قبلته الأولى البريئة ، قبلة خالدة في لحظة خالدة  توجت سمو روحيهما  وعززت ثوب الجمال بين كونين لطيفين  نقيين ، ونسجت لهيبا جياشا بين إنسانين لا يأملان من الحياة إلا أن يزفا كعروسين في بدلة عرس الربيع . حملت الإناء فرحة  يتملكها طعم القبلة  وذوقها ، قبلة قصيرة فرشت أجنحتها وأشرعتها على كل كيانها ، أما هو فوقف كغصن بان تفتحت توا براعمه  وهو يشيعها بنظراته كمن يشيع  يمامة تختفي بين الأشجار ، كان يعاتب نفسه  هل تجاوز حشمة الحب ؟  أم أن الزهرة المخضبة بين شفتيها قد اقتطفها منداحة رائحتها في نبض عروقه ..  أجل فلذتها تفوق تأمله لأذناب رعشة النجوم الساطعة في علو أبراجها السماوية .

هذا شأنه قبل التحاقه بالبيشمركة أما عندما رهن حياته لمسيرة البيشمركة صار شأنا آخر  فقد شق الدروب  والصخور وحصن نفسه بالسلاح  وقاتل الوحوش ببسالة ، كان صلبا .. شجاعا .. تفوح منه عزيمة الدفاع عن شعبه  فحظى باحترام أفراد مفرزته ، غير أن وجهه كان حزينا كلما ومض برق رعد في السماء وكلما تصاعد دخان مدفأة الشتاء من قريته ، وهذا ما اكتشفته أنا .. فكنت أتابع سره لعله يبوح لي عنه ، فكان ينتهز فرصة استراحة المفرزة فيتسلق الصخور  و يصعد إلى قمة الجبل و يطلق ثلاث طلقات في فضاء قريته ، وذات يوم سألته بصراحة عما يعتري ذهنه فاستحلفني أن لا أبوح بالسر ، وعندما عرفت سره  صرت كلما أسمع الطلقات الثلاث  أدركت أن حبيبته خرجت له على سطح البيت لكي يراها  و تراه عن بعد ، ما هذا الإنسان  البيشمركة ؟ يمتع عينيه بالدموع والصمت وهو في قوة الحلم  مفعم ببهجة لا توصف  ، تتوهج في داخله لحظة لانهائية من الرؤية الشفافة ، كان أفراد المفرزة يجهلون سره حتى عندما يقول الشعر عن لقاء الحبيبة  وعن القبلة الوحيدة المتخضبة بأبخرة دنيوية ، فيسرح بنظراته إلى رداء مطرز بألوان قوس قزح  ويهيم في عالمه المتكون منه  ومن الحبيبة ، فكنت أخشى عليه من ثورته العارمة للقيام بأخطر العمليات العسكرية  ضد الجيش خاصة الاقتحامية  ، فكان يصاب باليأس والحزن  و هو يقترب مني  ويعاتبني :

-   لماذا أخرجتني من مجموعة اقتحام الربية ؟

فأجيب على سؤاله برقة  مهدئا إياه :

-   نريد الآخرين أيضا أن يساهموا في مثل هذه العمليات .

كنت أسعى أن ينعم بحسه  وحلمه الجميل النقي ، وذلك كلفني قلقا  وألما عليه ، فكان أحيانا يبتعد عن المفرزة  وينعزل على سفح الجبل  فأبحث عنه ، فيبلغ أذني غنائه صافيا صداه في الغابات  والوديان  ومن صوته المندفع من أعماقه كان يبني أمل لقاء الحبيبة  ويشيد في عينيه صورتها وذات مرة سألته :

-   لماذا لا تتزوجها ؟!

فأجاب  والدموع تترقرق في عينيه :

-   لا أريد أن أترك صفوف البيشمركة .

ترك ذلك علي بؤسا  وأحزنني ، ما هذا الإنسان البيشمركة ؟ يبدو لي أنه يتألق في النضال زاهيا  يصون نقاء حبه ويصنع معجزته لأنه يصنع نفسه من التاريخ  وقيمته قيمة مساهمته فيه ، فلم تكن أرواح البيشمركة خشبا  أو صخرا  أو رملا  كما يعتقد البعض  للأسف ، بل مسيرة البيشمركة هي مسيرة المضحين ، جذوتها ابتسامة سحرية لا وجود لها في الحياة العادية  لأنها تجسد نكران الذات التصوفي  لتوقد موقد الضوء للآخرين  وليعيش في زهد في غابات الليل  وأحراش الوديان وظلام الكهوف والمغارات ، ومواصلة التحرر من وحوش الضواري العنيفة التي لم تعرف سوى الموت  والتي تفننت في صناعته  ومارسته كحرفة لمحارقها ضد البشر.

انتقلت إلى مفرزة أخرى  ولم تمض فترة علي حتى جاءني خبر استشهاده في إحدى العمليات العسكرية  فآلمني ذلك كثيرا  ففركت عيني  لم أجد فيهما دموعا  فأنشدت قصيدة سميتها ( رثاء الموت )  لا أتذكر منها سوى بعض المقاطع التي أوردتها في أعلى هذا النص ، حينها سالت دموعي  و أنا أكرر البيت الرابع متوجسا أن دموع حبيبته التي لم أعرفها  و لم أعرف اسمها  تقطر عيناها قارورة دموع أو أكواما على وسادتها و هي تكتم سر حبها كما كتمته أنا لأعوام صعبة ، و لم يبق أمامي الآن  و أنا في عزلتي  وغربتي إلا البوح بالسر…

 

 

مطر الربيع

 

تورد قلبي  وأنا أنظر إلى صخرة رمادية تلطمها مياه الزاب الكبير ، إذ كنت واقفا  وفي يدي خيط السنارة لاصطياد السمك . كانت المياه المتدفقة تضرب الصخرة من كل الجهات ، فهذا مد المياه وارتفاع منسوبه بعد أن ذابت ثلوج الشتاء ، وبدأ الربيع بشمسه مرحا مع تفتح براعم الأشجار ، بينما المياه تضرب الصخرة وتداعبها وتغطيها قافزة عليها والصخرة صامدة في مكانها لا تتزحزح ، وأنا أحرك الخيط  عل تلوذ سمكة بسنارتي ، والخيط هو الآخر في مد  وجزر ، فتارة تنحسر المياه  وأخرى تمتد متجاوزة الجرف ، ولا شئ أمامي سوى المياه  والصخرة الصلدة ، ويهدر الزاب بلونه البني  ويتماوج ، ومن شاطئه الآخر يهب الشذى ، فالشمس مازالت تضئ إلا أن سحائب رمادية تخيم علي  وتتفتت في القبة السماوية ، كان كل شئ جاثم في حلمي  أنني سأصطاد سمكة كبيرة في هذا الجو الغير ثابت ، حتى تحليق أسراب الكاو  والعصافير وهي تخفق  وتهمس جعلتني أتعلق بحلمي  وأنا أتفاخر بنفسي ، إذ مثل هذه البداية للربيع سأصطاد سمكة كبيرة ، فرائحة الربيع تتصاعد قوية في حدود الزاب  وتبدو الآن هناك في السماء كتل زرقاء وهو ما جلب الفرح إلى نفسي ، ثم ترتقي مع رعد صاخب ، وتبرق السماء ثانية  وتتحرك السحب وهي تلغي أي فتور في الجو ، إنها دنيا الربيع حيث تسود السحب صامتة  ثم تنتفخ  وتنزل مطرها الخفيف ، وأنا واقف مع حلمي بلهفة لا مثيل لها ، تومض حمامة بيضاء من أمامي وطار كاو مع مجرى المياه ، كان الوقت ينقضي  وسنارة الصيد في المياه  والطيور تعود إلى أوكارها خائفة من رعد السماء  وأنا كالخلد عجزت أن أصيد سمكة ، وحجبت السحب الشمس ، فأصبح الزاب شبه معتم ، وسفح الجبل الذي يواجهني يحتفظ بأشجاره شامخا متمردا ، فكانت السحب الرمادية  تهبط كأن الغروب المقدس يهبط ، ويعلن عن قرب انتهاء النهار ، وأنا خائب ، لم أصيد أية سمكة صغيرة أو كبيرة ، فجأة دوى وميض الرعد ، وميض لا يستسلم ولا يختفي بريقه ، كنت ألقي نظرة حولي ، وأنا أدرك أن لا خلاص لي من المطر ، فألقيت نظرة أخيرة  وودعت الصخرة والزاب بكلمات سرية ،  لا حظ لي في هذا اليوم حيث عبثت معي سنارتي في أن لاتمسك بسمكة ، إلا أنني كنت فرحا مع الزاب  وبداية الربيع ، وقد انزلقت من ذهني كلمات  وتصاعدت وتوترت  وسقطت كلما تسلقتها في صعود أخاذ بأغنية الربيع ، وأنا مضرج بالمطر .. عنيد كأنني في معركة ، وأتوق الصعود بالكلمات بآلاف الجراح  كي أعترف لنفسي بكل هدوء ، فأنني أحتفظ بالكلمات  وأصعد وأسقط مع سقوط المطر  وأعتصرها في لحظة الفشل في الصيد ، كأنني أستمد النجاح من الفشل في قول الكلمات ، لم أعد بحاجة إلى صيد سمكة فأنني أمسك الكلمات بسنارتي من هذه التربة الكردستانية التي وهبتني الرمز والقوة ، أنا أمسك بها بإجلال ورقة وامتنان كأن في كفي صيد الكلمات ، فنفضت السحب عن نفسها المطر وانفجرت  وتمزقت فوق رأسي  وتدفق المطر هاطلا وابلا شديدا  والبرق يومض سريعا  والرعد المتقطع لازال يدوي ، ذهبت إلى المقر  وجلست عند المدفأة ورحت أكتب  وأتدفأ :

ها أنا  أرسو قرب صخرة

على شاطئ الزاب الكبير

نظرتي مديدة

صخرة ومياه

ألوان نهار

السماء تجأر متأججة

حينما تتفسخ السحب

وتخرجني من حلمي ،

مع المطر

والصور مغتسلا في المياه

براعم ذهبية تتهدل

وتتشدق أضواء

كأعمدة طاهرة

ملاك بعد مطر النهار

رغبة مبهمة تجتثني

وجه الربيع في الهواء

تسيل قطراته كثيفة

مرحة ، باسلة

أرض مهتاجة مثل ملاك عظيم

ينول من السماء مطر الربيع

فوق الرؤوس

فوق الرايات

فوق الكؤوس المزخرفة بالخضرة

في رقصة فوق الرؤوس

ببهاء

بالأحلام العذبة

في الجبال العذراء

في الوطن المحبوب

 

 

مشهد الوداع

 

في كل ليلة

تتوقد أضوية السماء

في الصيف ..  في كل صباح

تشرق الشمس على جسدك الرضيع

في الخريف  .. في كل مساء

تمطر الغيوم على قبرك البعيد

في الشتاء ، في كل صباح

حينما يسقط الثلج

يتهدهد مهدك في عمق التراب

في الربيع ..  في كل صباح

حينما تزهر كردستان

أتدري ؟  تتفتح النرجس

و تقطر ندى لهذا و ذاك الزمان

أنها  أيها الطفل الرضيع  دورة الحياة !

 

أي طريق هذا الذي تحفره قنابل مدفعية الدكتاتورية ؟ طريق وحيد تسير عليه مئات آلاف من البشر  تاركين مدنهم  وقراهم  وبيوتهم  هربا من الموت  يلاحقهم من الوراء والأمام ، كم سقط قتلى منهم ؟ الموت يلاحقهم في كل مكان تدخله قوات الجيش  لا يمكن هزيمة الموت و قهره ، طريق الحرية طويل لا آخر له غايته التحرر من البطش الوحشي بعد تراجع انتفاضة آذار 1991  ودخول قوات الدكتاتورية كركوك وأربيل ومصيف صلاح الدين  وتوقفها عند الوادي المؤدي إلى شقلاوة  حيث تصدى البيشمركة لتلك القوات و كبدوها خسائر فادحة ، لا زالت دباباته رمز البطش على جانب الطريق . توقفت سيارتنا ( الجيب )  فنزلت منها  و انحرفت خارجا عن الطريق ولشدة ما أثار انتباهي أن أرى شابا يحفر لحدا  وتشكلت حوله دائرة من بضعة رجال  فتقدمت وانضممت إليهم  وأنا أتطلع إلى أم شابة تحتضن رضيعها إلى صدرها ، كان الصمت الثقيل قد ران على جانب الطريق منذ آلاف القرون .. كأنه منذ آلاف القرون  صمت وسط ضجيج المنسحبين ، لم أر وجوها بمثل هذا الصمت  .. صمت يتكلم ، والكل صامت يريد أن يتكلم في حيرته حيث لم يجد الكلمات كي تتدفق مثل رذاذ المطر حين  يسقط علينا ، كل الذكريات  والرؤى  والأحاسيس  تتصارع في ذهن الصامت ... ماذا يتكلم ؟ انه يريد أن يتكلم فلا تخرج الكلمات من فرط الدهشة المؤذية ، عيوننا كانت تلتقي وتتكلم بلغتها الخاصة ... ما هذا الصمت ؟ أنه يلفنا منذ آلاف القرون ، ربما يحتاج إلى كلمات غريبة واستثنائية  مكررة  ومضغوطة من هيجان أرواحنا ، وقد تكون مسموعة من تخاطب عيوننا .. هذا الصمت له لغة الرموز  ليسمع أصواتنا في داخلنا دون أن ننطق بشيء ودون ان نكشف عن نغمة الأسى بالكلام ، إنه انبثاق كامل متزامن مع مشهد الوداع . مد الشاب يده إلى الأم  فسلمته الرضيع دون أن تتكلم و دون أن تسيل الدموع من عينيها ، كانت شاحبة منهكة  وضائعة  غير مصدقة أن رضيعها يموت على صدرها  حيث و قد حملته أيام على الطريق ، انزل الشاب الرضيع إلى لحده  وراح يواريه التراب ، فبقينا صامتين كما لو لا نريد أن نغادر المكان . لم أجد ما أقوله لنفسي  و أنا أودعه بنظراتي  وعيناي تحسران الدموع  ..  دموع لم تترقرق ولم تنتفض حزنا ، تراجعت إلى الوراء  لصوت يناديني : ( هيا نرحل ) ، صعدت السيارة حيث هنا ارتعش كياني ، و ارتعشت دموعي لمشهد التوديع  وقد انغرست لوحته في ذكرياتي المؤلمة ، وللرضيع شموع مضيئة من كل أطفال العالم في كل صباح .. في كل صباح آت .

 

كلب المقر الوفي

 

كلما تعد مفرزة القتال نفسها للذهاب إلى الداخل يتبعها كلب المقر الوفي الذي أطلقت عليه هذه التسمية من قبل البيشمركة ، فيمشي بين رجالها بتمهل ثم ينحدر لوحده مهرولا يشتمم أقدام البشمركة باحثا عن شيء مفقود ، وغالبا ما يثب إلى داخل الغرف أو يرقد قرب الأبواب ، وينطلق بوثبات صغيرة بين أفراد المفرزة  ويدفع أذنيه إلى الخلف  مطاردا شيئا أو يسمع صفيرا  فيستدير  ويعود إلى المفرزة  ويكر راجعا  وينظر إلى أفرادها  يبحث عن الذي صفر له  ويقف على أظلافه الصلبة  بأذنين منتصبتين  وخطم مرفوع  تجاه البغال  وينبح بوجهها . انه يدرك هذا الاستعداد لمغادرة المفرزة  والقيام بمهام لا يدركها  منحنيا فوق الحاجات  والحقائب  التي توضع على ظهر البغال  فينبح راكضا إلى أحد البغال  ويقف على أطرافه الخلفيتين متشمما  ثم يثب على قوائمه الأربعة  ويشب عل أحد أفراد المفرزة  بتدلل قاصدا الذهاب معهم ... ولكن إلى أين ؟ لا يعرف ذلك ؟  إن كلما يعرفه هو تآلفه مع هذه الوجوه الطيبة  التي كانت ترعاه  في المقرات ، ويمشي بمحاذاة المفرزة بحزن غير مألوف مادا لسانه لاهثا عن قصد  متبخترا بتمهل  ثم يعدو على عجل إلى الخلف  ويطوف حول البغال  يتشمم ما حولها عن قرب  ويحوم حول أفراد المفرزة  ثم يبتعد  وينبح حينما تبدأ المفرزة الصعود من الوادي إلى الجبل فيتسلل خلفها  ثم يعدو إلى الأمام  طامحا أن ينضم إلى صفوف المفرزة التي تمشي برتل طويل ، يتلفت إلى الخلف  فيجد نفسه في الجبل  ولم يعد يرى المقرات  فيتابع عدوه  ولم يهتم للأصوات التي تدعوه إلى الرجوع ، تلكأ  وشم صخرة  وبال فوقها  فقد يكون أثر ذئب أو ثعلب أو حيوان وحشي ، خب إلى الأمام  وتابع سيره مع المفرزة ودفع ببراثينه الخلفية تراب الأرض   بعدها الأمامية ينبش بالتراب لاعبا  منقبا عن شيء ،  سار بتثاقل خلف المفرزة ورأى ماشية فركض يعدو وينبح ويزمجر في خطوم الكلاب  وحاول الهجوم عليها  فجاءته صرخة من المفرزة  وعاد يمشي خلفها  بلا توقف  وعيناه تقتحمان أقدام البيشمركة ، مر في قرى متعاركا مع كلابها  وغاب عدة أيام  ثم ظهر فجأة في المقر لوحده ، ذات مرة عاد مثخن بالجراح  لعله تقاتل مع ذئاب أو كلاب الرعي ... لا أحد يدري ، عالجوه في المقر  وعاد إلى حيويته ، وهذه المرة منعوه من السير خلف المفرزة لمسافات طويلة ، فصار يودعهم في المقر  كما يودعه البيشمركة ، ومع مرور الأعوام أصبح طاعنا بالسن ... ضخم و كبير الحجم .. أبيض اللون ، وكلما ذهبت مفرزة يدير وجهه  ويرقد ناظرا إليها من الخلف من فوق كتفه محركا أذنيه  وذنبه  صامتا وهو حزين و كئيب ، إلا أنه لم تفارقه فرحته عندما تعود المفرزة من الداخل  فيعبر عن رضاه  وهي تلوح له من فوق الجبل  فيعدو إليها هرعا  ويتنقل بين أقدام البشمركة ثم يتواثب بفرح لا مثيل له  نابحا معلنا وصول مفرزة ، ثم يعدو راجعا إلى المقر  ويقفز كما لو يدعو المقر لاستقبالهم  ثم يقفز حرا  ويرقد على ظهره متقلبا في الأرض ، ويذهب إلى أطفال عوائل المقر ليلعب معهم  فإذا رمى أحد شيئا  مضى  وعاد به قابضا عليه بين فكيه ، وغالبا ما كان يرمي نفسه في الزاب مع الذين يسبحون فيه ، وعندما كانت الدكتاتورية المقبورة تقصف المقرات بالمدفعية  أو بصواريخ الطائرات  كان يهرع  ويذهب إلى الملاجئ  حاله حال البيسشمركة ، وعندما قصف المقر بصواريخ الكيمياوي  كان يتنقل بين البيشمركة دون أن يقوى على فعل شئ سوى النباح ليشعرهم بحبه وتآلفه معهم ، كان ضجرا  قلقا حين حدثت الأنفال سيئة الصيت  واتجه البيشمركة إلى تركيا فقد تبعهم مسافة طويلة  وهناك في الطريق اختفت آثاره .

 

قصيدة للحب

 

يفاجئني الربيع  وعبور الليالي الطويلة المعتمة  القارصة البرودة ، فما من شئ يوقفني عن الكتابة عن كردستان ، إنها رغبة متأججة في روحي الطافية بالهيام  لأنشد نشوتي  وفرحي  .... رغبة خالصة دون رياء  تستعر في قلبي المتوقد بالحنان ، فأنسى آلام الظهر  والمفاصل  التي أقعدتني عن العمل بين الحديد والألمنيوم ، وأنسى ما يدور حولي كما لو أن الربيع لا يلائمني في هذا البلد  وهناك في البعيد ربيع زاه  وجميل  وأكثر حيوية وأنا أستعيد أيامه في ذاكرتي ، الساعة العاشرة ليلا ...  اللحظات تمر وتتصاعد حمى رغبتي في حلم رقيق أن أصعد  وأتسلق الصخور  واجمع حطبا هائلا  وأكومه على بعض  وأشعل نارا في قمة جبل كارة أو متين  كما يفعل البيشمركة في 21 آذار عيد  نوروز ، إذ لا مفر من البيشمركة أن يكحل عينيه بدخان النار اللاهبة التي تتأجج أمامه  وإلى الأعلى  وتتأجج أيضا في أغلب قمم جبال كردستان ، حلم أبنيه لوحدي  أتكبل به  وأكافئه بآهة من صدري ، تحن إلى تلك الزخارف الليلية المشتعلة التي تعانقها أضواء النجوم اللامعة في العيد القومي لشعب اهتدي إليه من التاريخ ، متلمسا نهوضه ومزيلا غشاوة الظلم معطرا بأنسام الأزهار المتفتحة في هكذا يوم ، وقفل على الظلام  ورأى النور ووهب نفسه أملا عذبا  آنذاك رآه أمامه شفافا مثل زهرة  ندى ، واستعاد كيانه خارجا من البطش  مفتشا عن أشياء ضاعت في طعم الحياة ، معلنة بدء يوم جديد .. ذلك من التاريخ حين تساوى الليل والنهار  وانتصار النور على الظلام  والحق على الباطل  والتحرر من الاستعباد ، فالنار شعلة أبدية وهاجة لإحراق الظلم  وانبعاث الخضرة  وانتشار الخصب سواء أطلق عليه يوم المنقلب الربيعي أو رأس السنة أو الدورة السنوية أو التوازن بين عالم الأنوار والظلمات ،  فقد سقط الطاغية  وانتصرت ثورة ( كاوة الحداد ) ضد الملك الضحاك المستبد  ورماه في النار ، و نوروز تعني اليوم الجديد  وكنا نحن البيشمركة عادة نتجمع قرب قرى العمادية المحاذية لجبل كارة ، ويبدأ طبل ومزمار القرى يقرع نشيد الفرح .. نشيد الحرية ، وترتفع الأصوات بترديد الأغاني ، وهم في أزهى لبوس نساء ورجال ، والأقدام تدبك فوق الأرض بخطى متحركة متناسقة يقودها الشخص الأول هازا منديله  ضاربا الأرض بقدمه  هازا كتفه بانسياب الجميع ، منحني بجسمه قليلا إلى الأمام ، ويدور معه الجميع رجال ونساء متلاصقين الأكتاف ، كحركة نصف دائرة ، ثم تبدأ دبكات أخرى ، وأغاني كثيرة ، وصاحب المزمار يتوسط نصف الحلقة ، نافخا في مزماره ، محركا أصابعه برشاقة سريعة ، لينبعث لحنا ملائما لقرع الطبل و الغناء ، والحق يقال : كنا نحن البيشمركة نتلقى الهدايا من عوائل البيشمركة الهابطة من العمادية لتحتفل في هذا اليوم مع أبنائها الطيبين، والشيء بالشيء يذكر ، فكنا عندما نزور قرى سينا  وشيخ خضر  نخرج أيضا محملين بالهدايا ، فذات يوم من عام 1982دخلنا قرية سينا  فلم نخرج منها إلا محملين بالهدايا المختلفة من ملابس أو أحذية ، لنترك ( شراويلنا ) الممزقة  وأحذيتنا المرقعة  و ( الجمداني ) التالفة حوافه ، حينها كان ينظر إلي أخي في الكفاح أبو سربست  وأنا في بدلة جديدة  و ( جمداني ) جديد  و ( بشتين ) جديد ، كنت أتبختر مزهوا أن الشعب يدعم نضالنا  ويحبنا ، ثم مشينا عائدين إلى الوادي لنواصل كفاحنا  فضحك أبو سربت  وقال : ( أنت محظوظ ) ، كم كان ذلك اليوم سعيدا بالنسبة لي ! يوم نوروز هو اليوم الجديد ، العيد القومي للشعب الكردي ، يوم النصر على الظلم ، يوم الخضرة ، يوم الفرح له قصيدة حب في أعماقي :

 

لا أدري ، أي وجه فاتن أنت !

يطبق عليك ضوء أخضر

أم ساقية زرقاء

تتمطى في بستان

أم برعم تفتح توا

بابتسامة خجولة

تاركا ليالي الشتاء

مزيلا العناء

والأوراق في اخضرار

والنهار يفشي ألوان الماء

والطيور تغرد في كبرياء

أي يوم جديد أنت !

بقلب الحياة

قلب العطاء

فياض

تنمو الأرض مسحورة بالسخاء

بالصفاء

وتهدر نافورات الينابيع

الأنهار

الجداول

سعيدة مطلقا

لكل خفقة طير وغناء

طول المساء

وقد تفتحت السماء

كواكب الضياء

أي يوم جديد أنت !

أتيت من ثنايا الظلام

وحويت الحب للأبناء

في فردوس الأمان

 

 

غابة البلوط

 

هذه أفخم  وأروع شجرة بلوط ، تنهض باذخة متسقة التكوين من بين ضلوع الصخر ، تتفرع منها أغصان كثيفة  تحمل أوراق عريضة  خضراء مبهرة ، يهدر من حناياها حفيف متناغم  متجاوب  مع تراتيل لنسيم الوادي ، ذلك يفضي إلى سمع البيشمركة منتشيا فيشيع فيه طمأنينة مقدسة ، عرفت كيف تنكفئ على وجهها  الغارق في الخيال  وتقوده إلى الماضي البعيد  وتستقدمه لتغريه في جمالها  وتستجليه نحو إشراقة ... يتسرب شعاعها من خلال الأغصان و تومئ إليه لترعاه بلونها  الذي ألف أن يراه لصيقا به في عالم رحيب ، البيشمركة بين النوم واليقظة في طيفه قبل أن يأخذه النوم ، وتترادف أطياف أليفة إلى قلبه في عمق الغابة ودروبها  وأصواتها وتشابكها ، يغازل عزلته صوت مجلجل رنان ، كل ذلك يصافح وجهه دافئا ، ماضية لحظات رتيبة بطيئة  تمتزج مع الذكريات التي لا تزول من شغاف قلبه وتمده أمدا دون أن يطويها ويتركها لغياب النسيان ، ذكريات الطفولة تحفر في أعماقه  ممتزجة مع ديمومته  ومنسابة مع زمنه ، وقد تضحى عتيقة كل الأشياء ، وحتى عواطفه  كلها لا تمحى ولا تزول من ذاكرته وتغلف بالنسيان... إنها غابة البلوط ! كامنة في زهو الأرض لا تموت ولا تفنى  رغم تساقط قنابل الدكتاتور عليها ، والبيشمركة يبقى متحفزا متربصا أحيانا ، مشعشعا بالنور مجترا الذكريات ومستأنفا وجوده في الغابة ،  أنه يغلب الزمن ليعيش الماضي في مسخ لحظة تطول أو تقصر ، هكذا تأتيه أصداء خفيفة  أو رنين ثرثار متمرد  ، مضيع في الذكريات  وهو يستعبد قصته المفقودة ، وقد يخلد للنوم قربها وهي تجفو وتغيب في ذاكرته  وتعيش حياة لاهية تستطيع أن تحاكيه  : هذا أمر يعجبني كثيرا أشرب من جوهر المطر وذوبان الثلوج خائفة من فوضى شظايا القنابل والدخان ، من كل جانب يرافقني الموت كل ذلك إثر مفاجئة تدمر هالة رأسي ولم تكن لدي الشجاعة أن أهرب أو أفر كي أتجنب تكسر عظامي  هونا علي أن أبقى في غابتي كعلامة مجدية ، والدكتاتور يرتكب أعمالا وحشية .. فأنا أنغمس في القهر ، أني ثابتة في مكاني كسائر أفراد الغابة  وأشعر بالارتياح أنني لم أمت لأن أخبار الموت تزعجني  وتجعلني حزينة ، فأنا وكر للبيشمركة .. أجعله سعيدا يستنجد بي أثناء قصف الطائرات.. فأنا ملاذه الأمين …

يعجبني كثيرا أن تنزل السحب مطرا فوقي غزيرة بلا ضجيج ، ثم أنفض من وريقاتي بحنان وأحط بها على وجه الأرض صفراء بينما واحتفظ بالخضراء في أغصاني المتشعبة أو الشاحبة لديمومة الحياة ، ذات مرة كان بيشمركة يسند ظهره إلى جذعي يتفكر وعيناه مرفوعتان إلى تاجي و دامعتان ... لا أعرف لماذا ؟ إنهما تتأملاني برقة  محتفظة برغبة متلألئة ، في هذه الأثناء بكى  وهناك شئ يلمع في عينيه ، وكأن هذا النور لهذه اللحظة المستبدة  وهو يناجيني : ستبقين في مكانك وستكونين جميلة ! ستحبين من أحب وتكرهين الطغاة ، أجل أكون حبيبة في الشكل والأشكال ، حيث أغادر مكاني رغم أنغام الطيور التي تهيم بي  وتغازلني خاشية أن لا أكون في مغازلاتي طول الغروب . هذا البيشمركة الهادئ الهائج وقت الحاجة  يضمني برؤياه ، أجل في الربيع حيث تتفتح براعمي وتضطجع فوق أغصاني البلابل  وتطوقني حدائق الزهور المدهشة المدللة وتطوقني أغلب الأشياء وتمس جذعي باحثة عن الهدوء ، وتتنزه لحظة مرور كآلهة سماوية رقدت في الغابة ، وضمتني بين ذراعيها أو في الظل الكثيف مهيبة  تتنهد بخفة  وسرعة ، وفي الليل العميق أستحم بحشد النجوم المتلألئة  إذ تسكب نورها فوقي ، والقمر يوسمني بعلوه .. هاهو شاحب ! معلق بالغيم محتشما غير منهزم  يرقص فوق جبين الغابة بعد أن أنهكتني العواصف الشتوية …

إن شدة ما يزعجني عندما يدق الطبر فوق جذعي فانحني وأميل وأقع متهاوية ناسية كل شيء كأن الجن خرج من عظامي  ويقول : ماذا تفعل أنت ؟ إلا يكفيك الحطب في الغابة ؟ لماذا تنظر إلي بشدة ؟ هذا جسدي المحموم يزأر أثناء الضربة الثانية فهي محدودة وضئيلة وغير منسجمة مع بقية الأشجار ، يطمس كبريائي وسعادتي وأكون في عزلة  واضطراب ، ثرثارة إلا أنني لست مجنونة ولست من أصحاب الغموض ، الطبر لا يناسبني  فأنا أنفر منه ، أظل أدندن مع الضربة الثالثة ، فهذه الآلة تلغي الخشوع والتأمل وتخلق الضوضاء في الغابة  في ضجر ، متعة غريبة ترهق كاهلي  وتحني ظهري و تقضي على وجودي لتبقى الغابة مجردة من شموخي .

 

 

عاشقة المطر

 

لقد انتهينا في أواخر 1981 من القيام بعملية عسكرية في ضرب ربايا الجيش في ( سوارة توكة ) ، ثم انحدرنا ليلا إلى غابة كثيفة الأشجار خشية من انطلاق الطائرات المروحية في صباح اليوم التالي التي كنا نطلق عليها ( السمتيات ) لتطاردنا وتمطرنا بالصواريخ ، وحرمنا أنفسنا في تلك الليلة من إشعال النار لئلا تكشف النار اختباءنا ، فالدخان المتصاعد هو الذي يفضح موقع البيشمركة لذلك تجنبناه  رغم برد نهاية الشتاء ، هكذا لاح لنا الفجر  ونحن نرتعد من شدته ، فأخذتني رغبة أن أطوف في الغابة  وهذه عادتي كجيولوجي يرتبط بالطبيعة ارتباط وثيق. كانت السماء تزدحم بكتل من الغيوم السوداء والرمادية القانية اللون ، تتعانق مع البياض الذي يوحي بالنزاع مغلفة السماء ، وتتزاحم الكتل فيما بينها كإخطبوط فوق الغابة ، ربما تتفجر بالمطر ، فيها إضاءة بيضاء وخطوط ذهبية وردية  وصورها في السماء كالأشباح بعيدة  وقريبة كأنها تتلاحم مع تيجان الأشجار  التي كانت تماما مغموسة بالحزن  والغضب لتأخر الربيع ، فكانت بين فترة وأخرى تهزها رياح خفيفة  فتتلاطم أغصانها وتطلق صرخات قوية ما تلبث أن تكون صامتة  وتتقاطر منها دموع  على الأرض الندية  كأنها تعبر عن ولادة جديدة  وبداية موسم الخصب  بأن تتوج نفسها ببراعم من ذاتها ، فالأغصان تحكي قصة الشتاء البارد الذي غطاها بثلجه ، ويثير أسئلة كثيرة ، أسئلة دون أن تقول شيئا ، أما الأشجار دائمة الخضرة فقد فقدت غلال طبقات الثلج لتعلن عن خضرتها  وظلت فارعة بهية ومتفتحة طوال الشتاء ببياض الثلج ، إذ لأغصانها تفرعات أشبه بأفواه مفتوحة بلا أسنان تفسر الثلج المراق منها على أسفل جذعها  وقد أنهكها الثلج بالرغم من ملامح النداء في أن تنفضه عنها   وتذكر بقدرتها أن تكون دائمة الخضرة في هدوء الألوان الخضراء الغامقة اتجاه أشجار البلوط التي تطلق صرخة احتجاج على فصل الشتاء ، كما لو أن كيانها يقول : كف يا برد ..  ويا ثلج ! إن هذا هو صمت الاحتجاج الذي تعبر عنه أشجار البلوط ، وقد  تحمل  ابتسامة مكتومة للخلاص من الشتاء ، فقطرات تسقط من خدودها  وتنهي تغلفها بوجه آخر قد غطاها بكثافة لونية بيضاء  وهي ساكنة  تتوق بدهشة إلى الربيع لتعبر عن صرختها بصمت ، وتستطيع أن تؤكده  ببراعمها أمام فداحة البرد ، لا تريد أن تكون مترهلة في سبات ، تنفض عن أعماقها الحزن القاني  مشفوعة بالانتظار من رفض واحتجاج أن يطول الشتاء أكثر من المعتاد ، أشجار متعبة خارج الربيع ، معفرة جذورها في عمق الأرض ، فكنت أتجول  وأقول : ( الربيع قادم )   وعيناي تحدقان بتعب  وإجهاد إلى كل ما أنتجته الغابة من انبهار ، فوقفت أمام نبتة صغيرة لا يتجاوز ارتفاعها 50 سم  أوراقها تشبه أوراق البرتقال  وتزينها زهور بنفسجية وكانت أوراقها تواجه السماء كأنها جائعة للمطر و كأن لها فم مفتوح باتساع صمته ليطلق صرخة  : مطر… بينما أغصانها مرفوعة مثل اليد ، وألوان الزهور تتوزع عليها من البهوت إلى القتامة ، فيها نقاط حمراء خجلة تشبه الدم القاني ، كانت تكسر جمودي من حدة المشهد  وقوته  ، إنها كانت وجه الغابة المحاطة بالأشجار ... آه ، أيتها النبتة الزاهية تنعمين بالزهور ! هذا ما قلته ، كأنني أعرف سره  أي إنها تكاد تختنق بدون المطر  وتعيش في معانات عميقة دونه ،  زهورها برية جميلة  تندت بالدمع  وتعرت من كل جسدها  حسناء لم تفقد بهائها ،  ربما كانت خارجة من التاريخ في مهد الغابة ، تحمل عيونا مفتوحة  مغمضة  ذات دموع صافية حزينة ، انسحبنا من الغابة  ودخلنا القرية بعد أن تأكدنا أن الطائرات بحثت عنا  ولم تجدنا لأننا كنا نسمع دويها في الفضاء  لم أستطع أن أبعد عن نفسي سلطان النبتة التي رحت أوصفها إلى مام أحمد  وأنا أملك صرخة صامتة عادية بوجه منهك في دوامة برد الشتاء ، صرت أصف حواشيها  وتاجها وحزامها الأخضر  وترصعها بالزهور  وهي مستلقية على وسائد الأرض الوثيرة تحت مظلة الأشجار التي تحيطها ، فأكدت له إنها غائمة الملامح  فهز رأسه  وقال بصوت وقور خافت : إنها عاشقة المطر…هكذا يبدو لي أن جمالها طيفا زاحفا لي من التاريخ فلذلك أقول عنها ، وهي تثيرني

برعشة رائعة لا أزال أتحسسها :

ألوان مشرقة في نهاية الشتاء

نبتة عطشى لمطر السماء

ودموع عينيها الكحلاء

ندى…

ندى يلتحم مع الهواء

مثل شعاع خفي خجول

بين ظل وظل في ضياع

تؤكد حضورها الأبدي

بين أشجار بلوط سمحاء

تهتز أوراقها في دلال حسناء

بدلال…

فوقها غيوم متموجة

إنها لا تقول شيئا

تعيد تشكيل نفسها في نهاية الشتاء

 

 

ظلال الحب

 

كلما دخلت قرية في كردستان طوال اثني عشر عاما  بصغرها أو كبرها  ببعدها أو قربها من المدن  ومحاذية لدول الجوار أو نائية في سفح جبل أو وادي  إلا ووجدت فيها شاعرا أو أكثر ، وهذا قد أثار انتباهي  وأنا أبحث في ذاكرتي عن الدوافع الحقيقية التي تدفع إلى غزارة قول الشعر في قرى لا تملك أبسط أدوات المعرفة من المدارس  والأساتذة  والمكتبات  التي تنمي الإمكانيات الأدبية  والتجربة الشخصية ، وإذا وجدت مدرسة  فإنها مدرسة ابتدائية بسيطة  بعيدة عن القرى الأخرى ، وإن ما أثار دهشتي أيضا هو كثرة الصبيان الذين يقولون كلمات الحب  متغنين بها  فرحين بها  أو حزينين  ، ويطلقون عليها قصيدة  ويطلقون على أنفسهم شعراء ، هذا ما يثير الجدل حقا ، أما الكلمات الرمزية  كالنرجس ، القمر ، النجوم ، الينابيع ، حلول الربيع ، وأعياده …إلخ  والمستمدة من الطبيعة  فإنها تصف المحبوبة المجهولة لنا حيث ان كل ما هو ساطع  ومشرق ومتلالأ يمثل عيناها السوداوان المشعتان بريقا والغازيتان فؤاده حينما تنظران إليه ، وكل ما هو فاحم أسود يمثل شعرها الناعم الطويل الذي يداعبه نسيم الغروب أو الصباح ، و كل ما في رشاقتها هو شبه شجرة السبندار الطويلة الرشيقة ذات الجذع الأبيض و الأغصان الطويلة المرتفعة إلى أعلى  و الأوراق الخضراء الطويلة المدببة نهاياتها ، إن محبوبته تظهر مثل القمر الأبيض الكامل  تتخطى بخفة كخفة طائر الكاو حينما يخفق بجناحيه ، إلا إن العاشق  صاحب الحب العذري  لا يفصح  عن اسم محبوبته  لأن ذلك يكلفه كثيرا  فلا أهله يسمحون بذلك  ولا القرية تسمح بذلك ، فالعادة العشائرية  والتقليد  تحددان أسس العلاقات الاجتماعية بمعايير محددة لا يمكن تجاوزها ، و قد يكتفي العاشق بنظرة من بعيد  أما تجاوزها فقد يؤدي إلى نتائج وخيمة على الطرفين ، وكم حدثت نزاعات شديدة كانت عواقبها مؤلمة  وقد شهدت بعضها  وحزنت كثيرا على ضحاياها الابرياء ، هذا لا يعني على الإطلاق أن الكثير من المحبين لم يتوج حبهم بالأفراح  بل على العكس  فقد توج بالزواج .  وما لفت انتباهي أيضا إن أغلب العشاق كانوا من الرعاة  فعادة يمر الراعي في صباح باكر على البيوت لجمع الماشية  ثم يتجه بها إلى الجبل  وعندما يحل الغروب يعود بماشيته  ليردها إلى أهلها  وهناك بعض القرى تخصص زريبة للماشية  لغرض مجيء الفتيات لحلب الماعز عند عودة الماشية ، وهنا نلاحظ الطابع التعاوني  بين أهل القرية  خاصة تلك القرى الصغيرة والفقيرة والتي لا يملك أهلها الساكنين في بيوت الطين  والحجر سوى عدة حيوانات وحقول صغيرة تكفي لسد رمقهم  ، فهذه - التعاونية - تفرض أما أجرا للراعي يجمعه أهل القرية  وعادة يكون من القرية نفسها  أو يتم الرعي بالدور لأحد أفراد العائلة ، وغالبا ما يتم اللقاء مع المحبوبة عند العودة من الرعي  أو قرب ينابيع المياه  التي تخصص ساقية للماشية لغرض الشرب ، هذا وبودي أن ألقي الضوء على تلك الملكة الغنائية نثرا أو شعرا كما يحلو لنا أن نسميها لدى الراعي الذي ينفرد وحده مع الطبيعة  وقطيعه ، أعتقد إنها جاءت تلقائية بالسليقة و تكاد تكون شعرا غنائيا ، فالتأمل هو المصدر الأساسي للكلمات منبعثة من إحساس وجداني ذات نمط رومانسي ، فيتألق الصبي بخيال لا محدود تندفع من أعماقه نغمة تتصاعد أوتارها فتتداخل ، وتتبادل ، لإمتاع ذاته -  إنه يحب -  فهذا الانعكاس للصور في دخيلته  لا يستطيع أن يكتفي به بالصمت فلابد من شيء إلا و هي اللغة ، فتنبعث اللغة صادقة ، رحبة ، خصبة ، تحفز على انبعاثها مشاعر انفعالية دافعة ، ولذلك يبدو منفتحا مع نفسه  ومنعزلا عن الآخرين في لحظة جمالية حسية ، إنه يريد أن يقول شيئا  لمحبوبته ، إن هذا الشيء يعنيه وحده  يعني تفرده مع الطبيعة  وإنه يلتزم  ويتعهد لهذا الحب  وتعهده لم يعد لنفسه فقط إنه تعهد لمحبوبته بصوته  ومشاعره الانفعالية وبالكلمات  والصورة المتخيلة ، إي إنه يحيا بهذا الحب  وهذا كل ما يستطيع أن يقدمه بتأمله لنفسه  ولمحبوبته هذا هو خطابه المفتوح في تعبيره وفي كلامه … وقد لاحظت أيضا أن هناك حضور بين العاشق  والشجاعة ، فقد حدث أن هاجمت قوات الحكومة مقر الفوج الثالث ، وحاولت من مدينة بامرني البطلة  أن تصعد الجبل  وحدثت معارك طاحنة  ولم تستطع تلك القوات أن تخترق الخطوط الدفاعية ، إلا إنها استطاعت أن تتقدم ، وقد سمع أحد البيشمركة الذي توج حبه بالزواج صوت محبوبته  يناديه : ( قاتلهم ، يا …)  فهجم عليهم  كالأسد  وهو يقاتلهم بشراسة حتى استطاع مع أخوته البيشمركة أن  يردهم إلى الوراء ، فيأست الحكومة  وانسحبت  . وكذلك شهدت في مفارزنا أن الكثير من الذين يحبون  و تقترب عملياتهم العسكرية من مكان الحبيب.

 

مظاهرة 6 آذار 1991

 

لا أريد الخوض بتفاصيل مظاهرة 6 آذار1991 في أربيل فقد كتب عنها الكثير ، أريد فقط أن أعطي بعض الملامح المعينة لدورها في الأعداد للانتفاضة كما أراها من منظور المساهم فيها ، لطالما أشعر بالانسجام في الكتابة مستمدا من ذلك النداء الأخلاقي الجليل  الذي أسس عظمة الشجاعة للمشاركين فيها ، فكل شئ يكتب عنها يكتسب دلالة تاريخية في عالم النضال ضد الدكتاتورية الشرسة ، فكنت أقف في سوق المخضر قرب القلعة مع مخططي المظاهرة ، وكنا ننتظر الخطة التي رسمت لبدئها أن يعتلي أحد المتظاهرين عربة  ويصرخ : (هوار)  ثم يطرح شعارات  وهتافات لإسقاط الدكتاتورية ، وفجأة جاءني رفيق من أهل عين كاوة  وهو متنكر بزي جيش شعبي  وطلب مني تبادل الأحذية فحذاؤه أسود لا يناسب زيه بينما كان حذائي بني يناسب تماما زيه  فتبادلنا بالأحذية  وسرعان ما سمعنا صراخ : ( هوار )  فنزلنا إلى الشارع بهجمة واحدة  ونحن نهتف بإسقاط الدكتاتورية ، وكانت استجابتنا حماسية الهبتنا المغامرة  ونحن كنا بزي مدني  ومسلحين ، فتوحدنا  وسرنا متجهين إلى شارع ستين  وسرنا نركض في شارع المخضر ونهتف  وكنا على استعداد للمواجهة المسلحة ، وفي أثناء الطريق بدأ إطلاق النار في الفضاء  وتعرضت سيارة عسكرية لإطلاق النار  وكذلك مركز الشرطة  فلاذ الشرطة في داخله  وأغلقوا الأبواب عليهم  وسرنا هاتفين إلى شارع ستين ، وفجأة سمعنا إطلاق الرصاص من الخلف ، وعندما التفتنا وجدنا سيارة جحوش تحمل بي كي سي فجرح عدد منا  بينما نحن نتفرق  وتساقط البعض على الأرض فكان الشهيد سعدون ينهضهم من الأرض ، صرنا قرب بيت فكسرنا القفل  ودخلناه  ، وتجاوزنا السطوح إلى زقاق  وهكذا تفرقت المظاهرة ، فوحدة المظاهرة أثرت على مشاعر الناس  والروح الجمعية التي ربطتها بالمتظاهرين ، كان الطابع المميز إدراكا و ممارسة على ملامحها ، وكل شيء تشكل في الجهد المعد إلى حد دقيق ، لذلك يجب أن نكون على بينة تماما من أنها أسهمت في الإعداد للانتفاضة ، فعملية التحول من المظاهرة إلى الانتفاضة  هو تمتع بميزة هائلة  مقارنة بالأشكال الأخرى للنضال  وهو خوض تجربة جريئة في التحول إلى أرقى شكل نضالي ، فالمظاهرة الجريئة عرفت نفسها  ورغم مغامرتها  فإنها قدمت رمزا وتحركت في موعدها  وظرفها المطلوب ، فهي خبرة مدهشة أنتجتها دقة التنظيم ،  إذ هناك توق غارق في فيضان التخلص من الدكتاتورية الشرسة  ، وهذا التوق أنتجته عهود من البطش والاستبداد ، فالمظاهرة نجحت في استيقاظ الوعي التاريخي ، لذلك رحب بها أهل أربيل ، خاصة لحظة ظهور البيشمركة كلحظة متسامية توجت بالهجوم على مؤسسات الدكتاتورية ، واحتلالها ، فمن خلال التلاحم ، والتفاعل ، الحيوي بين المتظاهرين ، وأهل أربيل، هو الذي مهد للانتفاضة ، والمظاهرة أعطت تفسير وبيان ، ووضوح أن أهل أربيل ساندوا المتظاهرين والمنتفضين الذين هم أنفسهم أهل أربيل ممن ساهموا بالانتفاضة ، فالمسافة التاريخية لعام 1991 لا تخرج عن سياقها التاريخي لعام 1991 التي تخاطبنا لفهمها وتفسيرها ، ونحن في عصرنا هذا نشعر بالارتياح في الخلاص من كابوس الدكتاتورية .

 

 

معجزة السماء

 

وصلنا إلى قمة جبل متين حيث كانت مجموعتنا تتألف من خمسة أفراد وكنا ننوي العبور إلى ( برواري شيري ) ، انحدرنا قليلا وجلسنا قرب ينبوع ماء كي تسترخي أجسادنا من الصعود المتواصل دون توقف . امتد تحتنا شريط قرى ( برواري باله ) و وديانه العميقة  ولم تمض لحظة حتى انتفض الشهيد ( أبو علي النجار ) ، وهو فنان تشكيلي يجيد الحفر على الخشب وقد أستشهد في إحدى المعارك فيما بعد وهو يقول : ( انظروا ) و أشار بيده إلى غروب الشمس ، أصابتنا المفاجأة عندما اعتقدنا أن هناك شئ يهددنا ، ثم صرنا ننظر إلى قرص الشمس الأحمر فلم يكن هناك ستار يسترنا عن هذا الكون المدهش ، لفنا صمت ثقيل و حلقت عيوننا فيه لانحدار حمرة الغروب إلى المساء لونا و شكلا و صورة ، فهناك سحب كثيفة بيضاء  تتفكك و تتهدم ثم تبني نفسها ببساطة عادية ثم تلتقي حول القرص وتفترق ، حينها لاحظنا خارج هذا التكوين وفي أعماق الذيول الحمراء لقرص الشمس نجمة صغيرة باهتة  في زرقة سماء صافية شفافة ، ثم دون انتباه منا خفقت أمامنا طيور منفلتة من أشجارها باتجاهات مختلفة غير مقيدة ومتحررة بتحليقها وتلوينها . كانت أبصارنا تكثر فيها الألوان كأننا أمام مهرجان احتفائي  سماوي راقص ، يستنطق عيوننا بتجانسه  البنيوي والتلاؤم لأوجه متعددة ، فلم ير أحدنا لوحة سماوية بهذه الروعة و الجاذبية كما عبر عنها ( أبو علي النجار ) في اللون والشكل والتداخل والانسجام ، لتعبر عن رموز طقوسية للعبور إلى المساء سواء بقربها منا أو بعدها عنا ، وتخترق عيوننا ناطقة أبصارنا ليستقر الجمال الطبيعي لسماء كردستان  وتوحي لنا بتفسير  وتأويل  جمالي من همومنا كبيشمركة وأيضا لنكشف النقاب عن الجمال ونحلله و يستفيق فينا الحس الجمالي ونستعيد من السماء آفاقا جديدة للتخلص من الدكتاتورية على الأرض ، هكذا كانت السماء تفتح بابها الواسعة أمامنا وتجعلنا نكتب بخيالنا عنها ونفهم همس لغتها وتزرع في نفوسنا فوح أحلام الحياة ، حينئذ  أخذت تتغير أمامنا أشكالا وصورا وتعبر عن دلالات  ورموز قد يكون لها الكثير من المعاني الدنيوية والغيبية ، كل فرد منا يقرأها ويفسرها   أو يؤولها كيف ما  يشاء ، هذا ما أحسسناه في أعماقنا  بالتناغم  و التناسق الخفي وربما الغامض في غموض سحري لذكرياتنا  وأحلامنا مع الألوان : أحمر ، أبيض ، أزرق ,  تلك الألوان تمتزج لتخبرنا عن دلالاتها  وتجبرنا أن نوصفها وتحملنا إلى الشعور بالوجود وتترسخ في أذهاننا كسماء زاخرة بالصفاء ، تفاجئنا  وتسحرنا وتهز مشاعرنا لنستقرئ منها : فتاة فاتنة عذراء تحلق بأجنحة بيضاء ، ملامح آدمية خرافية ، وجوه تعانق وجوه ، عيون واسعة تسبح في الفضاء ، أفواه تبتسم ، أشجار عملاقة ، زهور ترفرف بأوراقها .   وكلما أمعنا النظر فيها نكتشف أشياء جديدة تبدلت بسرعة : أشكال هندسية ، أجساد متحركة ، سفن ، حدائق ورود . تلك الصور  والأشكال كانت تحاكي حريتنا والمستحيل  في أسطورة علوية سماوية ، فنرى دائرة حمراء تنخفض خلف الجبال ثم تصبح نصف دائرة  بل و أقل من نصف دائرة والسحب تتفرق  والألوان تشف إلى الزرقة ، ولم ندرك اختفائها التدريجي  واندفاعها، فراحت الزرقة تلغي الألوان  وتصعد  وتلك تنزل من تفوقها مع الزرقة  بمقاومة ضعيفة وتستحيل إلى الانكفاء ، وتكبر النجمة الصغيرة  ويتلألأ سطوعها يرافقها  ظهور لنجوم أخرى قريبة منها أو بعيدة عنها ، هكذا بدأت الزرقة تذيب الألوان  و تطغي بكواكبها على السماء  متميزة بسطوعها ، أما بقية السحب المقاومة فكانت تتراكم بلطف وترتفع وتتمدد ثم تتكاثف ، ومنها ما تلاشى ويثقله الارتفاع ، ومنها ما نزل واختفى ، فبدأت النجوم في ارتعاشها نيرات مضيئات طاغيات على أنظارنا ثم ذبنا بأبصارنا لظهور قوس قزح  بصفاته وألوانه وصقله  فأحدث هالة متميزة عن انعكاس تام للسماء ، محاطا بغيوم بين محور ألوان السماء  تنفذ إلى أبصارنا شفافة نيرة ، فقدرنا آنذاك أن وراء كل ذلك مطر فتجمعنا وغادرنا المكان نازلين في عمق الوادي ونحن ننظر إلى أفق السماء التي رشت قطرها فوقنا ، فانطبع ذلك الجوهر الجمالي في أنفسنا وحفظناه في مخيلتنا وصدقت رؤيتنا في الخيال المضبوط  والتعبير الدقيق الذي غلب التصور المدرك لنا ، كان ذلك صرح سماوي في مشاهدة معجزة السماء ، بالرغم من أننا كنا نرى السماء معا من جهات مختلفة ورؤية متعددة لندرك ماهيتها من فهم و تفسير الطبيعة ، كان ذلك يوحدنا مع السماء  فقد كنا صامتين لدينا شيئا نقوله ولم نجد الكلمات في تأملنا لأن أبصارنا كانت تبحث في الألوان  والأشكال ، ولابد أن نبحث في السماء الزاهية الباهية ، فهي تعني وجودنا الحي  وواقعنا اليومي كبيشمركة ، فغالبا نتحرك في جوف الليل  وتحت سطوع النجوم ونادرا ما نتحرك في النهار ، ولها أيضا تعابير  ومعنى خطابي  وتآلف يومي ، هكذا يتكرر ارتباطنا مع السماء في كافة الفصول ، فلم نعد ننظر إليها باعتبارها صامتة  بل نصف شكلها ولونها ونرتب أيامنا على تفسير انتشار نجومها ، وغالبا ما نكتشف جمالها ولنا خلفية قديمة معها منذ زمن طويل ، نعرف تلاشي غيومها  ونعرف وقت سقوط مطرها وسقوط ثلجها  ونلتمس منها حركتنا ، لذلك أعجبنا بها مثلما أعجبنا أن ننظر إلى أجمل نرجس في مكانها ، فكنا نتأثر بالسماء ونتأثر بما يهطل علينا منها وخاصة زخرفة أضوائها . لم توهم أبصارنا على الإطلاق ونحن نلتمس منها سرعة الغيوم وفرارها ، ورفرفة سحبها وتلاعبها وظهورها  وزوالها . نعرف خصوصيتها وجاذبية جمالها المغرية وألغازها وما تطمره في نسيجها ، فنحن  والسماء متوحدون ومندمجون  في ترابط  زمني قائم أساسا على الفهم   والتفسير ، لا يمكن أحيانا أن ننكر تعسفها اتجاه البيشمركة أيام غزارة سقوط ثلجها  وغلقها الطرق لكثافة الثلج  ولمفاجئتنا بزوابعها الباردة ، وكم من الشهداء فقدنا أثناء غدرها لنا في عواصفها العاتية .  وبكوننا نفهم السماء وبجهد كبير نجحنا أن نتآلف معها على الأرض  واختراق الصعوبات  وهجر الأخطار تلقائيا . وهذا ما دعانا أن نحاكي بعضنا بحس مشترك واحد إزاء معجزة السماء منذ أن بلغ وقوع المشهد على أبصارنا بقوة ، فبادر ( أبو علي النجار ) بعد أن توقفنا قبل أن نعبر الشارع ، قائلا :

-   هل يعرف الدكتاتور هذا الجمال الكردستاني ؟

فضحكنا بصوت واحد بعد أن تأكدنا أن ليس هناك كمين للجيش على الطريق  و قلنا :

-   طبعا…لا…

أردف ( أبو علي النجار ) قائلا :

-   انه يعرف فن القتل  و الذبح …لعنه الله ألف لعنة ….

عبرنا شارع العمادية بأمان  والسماء تستبين  وتفرقت السحب  والغيوم واندفعت باتجاهات مختلفة  تائهة في سعة السماء  وتوقف المطر ، وبدأ ملك الليل في ظهوره اللطيف الأبيض ينير لنا الطريق .

 

 

وجه الليل

 

في قلب الليل المظلم عرف البيشمركة الدروب الخطرة والطرق الضيقة التي تحيا في الجبال و الوديان  والسهول .. فمصيره مع وجه الليل كأنه يعشقه ، إذ عرف كمائن الجيش ، وكل ما يتحرك من قوات الدكتاتورية  لتوقعه في طوق أو كمين ، كان البيشمركة يتجنب أحيانا المعركة

التي يريد أن يفرضها عليه العدو حيث انعدام العدة والعدد والعتاد ، ولذلك يفضل الانسحاب إلى مناطق يمكن المعركة تكون لصالحه ، وغالبا ما يقوم البيشمركة بتأدية العمليات العسكرية في وقت الغروب تجنبا لمشاركة الطائرات لصالح الجيش في المعركة ، وغالبا لا يتحرك الجيش في الليل ، لأن ذلك يكون من صالح البيشمركة لتوجيه ضربة عنيفة له ، فالبيشمركة والليل مستوحدان سواء في الهزيع المتوسط من الليل أو الأخير ، فالبيشمركة رواد الليل يتحرك ببطء أو بسرعة لكن بهدوء ، ويتجول في أناء الليل ليبحث في المناطق السهلية عن مأوى ليختبئ في النهار ، ويخرج في الليل ، وحين يلوح الفجر أو نجمة الصباح ، يبقى في اختبائه ، بسكون جاثم بروعة وجمال العالم الطبيعي كما لو أن البيشمركة يجد نفسه في قلب الظلام  الخفي ، المتكبر ، وأحيانا المستوحش ، لأن الحياة تنبض في وقت الليل ، بلغة خفية محملة في السر ، وقد تكون مظلمة في وقت الثلوج ، الذي يعيش أناء الليل ، ويعرفه ، ويعشق لغزه ، فقد عرف البيشمركة كل الأشياء على الأرض ، وعرف الصحبة الخالدة معه ، ذات ليلة من ليالي جنون الشتاء ، راح البيشمركة يسير في طريق مظلم ، فيه الرعب ، والجلال والفخامة ، إلا أن روحه كانت متقدة حرة في المحنة الشديدة ، تتسم برفرفة غامضة غريبة ، تبعث على الانتباه ، فوقع في كمين للجيش ، واستشهد ، باعثا على الألم على دأب مماثل من الكلمات ، تتدفق سخية كل يوم تتدفق دون انتظار وترقب ، وكل يوم موعود تضرب الليالي بصفوة ، مختارة ، حادة ، معطاء ، فكل شئ له طراوته يهب رقيقا ، عبقا بالألفة تهفو منجذبة مسحورة ، تسبق تأثيراتها على ابتسامة الشهيد عذبة تترقب معانيها مموجة مهدهدة إلى عينيه الصافيتين ، وابتسامة مترجرجة بين عينيه وشفتيه ، ويمضي به البيشمركة حاملين إياه بخطى خفيفة ، وينفتح باب العالم الأرضي ، للقادم من وجه الليل حيث تتدافع مترنحة مضطربة الكلمات حول كوكبه الشهير ، معه يصور الزمن المفقود المأطر بأيام الذكريات ، السحرية ، وكثيرا من الأيام الضائعة ، يرتفع ألقها ويرتفع الحرمان لماذا لم نكن منتبهين لكمين العدو ؟! فتتشكل أسطورة من عمق التاريخ ، أشكال مزدحمة ، أيام سقيت بالدم ، كل شهيد يسيطر علينا بذكراه ، ويستولي علينا بابتسامته ، ذلك الوجه المشبع بالحنين إلى كل ما هو بيشمركة ، فيجيل البيشمركة عينيه في فضاء المكان ، نظرته على صورة الشهيد ، نظرة خضراء يريئة ، تلفها سحائب دخان السجائر الملتوية هي الأخرى في الفضاء ، لماذا لم نكن منتبهين لكمين العدو ؟! يشرع كل بيشمركة  حديثه ، فهذا يرفع سبابته ، ويطلق الكلمات المنتقاة من تجربة الكفاح  المسلح كأنه ينحت في الفضاء الكلمات ، يصقلها ، ويجسدها في وجه الليل ، يجعلها مرئية ملموسة ، شفافة طاهرة ، بحب البيشمركة الشهيد ، ذلك صوته المتزن الدافئ ، الرقيق ، المستقر في الأرواح ، التي تنشد أنغام الوجود لمواصلة الكفاح برابطة أواصر الألفة ألي تنحدر الدموع معها ، صافية حزينة في وجه الليل ، في قلب الليل .

 

 

القرية الحبيبة

 

غارقة في السكون بعد أن أطبق الليل عليها من كل جانب في متاهة تنطوي على ثلاثة بيوت تعجز أن تمدنا بالنور ! إنما تربطنا بصفاء من الذكريات الحنونة والعلامات التذكارية ، كم من العمر الحزين مر عليها في هدأة الصمت وتنبئ عن آخر حبة قمح يمتلكونها ، إن القلب قلق في هذا الوجود  حيث هي وحيدة منعزلة  في ( برواري شيري ) لازالت تنبض زهور عطرة وبعد فترة تذبل  وتخلع عطرها .. أهي في الخيال ؟ الضيافة عادة فيها حيث تعطي الكثير للضيف .. فهنا بيت المضيف ! تغمرنا الحيرة نحن الثلاثة بيشمركة  وقد أينعت أمامنا بأضوية خافتة  فاحتوتها قلوبنا نحن الضيوف ، كم من الوقت عاشت بعيدة عن جند الدكتاتور وكيف ارتوينا من مائها ؟ ربما هي تستقبل الضيف بلقاء حميم  أجل يتحتم عليها  وربما صادفت الفقر مثلنا ، فنحن عشاقها حيث فيها الأمان والراحة والطعام ، وهي ما زالت الحبيبة  ففيها نقيم وفيها نذبل مثل الورود اللاشبيه لها ..  نحن والقرية الحبيبة ! تأملات  لا حول فينا كبيشمركة إلا عند حضرتها بين حين وآخر ، يستحيل على العين أن لا تراها في التقليد السائد مطابقا للروح ، فعندما تؤمن النظرات يستحيل أن نسدل جفوننا دونها ، كم مغرمين نحن فيها ! هبة الصدفة ، الرمز من نسل المضيف ، لما وهبت من هباء ، لماذا نرى قدرنا فيها ؟! هبة الرمز…كل جبروت السلطة الدكتاتورية ، كل العداء ، لم ينفذوا إليها ، لقد كنا نحج إليها بالشوق ، بلا هدف ، بلا خواء ، بلا يباب ، يمثل شيئا أصيلا أشبه بقرع الطبول ، في إذن الدخول إليها كأنها في عالم قديم نتعرف فيه ، ومن خلاله على قرية كما يبدو معروفة جدا ، ففي كل ضجيج الحياة التي حاول الدكتاتور تمزيقها ، وكل الحياة في إيضاحها العميق كأنها ارتدت أسوار فضية ، وصخب النهر القريب منها يحتفظ لها بعين الدلالة ، وحب النهر أن يراها بأسوارها ، وشعرها المنفوش على ظهرها ، يحب حتى القلادة الراقصة بأحجارها الكريمة على صدرها ، القرية الحبيبة والنهر عاشقان الحياة ، أجل تظل الحلي ترن في الدخول إليها ، حينئذ تعيش سكينة ساعات اليقظة الثقيلة ، واحدة ، كاملة ، كل شئ صحيح كعلامة للإنسان ، سعير النهر في خواء الليل المضطرم ، نتناوش الخبز ، والكبة ، آه ، أكلنا 17 كباية ، وبقيت الأخيرة فتقاسمناها بيننا ، ووجه الرجل العجوز يتطلع إلينا …جياع البيشمركة … فلم يبال أن يقول : تريدون أن تأكلوني ، لقد أكلتم عشاء العائلة …هذا دمي ، هذا جسدي …نعم كنا جياع …ذكرى جزاء الجوع حرمنا العائلة من عشاء لذيذ ، قد يكون لنا العشاء الأخير …كانت أفاعي تنخر في بطوننا ، ثم أسى في قلوبنا ، البال مثقل بالأسى عندما شربنا الشاي ، وكل واحد ينظر إلى الآخر بتعجب ، هكذا نحن في تقريع الذات ، ووجع ، وغلو مثقل بالندم ، تتزاحم فيه فرط ظنون مثقلة…ترقب في خبرة البيشمركة  ما تم تحقيقه ، وانقدنا إلى صور عميقة متخيلة لتتداخل عقولنا ، وهذا ما لا يقع ببساطة ، نطأطئ الرؤوس ، ونلعن الدكتاتور ، وفي عيوننا دمعة حيراء ، بكل مرارة لا تسقط هباء ! العجوز يرانا وجه لوجه ، ويبتسم ، هذا كان يمحو سطور الحزن ، كم سريعا مر الوقت ، وظهر خيال جسدنا ، جعلنا نغفو مرهقين في الغرفة ذاتها ، ونطوي السنين، وكنا نحاول أن نوجه أحلامنا إلى شيء آخر ، وهذا آخر ما يمكن أو آخر ما ندركه ، حين نذوي أزاهير أحلام الماضي .

هي القرية الحبيبة ! يتهدج صوتها، ويحاصرني الآن في وحشة الذكريات ككسرة من الوجود قدمت وعد لأن يكتمل الحب ، أنا والقرية الحبيبة ! خالية من الفوضى، ملهمة ، بدون دموع ، أجل ، أعيش الحياة فتغرد روحي، وتحتويني بظلامها، في لوعة تحتويني، في أحلى محيا ، ووهب ، تخاطبني مرارا ، وتكرارا ، تتجمع في ناظري نقية ، يشع صفاء بعيد ، بديع الشكل ، تناهيه إزاء اللامحدود بانتعاش…ما عساها تعني إلي! القرية الحبيبة ! لربما تلاشي ضجيج النهر ، والنعي تلاشى ، والإظهار المحسوس يتعالى ، الرجل العجوز رش رذاذ الكون بالمعرفة  بالفهم -  العشاء الأخير- بيشمركة جياع ، هذا ما لمح به كصوت مسائي ينتهي فيه الصمت… القرية الحبيبة ! هي دوما تعزف الأوتار في الخريف المحسوس ، تلك كانت الوجبة الخالدة ، حفظنا وصيتها بالتصور الدائم الحامل للمعنى ، ها أنا ذا لي ظمأ  لقاء العجوز إلى أن هذا يعد نوعا من الحلم المثالي الذي أسترشد فيه كي أطأطأ رأسي الشامخ له ، وسأظل أشرب من نبع قريته ، وعيوني مغمضة ، وسيظل هو يسقي أوراق بنية  ، بكل ما لديه من دموع ، هكذا انزاح قناع الدكتاتور، وإن الحرية تبهرنا في كردستان، نراها أجمة ذهبية …

ها قد غيم الحزن علي في غوايتي لأنني أحاول أن أعارضه ، واستحوذ عليه في زماننا إلا أنني أغط بالحلم العابر بين الإخفاء والإظهار ، فقد سكتت أحلى الأغنيات ، ولا هناك قابلية لاستبدالها بنغم جميل ، تجهم وجهي بعد أن غاب الصدى ، وعلى ثغري البارد ارتسم الحزن الدفين ، فقد توقف سيل الكلمات ، وخانني القدر ، منحت الغربة على وجهي ، إذ ما زال لعرش القرية الحبيبة مناصرا بالرغم من هذا كله ، تلك الغيوم الداكنة ها هي ترتفع والعجوز يجوب المزرعة ، فسحة قرب النهر يودع بيته حتى المساء ، ويجوب الأرض ، يكدح ، ويصوب عينيه الضعيفتين للغيوم الداكنة ، أتراه يشك فيها ! ها هي ترتفع ، سماها الغيوم القاسية ، اللامتحجبة ،  فهو لا يحب التحجب والتستر ، وترتفع عيناه ، أبدا سيبقى حرا في أرضه ، أن يدرك الامتلاء بالمحبة ، ما دمنا عرفناه ، وعرفنا طعم الرحيل ، وفي قلبه أغنية للحقل ، تشدو إن ضاق صدره ، يحيط الكون بهاء ، ما أعظم روحه ، أنظر في خيالي كي أراه  ما أعظم روعته ، أمين للمشاعر الصادقة ، يحيطه الإيمان بكردستان، وأنا الحزين في مداه ، وأحدق في القرية الحبيبة كدلالة خاصة في الخيال .

 

 

 

العبور

 

كانوا مجموعة صغيرة في بداية نهار ربيعي يكتنفه الضباب تسللت من ( كلي رمانة ) الشهير بالرمان الكبير الحجم  وحلو المذاق ، وفي هذا الوادي دارت معركة بين الجيش وقوات الأنصار يقودهم المرحوم توم توماس حيث تكبد الجيش فيها خسائر فادحة مهزوما من المعركة ، كان ذلك في عام 1980 .

تجاوزت المجموعة قرية ( دزي ) لإيصال ملتحق جديد إلى المقر الرئيسي وقد اشترك الملتحق في انتفاضة الموصل . فكان كل واحد منهم شارد في ذهنه وتجري الذكريات فيه ، ذكريات حقيقية ودقيقة  توصله إلى البعد الجنوبي ، إنها قصص انتهت عندما وقفوا قبالة نهر (الكومل) السريع الجريان الذي على حافتيه بقايا ثلج الشتاء ، وقفوا صامتين حائرين  إزاء ارتفاع منسوب المياه ، وكلما بحثوا في ذاكرتهم  وحصروها للبحث عن مخرج بغية العبور من هذه المحنة فلم يبق أمامهم سوى العبور ، لاسيما ربايا الجيش في (أتروش) قريبة منهم وبحركة مفاجئة تعرى صباح كنجي ووضع ملابسه على رأسه رافعا بندقيته بيديه إلى أعلى ونزل إلى النهر ، وتصرف الآخرون مثله بينما الملتحق الجديد أصابه الخجل مرددا : لا تنظروا إلي عاريا ! كان يسير بحركة بطيئة وخطوات هادئة لئلا يسقط في المياه وتجرفه معها وقد نسى الذكريات ، وكان تركيزه فارغ في المياه ، ويلقي كل الأحداث المجهولة التي في ذهنه جانبا ، وشعر بقشعريرة في جسده وكاد ينقبض قلبه ، فلقد دوت في أعماقه كلمة التحدي حتى خال أن لا يشعر بالبرد ، وكانت مخيلته وحدها تتحكم به كما لو إنه تمرس في عبور النهر  فكان يدوس على الأحجار . تلك كانت مغامرته في كردستان كأن مخيلته خلقت  وابتكرت قوة روحانية عنده وإن قلبه سيظل يحتفظ بهذا السر حيث إنه كان يرتعش من البرد وقد ارتاب من نفسه في أن لا يستطيع إكمال العبور ، فجسده يرتعش وقلبه يدق بسرعة وقد كفن الضباب المنطقة أشبه ببخار ، ثم خاطب نفسه بصوت واثق وهادئ : لابد أن أعبر النهر! فتوقف لحظة وبقي واجما وساهيا يكتم في نفسه قلقا شديدا وكان إصراره  وإخلاصه للقضية التي جاء من أجلها زاد من حماسه كأن زملائه يصرخون : اعبر…اعبر...اعبر… خمن وأدرك من المستحيل التراجع إلى الوراء كانت عينيه مشيحتين نحو المياه ونبرة صوته جائرة والعبارات التي يطلقها لا يسمعها أحد غيره ، فقد تخدرت رجلاه إلا أنه عبر النهر .

ارتدوا ملابسهم وهم يرتعشون من البرد ثم اندسوا في وادي قرية (دحلة نوى) الذي يؤدي إلى شريط ( هسنكا ) وهو وادي يجري فيه جدول صغير وتنتشر فيه أشجار اللوز التي تفتحت براعمها عن أوراق وردية جميلة ، إضافة إلى أشجار الخوخ التي يتجاوز ارتفاعها مترين تصاحبها أشجار الزعرور وحبة الخضرة بعناقيدها الحمراء ، تليها أشجار الصنوبر وكذلك أشجار السبندار الخالدة قرب المياه ، وهناك أشجار العفص التي تستخدم ثماره لدباغة الجلود ، وتمتد على شريط (هسنكا ) مزارع الكروم الطبيعية المتميزة بكبر حبتها ومذاقها الحلو ، وتشتهر هذه القرى بالزبيب الذي يعمل من تجفيف العنب .

أشعلوا نار من حطب يابس وجلسوا حولها في الوادي …قريته أطلال قديمة تكومت الصخور بعضها فوق بعض منقلبة بعضها ساقط من طرفي الوادي والاخر من أثر التدمير الذي قامت به الحكومة في  القصف والتهجير  فبقى كل ما هو جميل في هذه القرية المنكوبة التي تحن إلى أهلها .

راح الملتحق يتحدث عن انتفاضة الموصل وهم يستمعون بتلهف إلى حديثه  و يقولون له : لقد جربت نضال المدن والآن ستجرب نضال البيشمركة  فابتسم وقال بفخر : لقد جربته عندما عبرت النهر عاريا …

 

 

الصورة

 

إن من حشد مظاهر الأشياء اليقينية عن المضمون التي تلغي حيرة البيشمركة هي – الصورة – سواء كانت صورة الحبيبة أو الزوجة وهم يحتفظون بها بقمصانهم ، فهي تمدهم بالعون والصبر ، وعلاقة البيشمركة بالصورة هي علاقة عقلانية جوهرية يلجأ إليها الفرد بين الفترة والأخرى لرؤيتها ، هي تمثل الحنان بكل وجوهه ، فيصف  ويفسر الصورة ذات اللغة الصامتة  وربما يتخيلها بأن لديها شيئا تقوله فهذا الصمت نوع من النطق عن ذكريات كثيرة وخاصة نظرة العينين فيهما تمتمة أو دندنة مما تجعل ذاتها تحمل ثروة ضاغطة من الأشياء التي تدور بالذهن ، فالصورة لا تكف عن الكلام ولا تمل الكلمات المعبرة الجديدة لأن البعد يفرض ذاتيا التخيل والحلم والذكريات ، والبيشمركة يتأمل الفصاحة البهية التي تتحدث إليه باقتدار عبر الفترات الزمنية  ، الزمن الذات .. المحدد .. المؤشر ، بتحويل ذاتي يسمح بالتعرف على شكل آخر في يومياته .. شكل آخر من الذاتية التي تحول داخل جمال الأشياء ، خاصة إذا عم النسيان ، فيها ماهية شفافة لدقائق من خلال الزمن داخل الذات ، يتجه إلى البهجة تارة وإلى حزن الفراق تارة أخرى ، فمن خلال الزمن الذات الذي يتحول إلى زهو نحو الذكريات ، إن النتيجة الهامة للذكريات تتمثل في الارتقاء الذاتي لاكتشاف الشمول بعلاقته بالحبيبة أو الزوجة ، وهو يجسد عالمه وتاريخه ، إن الاختلاف يصنع نفسه لأنه يهتدي بخفقات قلبه بنزعة الإرادة برجع الماضي المتعاظم فالعودة من الماضي إلى الحاضر تعيد التقليد في المبدأ الذي يكافح من أجله في تعاقب الأزمنة كحالة ذات نموذج زاهي ، تسجن الصورة في قميصه كما لو أنها قداس مقدس .. ذات عالم سحري  رمزي ، لا ينفك سحر الأيام في كل مرة ابتداء شئ ، حين ينظر إلى الصورة كأن روح العالم انتقلت إليها رغم ثقافته وتراثه الفكري ، فالصورة تعني الدخول إلى جوف المحبة وتجعله لا يعاني من الفراغ الروحي والعالم الافتراضي  وموت الأوهام والواقع الفائق . ورؤيتها في اللامكان حتى يظهر ملاكه ، فالأضداد تتلامس عنده في موضع من مواضع كردستان في نهاية المطاف ، فله ماض جميل ، وكلما مر الزمن تمدد ظل ماضيه وتفتح مستقبله ، أنني أتذكر الكثير من البيشمركة استشهدوا في المعارك ضد الدكتاتورية وهم يحملون الصور أجل ، تفجير القديم بطريقة مقلقة جدا ، فهم يخرجون إلى النور أيضا من خلال صورهم عند عوائلهم ، وكم زرت من العوائل ، وصور الشهداء معلقة على الجدران ، هذا الإحساس المباشر مجددا لأن كبت الزمن مثل نبرة غناء لا تنتهي ، الحقيقة مزدوجة تستلهم الزمن الضاغط ، هذه الأشياء تدور بالذهن ويجب أن تكون موضع اهتمامنا لجمع صور الشهداء ، فالصورة الصامتة قد بدأت بالطبيعية الساكنة مبجلة ، ينظر إليها جنبا إلى جنب في ركون الكلمة – صورة – التي ليس لها مرادف سوى الوجود الحي في أذهاننا ، لهو أمر يستحق التمثل بالواقع الذي مر به البيشمركة ، فالصورة الساكنة على وجه التحديد تستولي على أذهاننا ، ونتذكر أصحابها الشهداء ، ويخلق عندنا طابع الصمت والخشوع كتمثيل ذاتي يفهم على الفور في ذاته ، وهو تعبير خطابي ، هادي لنا ، لقد ربطتني علاقة صداقة قوية مع الشهيد نزار ناجي ، وكان في كل مرة يخرج صورة الشهيد سلام عادل الذي أستشهد عام 1963 ، وكان يقول : أنني أحملها أينما ذهبت ، وقد استشهد في بشتاشان عام 1983وذات مرة زرت أخته أم إيمان وإذا بها تخرج لي صورة أنا و الشهيد نزار ناجي في وادي حصبة فسالت الدموع من عيني وأنا أتذكر حماسه وطيبته  وحرصه العالي ونكران الذات وصدقه وصراحته ، فالصورة هي ليست شكلا على الإطلاق بقدر ما هي ذات معنى مقصود ، وقصتها بهية  مألوفة تبدأ بكلمات وحركة اختيرت بإرادتها وموظفة ببساطة إلى مضمون ، ولغة قد تكون مطروقة من قبل أو عالم محسوس من حولنا يعبر عن نفسه بلغة لا تحتاج لأية كلمات ، فهي واقع موضوعي  قائم بذاته ، وهي تتضمن خلفية تضفي شرعية على الأشكال ، فهناك صورة صغيرة أو كبيرة الحجم  تناسب جيوب القمصان ، وهي رموز ساكنة يستمتعون برؤيتها ويعجبون بروعتها  ويفسرون لغة الرموز . فالصورة تتضمن خلفية كاملة تضفي مصداقية على موضوعها بجدية بالغة التدقيق فقد تفهم النظرات أو الابتسامة أو على تلاقي الأمرين هاديا لنا ومثيرا لأنها تنطوي على نطق صامت ذي التمثيل الذاتي المعبر الذي يكمن في مظهر الصورة ، انه وصف للوجه أو كامل الجسد الأمامي مثيرا جدلا في إطار الوجه  وهذه الصورة غالبا ما تخلد عند البيشمركة ... وهذه صورة أخرى عن البيشمركة الشهيد :

نم في آخر السهل

قرب النهر

في مطلع الفجر

واستلقي على الأغصان

خرير الماء

وجه الماء

وزهو عذراء

نم في ظل النسيم العليل

والصدق الجميل

وأضأت كالشمس في النهار   

أضأت الأرض السماء

زرقاء

صورتك تضئ ظل الأشجار

وترسل السحب البيضاء

نم ، نحن نرهف السمع

تسقط الغشاوة عن عيوننا

عيوننا يتمنع عليها النوم

الظلام في كل مكان

ورعشة الليل للرهبان

إلا اقتربي أيتها الحرية

وافضحي الغدر في عروشه

نم ، آه ، لو أن صوتك يهز القلوب

لم هذه قمم الأشجار

والأحجار

واللهب المتوقد

فقد تكسرت القضبان

ومات السجان

وها يشرق الفجر على كردستان

نم ، رفيقك النسر الحزين

مرفرفا بجناحيه

في الوديان

بعيدا في الجبال

 وأنهض يا رسول الكلمة

وتزين بالحلة التي أعدتها

الصورة البهية

 

 

 

الرقصة الخالدة

 

كان سامان صامتا كأن كل الأمور لا تعنيه ، فهناك ما يشغل باله ويؤثر به وهو مسيرته التي اختارها بإرادته دون أن يتأثر بأحد ، مسيرة اعتبرها نبيلة تحقق طموحه للكفاح من أجل قضية شعب ، الآن وجد نفسه وحده في وسط البيشمركة ..  يفكر  ويصمت من جديد ، فليس ما يشغله على الإطلاق سوى استراحة المفرزة في وادي  ( مرالن ) حيث جلوسه على صخرة مدة طويلة وعيناه تحدقان في خرير الجدول وقد انتابه ملل لا مثيل له ، ولم يكن يعاني مثل هذا الضيق من قبل ، فأحس نفسه في فراغ الوجود  وهو يعاني بمثل هذه القسوة  ، بينما الاخرين من البيشمركة كانوا في فرح شديد فهذا يستحم في الجدول وذاك يغسل ملابسه وانشغل اخر بحلاقة ذقنه ومجموعة تطبخ الذبيحة التي تم شراؤها من قرية قريبة ، اما هو  فيقضي وقته متسكعا في الوادي بين أشجار الجوز حيث الحياة تبدو ضيقة أمامه بالرغم من محاولته في نفاد صبر إلا يستسلم لهذا الضيق وينظر إلى الكفاح المسلح من أعماق روحه وهو يخاطب روحه : لا شيء …كان يستلطف التردد ويفكر ، ثم افترت شفتاه عن ابتسامة بريئة  ،  تمدد تحت شجرة الجوز وهو يشعر بارتعاشات تسري بداخله ، وفجأة تذكر العمليات العسكرية التي اشترك بها ضد العدو في الوقت الذي ينظر فيه إلى قمة الشجرة ، فتجيش في أعماقه الهواجس التي دعته للالتحاق بالبيشمركة ، حيث ولد عنده الشك في أن يواصل الكفاح حتى النهاية ، كان يهمس مع نفسه ، كيف سيقع ذلك الشعور ، وردود فعل أخوته البيشمركة إذا تركهم ، كان يشعر بذلك فيحزره ، إذ هذه الفكرة تراوده ..  لكن البعض سيسخر منه والآخر يزدري منه ، نهض و هو عازم على إنهاء الموضوع ، كان يفكر وهو ينزع ملابسه  وينزل إلى الجدول ليغتسل ثم يغسل ملابسه  وهو يسمع ضجة أصوات البيشمركة وضحكاتهم ، فاحمر وجهه حيث كان هناك شئ يتفجر لديه ولوحده ضحك بصوت رنان وهو يكلم نفسه ونظرته التي كان يلقيها على البيشمركة تعطيه الثقة بالنفس لأنه كان يفكر : كيف سيتصرف ليعبر بالكلمات أن يترك البيشمركة ، سيكون ذلك قاسيا عليه وعلى محاولته في رفض مواصلة المسيرة ، تجاوز سخطه في استعداد نفسي متسامح لذاته ، كان ذلك واضحا تماما وبشكل كامل يفرد الأسباب الحقيقية الشخصية والكونية ، يمكن أن تكون مخيلته تتحكم بإرادته ولم يستطيع أن يفلت منها، وخيل إليه أمام عينيه استشهاد رفاقه ، آه لو يمكن أن يرحل إلى مكان آخر لا يرى استشهاد أخوته ، هكذا لم يعرف أحد ما يجري في مخيلته  لن يترك المفرزة الآن وسينتظر إلى يوم غد ، ونهض وراح يمشي في الوادي فأحس بالدهشة تولد من جديد ، ربما  هذا خطأ ! وأنه يعرف هذا خطأ ! انتابه الغضب ود أن يفرغه في وجه أحد ..  لا  لكن ماذا سيفعل ؟ كانت قواه تخذله محطمة إصراره ، استدار فلمح البيشمركة في حركة ابتهاج ، عبر الجدول ليكتشف مخيلته التي تتحكم به  وتقوده إلى الإصرار و تنطلق كلمة ( اترك ) من شفتيه …كلمة فيها مغامرة خجولة ، ماذا سيقولون عنه ؟ كان يخبأ الأشياء في مخيلته  ويخجل من نفسه ، حاول تجنب التفكير بترك البيشمركة ، إلا تختبئ في أعماقه .. هذا ألم جرحه جعله يرتاب حتى من نفسه ، فكانت نسمة هواء ضعيفة تضرب وجهه ، رفع عينيه فلاحظ أشعة الشمس المبهرة تتسلل بين أغصان شجرة الجوز ، توقف عن التساؤل ساهيا يكتم سره في ذاته مغلقا غامضا ، كان متعكر البال وهو يرى السرور في وجوه البيشمركة و مستغرق بمستقبله ، راح يبحث في ذكرياته عن أيام طفولته ومرحه وحريته اللا متناهية ، تجمع البيشمركة للغداء  و أتاح لذاته صمت طويل فقرأ الإصرار في عيونهم  وهو يبحث في ذكرياته ، خطرت عليه فكرة مفاجئة عنيفة اخترقت روحه ، فتخيل سماع أعماقه فصرخ بكل قوة : ( شيخاني ) …فهب البيشمركة وراحوا يدبكون وقد تغيرت نبرة صوته وهو يغني  ولا ينطق سوى بكلمات الحب ،وهكذا فلح أن يكافح ضد الشك الرهيب ضد شروده ذهنيا ، راح الفرح يتسلل إلى قلبه وجعلها ذكريات تجري في عقله الذي أوصلته إلى الحقيقة وهي أنه لا يستطيع ترك البيشمركة فكانت الرقصة عنده خالدة  ساطعة ، أخرجته من التشوش الفكري ، ها هو ذا يعود إلى طبيعته الروحية الأصيلة السامية ، طبيعة الطامح بالنصر التي وهبته الصبر وأعطته الشجاعة ، وشفى من نزوة الخيال ، وأطربته الأغنية فكان فرحا ، تحلق روحه في الأعالي  وتهيج في صدره روح الطامح بالنجاح .

 

 

 

جنائن كردستان

 

الأصوات مرتفعة .. لا ذنب لأحد ، إذ يجب مواصلة الصعود إلى جبل (بخير) العديم المياه ، الصعود يثير كثيرا من الانتباه ، ويمضي بطيئا ، وقد استغرق وقت غير قليل للوصول إلى القمة ، والإشراف على قرية ( سيان ) ، وهناك أفق أخضر في الأمام وأرض متموجة وعشب أصفر وهناك دموع  في عيونهم عملاقة بيضاء لا بريق فيها وكم عميق هو التأثير  والتعبير عن النفس بالدموع ؟ هكذا وجد البيشمركة أنفسهم في مأزق وهم ينظرون إلى الأمام بعيون دامعة شاحبة وخائفة ونظرات مرتابة إلى منظر خلاب تظهر فيه قرية ( سيان ) ، لم يعد أحد يذكر مذاق الدموع حينما هو نزل إلى القرية ، أتلك دموع قاسية وعنيدة يملكها البيشمركة ؟ إنه يرى قرية تهدمت وهي متناثرة الأجزاء في أحلام اليقظة تتلبس بوجود آخر ، حتى الأشجار تسقط الواحدة تلو الأخرى وسط ضجيج جيش الدكتاتور ، إنه انتحال كيان آخر ، والبيشمركة يعبر عن الاحتجاج حينا وعن الثقة بالنفس للتخلص من الدكتاتورية حينا آخر  ، فمن بداية القرية ينحدر واد هابط إلى أسفل ، ومنه يتألق ينبوع ماء صاف بارد  يتوزع إلى سواقي طويلة في المنطقة لتروي المزارع والأراضي الخصبة ، ومنها تأخذ طريقها نحو نهر(الهزل) وينتهي الوادي بشواطئ خضراء هابطة يمينا وشمالا بزرقة فضية تحت الشمس ، وهكذا يدرك المرء حالا أين يبدأ الماء  وأين ينتهي ؟ ومن فوق القرية كما أشرنا كنا نرى أفق نير واسع ، وهذا الانسياب الهارب باختيال والهواء الدافئ حين تختلط الصور  المكتشفة  يزيد من انتعاشة برفق ، وكل نظرة نلقيها على خيال القرية المهجورة الرشيقة نقدر إننا في مكان اكتشف للتو ، مزدحم بمختلف أشجار الفواكه وفيه أحواض من المياه الصافية  ومغطى بالأغصان ، وهناك ركام مدهش  من الصخور الهائلة المبعثرة والمنهارة من آثار تدمير القرية المنكوبة وبعضها تكوم فوق البعض الآخر كأنها تشرق على سهل معشوشب ومتموج مدى البصر نحو الغرب مما كونت أحواض من الماء الصافي ، والأنظار تتابع لحن الطيور المغردات في تشابك الأغصان وهي تفر إلى أعلى  كأنها تستطلعنا ..  من نكون ؟حين تمضي محلقة على عجل اثر أي حركة متنقلة من مكان إلى آخر وهي تصرخ بصوت مرتفع من فوق سطوح البيوت الخربة وتأن ترجيع صدى يأتي إلينا  فيصلها بسرعة منبها إياها ، إذ لم يعترضها شئ خطر ولم تفقد صوتها وتجد طريقها دائما ، ومهما اصطدمت بكل ما يعترضها  فتبقى الطبيعة كاشفة ، وعندما وصلنا وسط الوادي وعبرنا إلى الطرف الآخر الذي يضج بشجيرات  وأشجار السبندار السامقة من الجدول صرنا على حافته  ، لمحنا واد ضيق على طول الجدول حيث بدت القرية كأطلال مجهولة تركها أهلها في أوائل السبعينات حيث بدأ تهجير القرى ، كانت سابقا قد بنيت من صخور بعثرتها التفجيرات التي دمرتها وحفرت حافات ضيقة بالأرض ، فجأة لمحنا أشجار التين التي تعج بالبلابل ، استرحنا على الصخور وسط الوادي  نتطلع إلى الأشجار التي لا تزال ثمارها معلقة فيها بحيث لمحنا تين البلابل وصرنا نقتطفه لحلو مذاقه ، وخيوط الماء الصافية المنبجسة في الممرات الضيقة  للجدول تخرج من خرم صغير في الأجواف فكانت تنسكب في واحات صغيرة شبه دائرية كأنها بساط مفروش العشب وكلها تنحدر باتجاه السهل ، وخرجت طرق من الوادي سوى الالتحاق بالسواقي أو إلى قرى أخرى  أو إلى نهر ( الهزل ) ، وهناك برك مائية تلمع في الوادي لا حصر لها ، فقررنا نزع أحذيتنا ورفع سراويلنا إلى فوق الركبة  وعندما وصلنا إلى عمقها  صار لابد من تراجعنا  فكان الأول يقدم ذراعه إلى الآخر لئلا يسقط في البركة ، عندما صرنا في ظهرها شاهدنا الأسماك الصغيرة الفضية تتموج تحت الماء  المترقرق المنساب نحو السواقي ذات الأعشاب الطويلة الملونة بشكل عجيب ، كانت أغصان التين تتدلى فيما تبدو سابحة فيه ،  وآخرون منا وجدوا برك أقل عمقا وقد حلقت بين أعشابها الطيور ، فرحنا نتابع ونراقب ونفتش في القرية واحدنا يواجه الآخر متعبين ونحن في جنائن خفية  .

      بدأنا نعتاد على القرية ونحن نرقد فوق أغصان الجلو ( أغصان شجرة تشبه شجرة البلوط ) ونتلفع بملابسنا كأغطية الليل ذي النسمات الباردة ، لم نهتك حرمة القرية بل شربنا بأيادينا الماء البارد وهذا من طقوسنا ، في أعماق الوادي ضجيج وخطواتنا تقترب وتبتعد ، خطوات قلقة لا تفقد توازنها شاركتنا الحلم عبر الوادي  والجبل ، ما هذا ؟ تيار سريع وادي مريح ترسخ في الذهن ، الطيور تطلق صرخات لا تفسير لها : إنها إيقاع فرح حيث جدائل شعرها تختفي بين الصخور شاحبة  نحيفة  خائفة قبل شروق الشمس ، وقبل أن تبلغ الشمس الأفق  تغني حتى النهاية وننصت بصبر إلى مقاطع الأغنية ، لكن حين يختفي البدر خلف الغيوم نبعد الأغصان عن وجوهنا وننظر كل واحد للآخر يتكأ على شجرة ، كان صبرنا لا حدود له والريح الشرقية ترمي على الأغصان والصنوبر ، والضفادع تقفز إلى مأوى ، يرى المرء محاطا بالأشجار ، ربما  عرائش خضراء تطعم الطيور ، مساء يمر على الطيور المغردة فما تردده فهي أغان السماء بلون البنفسج ،  الفيض و  العيون نفسها ، وريقات الشجر تحوم ترتفع ثم تنخفض أخذت تتشابك بأغصان الصنوبر ، الأنغام الطويلة الضاجة ورياح الشرق تجر النبتة من جذورها وتحنيها ثم تلويها … تسمع صوت جلبة تطلقها الأشجار .

     استقر بنا الحال في كهف عميق وقد تجمعنا فيه بعد أن حددنا مراكز الحراسة ، لأننا نواجه سهل ( عقرة ) ، وعلى جانبنا ( باكرمان) كنا نرى صورنا في الماء ، وهناك إلحاح من البيشمركة أن نطلق حريتهم في الوادي ، ونحن أمام مدى المزارع ومدى السماء الواسعة ، ومن توزع الماء كرمز للجمال . قضينا ليلتنا ونحن حذرين من هذه المجازفة لأن المنطقة خطرة إلا أننا اكتشفنا جنينة من جنائن كردستان ، كأننا نركض خائفين ونهبط بسرعة في منحدر الوادي ذي الصخور  مجازفين بأن تنزلق اقدامنا أو نتعثر أو يسقط أحدنا في حوض ماء  وتكسر ساقه أو ذراعه ، انطلقنا ونحن نركض تقريبا متنقلين عبر السواقي من شجرة إلى شجرة متوجهين إلى أعجوبتنا في حرية تامة أننا اكتشفنا جنينة من جنائن كردستان .

المفتاح

  

   أن تفكير عدنان في النهاية ينصب على المفتاح المربوط إلى عنقه بخيط جلدي قوي . إنها متعته الوحيدة المتاحة له في عالمه كبيشمركة لتعطيه الأمل أن يذهب في يوم ما إلى بيته ، ويفتح قفل باب البيت  ويدخله كأي منتصر ، فالمفتاح عنده رمز الانتصار  وليس رمزا دينيا كما كان عند اليهود الربانيين الذي يمثل السلطة والقوة ، ولا كما عند الكاهنات الرومانيات اللواتي يحملنه بوصفهن حارسات المعابد ، أو الطرواديات اللواتي يحملنه على أكتافهن ، والآله أيضا يحمل مفتاح  وأشباح العالم السفلي أيضا يحملون مفاتيح ، وفي المسيحية يرمز إلى سلطة الكنيسة ، وفي الإسلام يحمله المسلمون أثناء المعارك ويعتقدون في حالة استشهادهم سيدخلون الجنة . وصل الأمر بعدنان أن العثور على أي مفتاح يأخذه ويحتفظ به في ( عليجته ) وأخذ يربطها بسلك حديدي فصارت عنده كومة من المفاتيح .. صغيرة و كبيرة مائلة ومستقيمة رغم كونها صدئة وقديمة ، إلا أن مفتاحه حرص عليه أن لا يصدأ ، فكان كلما نظف بندقيته ينظف مفتاحه ، وهو مفتاح كبير يشبه مفاتيح عرب الأندلس الذي تركوا بيوتهم مقفولة  ولم يحتفظوا سوى بالمفاتيح آملين العودة إليها  بعد ستة قرون من الحكم ، كان عدنان يكرر : يا لتعاسة التاريخ  …ستة قرون … ستة قرون …لا …لا …الدكتاتور زائل لا محال …وكان أكثر ثقة بنفسه  وهو يردد : أعتقد أن الدكتاتور سيسلم مفاتيح القصر الجمهوري فلدينا مفاتيح كثيرة لنجربها إذا هرب .

        ليس صدفة أن يجعل عدنان المفتاح يتدلى على صدره ، وتلامسه أنامله المرتجفة  ويخاطبه بلغة سرية ، قد تكون فوضوية فهذا لا يقل غموضا ردحا من الزمن خليط من التحليلات موضحة بأمثلة عن التنوع مع عدد لا يحصى من المفاتيح بالرغم من تباينها  الهائل تتكون من عنصر الحديد ، وهو يفتخر عندما يعلن بأن ( عليجته ) تحتوي على أشكال متنوعة من المفاتيح وافتخاره كأول رد فعل ، فالمفتاح كنز عدنان الخاص ، وأحيانا يرمي في مهاوي الفراغ مفتاحا وهو يرد : (هذا مفتاح خادع ) . تحول أمله المفرط بالمفاتيح  الى كآبة مفرطة تنتابه نتيجة الأسى عن عمر الدكتاتورية الطويل ، فهو مدفوع بهوس بالمفتاح ويكرر : أنه لن يبدد سنواته هراء …ليؤكد ويدحض كل رأي يمتزج بالهذيان التي لها نسلها ولغتها  ودلالتها ، أن الاعتقاد بالأمر النهائي للدكتاتور يثير النعيم بالنفوس ويرج العواطف والتي تتناسب مع المنطق  فيثير المسرة بهذا الأمل الرفيع : يسقط الدكتاتور …  

         الزمن يجري في النهار ومنتصف الليل ولا توجد أبدية في الحكم ، إن الدكتاتور خائف من سرعة زواله  وقد ابتكر أن يكتب أسمه في آثار بابل ، وهو لا يمكن الانعتاق من هذه المعادلة ، والزمن هبة أبدية ، وكل شئ في تعاقب ، أنفسنا تشتعل على الدوام ، لأننا نريد أن نجرب مفاتيح بيوتنا ، متى يتم ذلك  ؟ عزيمتنا لا تتثبط ، مثل زهور الياسمين ، بيضاء ، ونهاية الدكتاتور تختلف عن أبو عبد الله الصغير حينما سلم مفاتيح الأندلس لفروديناد وايزابيلا… وأمه تقول :

ابك مثل النساء ملكا مضاعا      لم تحافظ عليه مثل الرجال  

 

 

المذكرات

 

وقفت في شرفتي في بداية خريف جذاب ، ليمكنني التعرف على نفسي وأتعرف على الخبرة الجمالية ونموذجها والذي أكتب عنه تحت عنوان ( صفحات من دفتر  ذكريات بيسشمركة ) الذي يحتاج إلى فهم في وقفتي الجامدة في حقيقتها ، ومع ذلك لم يعر أحد من المارة انتباها لي ، وها قد بدأ في ذهني انشغال من نوع آخر ـ التأمل الجمالي ـ فكنت أرى عدة نماذج تتواصل وتتداخل في أشكال لحظة بعد لحظة بطريقة واضحة ـ إيماءات  هادئة وأصوات ناعمة ـ أجل ، مستغرق في يقظة أحلام وقد أثارتني الشجرة التي تواجهني  والتي تفوح منها رائحة الخريف ، هذا ما كنت واعيا إليه ، حاولت أن أجد شيئا في الشجرة فلم أجد سوى رعشة أغصانها ، وكانت الغيوم قد غطت السماء ورذاذ المطر يتساقط على وجهي ، وطيور الليل تعود إلى أعشاشها ، ولم تمض لحظات  حتى تلفعت السماء بالظلام ، وأنا أستقبل أولى زخات الخريف بينما رائحة الأرض التي تحتوي على أوراق الخريف الصفراء  وهذا ما أقلقني كما قال الفلاسفة القدامى : ( ها قد منحت الآله على عتبة البيت القديم ، وفي الأزمنة الأقدم فليدخلها دون خوف ) .كانت نظرتي خارجة عن نفسي ليكون موضوعها خصبا من خلال التعرف على التاريخ الذي منه تصنع المذكرات سواء كانت تدور حول ملك أو أمير أو بطل ما والتي يطلق عليها الشهادة الفردية ، أو حدثا اجتماعيا  تتناول قضية شعب أو فئة منه يطلق عليها الأحداث الاجتماعية ، فهناك بلدان تفتقد إلى مثل هذه المذكرات تشكو زمانها بلا مذكرات ، فمفهوم المذكرات هي قصص حياة أو شهادة لأحداث يتطلب فكرا متطورا ومنظورا عن تجربة متنامية يطلق عليها بالوعي الاجتماعي .

            ارتعدت من البرد  فدخلت غرفتي بعد أن أصبحت الظلمة سيدة السماء ، وهناك خيط أحمر في الأعالي أخذ يخمد وصرت أراقب اختفائه وكيفية ابتلاع الظلمة له ببطء في لحظات الألم : ( امسك الصخرة الكردية ) هذا ما كنت أردده بفرح جليل ، إنها صلبة وقوية تجبلت بالعرق والدم والدموع ، فالصخرة دائما صلبة وقوية ، تسلقتها لاهثا نحو عظمتها ووقفت عليها وأخذت أصرخ ما يزال يراودني القلق وكان صدى الوادي وهو ينعم بالهدوء والامتنان ، صدى ( قلبي قلق)…أجل ركضت في الجبال الموحشة  وفي انحدارها وبين الممرات الضيقة والقلق لم يذوب .. يلاحقني ، امسك الصخرة الصلبة القوية واضغطها ..  إنها قوية لا تناسبنا الآن  لذلك هجرنا الحياة اليومية العادية و أعلنا حبنا للخالدين ، آه ..  أيتها الصخرة الكردية من يعتصرك من الناس في الجبال المجدبة ؟  البيشمركة يضغط ويسير :  (وداعا )…أمامك مسيرة طويلة ، يتسلقك البيشمركة ويصل القمة ، فالبيد يمسك العشب كما لو يمسك يد حميم غال ، ويرتقي الجبل مع رفاق النضال في مواكب ليصلوا القمة ويصرخون ويصرون بأسنانهم  ويهزون رؤوسهم بغير أقنعة ، إنها الذروة  والخلود والتوحد المتناسب  والأمل والجمال  والعاطفة  والبسالة ، إنهم يقاتلون ليصلوا إلى الذروة ، فينطلقون في مواكب عظيمة لتسجيل المذكرات وظل البيشمركة وحيدا يسجلها : عمليات عسكرية ، هجوم ، مظاهرات ، انتفاضات ، وحيد في الذروة ويتنقل بين الجبال وهو يرهف روحه في تسجيل المذكرات التي لها ثقلها وطاقتها الجبارة وفي لحظات اللهب يمسك بالصخرة الكردستانية ويضغطها بفرح جليل ، أي كفاح هذا بين الصخور مجبله بالعرق والدم ، فالصخرة صلبة دائما و تصرخ : إلى اللقاء في لحظة سكون تنعم بالهدوء والامتنان  والقلب يخفق صارخا :

-   قلبي ما يزال يخفق في الصدر .

-   قليلا من الصخور تبقى معي .

-   قلبي يقاوم .

-   قلبي يتسلق لاهثا ذروة الجبل .

لم يتكلم البيشمركة ، وكان كل منهم يحدق في الآخر ، فكتابة المذكرات التي لها قواعد وطبع خاص  تخطت حدود الزمن ودخلت ملفعة ببهاء الغيوم  وبالعواصف الثلجية … بعد تأمل لحظة الصمت ، تفكروا : أي فعل تعطيها المذكرات للأجيال خارج الظلمة والأشباح المخيفة والأجساد الخارجة من اللهب والأصوات المرتجفة  .. ماذا تعطيهم ؟ إلا أن البيشمركة لم يتكلم  فقط هز رأسه وابتسم وهو ينظر إلى القرى المدمرة المحروقة … ها هو قد هتف : التحرر من الظلم … وهذا ما كان يفهمه ، وهو يتخطى الطبيعة ، وإن عينيه في دهشتهما ، وصوته يرتجف ، وهذا ما يستحق الكفاح ، يستحق أن يكون هادئا باسما مكتشفا السر العظيم : التحرر من الدكتاتورية

 

ئازاد وشيرين

 

كان ئازاد مشدودا إلى قلبه ، وأفكاره تجول حول عالمه كراع في السادسة عشرة من عمره وهي تجد طريقها إلى عرش الكلمات ، يقطف الزمن من عواطفه الأليفة في تعويذة الغروب المتكتل بالغيوم وهي تشترك مع صوته وصفيره نحو الماعز كي لا يحيد عن الطريق ، نازلا إلى القرية حيث الأشجار الخضراء تهزها ريح خفيفة . رفع ئازاد رأسه  لينظر إلى السماء  ما لبث أن تمتم مع نفسه :

-   إنها ستمطر…

إنه مضطرما وحزينا وغائما ، يحلم في ذات الوقت بصورة مختلطة بالحب وبرغبته في الحياة مع مرارة منعكسة في محيط قريته ، فأفكاره تحمل الشجن واليأس ، هل هو الغموض والندم  ؟ أم إثارة جذابة بقدرة جاذبية الحياة التي تبدو عموما أكثر شجنا  ؟ أو طموحات مكبوتة بصورة مظلمة بلا جدوى أمام الغضب  والانتقام والغموض ؟  فقد تملكته الشجاعة في مرة ما أن يدخل عالم الحب ، متوجا إياه بالسعادة كمصباح يلغي التعاسة . لا يريد أن يترك السفح بعد مهابة تركتها حمرة الغروب بلطف ، كان يراقب دقات المطر فوق الصخور ، فارتدى معطفه وهو يصيح بالماعز : دع .. دع .. دع ، كان الماعز يسير بطريقه إلى القرية ، أما ئازاد فجعل نفسه رائيا لكل حواسه ولكل أشكال الحب ، وهو مهوس به يبحث في نفسه  عن الكلمات ويستنفدها ويحتفظ بها ، ويدرك المجهول في رؤاه ، كان قد رآها واثبة خارقة بعنوان …حبيبتي …وقد اكتشف لغتها واكتشف أشياء غريبة عن الحب  ستتبناها حبيبته ، ستفهمها من استنتاج النموذج الذي تحب في التضحية والتمنيات الخارقة لانعطاف ذهني وفردي يستوعب اللون و كثافة الصوت الشفاف والعمق المدوي في القرية … وها قد حانت اللحظة عندما أدخل الماعز إلى الزريبة حيث احتشدن بنات القرية وحلبن المعزة  أما هي فلم تأت ، ربما تأخرت لسبب ما ، كان ينتزع ظله وتسقط النجوم عليه بعد أن ظهرت في السماء وتمزق صبره وفرت عيناه نحو قلبه ، أراد احتشام النجوم حتى آخر نجمة وعيناه الصغيرتان تلمعان فيهما الدموع . أراد أن يزين يدها بقصيدته حيث يمتزج أريجها برائحة الزهور النادرة كما لو أن الكلمات صقلتها السنون بصمت وخشوع ، كل شئ يحدث سرا في لغة مسقط رأسيهما ، فصار العالم يعيش في ضوء أول نجمة ظهرت في السماء وهما يتجنبان الوشاية …شقاء كبير هذا السر من عجزهما على تحدي العادات والتقاليد …وأخيرا ظهرت مهيمنة عليه وهي تتألق بالشوق إليه في صفاء رحيب كنجمة لا تجاريها النجوم ، لا مفر منها وهي تتهادى في البعيد الزمني .. ترتضيه .. غارقة بالدموع كدفقة تتسامى وانطلاقة حزينة على طيف يتلوى ، وقد توالت هدهدات لمس ناعمة .أخذ بيدها ، ووضع الأوراق فيها بنفاد صبر يدنو ، وارتخاء يتردد ، غافلا في انطلاقة النظر إليها من أعماقه ، وأنفاسه المقتربة من شفتيها ، لم تمض برهة من الوقت ، حتى قالت بتردد ، وبصوت خافت خجول :

-   سوف لن نلتقي …

-   لا …

وتراجع إلى الوراء ضاما وجهه بيديه محشوا بين الماعز ، محجوبا بألف برقع ، وغدا مطلع الربيع المهيب طلسما في القرية ، انتابته رعشة محكمة الاحتفال بالحزن ، فقطرت عيناه دمعا وهو يكرر كلمة (لا) . لا يريد أن يروح الحنان الذي يمتلك الأرض في مهجة  قدوم الربيع ، ولم تظل يده نائمة في يدها بخدر ترتعش بهدوء مع ظهور نجوم مزركشة السماء ، واقتربت اليدان ... يدان تنغلقان في الدوار المنهزم الذي تختلج فيه النجوم  والنسيم المضطرب ، أصبح ئازاد تائها في الذاكرة عندما سحبت يدها وجلست تحلب المعزة وهو في زاوية الزريبة مشؤوما مثل شيخ محزون …انتهت من عملية الحلب وعجلت الرواح ...  ماذا أفعل أيتها الودودة ؟ هذا ما تنغم به كأنه يناجي الحياة والموت ..  بقي صامتا  ينظر إليها في مكان فريد ، غارق في الضباب كان ينبض ألما ، وراح يعترف لنفسه أنه لا يستطيع كبح جموحه إزائها وأنه لا يستأهل بدونها ، فكل سروره فيها ، إنها عجيبة .. طريفة صار يتكيف في وقفته وتموجات أحلامه ، والذهن يستبد به في كل الإيحاءات المحزنة  لكنه كان يخشى الانفصال ، لعلها سمعت بالوشاية  ونتائجها وخيمت عليهما ، يجب أن لا ينكشف أمرهما ، ألم يحاول أن تكون اللقاءات سرية ؟ أجل .. وهو ينظر إليها بدهشة حتى أدرك كم هي مريحة ! لكن الحزن يبدو قد تسلط عليه ، فأقنع نفسه أنه سوف يلتقيها غدا .. وأحس بذاته في غابة مظلمة غامضة ، ذلك الامر يذله ويجهده ، إذ ليس هناك شئ أعظم من الحب وهذا  ما أثبتته اللقاءات المتكررة .

لمح امرأة قادمة  فتصنع في وقفته ، لقد كانت أم زوجها فعرف أن في الأمر خطورة ، ثم غادرتا سوية ، أما هو فغلق باب الزريبة ووقف يودعها بعينيه الدامعتين ، يبحث عن حل مـتأملا منفردا بنفسه ، أن يحرم من الحب المنغلق على نفسه محجوز في أشكال بؤسه ، لم يكن يفهم أن الحب شئ صغير ومحدود .. بل أكبر وأفسح وأرفع من الوشاية وهو يعرف بلا شك أنها تحبه .. لقد كان الحب مضطربا وعفيفا ، يجتنيه الصمت والخشوع والتأمل والشقاء الكبير وهو يردد مع نفسه :

-   أنها ستأتي لا محال …

وهو يستعيد قصة الحب : ذات يوم كانت شيرين ذات الأعوام الثلاثين والمتزوجة من فلاح في القرية ولها ثلاثة أولاد ، منحنية تجمع نباتات برية من الرشاد والخباز والكراث  والريواز  والكعوب والبابنج ، وإذا بها فجأة تنظر وجه لوجه في ئازاد في وقت بعد الظهر بالضبط ، فالتقت عيناهما وأبدى ئازاد لطفا معها وشعر بارتياح في  نفسه ، وخارجها بفرح شديد يا لها من سعادة أن يلتقيها فقال بصوت خافت :

-   ماذا تجمعين ؟

-   ثمار برية …

-   آه ، إنها لذيذة …

-    وأنت ، ماذا تفعل هنا ؟

-   أرعى الماشية …

-   أعرف ، كيف تتركها لوحدها ؟

-   كلبي يحرسها…

-   اذهب إلى ماشيتك …

-   أجل أنا ذاهب …

فخطا باتجاهها خطوات بطيئة وجريئة بعد أن حدق في أعماق عينيها الرائعتين ، ثم إثر حركة مفاجئة سريعة كلمح البصر طبع قبلة على وجنتها وهرب يقفز فرحا بين الصخور ويرقص فوق الأعشاب . ارتعبت هي وأحمر وجهها  وهي تتابع حركته ثم ابتسمت كأن ألوانا حطت على وجهها لامعة وضمتها بشكل غريب حنونة ودمثة ، كأن نور حي برز من شفتيها حين حركتهما بخفوت :

-   أنه جرئ …

كانت وقفتها لا حد لها وهي متعجبة تسكب النور والسعادة ، لقد عرفت أنه يحبها وقالت في نفسها :

-   سألتقيه في الزريبة… 

فصارت تهيم فيه وهو يغازلها كلما جاءت إلى الزريبة لتحلب المعزة ، كان يلتقيها باستمرار لذلك صارت تأتي في وقت متأخر إلى الزريبة وهو يمسك يدها  ويقول :

-   يدك ناعمة …

كانت تجيب بلا تردد وبصوت فاتن :

- وأنت كذلك …

فكان يفكر بها  فقد شغفته حبا وعطر روحه بعينيها ، يفكر بها أثناء الليل أو النهار و أثناء سقوط المطر أو الثلج ، وقد استمرت هي ذاتها مهيبة  تنظر إليه باهتمام شديد وتمزقها الرغبة أن تراه وتتحرق إلى لقائه حيث يتلألأ الغيب بخفاء في عينيها ، تشعر بأوزار الزمن الفظيع الذي يرهق كاهلها بجلاء رحب  جليل ، وقد فتنت به ..  فتنت به عيناها الواسعتان الرائعتان كحلم أبدي أخرس ، وهي لم تبال بماذا سيحدث لها فهي دائما تنظر إليه وجها لوجه خفية مثل آهة مبهجة متذوقة الحب … 

ذات يوم دخلت مفرزتنا القرية وكانت القرية حزينة ونحن نبحث عما في عيون أهل القرية ، ذلك جدير حقا أن نعرف رغم الصمت الهائل فيها ، أنها نهايات 1982 فقد أنفضح أمرهما فقتلها زوجها وجاء إلى الأخ  الأكبر لئازاد وأخبره بالأمر ، فأما أن يقتل أخاه الصغير ئازاد أو تندلع حرب يبن العشيرتين فقام هذا وقتل ئازاد ، لم أتحمل روع القصة فطلبت من أحد البيشمركة أن يرافقني إلى المقبرة فوجدنا القبرين متقاربين يفصل بينهما حقل النرجس ، فقال صاحبي بصوت خافت :

-   لقد تأخرنا …

وهذا ما جعل أفراد المفرزة في غضب شديد وأن تجمع قيادة المفرزة أهل القرية في بيت المختار ولعنوا الثأر والقتل  فلم يتحدث أحد من أهل القرية وذهبوا إلى بيوتهم صامتين .

 

 

 

الأشجار تنزع أوراقها

 

ها قد حان وقت الخريف ! لقد كان الصيف خالدا وأكثر قدما ، والثمار فيه قد اكتملت بنضوجها ، البيشمركة تتذوق طعمها اللذيذ في قرن الخصوبة وقد حفظها الفلاح مجففة للخريف والصيف ، أجل انتهى همس الزهور التي تذبل الآن ، وتنحني نحو الأرض لتقبلها بسقوطها ، ويختفي عطرها في ارتجاف الهواء البارد بعفوية ، فكل شيء عندنا حقيقة مباشرة الزهور شاحبة ونائحة قد افتقدت عبيرها ، لقد فات زمانها بارتباط عجيب ملئ بالورود الذابلة أيضا ، كما لو أننا نفتش عن طبيعة الخريف .. أي خصائصه ومكوناته الرتيبة الطويلة ، والأرض فيها رائحة آتية من الطبيعة بفصولها التي تلوح لنا معروفة مملوءة حتى بالفيضان ، وهنا لابد من استعادة أنفسنا وتهيآتها بعد أن غادرنا الصيف وجها لوجه ، آملين من وراء ذلك أن نصل إلى الوحدة العميقة بين الفصول التي تكون طبيعية مباشرة …فالشجرة كأنها تحاول أن تندهش من ذاتها وتستدعي عفوية محيرة وتتظاهر بالاستسلام إلى أكثر النزوات مجانية لكي تضم ذاتها كشيء غير منتظر ، وبتعبير آخر كشجرة عرفناها تختلف عن ذاتها وتحس بالضجر ، هذه الشجرة التي تصنع لذاتها الأغصان وتنزع عنها الأحزان وهي تتفرد في تناسخ جديد فالكبرياء والسأم كلها واحدة تمر عليها الأعمار وتستسلم من دون أن تعرف حياتنا كبيشمركة ، أما نحن فنصغي إلى النداء الجبار : (الأشجار تنزع أوراقها ) ، دائما نصغي إلى قلوبنا ونردد : (السكون لا يمحي ظلم الدكتاتور) …الأشجار تمزق اللحاء في الخلاء أللا معروف لها وهي ثابتة متينة  تطهر ذاتها وتمحو كل ورقة  وكل ظلال وكل آثار مهشمة … الخريف فسيح حيث تحتفي الأشجار بظلالها  لتكون عارية ولا شئ يغطيها من البرد المنحدر من الوديان والجبال  والسفوح ، وهناك ثمة موت للأوراق  وللتمتمات واللهاث ، هذه البرهة لا وجه  لها ..فالأوراق تسقط في جهالة حيث نهاية المطاف تحشر في الأرض والمياه …

 

أنه المساء ..الطائر يهدهد تحت حلم  فاكهة منخورة تسقط في المياه نابشة ضجيجها ، وأخرى في تحالف مع الأوحال ، تباشير المطر تحضر بخفوت .. وصوت عذري هو صرخة الأشجار حين تنفض أوراقها مع دوامات المياه ، ثمة أزاهير تتحرك وتويجات وأفواه تتحرك لن تحيا إلى الأبد ولن يتوقف الذبول ولون النسائم  يحركها ، ينبغي لنا أن نحتمي بالغيوم والمطر بعد العمليات العسكرية .. فإرادتنا حرة ، تدعونا إلى عالم جديد فنقرر لوحدنا ارتباطنا مع الطبيعة ، أشياء كثيرة تتغير ... الثمار الناضجة الذابلة الشاحبة التي لم يتم قطفها تسقط على الأرض متدثرة بالصمت دون أمل مجهول ، والأشجار كأنما تنزع عنها الحمولات من جرح جاف وذكريات أليمة ، فإذا هبت الريح تصدر رنينا كئيبا وطويلا وصدى أليم ، والأغصان تضرب بعضها  .. إذا كانت الرياح عاتية تقلع أشجار الجوز من جذورها ، وكم تضررت القرى بهذه الرياح الرهيبة كشبح ينفخ ويلهث بعينين ملتهبتين يحملق ويصفر متحديا الإنسان ، كنا كبيشمركة نقف متأسفين على ما فعلته الرياح بأشجار الجوز ، آه ..  كيف تتساقط الأشجار ذات الوجه الأخضر والوشاح الجميل !

    انقضت في الصيف أحزان.. كان من الصعب  احتمال قسوتها أحزان في الصميم  ... تغيرت وتغير الكيان وهي  تندرج في كياننا مرعبة فتحملناها بثقة عالية حيث دخلت أعماقنا كشيء جديد ، في تلك اللحظة لم تصمت أحاسيسنا فسالت الدموع من عيوننا ، وقد خيم سكون متردد خجول …وكنت أنت أيتها الشجرة الكبرى في ذلك المنحدر من الوادي يستوي فيك الصمت والسكون لحظة توتر تشعرين بالعجز عن الحركة ، يا للغرابة ! لم يكن الحزن عابرا فقد ننفذ بالدم ، ونحن نودع الشهيد ، ونودع الصيف ، فكنا هادئون صابرين ، قدرنا أن نبقى أحياء امتلئ في صدورنا الحب للشجرة الكبرى …

في الخريف نمضي مع الغيوم .. سماء شاحبة .. والمياه تكتسح كل شئ أمامنا ..الأشجار تضجر وتحت أوراقها الصفر ثمار يائسة باقية ،ونخوض طريق الوحل ، بينما تطلع الشمس كئيبة مائة مرة ونحن نسير فوق أزهار برية ذابلة ونباتات طرية ، نسرع الخطى ونحن نبحث في الفجر.. لكن الفجر لم يطلع ، نتشوق إلى إطلالته الواثقة .. الضباب الشاحب ما أرقه مع الندى حيث تنوح الأحلام بنسمة عذبة تخللت أشجار اللوز .. شجرة التين .. شجرة البلوط الكبرى  وقد شاخت  وكثرت التجاعيد على وجهها ، تمر الغيوم فوق رؤوسنا والطيور في أجوائها ترقص ببطء وأخرى مهاجرة ، الشجرة الكبرى تطلب صمتا وسكونا ، وحينما تهب ريح ضعيفة  أو نفحة قاسية جافة من النوع الذي لا تعلن عن ذاتها في رقصة أشعة الشمس ، لذلك لم يثير حفيف الروح امتعاضا .

منذ ذلك اليوم والغابة يكللها الاخضرار .. أشجار دائمة الخضرة ، الشمس شاحبة .. ناحلة وهي تكشف عن عظمة الغابة ، ثمة فتنة اكبر ، .. إذ الأوراق تبعثرت على الأرض في احتضار الطبيعة أمام الخريف  والزهرة العطرة تودع الحياة والنسيم العليل ، وضربات الطبر ترن في كل صباح ليسقطها الفلاح لغرض التدفئة ، والطبخ ، والأرض تتشرب بالمطر بلذة ونعومة وتمهل ، فقد تكدرت السماء ورائحة الأرض الندية  وحدها تتألق ، كأن السماء تنخفض أكثر فأكثر وهي ملبدة بالغيوم ، هذا لا يلغي وجود ورقة عريضة على غصن تنحني مثقلة بالمطر حين يهسهسها  النسيم ، ويلوي تلوناتها وما تلبث أن تنهار لتندرج في ركام الأوراق المهشمة ، وأنت أيتها الشجرة الكبرى لا زلت تعيشين منذ قرون .

 

 

 

الحب أقوى من الموت

 

يزداد صفير العاصفة الثلجية المنبعث من دوامات الزوبعة وهي تنبش بضجتها حيث يموت الصمت ، كل شيء يتهدهد في الفراغ من دون هذا العالم فرقعة وهدير وصدى أصوات  والسماء تنخفض أكثر فأكثر ، كانت الأشجار الأكثر انتصابا تتأرجح وتنحني إلى الأسفل وهي مثقلة بالثلج حيث يلوي أغصانها فتتحطم وتنهار وكأنها ركامات قشرة الثلج ، ونحن نحاول أن نعيد الشعور إلى ذاتنا وجها لوجه أمام الزوبعة  ، رأينا أنفسنا كأناس آخرين في ضجر نقي وانعكاس وجداني ، تبدو أشكالنا غريبة عجيبة ، أشكال عادية وقعت في زوبعة آناء الليل  في الزمن غير الدقيق و المكان غير الدقيق ، هذا هو التوتر ..  يكون كل شيء واضحا و ممكنا ، ساد صمت في أعماقنا غرابة وفضولا ، وصلنا القرية وقبل أن نطرق الباب نفضنا عن اجسادنا الثلج ثم فتحت الباب ، لون الحداد يظهر منه حيث امرأة في ريعان الشباب متلفعة بالسواد ،  لقد رأينا شيئا يختلف عن ظلالنا يخب أمامنا ويلاقينا ، أوغلنا في الليل واستغرقنا في التأمل واستعراض المتلفعة بالسواد ، ضننا أن الأمر لم يعد شيء عاديا ، وساد الظلام خلف بنات أفكارنا في خدر حزين ترتعش أجسادنا من البرد بهدوء ، و الظلمة الكثيفة تنفض صفحاتها وتنطلق في العاصفة المضطربة ،  نعلم أن الصمت وحده عظيم ونحن متعبون جدا فنفتش عن مكان ، أي عناء هذا الذي يلقي بنا ؟  يخترق السنين بضراوة ، نحن بحاجة إلى الراحة .. ليس من قبيل الصدفة أن يحل الضباب ، وما تبقى من شئ أن ندخل البيت المشيد من حجر وطين وجذوع ، فنجد البهجة ليست بالحزن حيث فتحت الباب بصفاء مرئي وخرج رجل عجوز يداعب لحيته التي خطها البياض ، دخلنا ، ووقفنا قرب المدفأة  لنطرد البرد عن أجسادنا ، ظل الفانوس والضوء تختلط فيهما الأسرار والرجل أيضا يغط في حزن عظيم يتذكر معظم الأيام  التي مرت بها حركة البيشمركة ، فجأة رغبت المرأة بالبكاء ليس من أجلنا ... أنه أعمق من ذلك .. فيصعد من عينيها كالرعب  دون أن يخصنا ، أنها محاصرة لا تستطيع أن تفلت منه  وكدنا نصرخ مدركين أن هذا لا يعنينا ، ويعود الهدوء إلى نفسها ، كانت خجولة أن تردد : أن قلبها يرتعد بقدومنا أنها حزينة جدا ! في هذه اللحظات التي تعيد إليها الذكريات المدفونة في قلبها ، ورويدا رويدا تدفئنا وجلسنا على سجادة أرضية ، وبدأت الطمأنينة تدب بداخلنا ، كان الحزن قد روعنا وامتلأنا بمخاوف لم نحسها من قبل ، ثوب الظلام عميقا أسود غافيا على جسدها كنا نتخوف ونتوجس من الصمت ، لم نجرأ أن نتعرف على المحنة التي يمر بها هذا البيت فلذنا بالصمت ، والصمت لا يقبل انكساره حيث الصدى يتمتم : دعوا قلبي هادئا ! يحيل وهمنا البائس أن نتراجع ونطلب أن نتوزع في بيت آخر بأدب عابس رصين ، إلا أن الشهيد أبو علي النجار ألح علي بالبقاء من خلال نظراته فاقتربنا من المدفأة يحيل وهمنا الشبح السحيق ولا نلفظ بكلمة كما لو أننا نهذي في أعماقنا ، وهكذا بالكاد قلنا :  ( غدا ستتركنا العاصفة ) فمسك العجوز لحيته المجرب في مثل هذه الأحوال ، وقال : أجل …وأشار بيده إلى المرأة  وقال : ( إن زوجها مات في العاصفة ) هكذا أدركنا سبب الحزن ، وانقطع السكون بتلك الكلمات الرصينة بينما لا زالت الزوبعة تعوي في الخارج وتعصف في الفناء والثلج الجاف يضرب الباب من حين إلى حين ، وقد أخذتنا الدهشة من قدرة المرأة ذات الخطوات السريعة أن تدخل وتخرج من أجل اعداد الطعام ، كانت بشال أسود مغطى بالثلج وعيناها تهيمان إلى البعد وتطلق تأوهات خفيفة ، كان الجو شيئا مريرا وقاسيا وهي كانت تأتي بالحطب إلى المدفأة فنرى موضع يديها الباردتين ، زفرت زفرة متقطعة وأطرقت برأسها فوقعت خصلات شعرها الأسود على جبينها ، وبدأت تتحدث معنا .. كان صوتها خافتا ، فجأة انجرفت الدموع من عينيها بقوة مذهلة وملأت الغرفة تشنجات لهوفة ، ونحن نواجه دموعها البائسة الجموحة وأخيرا قالت بصوت متكسر : ( أنا أحبه ) أفرغت عند ذلك السكون بتلك الكلمات من دون شك ، ثم خرجت وعادت بصينية الأكل وهي تحاول أن تكون ما تدخره من البقية الباقية من صلابتها فلازمنا الحزن والمراثي ، لا شئ سوى الحلم  .. هذا كل ما نرى ، عندئذ عرفنا البكاء في مواجهة الموت ، وهي مازالت تتشنج ولكن بدموع ، تلقي نفسها وحيدة مع كل ما على الأرض من مجهول ، وهي في الوحشة  لأجل الليل الجلي بائسة لأن الموت لم يعد له مخرج بلا تحجب .. بلا تكتم  ، ونحن نقدر دموعها ، مثل كل شخص آخر معتزم على مقاومة الدكتاتورية  ولن نتوقف رغم التضحيات ، كان صوتها يهدأ مع الكلمات وهي تحتاج إلى الشجاعة كي تبح عليها ما تكون أن تكون في حلمها الطبيعي اللانهائي في سقوط الدكتاتورية ، ستتلقى البهجة التلقائية وتكشف عن الروح الإنسانية ، تقتلع الوقت  وترقص لها ألف نجمة …لقد حان الوقت لنذهب إلى المسجد وننام هناك  فأخذنا أفرشتنا وجلسنا سوية مع الشهيد أبو علي النجار ولا ندري أي ظلال يوم أبيض يطل عليها يقابل عينيها ، شيء خارج الذاكرة ، ثم رحنا نتحدث عن يومنا القادم وقد جرى الاتفاق في المفرزة على إصدار مجلة يحررها أبو طالب  وتسمى ( التكوين ).

 

 

الحرية في كردستان

 

حين تغفو إشعاعات النجوم ببطء شديد وفارس النور في حلمه الشاسع تستيقظ الزهور لتفر من رقة نومها ، فيهدهدها نسيم الليل من أعالي الجبال ، فتترنم بأناشيد بعيدة تحدثها عن الحرية وسحر الغناء ، وثمة زهرة بين تلك الزهور منعزلة جميلة وشاحبة .. تظفر أوراقها الحالمة تخبئ قبلة في تاجها ، تترقرق الدموع في عينيها الصافية ، تكسر توازن الزمن  وهي تسمع حشرجة وأنين الأزهار التي تحيطها ، إنها تنهدات في الليالي تناجي قلبها الأكثر روعة ووداعة ، وهناك نجوم غريبة في السماء تفيق لعظمة هذا الحقل ، رحيب و مدلل بين ما هو علوي وسفلي ، ترتضي الزهرة من انبلاج يتهادى بالنور تغرقها المياه إلى وسط ساقها ، حتى الدموع المتساقطة من العيون هي كدفقة للحرية كل شئ يتسامى في مطاوي البعد ، وانطلاقة التكوين الأبدي في سريرها الطري ، عند طيف الحرية الذي يتلوى بالزخارف ويعقد ضفيرتها وقد أشعلت جموح ذاتها لتكون خلافا لما مضى من عهد الدكتاتورية ، فتقترب منها الأزهار حينما يداعبها النسيم العليل  وتعانقها بألوانها وتصبغ أوراقها بلون وردي أبيض ، وتناديها هلمي بنا إلى الحرية في كردستان !

   وأن الصباح يجثو أمامها عفويا : يا للحرية ..  يا لحلمك الصامت ! وأنه يغدق بالنبل فيميز نجمة الصباح أمام خيالها الواسع  وسواد عيونها تجذبها نسمة الصباح المدهشة  فتنهض في التماس الزهور الباقية ، فقد سقط رعب الدكتاتور لأكثر من ألف عام  وقد استيقظت الأحلام معها وظلت حياتها منذورة لعشق الحرية والجمال ، بعد أن جعلتها النجمة تحمر خجلا وتشبثت جذورها بالأرض التي أحبتها ، فتغير لونها الشاحب إلى براق تقضي فيه عهدا للعطاء المصفى فوق كمالها ، لقد نبتت طبيعية بلا بذار بحفيف هادئ  .. خضراء الساق .. بيضاء الجذور  هذه نجمة الصباح فوق وجهها كأن السلام الرائع يتخلل الطبيعة وينهمر سلطان المطر الصافي  فتغيب نجمة الصباح كما لو كانت حارستها من السكون والكدر ، والآن لا حاجة لمن يحرسها أوراقها تهتز ، فقط يسيح  همسها في  أرجاء العالم  حياة هادئة عذبة ، تعطي كل شئ من تلقاء هذا الزمن  العطاء برائحتها وبصوتها المرن المجنح  المصفى ، تكثر التمهل في المطر  فان الأعشاب تحجبها بالرعشات والخرير ، ويغدو طالعها أشبه بالربيع المهيب  داعيا طلاسمها بالظهور  فالنقاء يرشح قطرات من المطر ، وتغلفها الزهور بنفحات من عطورها برفرفة أوراقها وآفاقها الرحبة الناعمة،والأزهار مورقات تتندى بأعوام جديدة .

أما العاصفة السوداء من دول الجوار تضغط عليها بمخالبها  تفكك نعومتها وهدهدتها وقلبها وسر خوفها ، وهي تغطي تاجها بأوراق بأكثر من حنان فتسقط النجوم متلألئة تنحني وتنزع الظل عنها ، فتفر عيونها حيث أوراق الزهور و ضياء النجوم حتى آخر نجمة ، فيما فمها يلفظ اسمك : كردستان ! فتضئ الليالي بالوقت وتعاقب السنين ، سماء عالية منتظرة .. رحيل الوقت نحو ظلاله بالتفاصيل المتعبة المليئة بالحميمة تحت سماء مندهشة ، تهيأت لتحيى حتى عندما تكون الغمامات فوقها  تبرق همسا بصوت عذب: دعيني بين الزهور الناصعة أرتشف الندى ! دموع عيوني في البهاء تتجلى ...  كم الأرض حزينة حين تدق القنابل ! كانت تراها تجري إلى السواقي والدخان يتصاعد عاليا وحسها يمتزج بالأعشاب من تحت قطرات الندى الرقيقة ، يتسلط عليها انفجار حارق وضبابي تتزاحم فيه الألوان السوداء فتستجيب لها الأرض  وتتغمدها بروحها ، أن عيونك حزينة .. لا أحد .. ولا حتى العاصفة السوداء لها مثل ساقها الصغير ، شئ خارج التاريخ ..  متحررة من الظلم بالرغبة  والزمن والذاكرة  …  

الزهرة منذ مولدها عروس مجللة بالألوان والعطور ، وعندما يهبط الليل وتنتهي العاصفة السوداء الشاحبة في العتمة ، لتعوم كذاكرة ، تحل لغة التعقد ، الروح المضطربة ، اضطرام المياه ، الاجتياح الغامض حيث تخرج من الأرض ، تريد أن تكون الكلمة تعبر بين الصخور ، أن تشرب من النبع الصافي ، من انتشار الظل ، وأنها ستعيش إلى الأبد مثلما كافح  البيشمركة وحصد الحرية في كردستان .

الزنبقة البيضاء

 

في البدء أردت أن لا أفكر بالزنبقة البيضاء التي تتوسط الحشائش والنباتات ملونة والزهور  في بركة نتجت عن ينبوع ماء صاف ، هكذا ما كنت أفعله حتى عندما أكون قرب البركة وارتشف الماء بيدي من الينبوع ، أرى ألوانا  وأسمع أصواتا ليست فقط خرير الماء  بل عصفور يغني على شجرة جوز المليء بها وادي ( ميراني ) ، فاستسلم من دون إرادتي إلى هذه الدهشة كما لو أني أهمس مع الزنبقة ، وإن ساقها الطويل مندفع إلى أعلى فارش تاجها على سطح الماء ، والشمس تبزغ ساطعة من خلال أغصان الأشجار ، ما زالت عيناي تنظران إلى الزنبقة حيث أرى لونا جديدا وربما هناك نوع من المبالغة في نظري لعدة ألوان ، هنا يحيى عشرات البيشمركة في المقر  فصرت بأحلام قليلة وهيام كثير في هذه الزنبقة  وكأني لم أشبع من التطلع إليها ، رحت أمعن النظر وفجأة صرت أفكر بأيامي الطويلة  والقصيرة ، من يحيى أكثر ..  ومن يحيى أقل ؟  فجأة رأيت ظلها على سطح الماء غريبة عجيبة شكلها عادي كامل  وكأنها تهمس معي لتصنع شخصيتها وبداية خصوصيتها وتقويها نزعة حفظ الذات ، حيث تقف قبالتي ككيان مستقل تماما ومكافئة كل ما يحيط بها وكل ما يوجد خارج ذاتها ومطالبة بحقها في الوجود مواصلة اعترافها إنها أجمل ما يوجد في البركة وإنها تعيش عشرة أعمار ، إذ يداعبها النسيم  ويدغدغ أوراقها والعطر يحيطها من الزهور والحشائش فيجعلها ترتعش في نشوتها ، لم أستطع أن أتقدم إليها وأمسك ساقها الرقيق ليتفتح صمتها وتتألق بابتسامتها ، ثم انها في سكون الليل الهادئ لها عالم آخر فهي مثل النجمة في البركة جالسة في منزلها ولا تتخلى عن ملاذها في مأوى قديم في الجديد ، هي نفسها إذ تقيم في زمن البيشمركة الذي تقوده قدماه إلى أمكنة مجهولة ، فهي وحدها رفيقة الينبوع وترتبط بع بالبهجة وبين الأشياء غير المألوفة ، فهي لم تبد غريبة ولم تغلق تاجها الزاهي ، وكان بودي أن لا تلف نفسها بقناع أسود  بل لامعة مثل النجمة تكسر الصمت من حين إلى آخر ، وأحيانا ينفد صبري لصمتها حينما يمتد الليل ساكنا وتسري النجوم إثر القمر .

   ألوذ بالصمت عند الصباح فأفيق على حفيف أوراق الشجر واتبع الخرير الذي يشير إلي من برجه الأرضي ، إذ نضح حصاد الحلم الذي يقع تحت السماء ، ووقع الصمت كما يقع صمت لون القمر الفضي على الزنبقة ، والنسيم يغير اتجاهه في كل لحظة ، وقد يمضي النهار بالرياح  فتسقط ابتسامتها على الحشائش أو قد تغير اتجاهها الريح فتتأوه لدورة الحياة والحلم  ، في جهة ما في النهار كانت تقيدني بجمالها وكنت أطلب منها أن تعتقني  من هذا التعلق ، وهمسها يقترن بالزهور ، يا شغف النهار الذي لا ينتهي تنشدين أنت أيتها الزنبقة البيضاء الضرورة بطبيعتها ، مهما كان تعلقي بك ولا ترددين : : أنا لم أكن نفسي " كانت الشمس تنشر إشعتها على البركة وقد أقبل العصفور المغرد  وحلق قربك واستراح على حواف الحشائش مستقرا قربها ، ثم لم يلبث أن يغني ويتطلع إليك ، ثم راح يقبض بقدميه الرقيقتين تاجك  ويرفرف بجناحيه ، ربما لم تفهمي لغته فقد أخذ نصيبه من الراحة لأنه يغني ، وطار مبلول الجناحين مع القدر …

   أغمضت عيني محاولا تكسير الإيقاع المتصاعد من البركة لأغوص في قرار الحلم الذي انقطع سياقه قبل لحظات ، لقد نفد صبري والزنبقة البيضاء لمعرفة أصلك  وفصلك ، وأنت راقدة  ..متعالية .. مليئة بأصوات الماضي ، بتمتمة حشائش وتنهدات زهور كلها أشواق ملحة ، لم تنكشف كينونتها سوى اقتراب وملامسة واحتراق داخلي ، لقاء في الضباب و قضم الأصوات والشوق ، لمعة إضاءات  كلها تجلجل وتتعثر عند البركة ،  والبركة لامعة لطيفة ، ما تبقى شئ هو خرير الماء والمطر المتساقط طوال الليل وأنت في هدوء أهي اللحظة الراهنة تجعلك تنزعين أوراقك غير مرئية بخلط الأسرار … البيشمركة يقاوم جيش الدكتاتور وقنابله تتساقط على منزلك في كانون الثاني عام 1987على صفير الرياح ونغمات ترعى الغيوم  اختفى اليوم الفائت ، وولدتي للانتظار الطويل فوق موجة السكون الليلي…                                     

الظلمة

 

كنت أنظر إلى الخارج من خلال نافذتي المفتوحة في شقتي المعلقة مثل كهف في الطابق الثاني ، فلم أر سوى الظلمة السوداوية ، أني ما كنت أستطيع رؤيته سوى الظلام .. ما هذا ؟ أمر يدهشني   وأنا أصيخ السمع إلى فوضى اهتزاز الأشجار إثر ريح هبت قوية ، وتساقط زخات المطر  وأنا أروي سيرتي لنفسي من خلال الظلام في الخارج ، أين تكون الكلمة في أرض الغربة ؟  فالزمن الصحيح مهجور والمكان الصحيح مهجور أيضا ، وتخلق العينان الذكريات   وتنبثق منهما دفقات من الماضي ، في مكان الوحدة والعزلة  وفي حفنة تراب كنت أرى   تصوفا غامضا وغاضبا   يأسا وحزنا ، وأنا أرسل تنهدات قصيرة  مبهورة مكسورة تكاد تكون متلاشية وميتة ، تتحدث إلي بالفكر وبالحلم فكله حلم في حلم ، وكنت أحكي مع نفسي عما أعرفه عن البيشمركة ، وأغسل آهاتي على عتبات الروح ، وهو شيء من هوسي : ( السواد يعم العالم الخارجي ) وأنا أتمتم بقصة حلمي القديم حقا والجديد حقا ، الذي فتح لي أبواب الحرية والبشرية  وهدم النفس  والعقدة الذائقة المشغولة بها ، والحقيقة الأقسى  تلك هي التي تحملها روحي ، لحظات عدمية  موهومة  ،  فلم يبق أمامي سوى الصمت ..صمت أبح وطويل جدا ، صمت يرمق الموت على الأقل ..الموت الذي لا نريد ، هل سأفهم السؤال ؟ لا أعرف إلى أين سأصل وليس هنا ثمة موت في كهفي.. الكهف الذي انصب انتباهي إليه ، طويل أظلم وما أطول الخروج منه ! الليلة تؤلمني وما أعظم طعم الموت ! بدأت الدموع تسيل من عيني بلا هدف  وهي رتيبة ومن المستحيل إيقافها  لأنها تفصلني عن الموت كم ارتعبت من الحلم في كهف ! يدخل ويخرج منه البيشمركة ، و أقول بيني وبين نفسي : ها أنا كنت بيشمركة ، حيث كان الموت يراودني من كل جانب وتلك كانت علامة مجدي ، الآن أستطيع أن أحلم بهدوء   لكني لا أشعر بالارتياح هنا ، فأنا الوحيد من يعرف ذلك ، فتزعجني الظلمة  وانغمس بالحلم ، ناهيك أني أشعر بالفرح في حلمي ، إذ لم يبق أمامي غير الأحلام التي توحي بخواطر حزينة ... وأن أتبع الأمل الذي ربما  يبعث في الظلمة ، يلاحقني الحلم بخلود الروح .. آه لو أجريت وصفا لعذابي ! ما انتهيت من وجوه البيشمركة الذي يضفي السحر عليها ، نشيد عميق هي الدموع .. نشيد عذب ، وعينان مرتجفتان ، وكم هي خجولة الدموع ، لكن هناك سحر حقيقي ومغامرة كئيبة تسألني بلغة صامتة : ذكريات السنوات القديمة وأنا أتفادى الدخول بسرعة إلى الكهف ، فانزلق ذهني بعد لحظة واحدة إلى الكهف ، ومنذ تلك اللحظة التعيسة  لا يتركني أبدا ولم يترك لي الطمأنينة في العودة إلى فراشي عند منتصف الليل ، وأغمض عيني ممسكا بيدي كتابا من غابر الأزمان  ورحت أصنع حشدا من الأحلام عن طقس الذات تحت ضوء شاحب ، بنزوة بيشمركة كنت أتأمل وأنظر من خلال النافذة إلى الظلمة برقة هذه المرة وأضع الكتاب على طاولة الكتابة ، ظننت أن الفتنة الظاهرة على وجوه البيشمركة التي تخلع قناعا بعد قناع هي فتنتي وتعلقي بظلمة الكهف الذي كنا ننطلق منه لتنفيذ العمليات العسكرية ضد الدكتاتورية في الظلمة ، فرقدت باسترخاء بعد أن اكتشفت سحر الحقيقة  ووجهي شاحب وعيناي لم تتسعا إلا للظلمة ، حتى ظللت أقول بفتور : ( إنها تتناسب معي ) ، أجل بالأخص تتناسب مع الذهن البشري الذي يرجع إلى تناسل الصور الخيالية التي تحدثها الظلمة  وانعكاسها على تفكيري  وتناغمها مع غرفتي ، نهضت وأطفأت الضوء  حيث كنت أريده ان يأتيني من خارج نافذتي ، فقد كنت أبحث عن ظلي في العالم الخارجي فأغلقت نافذتي فعشت في ظلام دامس أتحسس طريقي إلى فراشي وقلت بصوت أجش : ( الآن لست بيشمركة .. بل كنت بيشمركة ) حاولت أن أغمض عيني في اليأس والشك  والضجر وأنا أتقلب في فراشي غارقا في التعقيد الذي ينتابني ، أريد أن أحلم دون تشوش في الظلمة  .. لذلك أيتها الظلمة اللعينة أنني أبحث عن الحلم  وأنت ضممتيني في جبروتك  أنت تشبهين الكهوف التي نرتادها ، أنني أضطجع الآن عند تمثالك أن تتركيني بكل كياني أن أحلم   وأنام  في الفتنة اللامتناهية التي تقع في نظري ، الإنسان عنيد يود أن يعاني   ويتنهد  في كل الطموحات البشرية التي ناضل من أجلها  وأغرقها في جو الأحلام الكبرى ، وتحرير كردستان  حلم  يهدهدني لأنام وأحلم أن كردستان تحررت من الدكتاتورية ، وأنا أستحم في حشد من الأحلام في الظلمة لم أضع قناعا على وجهي خوفا من الحياة أو الموت بل شعرت بالنشوة في الحياة ، هذا هو حلمي بالضبط عبر الطرف الصغير أو الكبير  يكسوه البهاء كي أقتحم الظلمة بمغامرة ، بلغة الصمت مغو وجميل تاركا في الظلمة حزنا مضطرما  وغائما ، وهذا ما كان في هذه الليلة أكثر إثارة بالنسبة لي ان أحلم في ذات الوقت بتراخ وارهاق وجاذبية أكثر عمقا ، فتعجبت لهذا النموذج المثالي الذي اكتشفته في الظلمة ، تحررت كردستان وهو ما كان طموحنا  في الكهوف وهذه سعادتنا  المضيئة في الظلمة ، أعترف بشجاعة كنا لا يمكننا أن ننعم بالتحرير من الدكتاتورية دون وجودنا في الظلمة .

 

 

 

العمادية

 

إنها مذهلة الحياة و تشع بالضوء والظلام وكل ما يلتهم ليلي العميق من صمت ، ليلة من ليالي اليأس والحزن ..عاصفة وباردة وموحشة .. أجتر الحزن فيها .. وأبحث عن شئ في الذاكرة ، بدا لي غريبا أن أحتك بالماضي وأتشوق إليه  وأتعلق به بانتباه ، وسرعان ما انحدرت إليه   مهتديا لينسيني كل أهوال الحياة التي عرفتها ، وأتنسم غبطة كئيبة   مسحورة  أكابدها لوحدي ، وما أنفك أفكر .. ولكن بماذا أفكر ؟  وأنا أهاجر إلى تلك السنوات وأعود  إلى مساكن المناضلين  والشلالات الرقراقة  والمياه الرخيمة   الموسومة بجمال أخاذ ،  أتذكر تلك الوجوه التي وهبتني ودا أخويا   ولده التآلف المعاش  وأنا أحدد نظراتهم  الودودة غير العادية ، وجوه تتلألأ في خضم الصراع مع الدكتاتورية ، بماذا أفكر وكأني في انفجار الضياء ؟ وضوء السقف يصب ضيائه نحوي  فأنبعث في التفكير بسطوته وقسوته الرهيبة ،  وعيناي تنتزعان  المصباح من ضوئه ، لا أريد أن أكون فريسته  ويدفعني في عمق الليل إلى الغموض  والانهزام  والعصيان ، بالأحرى كنت أستنشق أيام الكفاح المسلح والمفرزة التي ناضلت مع أفرادها  ، فكان وجهي مقلقا كما لو أرى المستحيل يترقرق في الضوء و يأتيني  الحلم أن أفكر   ، حلم رائع لوجوه المفرزة .  إذ تلهمني الرغبة في قهر الزمن   وتمزيقه فتعطيني أملا ما ، فنزل ، أنني أحببت أهل العمادية بصخب أو بصمت وها أنا أبسط تفكيري بهم   واعيش بذكراهم  واشتاق إليهم ، يعجبني هذا التفكير برقة حانية ، فأنشر ألوان قوس قزح على وجوههم ، أنني في بالغ الغرابة  بمثل هذا الوقت  .. وأنا أفكر بهم   وأضم ابتساماتهم إلى صدري ، كأنما الضوء يقول لي : ملئت الغرفة اتساعا   وفرحا …أجل سأحبهم مثلما أحببتهم في الصمت  في الليل أو النهار ، كما أحببت الزهور البرية  وعطورها الزكية  والماء النقي الصافي ، لم يسقط الزمن الذي حفر بأظافره ذلك الانسجام المضيء لتلك الوجوه ، ولم يبدل عذوبة الألفة ، ولم ينزع السحر الغامض الأبدي للمنطقة ، ولطفهم البالغ  وتوهجهم الرائع ، لذلك كنت خاضعا لذاكرتي : طلعت الشمس بعناء كبير وهي حزينة  وكئيبة فوق العمادية التي تشبه قلعة في قبة السماء حيث تشرف منذ قرون سحيقة لا تحصى على حوض هائل واسع من الأرض المتموجة ، إذ الجبال والتلول والوديان  والقرى ، فيقابلها من الأمام جبل متين شاهق مطهر بالغيوم   ومن خلفها جبل كارة الشاهق في علوه هو الآخر أيضا ، وكنا نتساءل : متى نرى ساحة العمادية   وأزقتها   وشارعها الرئيسي  الممتلئ بالدكاكين ، وكنا نهمهم كلما أصبحنا أسفلها فهي معلقة فوق رؤوسنا  ..  وعلى جانبها الأيسر واد غني  ونهر متعرج متلألأ بالمياه طول الوقت   وعلى جانبيه أرض رائعة مبهرة تضوع بالخضرة  والروائح منعشة من الأزهار والفواكه  والخضروات  وقد استحال النهر إلى خرير يصطدم بالصخور …

كانت مفرزتنا تسمى مفرزة العمادية  وأغلب افرادها من أهل العمادية نفسها ، فكنت سعيدا معهم ، فقد امتازوا بالطيبة والشجاعة ، وأعطت المفرزة كوكبة من الشهداء  وهم في زهرة شبابهم ، ومرافقة أفراد المفرزة تنسينا صعوبة النضال المسلح ، وأني لأرقد فخورا بأنني عشت معهم  وقاسيت آلام البيشمركة ، هي الحقيقة  أقصها لنفسي   وأشعر بكياني  وتساعدني على الحياة ، فكم مضت سنوات  وأنا لم التق أهل العمادية ! فأغوص أعمق في ذاتي متواصلا بكثافة مع مدينة العمادية ، بأسرارها  وملكتها  ورغبتها التي تتيح الحضور  المميز لمكانتها ، كما كان الجمال يتجاوز الانبهار ، أتذكر أنها تصب مضيئة من الغرابة التي شيدتها الطبيعة  وهذا ما يكسبها الخلود ، فأنا أخشى غيابها   والضياع من تفكيري ، مواجهة مطلوبة  بيني وبين الضوء ، وكنت مرغما أن أفكر بها   لتوكيد تفوقها   وعلوها في شفق السماء ، كانت تتقلب في ذاكرتي بين الحب والشقاء  ، تمايز  واختلاف ، هي الأدهش ، وهي المتعطشة للحرية في زمن الدكتاتورية ، برحيق عظمة الحرية التي حققتها المدينة ، وقد أودعنا محبتنا لها  إيماننا يجعلني أحلم في ذات الوقت  لكن بصورة مختلفة  بأفراد المفرزة   والعمادية ، الآن أحدق بعينين جامدتين إلى ضوء المصباح والألوان تشحب في عيني  ويداي ترتجفان  لأني أريد النوم ، وما هو إلا رجع الصدى لتلك السنين المخزونة في ذاكرتي ، أتذكر بشوق  وحنان  تلك الذكريات  التي جعلتني ألهو مع الضوء   وأتحدث إليه بصمت  لأجد الضياء أكثر بكثير من الظلمة

 

 

اللقاء

 

كنا نحن البيشمركة نذود عن الألفة المعاشة بيننا بقدر ما نستطيع ونحتفظ بها في المآقي ، فهي تترقرق في عيوننا الصافية ، عظيمة هي الألفة تتألق بشوق نحو امتصاص الحزن مثل نجوم غريبة لا مفر من رؤيتها ، فأي صفاء  رحب كان  يجمعنا ؟ ونتهادى في البعيد الزمني غارقين في مطاوي السنين وهذه الدفقة من المودة كنور تتسامى  تعدو في أيام أبدية عند الأطياف وتتوقد دون عتاب ، هدهدات الألفة كملامسة ناعمة  دون نفاذ صبر  يدنو في ارتخاء أو ثقل جاثم مع الوقت ، فتطوينا الليالي  في مداها وهي ترنو إلى مداعبة قوانا الذاتية  في مخاطر تزخر بالموت و نشعلها خلافا للأنا وهي محجوبة ببراقع فوق ينبوع الربيع المهيب ، كان طلسمها الألفة المعاشة بنقاء كأنها ترشح مطرا من أوراق الربيع الغاوية فيروح الحنان يمثلنا  وفي مهجة غلفتها البراعم المثقلات بالألفة وأفاق رحبة  تتندى وتزهو خضراء .

    كان المطر يتساقط طوال الليل فوق الأشجار ونحن نستمع لزخاته  وقد اعتكفنا في كهف حل بداخله هدوء  لا مثيل له ، وقد أشعلنا النار ورحنا نتدفأ بها التي تتوقد بخشب البلوط  والذي سرعان ما تحول إلى جمر والدخان المتصاعد يلفنا ، وكنا نأمل في أن  ينقطع تساقط المطر إلا أن الخرير لم ينقطع فكانت مناسبة للراحة  والضجر معا ، حيث ظل ضوء النار الخافت يخلط الأسرار إذ كانت توحدنا الأحاسيس  والمشاعر وكلمات مختارة وحضور واضح وزهو وأغنية راح ينشدها أحد البيشمركة وكأن نجمة تهمس إليه ، فازداد الصمت ربما  أحرق ثقل الكلام هذا السحر في الغناء والمطر والضباب ، وكل ذلك يمتحن دفئا جديدا ، هكذا كانت حقيقتنا .. نهوى الحرية وحب الناس وتلمع في رؤوسنا كلمة الكفاح من أجل عالم العدالة والإنسانية ، وكأن المغني يصرخ صرخة صمت السنين في زمن حديث ، صوت  وخوف من الفشل الذي دارت حوله الأحاديث سنتحمل ثقله ونواصل المسيرة ، أفكار تجول حول العالم وتجد طريقها في النقاش الذي يجول هو الآخر في سياستنا ، وقد نجم عن ذلك وجهات نظر متعددة  ترافقها تمتمات حسب زعم الواحد منا ان مبدأه يقود إلى عرش الكلمات بصرامة عندما تلتقي بضياء أخر ، كانت النار تستعر والصمت والليل مشدودان إلى قلوبنا يجففان كل حلم غريب ، أفكارنا المقفلة تفتحت في زمن عواطفنا الأليفة ، وكتلة السماء الكثيفة بالغيوم تشترك بالارتجاف وتحدث صوت المغني نفسه منهمرا في سلطان الليل ،ونسوح في أرجاء العالم حيث كل الشعوب تعيش بأمان و حياة عذبة هائلة وتحرر من الدكتاتورية ، لا يغتصبها جندي ولا يجرحها شرطي أمن ، ثمة طريق آخر ، فإن انتصرنا سنلتقي عند الجندي المجهول سابقا في كل يوم الأول من الشهر  وفي الساعة الواحدة ظهرا نقطف الزمن  والمسافة عن بغداد .

    كانت خارج الكهف نسائم رطبة تصير ريحا وهي لا تعرف عن الكهف شيئا ، مظاهر حقيقية وتعاويذ ليلية والأشجار تهتز بالريح ، تفتح فكري وترقبه ونصغي إليه ، كان العقل الكوني يلقي على الدوام أفكاره بشكل طبيعي ونحن موغلين في الحلم الكبير " النصر " أن نبحث عن أنفسنا فيه و نفتقده كي يغوينا ، فأعطى كل واحد منا عهده أن نلتقي في يوم النصر ، لأننا لا نعرف  المدينة التي ينحدر منها الواحد منا كبيشمركة  ولا حتى أسمه الصريح .. وحلا لهذا الأشكال اتفقنا على العهد أن نلتقي في بغداد ، ولذلك سنتصرف بشكل يفوق الغياب  وتبقى رفقتنا متواصلة فوق السكون الليلي وتغفو عيوننا ببطء مثل شبح الليل الطويل يهدهدها نسيم الوادي الناعس بينما الماء يهدهد الحشائش والنباتات في جدول صغير ، حلم شاسع يلفنا ويلوننا متمتما : " النصر" فانتهت الأغنية الحزينة وكان لها سحر الاجتماع أو الفراق ، وتلك الأنسام الهامسة من منحدر أعالي الجبال  تندفع إلى أرواحنا الحالمة وتخبئ فرحا غريبا .   

كانت سهرتنا أكثر وداعة و هي تجثو أمامنا صامتة حيث كنا عاكفين نحلم بحب وعفوية ، يخوننا الكلام والعهد  أمام الأحداث القادمة والمدهشة واللا متناهية ، كان ذلك نهاية عام 1982 …و بعد سنوات وتفرقنا في البلدان بوقت طويل بمنأى عن الدكتاتورية العتيقة ، التقينا

في أربيل صيف 2007 في مؤتمر الأنصار….

كانت الشمس أكثر انخفاضا في النهار وهي تجفف كل حلم غريب ، لكن أفكارنا تلك التي كانت مقفلة في زمن عواطفنا الأليفة صارت كالكواكب التي تبذر النجوم لجلساتنا الواضحة ، أن أربيل تحتضننا  مترصدة وصولنا  لنتحدث عن عهدنا الذي لم يفق عن الليل ، فلم يكن في بغداد وإنما أربيل أمل مشرق وصبر ، نتحادث على هوانا مدينة مستعادة أبدية .. تحمل تراثا متوافقا مع الشمس ودروبا محفوفة بالحرية انها موطن البيشمركة ، السعادة كانت قدرنا والحياة أوسع ما تكون منذورة باللقاء ونتذكر ما مضى ونحن نودع السنوات وقد أخذتنا الكهولة والأمراض بعد أن كنا في زهرة شبابنا ، هنا توجد احتفالات ومهرجانات وكونفرنسات ونشاط ثقافي وسياسي  وحركة غير طبيعية في الأعمار ، ونحن نهب أنفسنا للقاء فاتحين العيون للشمس ، يا للسعادة  .. ! وعشنا أياما ترفل بفرح غامر يحلق فينا مثل ملائكة على قلعتها الوحيدة .. ثم زرنا ساعتها مقبرة الشهداء رغم عهود كل السفاحين والسفاكين ، وبعد كل المعارك والنكبات ، وها هي خطانا تتقدم لتورق السعادة في قلوبنا …

 

                               

الوادي

 

اشرقت الشمس حزينة فوق الوادي الهائل العميق وغاصت فيه كئيبة ، حيث منذ عدة أيام لم نر الشمس رغم اننا نستطيع رؤية الجانب الآخر لقبة السماء وكأنا نبصرها من أقصي الأرض ، وكان كل بيشمركة يهمهم وكأن اقتراب الشمس من الأرض الرائعة البهية  شروق بحد ذاته حتى انهم يتساءلون : متى تشرق الشمس ؟ وكل واحد يفكر ببيته أو عائلته ، لقد أرهقتنا الريح التي لم تنقطع حيث ما زلنا في هذا الوادي ، وكأن الحياة فيه همس مع الرياح ، إلا ان تضوع الأرض الغنية بالخضرة بالروائح المنعشة جعل  الكل منا يبدو سعيدا فهجر مزاجه الحزين ونسي أيام اختفاء الشمس ، وكنت حزينا في أن تسجننا الرياح والمطر والضباب في هذه المغارة ، ورغم ان حزني على شيء غير مفهوم فقد انتزع كل التعلق بالوادي الذي أراه متلألأ في عيني ، ومحوت من الذاكرة  كل الهموم التي رافقتني حيث لم أستطع الانفصال عن الوادي المغوي  رغم بساطته ، والذي اكتظ  بالصخور وأشجار البلوط ، وفيه أتذكر المسرات والآلام  لذلك عندما غادرنا الوادي  شعرت باشتداد الحزن  إذ لا يوجد وادٍ آخر أشد غموضا وأكثر عمقا منه وأشد عتمة في أيام الرياح ، أما الآن فقد أصبح أكثر إشراقا فقد رأينا فيه الشمس مما يثير الاهتمام ، ففي هذا الوادي  تسير الحياة بطريقتها الخاصة المظلمة أو المضيئة مما تجعل الفرد ينحدر إلى عالمه الخاص وذكرياته الحزينة ، وهكذا اكتشفت حزني مع الذكريات كأنه انبلاج شئ لا أخرج من تموجاته ، فكنت أقسي على نفسي في تذكرها وفخور بأني عشت الألم بذاتي أو حتى من خلال الآخرين ، فقد كانت الحقيقة موجودة خارج ذاتي  ... ماذا يهم ما دامت أسطورة الوادي تخلخل الفكر  وتساعد الكيان بالشعور " في أن يكون هو إنسانا"؟ ومزق هذا الشعور الرغبة النادرة في التذكر وهكذا تختفي بطلوع الشمس كشيء نادر يفتقده البيشمركة وأن يختلي مع نفسه في الليالي المظلمة وفي غيبتها ، وكم مضى من الأيام منذ اختفاء القمر في الليل العميق ... مذهلة هي الذكريات المؤلمة ففيها الغموض وفيها الضوء الذي يجلب السعادة وتبعث على التفكير عن طيب خاطر ،  وها هي الشمس التي أثرت علينا بسطوتها الرهيبة معلقة  في نهار انتهاء الرياح والمطر والضباب ، وفي عمق كل ليلة كنا نودع كل نجمة معلقة في السماء كأننا نقول : " الوداع " لا تزوري نومنا في المغارة وانت مهزومة راقصة فوق الغيوم ، فكانت تسكننا الإرادة الصلبة التي لا يمكن التعبير عنها ، اذ كم كانت عظيمة أحيانا ، والآن تقول لنا الشمس : " تعجبني هذه الوجوه الصبورة " ، وبرقة حانية تنشر ألوانا على جبيننا وتضمنا برقة إلى صدرها ، حتى انتابتنا الرغبة في هجر الوادي رغم اتحاده مع الشمس والزهور البرية العطرة التي تبعث على التململ ... سيعشق الوادي الضياء مثلما عشق الريح الباردة في همس الليالي والنهار ومداعبتها الصخور  المتنوعة الأشكال .. آه ..  أيها الوادي العميق يا رجع صدى بعيد يا متقلبا وحدك تعرف المثل الأعلى ..  وبينما عيوننا كانت مغروسة في المغارة تركننا مكاننا  والوادي له صدى : " أنا الذكرى " لم يستطع الانسجام الضوئي أن يغير مكاني .. أنا غير قابل للفناء ولم تبدل السنوات من حفر علامات على الصخور...

تركنا مهابة سحر بعد أن باركتها الشمس وتوهجها بلطف وسرنا في دروبنا لتنفيذ العملية العسكرية والكدر ينتابنا بعد أن نظر كل واحد إلى نفسه من خلال الأيام التي قضيناها في الوادي .

 

 

 

                             انتحار بيشمركة

 

ران الصمت على المقر المتكون من ثلاثة قاعات وبدأ النهار صحوا ، وبدا والهواء عليلا مشبعا بالشمس بينما كانت السماء صافية ، وخرير الماء يجري من ينبوع متلألئا في أسفل وادي الخيول ، بينما بدت خضرة الأشجار لامعة ، وكانت تهتز أوراقها بفعل الهواء وتخفف من حدة الشمس ، لقد ساد المقر ألق هادئ .. . وكان سحر الشمس يبدو تأثيره على حركة البيشمركة في المقر ، وكرتها تسبح في السماء لترسل أشعتها الدفء والضوء ، فهي مرئية من الوادي العميق المحاط بالجبال .. ونورها الضارب باهر  يتدفأ فيه البيشمركة ، كان أبو غايب مدرك لهذه الراحة مع انسحاب النهار الهادئ الصافي ، وقد عزل نفسه وحيدا في القاعة الكبيرة  ربما كان يقول : ( عشت ما فيه الكفاية ) ، لا أحد يدري ماذا كان يفكر فقد كان هادئا وطبيعيا ، وهو لاعب شطرنج جيد ، أرمني ترك عائلته في أرمينيا وحائز على شهادة الدكتوراه ، يبتسم لما حوله ويشارك في أعمال المقر بروحية متفانية  وشعور عال بالمسؤولية ، أحب البيشمركة وأحبوه ويستمتع بمجالسهم  ، ولا احد يدرك  أحد أنه يعيش في حزن دفين  وأنه هزم الآلام المشرقة في نفسه فهو لم يتهرب من واجبه ويمكنه أن يجمع باقة ورد ويقف شامخا ، إلا أنه يخر راكعا لحزنه الدفين الذي لم يشعر به أحد ، فقد أدمى قلبه .. وعينيه بالكاد تفرجان عن ألمه ، ما هو ألمه ؟  لا أحد يعرف ، لم يكن هناك سبب لتعاسته ، وقد يكون  صوتا خفيا يناديه متواريا عن الوجود ويذهب إلى الموت كأنه يدري أن الصمت أمر ملزم ، كفراشات في فردوسها أو مثل الطيور ترقص ببطئ في أجوائها بينما لون عينيه مسكن تختبئ فيها الإرادة .    

في هذه اللحظات نهار جرئ حين تسود الصلوات ، إنها لحظات 

تلمح في العينين لا تريد الانطفاء  لكنها جامدة ، في أن يرقد الرقاد الطويل ولا يطلق صرخة  ، كل شئ يجري في الصمت  الذي يطلبه في القاعة الكبيرة ، وركام فوق ركام أن يسير أبو غائب في ممر دام ، لقد فتح يديه وصدره عند الظهيرة كهذا النهار الذي ترقص فيه الشمس في أن يقترف شيئا بحق الذات أو لكي يموت في النهار للمرة الأخيرة ، ويموت القلب للمرة الأخيرة ، أو ليكون البيشمركة حزانى  ويذكرهم بالإنهاك كما لو أن الصوت قادر على التفكير ، سيقترف الموت في هذا النهار ، أنه متعب من الكلمات فهو متعب يجب أن يفتش عن نفسه عبر راحة الموت  ... أنه ضائع لا محال ، بأي عناء يلقي أبو غايب نفسه ولم يعرف أحد الآلام التي فيه وماذا سيحصل لو أباح بها ؟ فالكل يمعن في التفكير كثيرا والكل يقف إلى جانب الآخر متضامنين ،فقد كان كل شيء صامتا في القاعة ، إلى أي قناعة وصل إليها ، تفاصيل الذاكرة .. تصور العالم .. مخابئ لا تحصى ، وأي نفق يختفي فيه الضوء ، الحس التاريخي .. الفناء والتغير .. أية قناعة تلك الطاوية الألوان ؟  روحه مثل النغم الحزين الرخيم ، جياش وغامض وجذاب وواضح الملامح ، مجذوب تضيئه نجمة خفية ، صوت واحد ينادي ويختفي ويرن في عطر الأشجار ، فيه ألغاز ورموز.

     لم تعرف اللحظة ، التي تترقبه في القاعة الكبيرة عبر صدغيه ، بينما هو يغور في عالم ويفترس بتمهل صدى الأصوات و خرير ينبوع الماء والزهور المتفتحة وسخريته من الزمان وعما يبحث عنه في العتمة وفي الغيوم والسماء صافية بلا غيوم ، لو كان يصرخ لجلبوا له أوراق الشجر ، صوت غريب و ضعيف ... أغمض عينيه وفتحهما دون أن تطفر منهما الدموع ، عندئذ سحب البندقية ووضعها في حضنه لكن دون جدوى في أن يتردد كأن الموت يؤدي مهمته وتنهد بصوت مسموع ومع ذلك سحب أقسامها ثم حول عينيه إلى أشياء القاعة ، كان يبحث عن شئ آخر أقرب إلى نفسه ..عن شئ ممكن أن يركن إليه ويرتاح ،ولم يكن سوى البندقية  فانبهرت عيناه وهو ينظر إلى باب القاعة ، فهو وحده يدري بماذا يفكر وعلى أي شئ يعلق أماله ، بدا شئ ما ينبض في عينيه فحاول استيعاب نظراته ولكن دون جدوى ، فجمد فيهما الهدوء وظهر على وجهه شئ من الأسى  والألم  وقد عجز أن يتخلى عن رغبته في الانتحار ، تقبل ذلك بصمت فخرجت من صدره آهات تشبه حفيف أوراق الشجر فارقته الكلمات وتذكر عائلته ثم هدأ واطمأن ، لا أحد يستطيع إيقاف رغباته فأحنى رأسه  وارتسمت تعابير من الراحة على وجهه ، لم يكن هناك شيء يدعوه للبقاء .. صمت .. وبقي دون حراك ، واندلقت أشعة الشمس عبر نوافذ القاعة ثم أخذ نفسا عميقا واعترته الدهشة ثم هز رأسه وخيمت عليه مسحة رقيقة على مفارقة البيشمركة ، وبكى في داخله دون أي صوت ودون دموع ، وهو هادئ تماما ،  يرى صور الموت شجاعا دوما ..  أساطير الدم ..  الموت الكامل ..  الظل الآخر..  الجانب الآخر .. وضغط على زناد البندقية .

 

 

 

بناء المقر

 

إنني في ممالك الحلم وعيناي تحدقان في وادي الخيل ، وهو من البقع الطيبة والحسنة والفسيحة نوعا ما ، تكثر فيه الصخور والأشجار ، وفي منحدره في الأسفل عين ماء كبيرة محاطة بالنباتات يترقرق فيها الماء خريرا إلى القرى عبر سواقي منظمة ضيقة ، يقع الوادي خلف مدينة    ( بامرني)  من جهة الشمال الغربي ، وقد اتخذ قرار لمفرزتنا بناء مقر فيه ، كان ضوء الشمس خافتا وأصوات أهازيج المطر تدق في الوادي بينما تلبس السماء قناعا بعد قناع فتارة تمطر وأخرى تنفض الثلوج ، أنه اللقاء المنتهي مع الصخور بعد أن توقف المطر ، كنا نحملها بأيادينا كي نبني المقر واتفقنا حينها على بناء قاعة واحدة وغرفة صغيرة  ومطبخ وحمام ، كان ذلك في نهاية الخريف عام 1982 ، إذ كلما رفعنا رؤوسنا إلى السماء حيث تعلقت أعيننا بها أكثر من أي وقت مضى ، كان ذلك أشبه بمعجزة أن تبني مقرا في مثل هذا الوقت ، فالعيون تعاود الخروج والظهور كنجوم خالدة أو كزهور ذابلة عديدة الألوان بينما يسقط الظل على الأرض كأن الكون ينتهي بها ، ليس لضجة الأصوات وإنما أنين من التعب ، وأهل ( بامرني ) من البيشمركة أكثر تجربة في البناء  فكان جهدهم يتضاعف ، ونصبنا خيمة لننام فيها ونام البعض في المغارة التي لا تبعد كثيرا عن القاعة ، وإذا بالثلوج تغطي الخيمة في أثناء الليل بينما كان العمل متواصلا ، كان البعض يقول : لا فائدة ترجى من هذا البناء إذ ستسقط الثلوج جدرانه ، وكأن وجوده ليس شيئا حقيقيا فكنا نلوذ بالصمت ، وأخيرا تكلم أبو إيفان قائلا بوثوق : سننجزه … كنا نتخيل سقوط نجوم الفجر في بطء شديد ، يماثل سقوط أوراق الشجر ، وكنا نحس ببرودة الصخور والطين وجذوع الأشجار حتى كانت الخدوش في أطراف أصابعي توخزني بالألم ولم يكن لي من أمر إلا أن أواصل الجهد لإنجاز بناء القاعة مع الآخرين .

كان نهوضنا مع نور الفجر انفجارا كبيرا ،  والماء يسيح من النبع ويطفح قليلا بعد أن أخذتنا السماء بأمر عظيم من القطر ، فازداد القطر واشتد ، وجاء الليل ثم سكن المطر وبدت الطبيعة عند الفجر مليئة بالغرائب التي نغوص فيها ، فكل صخرة وكل شجرة وكل شئ حتى الجدران التي بنيناها لم تسقط  وقد ثبتت الحياة بشكل لا يوصف .

كانت الشمس أكثر انخفاضا في النهار  تشترك بالارتجاف وتجفف كل حلم غريب ، لكن قرارنا في إنهاء بناء المقر ينخر في زمن عواطفنا ، تحدثت الأصوات وانتهى بناء القاعة وانهمر المطر مرة اخرى ، وظهر سلطان الليل ، تلك كانت مقفلة لجلستنا ونحن نقطف الزمن والمسافة التي تبعدنا عن الآخرين .. شحوب  وبرد واكل بسيط وجهد عظيم ، فتنهدنا وفرحنا وأتممنا الغرفة الثانية رغم أن الدم ينز من أطراف أصابعنا ، وراحت تحتفل الأيدي بالمصافحة  حيث كان ليس من السهل إنشاد غياب الإرادة الذي احتواه هذا الإثر ، ولم يكن إلا إصرار ساطع من البيشمركة ووضوحه في الحلم وفي الأصوات التي لا تزول ، هي ذكرى لها حيز في حياتنا ، وتعكس العيون ما بداخل القلب من فرح ، في ضوء وشحوب وكدر الليالي ، تلك هي خفقات أجنحة العصافير الهاربة ، تضيق الملل من نهاية الخريف القاسي ، سيكون المقر بيتنا في عنق الشتاء ، بهذا البيت الذي أصبح ألقا ننطلق منه لتنفيذ العمليات العسكرية ضد الدكتاتورية ، فكم كانت السماء شاحبة حينما حفرنا الأرض تمضي مع الغيوم مصحوبة أحيانا بأشعة على جدران القطوع الجبلية الحادة ،وتتعتع نحو الغروب بينما تبدو الأشجار صفراء ، أو عارية الأغصان ، وكل واحد منا يدندن كلمات غريبة كيف بنينا المقر .

     وفي الليل رأيت طيفا عاريا عتيقا ، أتأمل الخشب في المطبخ الذي يضفي نارا متوهجة عليه حمرة كحمرة الغروب ، أنا أجالس البيشمركة

ونتحدث عن بناء المقر ، ألا يبدو لنا نحن العشرين بيشمركة قد صقلنا الصخور في البرد والثلج ؟  هذا كان في الأمس البعيد ...  رونق الأشياء الذاوية  التي لا تعرف شيئا عن مصير المقرات في ظل تحرر كردستان من الدكتاتورية ، لأننا لا يمكن إغلاق التقويم القديم  لمجد البيشمركة ، توقف محتوم الذكرى تمسه الذاكرة الجليلة  ولدينا أماني كثيرة في كردستان الحاضر .                         

حلم بيشمركة

 

كان يحلم .. ومن جذور أحلامه المختلطة يتميز حلمه في الهزيع الأخير من الليل ، كان قد نام على ضفة مزهرة نوما ثقيلا اوطويلا  لأنه متعب بعد مسيرة أسبوع كامل ، كان يحلم بكائنات تشبهه ، فيها النبل  وفيها الخلود ، فانبعث في نومه بالأعالي  يسبح بين الغيوم ، تضيئ احلامه نجمة واضحة المعالم غامضة وجذابة ومظلمة ومضيئة في آن واحد ، كلها صور للذين يشبهونه ، كل ذلك جرى بهدوء عميق ، فتارة تختفي الظلمة أخرى يختفي الضياء ، وبينها دروب مشعة ذات إكليل ذهبي ، لم يعرف متى يأتي الفجر في منعطف الضفة ، ثم يتسلل في ذكريات  وتتناثر طقوس  ورموز ، لم يعرف لغز الحلم ، أن يعيش في العتمة والضياء وأنه يحلق في سواد الليل ، كان صوته وحده ما يدركه عن بقية الأصوات ، وهو ينسى النهار الذي فيه معنى الزمان  كأنه محظور في غور العالم ، راح يبحث بين الغيوم عما يبحث عنه و كاد يصرخ : بيشمركة ! كان ينظر إلى شجرة ، أوراقها خضراء يانعة ملبدة بالغيوم ومرة أخرى كان يستخدم أحلامه في مطر الربيع ، أنه مجرد حلم ، وقلبه يرتعد بهدوء وجميع الذكريات مدفونة فيه عبر المطر والأرض الندية ، لم يلح أن تنزل الأوراق من الشجرة وتغطيه ولم يحاول أن يمزج الحلم بالحزن إنها مجرد تشابك بالجذور في ملامسة الدهر ، وفي هذه الهنيهة لا يقبل أن يسمع وساوس الخابور وهو يصدر ضجة الخرير أو الصخب ، فكانت الأشياء تنبعث من عاطفة مفكرة وجياشة وجذابة ، كلها صور رسمها في حلمه مطلسمة وخفية ، وكل شئ يمحو جرح الحلم  إذ يدرك أن أمواج المياه تختفي في عينيه وصوته وحده يخفف صحوة الزمان ويخفف الوطء  فينسى التعب ومسيرة أسبوع ، كان يحلق مثل الطير في الليل ويسكن الجبال ، الزمن يفترس أيام الأسبوع في مهل .. وهدير الخابور المستحم في الضباب وصدى الأصوات ، أجراس ترن و ضوء شعاع كلها مفتوحة في حلمه ، ظل يئن من التعب ، ونتيجة صوت غريب يفتح عينيه فيتطلع بنظرة خابية من دون أن يرى شيئا عندئذ أغلق عينيه  ثم تحركتا تحت جفنيه و حاول فتحهما دون جدوى ، كان يشخر كأنه ليس صوته أبدا كأنه صوت غريب ، بدأ ضوء الفجر بالظهور وأصبحت الرؤية واضحة إلا من ناحية الخابور فقد ارتفع ضباب كثيف غرق فيه الخابور وتبدد كل شيء والتحف هو بضباب كثيف لا يستطيع أن يرى أحدا سوى أنه في نوم طويل ، ومع ذلك لم يتحرك فكان يتنهد على نفسه دون أن يلحظ ماذا يعتري الطبيعة عند إشراق نور الصباح ، نظر إلى الضياء ثم انقلب على جنبه الآخر كأنه جمد بلا حراك ، وتبدد الضباب وانصبت الشمس ساطعة وأصبح المكان صافيا وهو لم يقدر المدى السماوي الملون ، فصار يخشى أن ينهض ويرى هذا العمق الجميل حيث المكان أكثر اتساعا ورحابة ، إلا أن عينيه انبهرتا بضوء الشمس ، وتنهد في أسى وواصل حلمه ونطق كلمة : ( بيشمركة  ) وهو ينظر إلى أمام  ولكن عينيه مغلقتان وبدا شئ ما ينبض في عينيه وهو يحركهما ، لم يفتحهما في الحال ولكنهما فتحتا وحاول استيعاب الضوء والدفء الذي يلفه كي يتمكن الرؤية .. أشرق نور الصباح وقد استوعب الضوء إلا أنه بحاجة للنوم ليغرق في أحلامه ، فظهر على وجهه تعبير من الأسف  فحاول طرد الضوء من عينيه وقد  عجز عن ذلك ، يبدو أن الذكريات قد عادت إليه فتذكر طفولته ، وهو الآن على ضفة النهر  فخرجت من صدره أصوات جافة واهنة ، فسكن في منامه وكأنه استنفد كل ما في الحياة ارتخى الجفنان وهدأت أنفاسه التي لم تنقطع بعد ، وفجأة فتح عينيه وجلس كأنه استجاب للهمس فوجد البيشمركة لا زالوا نائمين ، فأغمض عينيه هذه المرة وحدق للأمام وهدأ واطمأن  وهو تحت تأثير فرحة  ، وألم في قدميه كان يغوص أعمق فأعمق في حلمه ، فارقته الكلمات لكنه تذكر الكلمة الأقرب إلى نفسه : بيشمركة ، وثق بنفسه وبالأصوات التي هدأت وهو تحت تأثير فرحه أحنى رأسه قليلا إلى الأرض وارتسمت تعابير الراحة على وجهه ، واغلقت عيناه ، وسرعان ما غاب في حلمه ، اضطره إلى الصمت وهو لم يستطع أن يفهم شيئا أهو نفسه أم إنسان آخر ؟  فتح عينيه ليعود إلى الشمس ، هكذا رأى الضوء مرة أخرى ، فصارت الأحلام أرقا وأوضح بعد وهج الصباح ، وتدريجيا ظهرت على وجهه ملامح واضحة لذلك السكون ، وبان على وجهه فرح هادئ ودافئ فقد صافحت عيناه وجه الصباح ، ونوره يزداد ويزداد وهو ينتظر كلمة : نهوض . فجأة جاءه صوت : نهوض . فنهض وكانت الشمس تقع عليه وبدأ الهواء العليل يتحرك ، ويتلاعب من حوله ، تراءى له أنه نزل من السماء على ما يشبه السلم الهابط ، ومن السماء تتساقط أشعة الشمس المتراقصة في فرح قبل وصولها الأرض ، كان استيقاظه وهو يعود إنسانا والرجوع إلى شكله الأصلي غبطة لا مثيل لها ، فالأحلام أمضت معه وقتا  قضاها في العراء ، وها هو يسترد حقه من انمساخ كان قد أرعبه ، حان الوقت كي يهجر أحلامه التي لا تترك وراءها سوى القلق فقد صحا ، وهو يعود بيشمركة لا أحد يشبهه  كان ذلك الرجوع إلى وضعه الأصلي .

 

 

                           

قصة حب

 

من هذه السماء الملبدة بالغيوم والمكتنفة بالكثير من الألغاز يشيد دلشاد مفاتن عينيه ، فعيناه تلمعان حيث يرى في السماء نظاما جميلا  فيه الفخامة  والهدوء ، منطلقا من شعوره الحسي والتلقائي في أن الزهور النادرة يمتزج أريجها بروائح ملتبسة ، فكل شيء يحدثه : النفس .. . انحداره العذب ... الشمس المختفية ...  الحقول ، وهو يحاول أن يرقد على الأرض تحت الشجرة الكبرى فوق سفح جبل كارة  ، وينام في ضوء شاحب وبصمت وخشوع ، فقد ترك الحقل الصغير وصعد إلى الجبل الذي يمثل لغة انتمائه ، لقد كان يحب الغيوم الرائعة ، والسحب في الأعالي وكثيرا ما كان يتمنى الاقتراب منها ، فأي صفاء روحي ينتاب هذا الصبي ؟   يرتضي انتظار الشمس المحجوبة لتنبلج من جديد وهي تتدفق ضياء  ، وانطلاقة قصية في مخيلته ، فلم يبق أمامه إلا طيف مسخ يتلوى كالعشب حين تتوالى هدهدات ملامسته الناعمة ، إنها العادة والتقليد لن يستطيع أن يتزوج حبيبته التي تنتظره كل يوم عند نبع الماء ، لانها تزف اليوم لابن عمها ، وقد نفذ صبر دلشاد وهو يدنو من الحب في ارتخاء ثقيل جثم عليه ، فالوقت يطويه  وهو لا يعرف ماذا عساه أن يفعل ؟ كانت نسائم تداعب جسده  دون أعتاب مدخل يوقد فيه قواه ، أيأخذها ويهرب ؟ إلى أين يهرب ؟ ففي ذلك مخاطرة يزج بها القرية وقد ينشب عن ذلك قتال ، أشعل ذاته خلافا لما مضى من حياته التي اتسمت بكونها  خفيفة  هادئة ، وصارت رعشات تغالب جسمه فيفقد طالع الربيع مهابته وطلسما محكوما فوق الينبوع ، غير أن كلامه كان يرشح قطرا دالا غاويا ، فيروح الحنان يمتلك الشجرة الكبرى في مهجة ثاوية ، وظلت بنات أفكاره في خدر حزين ترتعش تحت الغيوم الكثيفة ، كان يحلم أن يكون طائرا بجناحين وينطلق في الهواء المضطرب حيث يأخذها منهزمين من التقاليد والعادات بينما تدفعهما تدفعهما الغيوم عبر هوة السماء وراحت تختلج النشوة اللذيذة في دوار رأسه ، لقد خرج من حلمه تائها في الذاكرة  عندما رأى أن الحلم لا يتحقق في زاوية من هذا العالم الذي رآه شائخا وحزينا وهو يردد : يا موت قلبي ..  سأصبح نعشك أيتها الحبيبة ..  ملّ المقام تحت الشجرة الكبرى فعجل الرواح  إلا أنه ترك هذه الفكرة عنه واستراح تحتها ، مكان فريد  وبديع وكل ما فيه جميل وهادئ وفاضل ، من هنا كان يحلو إليه أن يراها تقف فوق سطح البيت ثرة ناعمة تتوق إليه ، وهو مقترن بالسعادة والهدوء ، لقد تسلطت عليه حمى شدائد قاسية ، أجل ، ينبغي أن يصبو ويحلم ويمدد الزمن من خلال اللانهائي ، أجل ، فهذا السفح سيطيب العيش فيه وهناك في القرية سيطيب العيش له ، كانت ترن في رأسه مزيدا من الأفكار ، ترن حزنا بأبهة أعمق وطبل يرن في القرية وهو صامت في لحن ملئ بالألغاز من كل شئ  ومن كل زاوية عرفتها القرية  وعرفتها القبلة الأولى وثنايا ثوب العرس الأبيض ، ذات مرة وهما تحت الشجرة الكبرى مد يده فسألته بتعجب : ماذا تفعل ؟ فأجاب بفخر : ستمطر ..  وامتلأت يده بالمطر ، فهرعا نازلين متخفين إلى القرية مغلفة روحيهما ببراعم تفتحت توا  .. مثقلة بحب برئ  وأجنحة رحبة ، ثم راحت الشمس تذري أشعتها في حسرة مورقة تتندى وتزهو باخضرار .

ذات يوم حلما سوية : صعدا… وهما على العشب الناصع إلى القمر المستدير ، وتدلى أشبه بعنقود عنب وكانا يتذوقان استرسالهما بالعاطفة الجياشة والسعادة لقلبين مخلصين ، فتلك زهرة تتبرعم حيث يبرق ورق الوردة ويرتشفان قطرات الندى من الزهر المروي ، تضئ جبينيهما البريئتين كما القمر الأبيض الخجول ....  ويشيع في الظل معرفة ناعمة لليل وارتجاف خفي في معالم القرية فقد كانت تموج أمواجا خفيفة  فينحدر الماضي في حميمة الحزن يثقل الحب و الظل .

كان دلشاد يعيد صياغة حلمه تحت الشجرة التي رعى ماشيته قربها وهو يصحح  ويعيد انصهار حلمه ،  وفي القرية يبحثون عنه فأنه فر على غير هدى لأنه لم يحقق رغبته الجامحة ، فوصفها بزهرة لا مثيل لها ، أحلام ...  أحلام ! نفسه طموحة دائما  ورهيفة وأكثر من ذلك فتبعده الأحلام عن القرية متفكرا في أعماق السماء  داخل نفسه الرائعة أي صفاء يمتلك دلشاد ؟ حتى أفكاره غنية أيضا  ، فهو لا يريد أن يثير مشكلة داخل القرية بيد أن الحب ليس جامدا ولا يقبل التشويه ، والمفاجئة المدهشة أنه امتداد لسنوات كما أنه جمال جوهري حيث كل شئ ينسب للعاطفة وشعائر سحرية .

أخذ دلشاد يبكي متأثرا بملأ ما حدث فأصبح كل شئ شبيه بالذكريات ، فراق لفكرة الماضي الذي أثخنته الآلام  ، وذات مرة سالت دموعه الحارة على كتفها - كتف حبيبة -  أحست هي بالحنان والتأثر فبكت وتعانقا تلقائيا في نبل عظيم  واختلطت الدموع ، وهو الآن يعرف الحزن لأن ثمة لحظات من الوجود تكون أشد تأثيرا وأشد عمقا ، أخذ يمشي فوق السفح  مدفوعا بالألم  الذي ينبش في صدره وهو منهك بلا وجه وغافل غير مبال بما تحت السماء فلا يرى إلا خيبة ومرارة ، حيث ينظر إلى الوراء فيرى الحب ...  وينظر إلى الأمام ، فأنه لم يكن إلا من العابرين حيث ثمة نهايات ولكن هناك ثمة برهة صمت لكي تموت التمتمات وينحشر الجسد والظل معا ، وهو يتجول على السفح في دوامة بعيدة عن العرس وكل الأحياء في القرية ، يحملق باحثا عن آخر  لم يكن سوى ظهور الشمس حيث تتلصص أشعتها  عليه وهي تستثمر الخيار الصعب وتمحي من أمامه الظل الذي يستضئ به  وتعطيه النور المباغت للحظة وهي آسفة ، حيث يبدأ بالتلاشي لقاء الحبيبة أبدا من الجهة الأكثر شؤما ، وما عليه أن يتحمل وجوده الذي حسبه لا وجود له .

 

 

موت بيشمركة

 

إن العقل الكوني يلقي الحلم على الدوام ويوغل الإنسان فيه ، فيبحث عن نفسه و يتفقدها ، وربما تغويه ذاته ، وحالما يعرف العقل الكوني فما عليه إلا أن يرعاه ، وهذا يبدو بسيطا ، فالبشمركة يجعل من نفسه حالما عبر حواسه بنوع الحب ونوع المجازفة  ونوع الألم ، كي يستنفد ما في نفسه ويحتفظ بالمضمون ، قد يكون هناك عذاب لا يوصف فيحتاج إلى كل الأيمان والقوى الخارقة لكي يكون متميزا عن الإنسان العادي ..  لأنه يدرك المجهول و يثق به أكثر مما يثق بشيء آخر لأنه سيصل إليه ، وهذه رؤاه ، فليمت أذا بوثبة الأشياء الخارقة ، رصاصة أو صاروخ أو قذيفة مدفع و قنبلة  فهو هنا قد نذر نفسه للموت ..  لذلك فقد وجد لغة مشتركة بين الحلم والموت ، فهو يكتشف أشياء غريبة فيسبر ذاته في أغوارها وإن تكون مرعبة ..  أشياء يعرفها من خلال كفاحه ، حتى  تحين اللحظة  التي تشعره بوجوده ، اذ ينتزع الظل من الأرض ويرى احتشاد النجوم فوق رأسه ، وإن هبت ريح ثلجية  يزيحها من تحت قدميه فأنه يسير في طريقه الآن ودائما يود أن يكون من يقهر الثلوج المنهمرة التي يملأ تساقطها مسمعيه كرنين أجراس فيغرق الأسى بالزوبعة الثلجية فهي أما ان تكون ترنيمة أو تغرقه بالموت ..  وهذه موسوعة وداع حيث تحمحم الرياح وتقيم حفلها الراقص في فضاء خالد وفي براءة السماء ، وكلما مرت فوق رأسه من غيوم أو عواصف يعلن الصراع  ويخرج من حلبته منتصرا ...  إلا أن هذه المرة فالعاصفة تغلق العيون  حيث هبت ريح باردة بنفحة قاسية رطبة ، وهي من النوع الذي يعلن عن قدوم كارثة ما كانت تطن في أذن البيشمركة ، لم يثر حفيفها امتعاضه فالمسافة باتت قريبة بينه وبين القرية  ، فتقدم بالاتجاه المعاكس للريح واختلطت الأصوات والطنين ، أصوات رنانة مستغيثة بنوطة مرتفعة ، وصارت الريح تعزف أشبه بنفح تام تارة وأشبه بنغمة شاكية تارة أخرى فالجو أصبح معتما ، وباردا وحل الليل مرفرفا بأجنحة هائلة ، وصار الثلج يمر تحت قدميه ، ولأنه لا يعرف مواقع النجوم صار يسير على غير هدى ، ويدرك أن أهل القرية لا يعرفون محنته فالرجال فيها مستوطنون منازلهم ، وقلبه في حلبة صراع تجمعت فيه المخاوف الطاغية .. فيجب أن لا يتوقف  وإلا تكدرت رجلاه وأصيب بالكن كرين ، فحاول محاربة العاصفة الثلجية حيث سحب بندقيته ورمى ثلاثة طلقات في الفضاء لعل أحد يهب لمساعدته ..  لم يعد يستطيع حتى رؤية القرية ... لقد عاش ما فيه الكفاية لذلك فهو غير متألم حيث عاش ساعات الهروب ، و لم يعد يحلم إلا بالزهور ورائحة الورد ، وكان حلمه يكبر بالظلال التي سوف يرقد تحتها فقد عاش المعارك مع العدو ولم يمت ... ابتسم ثم وقف بشموخ ، وواصل المسيرة ، ففي هذا السجن الشتوي لا وجود لطائر ، ولم يملك هو الجناح كي يطير ، ازرورقت قدماه  ولم يشتك ثم خر راكعا حزينا  منهكا وعيناه بالكاد تفتحان ، فلم يلتفت إلى الوراء ، ولا يستطع العودة حيث قطع مسافة طويلة ، فيجب أن يواصل الطريق ، وراح ينادي غمره الملل ولم يأته صوت سوى رجع صوته ، حيث كان يردد : يا إلهي افتح لي أبواب ليلك الداكن ودعني أذهب من أبواب الجحيم  وأتوارى من الضباب ... لقد كان يفكر بالطيور ، كيف كانت حرة طليقة راقصة في أجوائها  ويفكر بفراشات ذهبية كان مسكنها الحدائق ، أن صمته أمر لازم فلقد تيبست شفتاه وحس بقشعريرة البرد تغزو جسده في ليل جرئ وفي هذه اللحظة حين تنزل الصلوات  تجمدت يداه : يا إلهي لا أريد أن أرقد هنا الرقاد الطويل ، هذا ما قاله ، وهو يواصل سيره بصمت حيث يحفر في لحمه الجمود وقلبه مفتوح و يداه مفتوحتان  أراد أن يتدفأ ولو قرب شمعة كيف وهو في غابة مترامية الأطراف ؟ حيث ظل الطريق وبقي تائها في هذا الليل الدامس والعاصفة لا ترحمه كان لا يزال يكلم نفسه فلديه عقل  قادر على التفكير ، ولقد مات النهار ولم يمر عابر سبيل ، فغزاه الحزن فصار منهكا  ومتعبا ، يجب أن يفتش عن طريق آخر ولا يتوقف وإلا فأنه ضائع لا محالة ... أي عناء ألقى نفسه به ؟  وقف  وتطلع حوله ، ماذا سيحصل لو رمى نفسه على الثلج ليرتاح قليلا ؟  وهو يصغي السمع لتساقط الثلوج من الأشجار ، والخشخشة تحت قدميه صارت تغوص إلى حد ركبتيه ، إلى أي من المبالاة سيصل إليها ؟ إلى أي قناعة عميقة بحيث يفقد كل الطرق ؟! ضعفت ذاكرته عن التفاصيل الصغيرة ولمجريات التصور الخاص بما يحيطه ، فراح يفتش عن كهف أو مغارة أو أي مخبأ ، فلم يجد نفعا في ذلك ، وانتابه التردد أن يجد القرية وقد تكون بقربه فهذا ما تخيله ، ثم أدرك أنه سيغنى ويتغير في غابة يكللها البياض لم يرغب هذا ، وللمرة الأخيرة أحب أن يرى الشمس شاحبة ، ثمة أكثر من احتضار..  فكان يجرحه الأمل والوهم حيث كان يحلم بأن يرى ورودا يمتزج عطرها بالنسيم العليل ،  لقد كان في لحظة الاحتضار فسقط على الأرض التي أحبها واخلص لها وغطاه الثلج ، فكانت روحه مثل نغم حزين .

 

 

 

هنا في أرض كردستان

 

أصبحت حزينا ومنهكا فجأة في يوم متعب ، فأنا متعب جدا إذ يجب أن أستلقي على العشب الجاف وإلا فأنني ضائع لا محالة في عناء ، استلقيت ولا أحتاج إلى بذل الجهد لأستلقي ، فقد كنت كالمهجور في ظلال الطريق حيث الآلام تعتصرني وأنا أحكي لنفسي أساطيرَ من خلق نفسي لا أعرف عنها شيئا سابقا ، ثم أمعن التفكير كثيرا ، وحيث كل شئ حولي صامت ، إلى أي مدى من المبالاة يمكن أن أصل إليها ، وأي قناعة هذه بحيث فقدت الحس حولي ؟ لمجرد أني متعب؟  فضعفت ذاكرتي بالتفاصيل الصغيرة لعوالمي السابقة ... أريد تأدية أكبر الواجبات فأنا أحلم بوجودها ، حيث فيها أستطيع التعبير عن نفسي بهذه الدقة ..  وتلك اللحظة التي تقع في رمي البندقية على الأرض ، أنا أثق بأننا نتقدم وإن حدث سلفا ، اعتبرت ذلك هدأة مع النوم ، لكنني لم أنم ، أنها فقط استراحة بسيطة ، وكنت أكره النهوض من مكاني لأنني أخشى خسارة سحر خارق  في هبة الليل ، ربما لأن الليل زمني الغامض ، فمن سأكون ؟ حتى صدى الأساطير أبلغ فيها القدم في مقام سحري منعزل الوجود  ... ومن يدري أي متاهة أنا بها ؟ أنها تدهش قدري ، وما كنت في أكثر من مائة ليلة في ليلة ، أملي فيها ... وسأعود لها .. . في هذا الحال لامست يداي العشب ملامسة شخص حالم ، ورأيت القمر نحيلا يأوي إلى حضني فيلقي بحنانه إلي حيث تحطمت المسافات .... فكم رقيقة هذه الليلة ؟  امتداد نور القمر نحو البعيد ، وطول الليلة يسبح في الوحدة ، ونجومها المتناثرة في طعم الشوق ، ينتظرني صدى لطالما انتظرته في تشتت الليلة السرية وسلام العشق ، وأيام غامضة ، وإسراف طويل في الدروب ...  فقد قطعنا مسيرة طويلة بعد أن نفذنا عملية عسكرية  ضد الجحوش في( باعذرة) ثم استقر بنا الأمر  في احد الوديان حيث كنت متعبا جدا ، والأشياء من حولي صاخبة ترفل بالألم  والحداد الباذخ بعد أن دفنا شهيدا ، فقد كنت متشنجا في عيون السماء  ثم الليل بجماله الهارب ونظراته التي جعلتني أولد من جديد ، فهل أراه بعد الموت ؟ ربما أراه في الأبدية .. في مكان آخر  .. بعيدا جدا  حيث تحتل نفسي وتجهد جسدي تلك الأبدية .. كم عنيد أنا في اعترافي وقد دفعنا غاليا ونحن نخوض طريقنا فوق العشب المرتجف وهو يجتث قدرتنا على المشي ، أين أمضي ؟ ..  وتعربد في داخلي حشود من الأفكار ونحن في مكان أمين  إذ لا يخطو الجيش في جهنم الوديان . أطلقت أنات مجهولة وتأسفت كوننا لم نبلغ الهدف ؟! ووحوش الدكتاتورية تزمجر  وتدمدم بإطلاق الرصاص …كنت قليل الحركة  وضعيف الصوت وأنا أجلس إلى صخرة حيث ظهري يلتصق بها ، وساقاي ممددتان فوق الأرض الغنية بالخضرة ، بينما تفوح روائح منعشة من الأزهار البرية الجميلة ، انها الأرض .. هائلة تعطينا الثمر والعطور في همس عاشق ، بينما  السماء تصب الضوء  فالقمر الأبيض بسطوته الرهيبة المعلق فيها بعمق الليل وكانت تدفعه سحب بيضاء …

     أجل لنا أكثر من جولة واحدة مع الأجهزة القمعية مهما حاولت أن تصنع من القرى أنقاضا ... كان الليل يبتلعني وفي عيني دمعتان لا إراديتان تدعوان للرثاء .. فأنا حزين وكئيب ترهقني موجة هامسة لم استطع الانفصال عن ذكراه حيث تحتويني ابتسامته وثورته وعندما قلت : ( وداعا يا شهيد ! ) شعرت أني أكثر من حزين وقد عشت وقاسيت آلامي فماذا أكون ؟ الحقيقة موجودة خارج ذاتي اذ نحن دفناه ، وتمزقني  الرغبة في أن أراه ، وقد غيبني الليل  ولم يمض وقت طويل على توديعه ، فنظرت إلى القمر بنزوة داكنة أردته أن ينزل  بنعومة من بين السحب ومن دون صخب ويبسط نفسه على الأرض في رقة حانية وينشر بياضه على وجهي الشاحب باتساع حزنه أو يضمني برقة حتى تنتابني الأبدية في البكاء، ولم أبك  لأن الضوء في الصمت يقول : ( لا تبك ) ، إلا أنني كنت في هذيان أنتشي فيه  وأنين في أعماقي  في مداعبة الليل ، كما أن ضياءه ينثر الرغبة بالعظمة و الخلود و الجمال ، وكل ما يبعث على المجد ...  فبقيت عالقا إلى الأبد بالمثل الأعلى ، ولم يستطع الزمن أن يسقط الانسجام الوضئ بيني وبين القمر ولم ينزع شيئا مني  حتى السحر الغامض الأبدي  فضلا عن لطفه البالغ ، وتوهجه الرائع ، أنا هنا في أرض كردستان ،  أرسو قرب صخرة ..  الليل يستريح والفلك السماوي يضئ الأرض دون تنكر ، أتأمله  فله تصميم في الإضاءة تجاه الأرض  ، وأنا أعيش هذه الرؤية أستريح وأرخي روحي للسماء ، فالضياء لن يفنى  في أقدار خاوية ... انجررت إلى الصخرة مستنشقا حتى ضعت في السماء مرتعشا منجرحا في داخلي ، جم غفير من الأفلاك تدور في السماء وأنا أرسل تنهدات قصيرة فلن أتصور أن الموت أخذ رفيقي ، بينما رحت أنبش بأظافري الثرى ... أنت أيها النجار الكادح أبو علي النجار ! هنا في أرض كردستان ...  هنا الجبل وأرض المياه ، وأناء الليل في زمنه ، فالكفاح يكون صحيحا ضد الدكتاتورية حينما تسرع الروح للمقاومة ، ويسرع الليل الضائع ويسترجع زمنه حيث تعبر الأحلام بين الجبال في أقسى السنين ، وراح الليل يمتزج مع الموت بذكرى ، فاجأنا صوتك الذي ينزل من أعلى ، تمسكنا به بأحكام  ونحن نقرأ الليل ونشعر بالحرية من هذه الجذور يا ابن آدم ! من غصون تنمو ، يخب قلبي خلفك كي تنهض من الأرض لألاقيك في هذا اليوم يوم المحبة والسلام يوم عيد نوروز وفي يدي حفنة تراب ، هنا في أرض كردستان !

 

 

 

الفهرست

 

قراءة في دفتر ذكريات بيشمركة...........................................5

المقدمة..........................................................................8

أزهار كردستان...............................................................11

الدموع..........................................................................14

كوابيس زنزانة................................................................16

الديـوان.........................................................................20

مـوت وحب....................................................................24

أسطورة الكــاو................................................................27

أصداء الربيـع.................................................................31

الذاكرة الحيـة..................................................................34

الثائر الأسطـورة..............................................................37

الأم الأثيرة.....................................................................39

ترنيمة وجـه ميت.............................................................49

اقتحام ربيـة....................................................................53

أنشـودة الراعـي...............................................................55

ربيع كردستان بوجه آخـر...................................................58                                                    

الريح السوداء.................................................................62

الشاعر والحب................................................................66

الطائر الجميل.................................................................70 

العاصفة الثلجية...............................................................73

الغد المشرق...................................................................76

الكاو والنـرجس...............................................................79 

حب كردستـان.................................................................81

حادثة في قرية.................................................................84

مصادر حكايات في كـردستان..............................................88

جمال كردستان...............................................................94

جبل كاره......................................................................97

الوعل الجبلي.................................................................99

المهد...........................................................................102

حزن السماء..................................................................106

رجال في ربيع الشباب.....................................................108

رفقة دب......................................................................110

زهـرة الثلـج..................................................................112

زوجــة........................................................................114

شجرة السبنـدار..............................................................116

صدى الحـب.................................................................121

مطر الربيـع..................................................................125

كلب المقر الوفـي............................................................130

قصيدة للـحب.................................................................132

غابة البلـوط..................................................................135

عاشقة المطـر................................................................138

ظلال الحـب..................................................................141

مظاهرة 6 آذار1991......................................................144

معجزة السمـاء...............................................................146

وجه الليـل....................................................................150

القريـة الحبيبـة...............................................................152

العبـور........................................................................155

الصـورة......................................................................157

جنائن كـردستان.............................................................164

المفتاح.........................................................................167

المذكرات.....................................................................169

ئازاد وشيرين................................................................172

الأشجار تنزع أوراقهـا.....................................................177

الحب أقوى من المـوت....................................................180

الحرية في كردستان.......................................................183

الزنبقة البيضاء.............................................................185

الظلمة........................................................................187

العماديـة......................................................................190

اللقاـء.........................................................................193

الـوادي.......................................................................196

انتحار بيشمركة............................................................198

بناء المقـر...................................................................201

حلم بيشمركـة...............................................................203

قصة حـب...................................................................206

موت بيشمركـة.............................................................209

هنا في أرض كردستـان...................................................212