الحزب الشيوعي العراقي
والكفاح المسلح
( دراسة أولية )
منذ تأسيس الحزب عام 1934
الى المؤتمر الخامس عام 1993
*
الكتاب : الحزب الشيوعي العراقي والكفاح المسلح
*
الكاتب : فيصل الفؤادي .
*
دار النشر : فيشون ميديا - فكشو
–
السويد2010
*
رقم
الإيداع الدولي:9
978-91-86417-10-
حقوق الطبع محفوظة
للمؤلف
Boken: Irakiska kommunistpartiet
och den väpnade kampen
Författaren © Faisal Alfouadi
Förlag: Visionmedia Kronoberg HB
Växjö-Sweden 2010
ISBN:
978-91-86417-10-9
2010
الإهداء
الى والدي عامل
الغزل والنسيج الصوفي
ووالدتي الطيبة
وأخوتي
الى زوجتي وابنتي
شلير
الى الأحبة
والأصدقاء والمناضلين الذين ضحوا في حياتهم من أجل الحياة
والأمل ، اليكم جميعا مودتي .
فيصل الفؤادي
تمهيـــــــــــــد
كان من المفترض أن تكون دراسة كهذه قد صدرت قبل اكثر من عشرين
عاما وبالتحديد في عام 1988 أي بعد خروج الانصار الشيوعيين من
كردستان العراق حيث كنا هناك ولمدة عشرة سنوات، نحمل السلاح ضد
النظام الدكتاتوري الذي جثم على صدور العراق والعراقيين طيلة
ما يقارب ثلاثة عقود ونيف.
بداية أود الاشارة الى ان انجاز دراسة كهذه تحتاج الى مصادر
عديدة ولقاءات كثيرة مع شخصيات ومسؤولين في الحزب وقيادته,
وممن كانوا المساهمين الفعليين في الحركة الانصارية. ولكن يمكن
القول ان جزء من هذه المهمة لم يعد ممكنا تحقيقه بسبب ان
العديد من تلك الشخصيات التي عاشت سنوات النضال الطوال , من
القريبين لمصدر القرار وكيفية أتخاذه ، قد غادر الحياة. ومع
ذلك ورغم وجود جملة من المصاعب ،اقدمت على انجاز هذا العمل
مستندا الى جملة ما متوفر من المصادر والمواد الخام وشفيعي في
ذلك ان هناك حاجة ملحة لدراسة طبيعة هذا العمل النضالي وموقعه
في منظومة اشكال النضال التي خاضها الحزب منذ تأسيسه ولحد
الان. وهذه الدراسة تعرف حدودها جيدا، فهي لا تطمح ان تكون
اكثر من محاولة أولية يطمح الكاتب أن تحفز الاخرين لبحث تجربة
الحزب الشيوعي العراقي في هذا المجال.
لقد خاض الحزب في مراحل مختلفة من تاريخه مختلف اشكال النضال ,
واكثرها كان نضالاً سرياً سواءً في العهد الملكي أو فترة حكم
العارفين أو فترة نظام صدام حسين وحتى سقوطه عام 2003 . هذا مع
العلم أن الحزب قد خاض الكفاح المسلح في فترات مختلفة ,منها
بعد انقلاب شباط الاسود عام 1963وفي فترة الانشقاق في أيلول
عام 1967, في جنوب العراق في منطقة الاهوار وأستمرت فترة
الكفاح المسلح
حوالي سنتين , وكانت الفترة الاخرى
مع بداية عام 1979 ودامت قرابة العشرسنوات , وخاض الشيوعيون
الانصار خلالها بطولات كبيرة سجلت للحزب تأريخا نضاليا متميزا
يشهد عليه كل من عاصر تلك الفترة من تأريخ العراق المعاصر.
إن
الحزب الشيوعي العراقي الذي يؤمن بالسلام ويؤمن بالعدالة لم
يتخذ ولم يلجأ الى أسلوب الكفاح المسلح , لكن الظروف السياسية
قد أجبرته على ذلك , وبغية الحفاظ على ذاته التظيمية بالاساس .
وتشير كل الوثائق الى أن الحزب حوصر من قبل الانظمة المختلفة
وقوى خارجية ومنها مخابرات دول أجنبية وعربية , حيث كان نمو
الحزب وأنتشاره بين الجماهير من أبناء شعبنا العراقي يشكل
تهديدا حقيقيا لهم، ولهذا التجأ هؤلاء الى ضرب الحزب بطرق
وأساليب متعددة, وجرى أبعاده عن الساحة السياسية لأكثر من
عقدين من الزمن , حيث أضطر لخوض الكفاح المسلح , وليس سهلا
على الحزب التضحية بصفوة من رفاقه وأعضائه من الكوادر الحزبية
المجربة .
وكما تشير التجربة فإن الفترة الزمنية التي يكون الحزب فيها
قريبا من الناس يلاحظ انتعاش الحياة وتطورها وفي مجالات عديدة
مثل التعليم والثقافة والصحة. وتعد الفترة التي عاشها الحزب في
الجبهة الوطنية التقدمية منذ عام 1973 مع حزب البعث من أفضل
الفترات التي مرت في حياة العراقيين, خاصة في الحياة المعيشية
والاقتصادية ورفاهية المواطن
واستقرار الحياة وأصبح العراق من الدول الغنية. ولو أستمرت
الاوضاع دون ان يلجأ حزب البعث
الى الاساليب الارهابية
المعروفة لكان العراق بمصاف الدول المتطورة من حيث بناء
القاعدة المادية لصناعة متطورة وزراعة واعدة , وتعليم وصحة
وغيرها، نظرا لما كان يمتلكه من موارد مالية وبشرية ضخمة مع
أستقرار سياسي وحياة دستورية.
إن إستقرار الحياة السياسية يجعل المجتمع أكثر عطاءً في كافة
المجالات , يستطيع المواطن التفكير والاهتمام بتطور الحياة
وتنوعها ويستطيع أن يقدم ما تمليه عليه مواطنته الى حد كبير .
الا أن سيطرة السلطة القمعية على مقاليد الحكم ومنذ العهد
الملكي وممارساتها القسرية الساعية الى اعتقال وتشريد وأعدام
أعضاء الحزب وأصدقائه، ومنع القوى الوطنية من ممارسة عملها
السلمي بين أوساط المجتمع , دفع هذه القوى الى أن تمارس العمل
السرى. وكان خاتمة ذلك بطش النظام الدكتاتوري متمثلا بحكم
صدام حسين واستعماله شتى الاساليب القمعية تجاه الحزب
وجماهيريه جعل الحزب يلجأ الى الكفاح المسلح كرد فعل طبيعي على
هذه الممارسات بعد استنفاذ الاساليب السلمية واصرار السلطة على
قمعها والايغال في جرائمها بين عامي (1978 و 1979 ). لقد بلغ
القمع مداه الاقصى ويمكن التدليل على ذلك من خلال المعطيات
المتوفرة التي تشير الى ان الحزب خسر جراء الهجمة الشرسة من
قبل النظام أكثر من ربع مليون شخص بين عضو وصديق ومؤازر، عدا
عوائلهم.
الدراسة تأتي في ظروف غير الظروف التي أقدمنا فيها على خوض
الكفاح المسلح وذلك النضال البطولي الطويل الذي مثل عدالة
قضيتنا ضد نظام دكتاتوري بغيض , وجاء في ظروف المتغيرات
العالمية السريعة وذلك بسقوط الاتحاد السوفيتي والمنظومة
الاشتراكية في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات , و أصبح
العالم ذا قطبا واحدا وهو الذي يحكم بعدالة هذه القضية أم لا
.حيث الولايات المتحدة الامريكية تناصر حلفائها في كل أرجاء
العالم وأصبحت هي الحاكم والناهي في قضايا الشعوب ومصائرها ,
وتقف ضد كل من يعادي سياستها الرعناء أو يناقضها .
أن
القانون الدولي وقرارات الامم المتحدة لا تسمح لاي دولة
بالهجوم على دولة عضو في الامم المتحدة وأحتلالها وهدم البنية
التحتية لهذه الدولة , فقد أحتلت بلادنا وخربت جميع مؤسسات
الدولة وقواته المسلحة ,حيث تنفذ أجندة خاصة بها , ومنها
للسيطرة على منابع النفط في المنطقة وقد أدى هذا الاحتلال الى
مقتل مئات الالاف من أبناء شعبنا العراقي حيث لم تكن نتأئجه
وعواقبه محسوبة حتى من قبل الذين ساعدوا قوى الاحتلال والذين
أعتقدوا أن أبناء شعبنا سوف يلوحون بالورود للاحتلال
ويستقبلونهم أستقبال الفاتحين في حين جاء ت الامور على عكس
ذلك .
أن الحزب الشيوعي العراقي يعتبر من الاحزاب المهمة والمتميزة
والعريقة في الشرق الاوسط وله تأريخ نضالي معروف بين اوساط
شعبنا العراقي وشعوب المنطقة , ولهذا تاتي هذه الدراسة للاطلاع
على موقفه من الكفاح المسلح الصعب والمكلف بشريا وماديا،
وتسليط الضوء على أبرز مراحله , أمل أن أوفق في انجاز هذه
المهمة رغم اعترافي مقدما بصعوبتها .
وبودي أن أقدم الشكر والامتنان للدكتور صالح ياسر على الجهد
الذي بذله في مساعدتي وفي أبداء ملاحظاته القيمة , وأوجه كذلك
الشكر الى الاصدقاء الدكتور عقيل الناصري وفرات المحسن وجاسم
هداد وحمودي عبد محسن وهادي الجيزاني وبهجت هندي وعبد الرزاق
محسن كاظم وأتحاد الجمعيات العراقية في السويد , وللاصدقاء
الاخرين الذين ساعدوني في أنجاز هذا العمل .
فيصل الفؤادي 1 تشرين الاول 2008
ستوكهولم .
المقدمة
الكفاح طريق الحرية
كان العصر الذي عاشه سبارتاكوس حافلا بالأحداث ، ومن تجربته
ووعيه خلص إلى نتائج سديدة وخبر طبيعة الدولة الإمبراطورية
الرومانية بحكمها التعسفي الاستبدادي والظلم الاجتماعي ،
وتسامى فكره إلى ذروة ورقي الكفاح ضد العبودية والتحرر من
قيودها ، كان ذلك الكفاح هو الكفاح المسلح ، كفاح العنف ضد
العنف ، إذ لا طريق آخر لنيل الحرية سوى معركة الدماء ، ولهذا
كان يهتف بخطاباته لرفاقه : عاشت الحرية ...لتسقط روما ...
هكذا سميت ثورة العبيد ...فالتحق به جيش كامل من العبيد
والفقراء والمشردين ، وصل عددهم مئة ألف مقاتل ، فراح يقودهم
في معارك ضد الجيش الروماني ضمن تجربته الميدانية ضمن الجيش
الروماني , ثم هرب وألقي القبض عليه ليودع في مدرسة المبارزين
والمصارعين ، وكانت تضم أثنين وسبعين عبدا ، استطاع أن يكسب
ثقتهم ويقنعهم بالثورة. ففي عام 73 ق م نضم هجوما على مطابخ
المدرسة واستولى مع جماعته على السكاكين وبها هزموا الحراس ،
ثم انطلق بهم بعد تحررهم إلى جبل فيزوفيوس ، ومن هناك نضم
الكفاح المسلح وراح يطارد مؤخرة الجيوش الرومانية ، ويعترض على
قوافلها ، ويفرض عليها معارك في الوديان بعد أن يحاصرها
ويبيدها ، فكان يستخدم الكر والفر وأحيانا يفرض المعركة على
العدو، حيث تكون تضاريس الأرض لصالحه، حتى استطاع أن يسيطر على
مناطق واسعة من الجنوب الإيطالي عام 72ق.م ,وكان يحاول الذهاب
إلى الألب ويتحصن بها إلا أن بعض مقاتليه أصروا التحرك باتجاه
لوسنيا ، وقرب لوسانيا حدثت المذبحة التي خطط لها قائد روماني
محنك وكانت آخر معركة ، وقتل سبارتاكوس فيها وصلب الآلاف من
المقاتلين على الطرقات وفي الساحات العامة . هكذا كانت قيم
ثورة العبيد ضد الظلم الاجتماعي ومن أجل العدالة وضحى العبيد
بأنفسهم من أجل كسر القيود والتحرر . وقد أثبتت تجربة الكفاح
المسلح للعبيد أنها :
-
أولا: أنها حرب غير تقليدية ، وتجنبت المواجهة المباشرة على
ساحة مفتوحة إلا في المعركة الأخيرة التي خسرها العبيد بعد أن
حاصرهم الجيش الروماني .
ثانيا : كان العبيد يختارون الزمان والمكان المناسبين للمواجهة
وفرض المعركة .
ثالثا : وغالبا ما اعتمدوا المباغتة بأسلحتهم البسيطة اتجاه
جيش نظامي مسلح تسليحا جيدا .
لو
راجعنا تاريخ العرب قبل الإسلام لوجدنا ظهور حركة جديرة
بالاهتمام والتي استخدمت الكفاح المسلح لغرض نبيل وهي حركة
الصعاليك في الجزيرة العربية التي كان من اشهر شخصياتها عروة
بن الورد ، والحركة تتألف من فئة الشعراء التي تمردت على
قبائلها وسلطتها وعاداتها وتقاليدها ، وكانت تمون نفسها من
خلال غزواتها على القبائل وتجرد الأغنياء من ثرواتهم وتوزعه
على الفقراء والمحتاجين . أما في العهد العباسي فظهرت حركتان
مهمتان ، الأولى القرمطية : وبداياتها كانت في العراق - الكوفة
البصرة – ثم شملت أغلب الدولة العباسية تقريبا في عهد المعتضد
وقد أنهكت الدولة العباسية. وكانت الحركة ذات اتجاهات سياسية
دينية ، واشتهر فيها حمدان بن الأشعث الملقب بقرمط . كذلك ظهرت
ثورة الزنج في البصرة التي قادها علي بن محمد بغية تحرير
العبيد من البؤس والحرمان ومن الظروف القاسية والسيئة ، ودامت
حركة الزنج أكثر من 14 عاما. وتعد في نظر الكثير من الباحثين
والمؤرخين إنها أول ثورة اشتراكية منظمة في التاريخ حيث كانت
تنتزع ملكيات الأسياد وتسلمها للعبيد ...
وعلى امتداد التاريخ فأن هذه المبادئ هي ذاتها التي اعتمدتها
حركات التحرر في التاريخ الحديث ، والتي تطورت إلى الانتفاضة
المسلحة أو الثورة المسلحة وصار أيضا يطلق في الأدب السياسي
على بعض الحركات حرب عصابات أو بؤر ثورية أو بارتزان سواء كانت
في الأرياف أو الجبال أو الأهوار ومناطق المستنقعات . وهنا
لابد أن نشير إلى ثورة 2 مايو 1808التي كبدت جيش نابليون
بونابرت خسائر فادحة في اسبانيا .كانت الإمبراطورية الاسبانية
تدور في حروب كثيرة ، وقد أنهكتها الصراعات على السلطة عندما
كان كارلوس يحكم اسبانيا آنذاك الذي تنازل له والده فرناندو
السابع عن العرش إلا أن نابليون حاك مؤامرة بمهارة وسرية فطوقه
هو وعائلته وأخذه محتجزا إلى مدينة مايونا حيث أرغمه على
التخلي عن العرش لوالده ، ثم نصب نابليون أخيه جوزيف حاكما على
أسبانيا ، بعد فترة أنكشف الأمر للشعب فأعلن ثورته المسلحة عام
1808 كما أشرنا إلا أن الدور الكبير الذي لعبه الفلاحون لا
ينسى على الإطلاق فكانوا يغيرون على بقايا الجيش وثكناته
وقوافله ثم تطورت إلى معارك مدن خسر فيها جيش نابليون .
أما
لو تطرقنا إلى البرتازان الذي بدأ تشكيله أثناء الحرب العالمية
الثانية في دولة السوفيت ويوغسلافيا، فقد لعبت هذه الحركة دورا
بارزا في إزعاج الجيش النازي وإلحاق الأضرار الجسيمة به ،
وتشكلت هذه الحركة بسرعة وضمت في صفوفها الملايين من الشعب
السوفيتي و لجأت في كفاحها إلى الغابات حيث كانت تقوم بعمليات
عسكرية عظيمة شهدت لها ساحات الحرب وقدمت الحركة شهداء أبطال،
فكان أبطالها يهاجمون عدوهم وفي أياديهم قنابل التفجير وهم
يهتفون باسم الوطن السوفيتي ، لقد أدهشت تلك الحركة الأنصارية
العالم بتضحياتها ، وأوجعت الجيش الغازي النازي وكبدته خسائر
كبيرة في الأرواح والمعدات ، وقد تشكلت تلك الحركات من بقايا
الجيش المنقطع عن وحداته ومن منظمات الحزب وكذلك من فلاحي
القرى في المناطق والجمهوريات التي أحتلها الألمان، ، وكان
الشعب السوفيتي يدعمها فكانت حركة جماهيرية واسعة لذلك لقت
نجاح لا نظير له ، وقد ساهمت المرأة السوفيتية بدور بارز في
هذا النضال العسير وكان للبارتزان أهداف محددة :
أولا – عرقلة حركة الجيش النازي بنسف جسور امتداداته وخطوط
اتصالاته .
ثانيا – اعتماد الكر والفر في ضرب وحداته العسكرية ، وكانت
حاسمة وسريعة .
ثالثا – ضرب تواجد قوات العدو ومراكز قياداته ، وإسناد قوات
الجيش الأحمر وإشغال العدو في معارك جانبية .
أما
في أوربا وخاصة فرنسا وايطاليا فقد شهدت حرب عصابات أيضا وكانت
تقوم بضرب الجيش النازي والفاشي ضربات حاسمة وسريعة ، وكان لها
امتدادات في المدن مهماتها القيام بتحريض الشعب على المقاومة ،
وكانت تقوم بعمل سري مثل اغتيالات شخصيات العدو ووضع المتفجرات
في أماكن لهو ضباطه ، وقد كتبت الروايات والقصص عن ملاحم
بطولات الشعوب في مقاومة النازي والفاشية .
ونعود إلى الحرب التحررية الفيتنامية التي لعب فيه دور قيادي
بارز القائد هو شي منه ، وكذلك القائد العسكري جياب ، فقد كانت
في مقدمة أهدافها التحرر والاستقلال. ففي عام 1941 شكل (هو شي
منه ) اتحاد استقلال فيتنام وقد اختار طريق الكفاح المسلح من
الاستعمار الفرنسي وحشد الشعب لاستخدام العنف وهو الطريق
الوحيد للتحرر والاستقلال ونيل الحرية من مستعمر شرير ، هكذا
بدأ الكفاح المسلح على شكل عمليات عسكرية مسلحة حتى تطور إلى
حرب المواجهة والجبهات 1946 – 1954 فشن الفيتناميون حرب ضروس
تكلل بانتصارهم العظيم في 8 مايو 1954 في معركة ( ديان بيان فو
) التي هزمت فرنسا فيها إلى الأبد مما أجبرها اعلى الرحيل عن
فيتنام ، ليحل بدلها مستعمر أكثر وحشية، ألا وهو الولايات
المتحدة الأمريكية التي أستخدمت أبشع الوسائل في القتل
والتعذيب والابادة، فقامت باستخدام قنابل النابالم لتسقطها فوق
القرى الآمنة ليلف الموت أكثر من مليون قتيل وثلاث ملايين جريح
وأكثر من عشرة ملايين نازح ، هذه الحرب التي بدأت عام 1956
وانتهت عام 1973 التي وقف ضدها الشعب الأمريكي بمظاهراته
المتواصلة إلا أن الشركات الرأسمالية الاحتكارية كانت تشجعها
وتمولها بالسلاح إلا أن ذروتها وصلت عندما شنت جبهة التحرير
الفيتنامية كفاح شامل على أكثر من مئة هدف عسكري في آن واحد
وكانت طبيعة الأرض والمناخ تخدم الثوار وسمي هذا الهجوم هجوم
( تيت ) مما أجبرها على الدخول في مفاوضات مع الفيتناميين. وفي
عام 1972 شن الثوار هجوما كاسحا من الجبال وحتى من داخل المدن
على القوات الأمريكية، انتهى الغزو بهزيمة شنيعة للولايات
المتحدة الأمريكية وأعلن عن قيام اتحاد فيتنام الشمالية
والجنوبية .
أما
بالنسبة إلى أمريكا اللاتينية فقد فجر الشاب كاسترو محاولة
لإشعال حرب تحرير في كوبا، حين قام بمحاولة ثورية أولى أدت به
إلى السجن ، وعندما أطلق سراحه التحق بأصدقائه الثوار في
المكسيك ، ومن هناك أبحروا إلى الشواطئ الكوبية في قارب شراعي
عائدين إلى بلدهم ليحرروه من الدكتاتورية ، وقد أطلقت هذه
المجموعة على نفسها حركة 26 يوليو وكان معهم الثائر العظيم
تشي جيفارا الذي أصبح أمثولة لفقراء العالم وكادحيه وعشاق
الحرية ... توقف القارب عام 1956 عند شواطئ كوبا ، وواجهت
مجموعتهم وهم اربعون ثائرا معركة مع قوات باتيستا مما اضطرها
الانسحاب إلى الجبال ، وقام كاسترو ورفاقه بعد ذلك بشن حرب
عصابات من الجبال . لقد دعم الشعب الكوبي هذا الفعل الثوري
وسانده ، مما اضطر باتيستا للهروب عام 1959 أثر إضراب عام جاء
تلبية لخطاب قائد الثورة كاسترو . ودخل تشي جيفارا مع ثلاثمائة
مقاتل إلى هافانا . أن من مميزات تلك الثورة هي ارتباطها
بالشعب ، وجسدت طموحه بالتخلص من الدكتاتورية . هنا لابد من
الحديث عن تشي جيفارا هذا الشاب الأرجنتيني الطبيب المقاتل من
أجل الفقراء ، إذ طاف دول أمريكا اللاتينية وعرف ظلم الحكومات
العميلة للامبريالية العالمية للشعوب فرأى الظلم الموجه
للمزارعين ، واستغلال عمال مناجم النحاس ، رأى أشياء كثيرة من
مآسي الشعوب جعلت منه ثوريا مكافحا وهب حياته من أجل العدالة
والمساواة ، هذا الشاب ترك المناصب في كوبا بعد انتصار ثورتها
ليجسد كلماته النبيلة ( أينما وجد ظلم فهذا عالمي ) .هذا
الإنسان المحب للأدب الإنساني سافر إلى الكونغو لينضم الى
ثورتها عام 1967 مع باتريس لومومبا ضد الاضطهاد الامبريالي ،
وليظهر فجأة من نفس العام في بوليفيا ، وليقاوم عملاء CIA
بين الصخور والأحراش ويعلن ثورته على الطغاة وتبدأ معركة بين
16 ثائرا وجيش مدجج بالسلاح ، استشهد رفاقه ودمرت بندقيته ،
وضاع مسدسه ، ونفد الرصاص إلى ساقه ، قاوم بالحجارة ، والتراب
، ثم قبض عليه الطغاة ونقلوه جريحا إلى قرية ( لاهيجير ) في (
غابة فالي غراندي ) ثم ألقوه على الأرض مخضبا بدمائه ، وكانت
عيناه شبه مغمضتين ، الأرض تحتضن دمه النازف ، ووجهه يطالع
السماء ، بتروا يده النبيلة التي أرعبتهم للتعرف على بصماته ،
وبقيت بعده كلماته التي ترددها الشعوب الفقيرة : لا أعرف حدودا
فالعالم كله وطني .
ومن
كل ما تقدم أعلاه من لمحة لاستعراض تاريخي عن رؤيتي للكفاح
المسلح ، أجد لابد من الإشارة إلى أن الكفاح المسلح هو شكل راق
من أشكال النضال ، وهو أيضا منظم ، وله زعماءه وقادته ، وقد
يكون عفويا في بدايته ، ثم يتخذ التنظيم مساره الأساسي ، أو
قد يكون نضال الشعوب سلميا ضد الغازي المحتل أو ضد دولة
الاستبداد الإرهابية ثم يتحول فجأة أو تدريجيا إلى نضال مسلح
وهذا يعتمد على الظروف الذاتية والموضوعية التي تمر بها البلاد
، خاصة توقيتها ، وحسن قيادتها ، واقتناع الجماهير بها ، والتي
تقاوم الظلم والاستبداد لتدافع عن مصالح الطبقات الفقيرة
والمظلومة ، وهنا لابد أن نحدد أشكال الكفاح المسلح :
أولا : الانتفاضة المسلحة .
ثانيا : الثورة المسلحة .
ثالثا : حرب العصابات .
لقد
تطرقت من خلال تجربتي إلى حركة الأنصار التي ساهمت فيها ، هذه
الحركة التي أضفت شيئا جديدا في تاريخ الحزب الشيوعي ، وتاريخ
العراق المعاصر والتي اتسمت بطابعها العراقي لتواجه قوة وضخامة
جيش مدجج بأحدث الأسلحة ، ولتواجه أعنف وأشرس دكتاتورية فاشية
تستخدم الأسلحة الكيميائية ضد أبناء الشعب ، ليتوج نضال الشعب
العراقي في انتفاضته الباسلة انتفاضة آذار عام 1991 حيث انهارت
الآلة العسكرية الضخمة أمام حشود الجماهير ولم يشفع
للدكتاتورية وينقذها من غضب الشعب غير ارتباطها بالاحتكارات
الدولية واستخدامها الأسلحة الفتاكة والقسوة المفرطة لاستعادة
سيطرتها.
تتناول هذه
الدراسة موضوعة مهمة في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي , هي
الكفاح المسلح ومدى استجابة الحزب اليها عبر تأريخه النضالي
الطويل , حيث وطبقا للمعلومات المتوفرة لا توجد دراسة مستقلة
تعبر بشكل واضح وصريح وصحيح موقف الحزب منها ومدى علاقته بهذا
الشكل النضالي الذي أتخذ في مراحل معينة من هذا التاريخ ،
باستثناء وثيقة تقييم الحركة الانصارية التي عالجت فترة محددة
(ما يقارب الـ 10 سنوات فقط 1979 - 1988) .
لابد اذن من مناقشة هذه الموضوعة بشفافية بعيدة كل البعد عن
التطرف بقدر ما يراد لها أن تكون دراسة متوازنة تعتمد بالاساس
على التوقف عند تلك الظروف التي ساقت الحزب الى اعتماد هذا
الشكل النضالي، وذلك بالاعتماد على المصادر المتوفره من الكتب
والوثائق الرسمية الصادرة عن الفعاليات الحزبية المركزية وعلى
اللقاءات بالشخصيات الحزبية التي ما زالت على قيد الحياة والتي
شاركت العمل الانصاري في مختلف مراحله.
لقد قيم الحزب الشيوعي العراقي أشكال النضال وظروفه من خلال
مؤتمراته الثمان التي عقدها , الا أننا نحتاج أن تكون دراسة
هذه الموضوعة من قبل اخرين سواء اكانوا من رفاق في الحزب أو
مستقلين , و بروح حيادية تعتمد في تحليلها على الجوانب العلمية
والمبدئية, خاصة وان فترة هذه الدراسة تبدأ منذ تأسيس الحزب
حتى أنعقاد مؤتمره الخامس الذي عقد في عام 1993. وسنعتمد في
معالجة هذه القضية على دراسة مكثفة لمختلف مراحل حياة الحزب
السياسية والحكومات المتعاقبة وموقفه منها .
وتحتاج الدراسة الى أستنتاج يثبت الحقيقة التأريخية لهذه
الموضوعة , التي تحتاج الى تعديل دائم مادامت هي دراسة أولية
بخصوص قضية معينة , حيث تتباين الاراء والافكار والمعلومات .
كما
وتحتاج الدراسة الى فهم الظروف الداخلية للحزب ومواقف قيادته
وأعضائه من تلك الظروف .
وأزعم ان هذه الدراسة هي الاولى التي تبحث هذه الموضوعة وهنا
تكمن خطورتها لانها مطالبة بتحديد الموقف المبدئي من قضية
تتنوع المواقف بشأنها، طبقا لمعطيات ملموسة ومدروسة.
وربما
اعطاء بعض الاراء والمواقف التي قد لا تعجب الاخرين , ولكننا
نضعها للتأريخ و هو صاحب الحقيقة .
تقع الدراسة في أربعة مباحث. يتناول المبحث الاول الفترة
الممتدة منذ تأسيس الحزب عام 1934 حتى اندلاع ثورة 14 تموز
1958. اما المبحث الثاني فيعالج الفترة الممتدة منذ ثورة 14
تموز 1958 ولغاية وقوع انقلاب شباط الاسود عام 1963. في حين
يتناول المبحث الثالث المرحلة الممتدة من 1963 وحتى أيلول
1970. ويكرس المبحث الرابع لدراسة الفترة الممتدة من عام 1970
ولغاية عام 1993، أي حتى انعقاد المؤتمر الخامس للحزب. ومنعا
لاي التباس نود الاشارة هنا الى ان التركيز سيكون على المرحلة
الثالثة والرابعة .
المبحث الاول
الفترة الممتدة منذ تأسيس الحزب عام 1934 حتى اندلاع ثورة 14
تموز 1958
قبل وبعد تأسيس الدولة العراقية في عام 1921 , عارض كثير من
فئات شعبنا الاحتلال البريطاني، وكان لثورة العشرين تأثيراً
كبيراً على مسار الحياة السياسية العراقية. وبرغم مجيء ملك
حجازي للتهدئه الا أن شعبنا قال كلمته من خلال موقفه الرافض
للاحتلال ومقاومته له , واصبحت الفئات الوطنية والمثقفة من
أبناء شعبنا خلال هذه الفترة تلعب دورا متميزا في توعية
الناس البسطاء وتوضيح دور المحتل وأساليبه الخبيثة في بث روح
الفرقة بين أبناء شعبنا العراقي، وقد نجح في بعضها والدليل على
هذا الرفض , حدوث الكثير من الانتفاضات في المدن والارياف .
وقد
كانت اتفاقية 1930 الاسترقاقية التي كانت شرارة أنتفض فيها
شعبنا من أجل انهاء الاحتلال البريطاني والنضال ضد عملائه
والموالين له من النظام الملكي . ونتيجة لهذه الاوضاع التي
سادت البلاد وأوضاع شعبنا الاقتصادية وتدهورها خاصة بعد اندلاع
الازمة الاقتصادية العالمية في عام 1929والتي تأثر بها العراق
نظراً لكونه أحد مستعمرات المملكة البريطانية العظمى., ونتيجة
لهذه الظروف الموضوعية تأسست لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار
نهاية أذارعام 1934 والتي اتخذت في تموزعام 1935 اسم الحزب
الشيوعي العراقي , والذي وضع الاسس العامة في النضال الوطني
والطبقي ضد أعداء شعبنا العراقي من المحتلين والبرجوازيه
الكومبرادورية الموالية للمحتل وكذلك ضد الجور والاعتقال
والقتل والاهمال الذي عانى منها ابناء شعبنا طيلة وجود الحكم
الملكي الذي كان يسير بنهج المحتل ومخططاته المعروفة .
واستنادا الى العرض المكثف اعلاه يمكن الاستنتاج بأن الحزب
الشيوعي العراقي تأسس في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة للغاية،
و جاء تعبيرا حقيقيا عن ارادة الفئات المسحوقة من العمال
والكادحين من أبناء شعبنا. ويعود للحزب التأثير الكبير في
تطوير وتوعية أبناء وبنات شعبنا , فقد سانده الالاف من مختلف
شرائح وطبقات وفئات المجتمع العراقي. كما واصل الحزب نضاله
مستخدما مختلف الاساليب ضد اعدائه الطبقين والمحتلين
البريطانين و أعوانهم ورجالهم الذين خدموا المحتل وساندوه في
أصدار القوانين والقرارات والمعاهدات والاتفاقات ومنها معاهدة
1930 الاسترقاقية.
وشهدت هذه الفترة ظهور العديد من الاحزاب والقوى الوطنية
والديمقراطية التي كانت تنادي بخروج المحتل، ولوحظ اندلاع
العديد من الهبات والانتفاضات الشعبية التي كان لها صداها
الكبير والمحفز في وسط الشارع العراقي. وقد لعبت صحافة
المعارضة ومنها صحافة الحزب الشيوعي العراقي دورا مهما في
التأثير على المجتمع وعيا وأدراكا وتنويرا أضافة الى دور
المثقفين في التأثير بشكل مباشر وغير المباشر من خلال الشعر
والقصيدة والقصة والمقالة ... الخ.
وقد
حمل النظام الذي ساد خلال هذه الفترة المسوؤلية التاريخية في
استعماله للعنف أزاء معارضية ومنها ما قام به اثناء أنتفاضة
عام 1948 التي راح ضحيتها بعض الطلاب بين شهيد وجريح , أضافة
الى أعتقال اعدادا كبيرة, وأعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي
في شباط 1949 لانهم كانوا يعارضون النظام ويحملون أفكارا
للتغير. لهذا يمكن القول انه كان لاساليب النظام الملكي
وممارساته القمعية والتعسفية في الاربعينات والخمسينات من
القرن العشرين تداعيات صعبة واثار سلبية على أبناء شعبنا
العراقي وبالذات الخسارة التي مني بها الحزب الشيوعي العراقي,
عندما تم اعدام قادته الاماجد: فهد وحازم وصارم.
وبغض النظر عن ما يقال بشأن النظام الملكي فان التجربة
الملموسة تشير الى انه لم يعط أية ديمقراطية سياسية حقيقة , بل
وضع كل السلطة بيد نظام وزاري دكتاتوري وبرلمان كارتوني بل
حتى هذا البرلمان عُطل وحُل في عام 1954 في دورته الرابعة عشر
أثر فوز 11 نائبا من المعارضة من مجموع 135 نائباً. وخلال هذه
الفترة جرى اصدار قوانين تمنع نشاط الحزب الشيوعي العراقي
والاحزاب الديمقراطية والقومية، كما قامت الحكومة بأسقاط
الجنسية عن كثير من المناضلين المعروفين، في حين كان سجن
(نقرة السلمان ) الصحراوي ينتظر الكثير من المناضلين الذين
يطالبون بالديمقراطية وحرية الرأي والتعبير والمشاركة السياسية
, هذا اضافة الى اكتظاظ السجون في كل من الكوت وبعقوبة وبغداد
وغيرها بالمئات منهم . ورافق ذلك كله اقدام السلطات الحكومية
على اتخاذ الكثير من الاجراءات التعسفية كسياسة الابعاد
والمراقبة وغيرها, والتي سنأتي على تفاصيلها لاحقا، وهي
اجراءات وممارسات كان هدفها الاساسي اسكات أي صوت معارض
لممارساتها القمعية واجراءاتها التعسفية .
وبمقابل ذلك شهدت تلك الفترة تفاقم صعوبات الحياة المعيشية
لقطاعات واسعة من السكان وخاصة العمال منهم لهذا شهدت البلاد
اندلاع الكثير من الاضرابات ومنها , اضرابات العمال في قطاع
النفط في كاورباغي و معامل الشالجية والسكك , من أجل نيل
حقوقهم و تحسين ظروفهم المعيشية وفي مقدمتها زيادة الرواتب.
ورغم استجابة السلطات الحكومية للبعض من تلك المطالب الا انها
لم تستجب للكثير منها ، الامر الذي دفع العمال لمواصلة النضال
البطولي حتى تحقيق مطالبهم العادلة. وقد ارتبط هذا النضال
الطبقي مع النضال الوطني لطرد المحتل، واسترجاع حقوق الشعب
العراقي، واقامة حكومة وطنية تستند الى ارادة شعبنا وقيمه في
الحياة الحرة الكريمة والاستقلال الوطني الناجز . وقد عانت
الجماهير الكادحة من ظروف الحياة الاقتصادية الصعبة لارتفاع
الاسعار وقلة المواد الغذائية خاصة أبان الحرب العالمية
الثانية . وقد حدد الحزب الشيوعي العراقي في وثائقه البرنامجية
سمات الاقتصاد العراقي قبل ثورة تموز (ورث العراق اقتصادا شديد
التخلف , وحيد الجانب , مشوه التركيب نتيجة السيطرة
الاستعمارية طويلة الامد والنهب الامبريالي لثرواته الوطنية
وتبعيته للسوق الرأسمالي العالمية وادائه لوظيفة متخلفة غير
متكافئة في اطار التقسيم الدولي للعمل باعتباره مصدرا للنفط
وبعض المواد الاولية ومستوردا للسلع المصنعة ونتيجة لسيادة
العلاقات الانتاجية شبه الاقطاعية في الزراعة وتخلف القوى
المنتجة المادية والبشرية )
.
ونمت الطبقة العاملة بشكل مضطرد والتي تحملت أوزار ارتفاع
الاسعار وقلة الاجور وظروف معيشية وغذائية وحياتية صعبة للغاية
.
وطيلة فترة نضال الحزب في المرحلة الملكية كان أكثر مناضليه
في السجون والمعتقلات ويعانون من المضايقات وظروف الحياة
الصعبة. ( ارسلت أفواج جديدة وجديدة من الاخيار والاحرار الى
السجون ودفع المئات والمئات من الوطنيين وعلى مختلف المشارب
والاتجاهات الى المعتقلات ... .. المثقفون والعمال والطلبة
وكل مستاء وضمير حي ونزاهة لوحقوا وطوردوا ونكل بهم وشردوا .
.. كان ذلك السجن الكبير وفي الوسط منه سجنهم الصحراوي الصغير
تكثيفا و تجسيدا ورمزا للعبث والاستهتار)
.
(
وفتح المئات من السجانين وافراد الشرطة النيران الوحشية لتحصد
الارواح وتمعن في الاخرين تجريحا ).
ولقد عانى الحزب الشيوعي العراقي والحركة الوطنية من الاضطهاد
والاعتقال والتنكيل وزج بأعداد كبيرة من المواطنين من شيوعيين
ومستقلين وقوميين في السجون , اضافة الى الفصل من العمل
والكليات والمدارس الثانوية والابعاد القسري، داخل البلاد
وخارجها ، وغير ذلك من الممارسات غير ألانسانية .
وتمخض عن تلك الممارسات التعسفية استشهاد العشرات من المواطنين
ومن ذوي مهن مختلفة, عمال وموظفين وطلاب وغيرهم. ففي أنتفاضة
كانون الثاني 1948 أستشهد 5 من طلبة الكليات والمعاهد الذين
سقطوا في نهر دجلة أثناء معركة الجسر أضافة الى المواطنين
الذين أستشهدوا في المحافظات الاخرى, كما أستشهد في انتفاضة 23
تشرين الثاني 1952 عدد من الطلبة اضافة الى سقوط جرحى باعداد
كبيرة، وكان من ضمن الشهداء النقابي المعروف (طلعت لازار) وهو
من نقابي شركة نفط البصرة .
لقد عمل الحزب الشيوعي العراقي ومنذ تأسيسه على تطوير عمله
التنظيمي وبشكل سري، وأخذ يتوسع في مناطق بغداد والناصرية
والبصرة حيث الارض الخصبة في تقبل هذه الافكار وكانت منبع
المناضلين، ثم أخذ الحزب يمتد الى المناطق الكردية وهكذا أنتشر
الفكر الشيوعي ليعم كافة ارجاء العراق. ولولا حنكة وصلابة
وامكانية وأفكار القادة الاوائل وتضحيات مناضليه ومناضلاته في
خوض النضال , لما استطاع الحزب ان يستمر بهذه القوة والزخم
والتطور, متحديا عسف السلطات الحاكمة المعادية للشعب و للحزب
وهي التي منعته من ممارسة عمله بشكل علني بالرغم من تقديمه
طلبا للسلطات الحكومية للحصول على اجازة تتيح له العمل بشكل
علني.
انعقد الكونفرس الاول للحزب في العاصمة بغداد وذلك في شباط
1944 وشاركت به أغلب المنظمات الحزبيةعدا منظمتين لم تتمكنا من
المشاركة. أقر الكونفرس ميثاق الحزب الوطني , وتمخضت عنه
مجموعة مطالب واهم البنود التي وضعها الرفيق فهد (يوسف سلمان
يوسف ) هي: ( نناضل من أجل سيادتنا الوطنية لنجعل قطرنا حقيقة
لا لفظا. ونناضل من أجل حكومة تعمل لمصلحة الشعب وجهاز حكومي
ديمقراطي ... الخ، أضافة الى مطالب أقتصادية وضد الاحتلال
وغيرها ) ,وصاغ الاهداف الاساسية للثورة الوطنية الديمقراطية .
أما
المؤتمر الوطني الاول فقد عقد في بغداد في شباط 1945 وتحت
شعار: ( قووا تنظيم حزبكم الشيوعي , قووا تنظيم الحركة الوطنية
) وحضره 27 مندوبا، وناقش التقرير المقدم من قبل سكرتير الحزب
فهد , الاوضاع الداخلية والعلاقات العراقية - البريطانية ودور
المعارضة والحكومة , أضافة الى تصاعد النفوذ الامريكي في
المنطقة وذلك للاستحواذ على النفط في المنطقة العربية والشرق
الاوسط , وكذلك ناقش المؤتمرمشروع النظام الداخلي والبرنامج
وأقرهما وبهذا أنهى الثغرات والنواقص التي تسببت في حدوث
الانقسامات العديدة التي شهدها الحزب .
واعتمد الحزب النضال السلمي ضد أعدائه وذلك من خلال التظاهرات
والاحتجاجات اليومية للعمال والكسبة وغيرها, والدعوة الى تغير
القوانين الجائرة بحق أبناء الشعب من العمال والفلاحين وعموم
الكادحين ومن أجل تغير ظروفهم المعيشية بالشكل المطلوب
والوقوف ضد محاولات النظام الملكي في عقد الاتفاقيات المختلفة
مع الاحتلال البريطاني والذي توجت في معاهدة بورت سموث 1948
والتي الغيت نتيجة لهذا النضال وقدم ابناء شعبنا شهداء لهذه
الانتفاضة ومنهم جعفر الجواهري وقيس الالوسي وغيرهم .
تركيبة الحكومة الملكية
من المعروف أن
المجتمع العراقي كان في بداية القرن العشرين مجتمع فلاحي
عشائري يرتبط أرتباط وثيق بالارض وهو مجتمع يتكون من عدة
أقليات وأديان .ومع التطور الزمني تطورت المدن وتوسعت وعند
تأسيس الجيش العراقي 1921أنضم اليه كثير من أبناء العوائل ,
خاصة المتمكنة وذو العلاقات الخاصة أيضاً ودخلوا الدورات
العسكرية وأصبحوا ضباط في الجيش العراقي وذو مراتب عليا وتعززت
ثقافة عسكرية مهنية وكان لهذه المؤسسة دورا كبيرا في الجانبين
السلبي والايجابي أي الاسهام في قمع الانتفاضات التي تطالب
بحقوق المواطنين , أو في التغير كما حدث في ثورة 14 تموز .
وكانت فترة الثلاثينات من القرن السابق فترة بناء وتأسيس لبعض
المؤسسات والمعامل , وعلى أثر ذلك نشأت طبقة عاملة أخذت على
عاتقها تطوير العمل المهني والصناعي . ونشأت طبقة عاملة في
مؤسسات مهمة منها السكك والمؤاني , أما في المعامل فكانت
الطبقة العاملة أقل عدداً , ولم تكن البرجوازية الصناعية
متطورة وذات أمكانيات كبيرة , وبتقديري لم يكن الصراع محتدم
بدرجة كبيرة بين البرجوازية والطبقة العاملة برغم المظالم التي
عانت منها الطبقة العاملة في كثير من المعامل الانتاجية
والخدمية . في نفس الوقت تأسست بعض النقابات ومنها نقابة أصحاب
المهن ونقابات أخرى كانت بطور التكوين والتي كان لها دورجيدا
في الدفاع عن مصالح العمال والكادحين ... الخ .
وفي
الفترة الزمنية نفسها تطورت شريحة جيدة نسبياً من الطلبة
الواعيين الذين عملوا وأسسوا بعض المنظمات والجمعيات التي
تناضل من اجل مصالح الطلبة والشعب وضد الحكم الملكي المدعوم من
الاحتلال البريطاني من خلال النشر في الصحافة والفعاليات
المختلفة وهؤلاء الذين كونوا جيل الرواد للفكر الاشتراكي , كما
يشير د. عقيل الناصري . وتطورت الحالة الاقتصادية الاجتماعية
في العراق بشكل متسارع في بعض المجالات حيث نشأت الكمبرادورية
التي تسعى الى تطوير وضعها في المدينة والتي عملت فيما بعد على
أمتلاك وبناء بعض المعامل الصغيرة ذات الانتاج السلعي
والرأسمالي بحدود ضيقة وبالتالي تكونت شرائح جديدة من المجتمع
العراقي .
أما
الحكومة الملكية فقد تجسدت بمجموعة من العائلات الميسورة من
الاستقراطية التقليدية وبعض من الضباط الذين تولوا مسؤوليات
محددة وقد طورت الطبقات الاجتماعية الاقتصادية بعض الانماط من
الانتاج المحلي التي أرتبطت أرتباطا عضويا بما هية القوانين
التي تخدم تلك المصالح . كما وقد تطورت الفئات في المجتمع
الاقطاعي التي أصبحت مالكة لبعض مفاصل الحياة الاقتصادية
المدنية من خلال توظيف رأسمالها في الانتاج الاجتماعي الذي
يرتبط أصلا في الجانب الزراعي , بالرغم من تخلف القوى المنتجة
.وأصبحت الاقطاعية وبعض المتنفذين من العشائر وكبار رجالات
الجيش وموظفي الدولة الكبار والميسوريين والاغنياء وبعض رجالات
الدين يمثلون قاعدة النظام الاجتماعية والذين يدافعون عن نظام
الحكم بكل زمان ومكان وذلك مرتبط بقوة ودعم وتعاون الاحتلال
البريطاني وحلفائه .
إن
أهم ما يميز مرحلة الحكم الملكي حتى الجمهورية الاولى هو ما
يلي :
1-
حكومة ملكية يقودها ملك أجنبي طرد من سوريا, أتي به
البريطانيون لينفذ سياستهم .
2-
نظام يعتمد على شخصيات لها دور في أبقاء ودعم الاحتلال
البريطاني .
3-
منع تشكيل الاحزاب الوطنية والديمقراطية، ومنع نشوء المنظمات
والجمعيات والنقابات , حيث كتب الحزب الشيوعي مذكرة في هذا
الخصوص الى رئيس الوزراء والنواب والاعيان.
4-
بناء نظام طائفي يعتمد على طائفة واحدة في الوظائف الكبيرة في
الدولة أو في الجيش , وأبعاد الطائفة الثانية والمكونات الاخرى
.
5-
أستعمال العنف ضد مناوئ نظام الحكم، واعدام قادة أحزاب وسجن
وأعتقال وتنكيل ... الخ
6-
منع أي مواطن لديه أفكار خاصة تتعارض مع النظام الحاكم،
وأعتقال من يشتبه به .
7-
الاعتماد على العشائر ورؤسائها وملاكي الاراضي من الاقطاعيين
وبعض رجال الدين ودعمهم ماديا و عسكريا في السيطرة على الاوضاع
في العراق .
8-
هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي في العراق نتيجة عدم تطور
البنية الاقتصادية من معامل ومصانع , واشتداد التناقض بين
مختلف الفئات .
9-
قلة فرص التعليم وأنتشار الامية بين المجتمع العراقي .
10-
عدم وجود دور للمرأة في المجتمع .
11-
كـان الجيش يلعب دورا أساسيا في الحياة السياسية في العراق
.
يذكر الدكتور عقيل الناصري في كتابه 14 تموز الثورة الثرية – (
كان هناك تفاهم تام أو حلف غير مقدس بين الضباط والساسة
ومعضمهم بالاصل من الضباط – أمثال نوري السعيد , وجعفر العسكري
وعلي جودة وجميل المدفعي وغيرهم , وكان ذلك التفاهم يقضي بأن
تعامل الحكومات المتعاقبة الجيش العراقي معاملة خاصة , تمتاز
عن بقية مؤسسات الدولة ... ولم يكن تصرف الساسة ودعمهم لضباط
الجيش دون ثمن , فقد تعهد الجيش بالمقابل على حفظ الامن
والنظام لحماية السلطة الحاكمة , ومنع أي تجاوز عليها أو تحديد
سلطتها أو الضغط عليها لادارة البلاد بالطرق الديمقراطية ,
التي لم تكن معروفة ولم تعرف في يوم من الايام بمعناها الصحيح
طيلة بقاء العهد الملكي)
.وقد تربى الجيش على أسلوب ونظام يرتبط بشكل غير مباشر
بالاحتلال البريطاني ودوافع الحكام الرجعين أنذاك .ويشير
الكاتب ب – السامر في موضوعة ( ملاحظات في طبيعة وتطور القوات
المسلحة ) الى ـــ
–
( وأرى أن
مؤسسة الجيش هي التي تلعب دورا رئيساً في الحياة السياسية .
لقد ثقفت السلطة الحاكمة الضباط وضباط الصف بروح العداء للشعب
وتربيته على النزعات الانتهازية والتمتع بالامتيازات وخلق فجوة
حادة وواسعة بين الضباط من جهة وأفراد الجيش والمراتب الاخرى
من جهة أخرى , والحط من كرامة أفراد الجيش وسعت الى أبعاد
الجيش عموما وقمع نضالات الحركة الوطنية خشية تفاعلها معها
ومساندته لها ).
12-
ظروف الحياة الاخرى وهمومها من بطالة والتأثيرات الخارجية على
شعبنا في الحرب العالمية الثانية والازمة الاقتصادية العالمية
وتبعاتها .
يمكن تقسيم هذه الفترة (1934 – 1958) الى مرحلتين .
المرحلة الاولى وتمتد منذ لحظة تأسيس الحزب الشيوعي في عام
1934 وحتى انعقاد الكونفرس الاول عام 1944.وبسبب حداثة التجربة
وصعوبة الاوضاع وقلة الخبرة كانت فترة التأسيس قد شهدت الكثير
من الاشكالات تمثلت بخروج بعض الكوادر الحزبية وتشكيلها
لمنظمات يسارية خاصة بها تحت يافطة شيوعية . اعتمدت هذه
المرحلة من نشاط الحزب على نشر الفكر بين الناس وتشكيل أسس
عملية للدعاية في الصحافة ونشر البيانات والاعلانات وغيرها .
واهم مايميز هذه المرحلة –
1-
ضعف
الجانب الفكري والتنظيمي .
2-
قلة
الخبرة في العمل التنظيمي والاعلامي والجانب السياسي .
3-
وجود أكثر من مركز حزبي , مما ولد تكتلات تنظيمية أخرى .
4-
الغياب المؤقت سكرتير الحزب (بسبب سفره الى موسكو للدراسة
الحزبية ).
المرحلة الثانية وتمتد من عام 1944 ولغاية اندلاع ثورة تموز
الوطنية في عام 1958 و أتسمت بتطور الحزب أعلاميا وتنظيميا
وجماهيريا. وفي هذه المرحلة تم تثبيت وترسيخ المبادئ الشيوعية
في النظرية والتطبيق وفي التنظيم بشكل عام, ففي الجانب النظري
جاء التمسك بالماركيسية – اللينينة وترسيخ الهوية الطبقية
للحزب. أما في الجانب التطبيقي فسعى الحزب الى الدفاع عن مصالح
الشعب العليا وخصوصا من العمال والكادحين وفقراء الريف
والمدينة , وأنصب النضال في تقديم العرائض و الاضرابات
والانتفاضات بل وصل أحيانا الى المجابهة مع السلطات الحاكمة.
وابرز معالم هذه المرحلة:
1-
تطور في العمل الحزبي بشكل جيد .
2-
زيادة أعداد المنتمين للحزب وخاصة من الطلبة .
3-
عقد المؤتمر الاول للحزب الذي صاغ منهاجا وبرنامجا للحزب
ساعده في تطوره اللاحق .
4-
أعتماد الحزب على توسعه في الكليات وبعض المؤسسات الانتاجية ,
مما وضعه في موقع جيد .
5-
الاعتماد على الجماهيرفي الاضرابات والتظاهرات وكذلك في
الانتفاضات وتوج ذلك في انتفاضة 1952 ووثبة 1948، والعمل على
المجابهة في بعض الاحيان.
6-
أصدار الحزب لصحيفة (القاعدة) وهي لسان حاله وبشكل اسبوعي بعد
أن كانت تصدر شهريا.
7-
تأسيس التنظيم العسكري الخاص به ضمن حركة تنظيم الجنود والضباط
.
8-
نشوء وضع ثوري وشعبي في العراق والمنطقة والعالم.
وقد
أشار مؤسس الحزب (فهد ) ,الذي كان له الدور الاساسي بعد رجوعه
من الخارج ,لاشكال الكفاح السياسي وتهيئة الشعب لخوض غمار
النضال بأشكاله البسيطة والعالية وأشار الى (تقديم العرائض
الاحتجاجية والاجتماعات العامة والمظاهرات والانتفاضات الوطنية
, وهذه الاشكال ترتبط بعضها ببعض وتفعيل الاجتماعات
والاضرابات وتنظيم الدفاع عن الجماهير ), كما اوضح السكرتير
العام أفق العمل والنضال اللاحق من خلال مانص عليه ( الميثاق
الوطني ) الذي صادق عليه الكونفرس الاول في شباط 1944 والذي
جاء تحت شعار ( وطن حر وشعب سعيد ) وفيه كثير من الفقرات
المهمة عن تاريخ العراق المعاصر . وورد في مؤلف السكرتير العام
(كراس قضيتنا الوطنية ) والذي أصبح أساساً للنضال السياسي
للفترة اللاحقة .
(
الاستقلال والسيادة الوطنية , حكومة تعمل من مصلحة البلاد
وجهازحكومة ديمقراطي , حل مشكلة التموين , تنمية أقتصادنا, رفع
الانتاج الزراعي , أيقاف أستغلال الفلاحين والملاكين الصغار ,
والنضال من أجل الدفاع عن مصالح العمال السياسية والاقتصادية
والاجتماعية والصحية , التعليم والمرأة وحقوق الشعب الكردي ,
والتعاون بين شعوب البلاد العربية والنضال ضد الاحتلال
والاستعمار والامبريالية العالمية ... الخ ) .
ولهذا أصبح الحزب أحد القوى الرئيسية في البلاد وتعزز موقعه
وقد سقطت أكثر من حكومة وشكلت أخرى ببسب نشاطه . وعلى ضوء هذا
التطور الذي لم يرح السلطات الحاكمة , اقدمت على اعتقال قادة
القوى الوطنية والديمقراطية وفي مقدمتهم قادة الحزب الشيوعي
العراقي في عام1948 وأعدامهم في سنة 1949 , والذي لم يشفع لهم
التضامن العالمي والعراقي والعربي.
ان اعدام قادة الحزب وتواصل حملة الاعتقالات المتكررة للكوادر
الحزبية أثر على الحزب مرة أخرى خاصة خلال فترة السنوات الخمس
التي تلت اعدام قادة الحزب: فهد وحازم وصارم , والتي ظهر فيها
أكثر من مركز تنظيمي وتشظي التنظيم ثم كان الانشقاق الذي حصل
داخل السجن والذي أثر بدوره بشكل فعال على مجمل عمل التنظيم
الحزبي داخل السجن وخارجه .
ابرز عناصر سياسة الحزب في هاتين المرحلتين؟ انها عديدة ولكن
من ابرزها ما يلي:
ترسيخ وتعزيز التنظيم الحزبي في مرافق الحياة المختلفة , برغم
سرية التنظيم , والعمل على تطوير أعضاء الحزب نظريا وتعليمهم
أسس المبادئ العامة للنظرية الماركيسية اللينينة , واعتماد
المركزية الديمقراطية والقيادة الجماعية .
1-
كسب العمال والكسبة والفقراءالى الحزب وانتشار نشاطه بين
الطلبة والمثقفين الذين لعبوا دورا متميزا في أغلب الانتفاضات
والاضرابات .وكذلك توسيع العمل بين الفلاحين في القرى والارياف
.
2-
العمل على قيام وحدة وطنية والتعاون مع القوى الوطنية
والديمقراطية ضد الاحلاف والمعاهدات التي تضر بمصالح شعبنا
العراقي .
3-
تأسيس الجمعيات والنقابات والاتحادات والتي كان لها دورامهما
في تحريك الشارع العراقي في أغلب الفعاليات والنشاطات .
4-
العمل على القيام بالاضرابات والتظاهرات في المؤسسات الكبيرة
والاساسية لكسب الشارع وزج الجماهير الشعبيه بالنضال للوقوف
بوجهه الاحتلال البريطاني والتأثير على الحكومة الملكية في
تشكيل حكومة وطنية .
5-
بناء حزب قوي موحد يعتمد على العمال والشغيلة والمثقفين, ونبذ
كل أشكال الهيمنة والتكتل والانحراف .
6-
بناء الحزب على اسس اممية تسعى الى مصالح الشعب بالدرجة الاولى
بغض النظر عن الانتماء القومي والديني والمذهبي والموقع
الاقتصادي... الخ , وتحقيق المواطنة كأساس للانسان العراقي ,
وتحقيق العدالة والمساواة بين الجميع ,هذه هي أهداف الحزب التي
جاء بعضها في البرنامج الذي أقره المؤتمر الاول للحزب 1945
.
7-
أعتمد الحزب على النضال السلمي من خلال كتابة العرائض
والاضرابات وتوج بعضها بالانتفاضات.
8-
توسيع وتطوير قواعده في المؤسسة العسكرية وخاصة بين الضباط .
(برغم
من كون المؤسسة العسكرية كانت لحماية الطبقة الحاكمة فأنها
جزء حيوي من فئات الشعب العراقي ولديهم أفكارهم الخاصة
وطموحاتهم ) , وقد عمل الحزب على كسب بعض الجنود والمراتب منذ
عام 1936 وهم كما يثقف الحزب , أداة للنضال وليس للقمع ويجب
تعبئتهم من أجل التحرر والاستقلال , ولهذا عمل الرفيق فهد من
أجل تقريب هذه الفئات والتي ممكن أن تلعب دورا حاسماً مع القوى
الوطنية والقومية .
وقد
أشار الدكتور عقيل الناصري في مؤلفه عبد الكريم قاسم عن ماهيات
السيرة الذاتية ... (غرز الحزب الشيوعي أولى خلاياه التنظيمية
في فوج المخابرة وفي القوة الجوية , بأعتبارهم من أكثر المراتب
تعلماً وشعورا بالغبن ومن الساخطين على سياسة النظام ,
ولمبررات تنظيمية وأيديولوجية , دفعته الى زرع خلاياه في رحم
المؤسسة وهو الوليد في مسيرته السياسية ولم تشتد بعد قواه بما
فيه الكفاية , وذلك لآنه في تلك الفترة كان التفكير بالاستيلاء
على السلطة يمثل مقياسا (لثورة ونقاء الحزب ) فضلا عن ( أن
العمل في صفوف القوات المسلحة لكسبها وتجريد الطبقات الحاكمة
من سلاحها شرط أساسي من شروط انتساب الاحزاب الشيوعية الى
الاممية الثالثة ) , ويضيف الكاتب أن زكي خيري ويوسف متي
وبدرجة أقل حسن عباس الدرباس الذين كانوا المشرفين المباشرين
عن خلايا الجيش , وتم الكشف عن التنظيم عام 1937 , وكان الشرط
الرابع من شروط الانتماء للاممية الثالثة , التي كان الحزب
الشيوعي العراقي عضوا فيها , ومما جاء في الشرط " وفي الغالب
الاعم يجد الشيوعيون أنفسهم على القيام بهذا العمل بصورة سرية
. إذ أن رفض القيام بهذا العمل يماثل الخيانة للواجب الثوري
ولا يتفق مع الانتساب للاممية الثالثة
".
وبالتالي هي دعو للاحزاب الشيوعية للعمل بين أوساط القوات
المسلحة .
ومن
خلال العرض المكثف السابق، وارتباطا بموضوع بحثنا يمكن القول
أن الحزب الشيوعي العراقي لم يجابه خلال هذه الفترة السلطة
الحاكمة بقوة السلاح، أي اعتماد نهج الكفاح المسلح أو
الانتفاضة المسلحة ضدها، بقدر ما أن السلطة الحاكمة هي التي
أستعملت القوة ضد أعضاءه. وهذا ماحدث فعلا أثر مقتل شاؤول طويق
1946في أضرابات كي فور(k4
) او اضراب عمال كاورباغي 3 تموز 1946 والتي راح ضحيتها 16
شهيداً و27 جريحا، وما حدث في عام 48 وعام 1956 في أنتفاضة
الحي الباسلة حيث اقدم النظام الملكي على اعدام اثنين من
كوادر الحزب هما عطا الدباس وعلى الشيخ حمود.
لم
يلجأ الحزب الى الكفاح المسلح أطلاقا ولا يوجد في أدبيات الحزب
أو في وثائق الكونفرس الاول1944 ولا المؤتمر الاول 1945.
ورغم الملاحظة السابقة فانه لا بد من الاشارة الى أن كثير من
الفلاحين في الارياف كانت بحوزتهم أسلحة تتألف من بنادق مختلفة
الصنع، وكان بعض هؤلاء أعضاء في الحزب خاصة في ريف العمارة
والكوت وفي أرياف المدن الاخرى و لهم بعض الاشكالات مع الشرطة
والامن ولكن لم تصل الى مستوى المجابهة الحقيقية بقدر ما كانت
محاولات فردية وعشائرية بحتة.
ونستطيع أن نعزو ذلك ان الظروف الذاتية والموضوعية التي كانت
غير مهيئة من جميع الجوانب .حيث ( كان نشاط الحزب الشيوعي
التعبوي والتحريضي المتواصل بين العمال يجد صداه في تنامي
استعدادهم للتحرك الاضرابي والنقابي
..
).
ولم
تشير وثائق الكونفرس الاول 1944للكفاح المسلح , حيث أفتتح
الرفيق الخالد فهد( يوسف سلمان يوسف ) الكونفرس بتقرير عن
الوضع السياسي ( قضيتنا الوطنية ) ومما ذكر فيه (أن الشعوب في
العالم لم تعد ترضى لنفسها الاستمرار على العيش وفق النسق
القديم ) . او وثائق المؤتمر الاول للحزب 1945 والتي قادها
الرفيق الخالد ذاته على الوقوف بوجهة السلطة من قبل الحزب بقوة
السلاح ولم يشرهذين الاجتماعيين الى ما يوحي لذلك كما لم يشر
الرفيق فهد في ( حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية او في
مستلزمات كفاحنا الوطني) مايستدعي الى ذلك ( أن النضال ضد
الاستعمار يستلزم أن تكون لدى المنظمات المجاهدة نظرية وطنية
علمية واضحة , نظرية لا تنفصل عنها) .
لقد عاش الحزب ظرفا صعبا منذ نهاية الثلاثينات من القرن
الماضي فقد مر الحزب بأكثر من أنشقاق أو تكتل ولاسباب مختلفة
لامجال للحديث عنها , أضافة الى ضعف الكادر الحزبي فكريا
وسياسيا , ومع هذا فقد أصبح الحزب في فترة قياسية حزبا
جماهيريا ذو تأثير في الساحة السياسية العراقية , ووضع أفق
العمل والمنهج المستقبلي للنضال ضد المحتل ومن أجل رفعة وكرامة
الشعب بعيدا عن الاتفاقات والمعاهدات المذلة التي سعى النظام
الملكي لعقدها مع الاحتلال البريطاني .
فقد جاء في برنامج حزب التحرر الوطني والذي أسسه عضو المكتب
السياسي للحزب الشيوعي العراقي (محمد حسين الشبيبي ) كحزب ظل
وأصبح سكرتيراً للهيئة المؤسسة لحزب التحرر الوطني بين عام
(1946 و 1947 ) وقد جاء(في باب الاستقلال والسيادة الوطنية) ما
يلي: ( يثمن حزبنا , ويضع في مقدمة كل شيئ وفوق كل شيئ
استقلال الوطن العراقي والسيادة الوطنية ويعمل حزبنا من أجل
تعديل جميع المعاهدات والاتفاقات المعقودة بيننا وبين بريطانيا
.... ). وقد أجيزحزب التحرر الوطني قانونياً و أستغل ذلك من
خلال ربط نضاله السري بالنضال العلني الوطني والطبقي .
لقد قام الحزب الشيوعي بعدة فعاليات من أجل أسقاط المعاهدات
ومنها معاهدة بورتسموث التي عقدت في 1948 وعمل الحزب من أجل
أستقلالنا السياسي والاقتصادي ... الخ وفي (حقل الدفاع
الوطني) هناك اشارة الى ما يلي: ( يدعو ويعمل الحزب لتقوية
جيشنا الوطني وجعله جيشا عصريا وعلى أستعداد أبدا للدفاع عن
حياض الوطن وعن كرامة الشعب وسيادته الوطنية...)
.
وبعد أعتقال قادة الحزب عام 1948 ومحاكمتهم وأعدامهم فيما
بعد في 14 شباط 1949 , تسلم أعضاء في قيادة الحزب المسوؤلية
ومنهم ساسون دلال في كانون الاول عام 1948 مع (رفيق جالاك
وصبري عبد الكريم ) والذي أنتهج سياسة جديدة , وهي مجابهة
السلطة الحاكمة .
ففي يوم 19 كانون الثاني 1949رفع رفاق الحزب شعار التظاهر
والوقوف بوجهة السلطة الحاكمة بعد أن زودهم قيادة الحزب
بتعليمات خاصة لاعداد عصي بمواصفات خاصة والدخول مع البوليس في
مصادمات عنيفة , وقد أشتبك المتظاهرون فعلا مع البوليس و
فاجأوهم بأستخدام العصي ..., وفي نشرة حزبية داخلية اعتبرت
المظاهرة ( حجرأ اساسيا لوثبة ظافرة فاصلة هي مثال على تحول
التراجع المنظم بصورة حاسمة الى هجوم منظم .. وكذلك مناوشة
العدو وتقوية معنوية الجماهير الواسعة ورفع معنوية الحركة
بوجهه عام , وتحطيم العدو الجامد في تكتيكه وحركاته الموتوره
للغاية)
. أن هذا الموقف جاء كرد من قيادة الحزب على أعدام رفاقه
القياديين وفورة من الغضب ضد هذه السياسة الرعناء ولهذا أراد
الحزب أن يعيد هيبته وسط الجماهير وأبناء شعبنا وليعلن أن
الحزب ماض في طريق الدعوة للتحرر برغم هذه الاعدامات لقيادته
.
وجاء تعقيبا على المظاهرات: ( أن شعارنا لا رحمة بالعدو ,
ارادها حرب ابادة فلتكن حرب ابادة , ان الطبقة الحاكمة في أشد
درجات الانهيار والتزعزع و لاتريد طبعا بدون مجزرة دموية لكننا
لا نخاف المجازر , ان أيام الوثبة قد عادت الى بغداد , عاشت
وثبتنا الجديدة )
.
هذه
الاشارة هي المجابهة الوحيدة التي أستعملها الحزب ضد عنف
السلطات الحاكمة في هذه الفترة وبتحضيرمسبقاً لها كما هو مشار
اليه . وكان على الحزب أن يرفع شأن المجابهة مع هذه السلطة رغم
أن الظروف الداخلية للحزب التي لاتساعده ,حيث الاعتقالات
والاعدامات وتفكك بعض مفاصل العمل الحزبي وأعترافات بعض شخوصه
.
ولكن في مناطق ريف العمارة واربيل حدثت كثير من المعارك وخاصة
مع عشائرال زيرج في معركة(ام كعيدة ) والتي أشترك فيها الالاف
من الفلاحين ودارت معركة قتل فيها العديد من الفلاحين وسجن
بعضهم واحرقت بيوتهم , وهذه المعارك ليس معارك عشائرية صرفه بل
كانت ضد الاقطاعيين والمتنفذين أعوان الحكومة , وفي معركة اخرى
قادها الشيوعيون وشملت دشت اربيل وكوسنجق حتى قلعة دزه ورانية
وبتوين ادت الى اعتقال البوليس العديد من الفلاحين. لقد قام
الشيوعيون بحمل السلاح بوجه الاغوات برغم انتقاد الحزب لهذا
التصرف , حيث اكد على الدور السياسي وعدم نسيانه وليس انصراف
قادة الحركة الى العمل العسكري فقط .
لقد شكل الحزب في
بداية الخمسينات منظمات عديدة منها رابطة المرأة واتحاد
الشبيبة وحركة العمال النقابية وحركة السلام العراقية وقبلها
كان أتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية , هذه المنظات
لعبت دورا متميزا في الشارع العراقي وشكلت حركات ثورية داعمة
وأضافة دورا نضاليا من أجل التحرر من الاحتلال والاستقلال
الوطني ومن أجل أطلاق الحريات والنضال لأجل حقوقهم المشروعة .
في 23 من تشرين
الثاني عام 1952 قامت انتفاضة تشرين ورفعت شعار (أسقاط النظام
الملكي واقامة الجمهورية) وتجمعت أعداد كبيرة من الطلبة
والعمال والكسبة ومن مختلف شرائح المجتمع العراقي في العاصمة
بغداد , ولكن دخول الجيش بدباباته لقمع الانتفاضة منع
أستمرارها وتم أيقافها , حيث صدرت الاحكام العرفية والتي منعت
التظاهر والتجمعات . وقد أصدر الحزب الشيوعي العراقي بيانا
يناشد فيها الجيش للوقوف الى جانب مطاليب الجماهير , وأخيرا
قمعت الانتفاضة .
ومن دروس
الانتفاضة الوقوف بوجهة أساليب السلطة الرجعية و تطوير أساليب
النضال والعمل على كسب القوات المسلحة وتطوير التنظيم الحزبي
والسياسي بينهم .
ربما أحد يتسائل لماذا العنف اوالقوة وشعار المجابهة و الكفاح
المسلح , وهل كان من أجل التغير أم من أجل أستلام السلطة , ثم
لماذا وجود تنظيم للحزب في الجيش العراقي وخاصة منذ منتصف
الثلاثينيات من القرن الماضي وتم فيه كسب المئات من الجنود
وضباط الصف و الضباط . ومهما كان الامر في نهج التغير , فأن
الحزب الشيوعي ذو نظرية ماركيسية وحزب ثوري ويحمل أفكار ثورية
و يريد العدالة ويعمل على حرية المواطن , ويعمل من أجل أرجاع
الحقوق لابناء شعبنا التي سلبها النظام الملكي الرجعي وعملائه
و عليه أن يلعب دورأ رئيسيأ في المجتمع من خلال تنظيم أرقى
أشكال النضال , الانتفاضة أو الكفاح المسلح أو الثورة المسلحة.
ولكن في فترة قيادة الحزب من قبل حميد عثمان ،نهج سياسة أخرى
وهي المجابهة مع السلطة (ان حزبنا المسلح بنظرية علمية يرى ان
استقلالنا الناجز وحل مشاكلنا الاجتماعية لا تحل الا بأقامة
سلطة شعبية تحت قيادة الطبقة العاملة )
. كما كانت دعوات الحزب الشيوعي الى الاضرابات لاسقاط حكومة
نوري السعيد مستمرة خاصة وانه قاد وشكل أكثر من 14حكومة , ولم
يقدم شيئاً يذكر لصالح البلد سوى تعزيز موقعه وتسلطه على مقالد
الحكم وارتباطه بالمستعمر البريطاني .
وقد
دعا التقرير الذي قدمه حميدعثمان الى ( اقامة حكومة أئتلافية
قوامها الائتلاف السياسي – الجبهة – بين الاحزاب الوطنية
والسير بالبلاد باتجاه مستقل ) , وبعد حين أصبحت هذه السياسة
التي دعى لها حميد عثمان أساساً صحيحاً , والتي توجت بجبهة
الاتحاد الوطني في أذار عام 1957 , وقدأنتقدالبعض حميد عثمان
لتطرفه , وأنا أرى أنه أراد أن يقف ضد ممارسات السلطة الحاكمة
الرجعية التي غالت في نهجها العدواني , والتي لم تسمح لاي
أجراء ديمقراطي في البلاد ومنها الموقف من الانتخابات في
البرلمان عام 1954 .
ومما جاء في التقريرأيضا ( ....أن قوى هذه الملايين الغفيرة
اذا أتحدت في جبهة وطنية موحدة موسعة واذا أعتمدت هذه الجبهة
على النضال الجماهيري الثوري بمختلف أشكاله تستطيع احراز النصر
بكل تأكيد )
.
سار
الحزب في فترة منتصف الخميسنات الى سياسة وحدة الحزب وجمع شمل
الشيوعيين وكذلك العمل في جبهة مع القوى الوطنية الاخرى . وكان
دور سكرتير الحزب في لملمة شتات التنظيمات الشيوعية مشهودا (
مجموعة راية الشغيلة ) والتنظيم الحزبي (الام ) وهذه جزء من
مأثرة ونفس حزبي طويل يدرك فيها المسؤولية التأريخية وطبيعة
العمل الحزبي والخلق الشيوعي والتضحية ونكران الذات من أجل
القضية التي أمن بها وضحى من أجلها.
وفي
الكونفرس الثاني الذي عقد في ايلول 1956 قدم سكرتير الحزب
(سلام عادل) تقريرا سياسيا بعنوان: ( في سبيل تحررنا الوطني
والقومي ),جرت الاشارة فيه الى ان طابع النضال سيكون سلميا .
واستنادا الى التطورات في الاوضاع الداخلية والعربية والعالمية
درست قيادة الحزب " معركتنا القادمة " وتوصلت الى ان السياسة
الغالبة هي سياسة سلمية دون أن يستبعد امكانية العنف ودون أن
يمس الجوهر الثوري في هذا النضال وأن يأخذ هذا النضال شكل
انتفاضة شعبية . وجاء في قرار اللجنة المركزية ان هذا النضال:
(.. يمكن أن يكون ذا طابع سلمي قائم في الاساس على تعبئة القوى
الوطنية في جبهة واسعة والضغط بها على نحو مركز وبأشكال مختلفة
مؤثرة .. ولا يمنع أن يكون .. طابع هذا النضال سلميا أيضا اذا
ما أتخذ في ظرف معين شكل وثبة شعبية – هي من مفاخر الشعب
العراقي وتقاليده الثورية المجيدة )
.
كما ورد في الصفحة الرابعة من التقرير ما يلي: ( نحن
الشيوعيين العراقيين لا رغبة لنا بالعنف وسلوك سبيل القوة
وانما نسعى الى تحقيق اهداف حركتنا التحررية بأيسر السبل واقل
التضحيات . الا أننا لن نتردد في مواجهة العنف بمثله في غمرة
الحركة الشعبية اذا ما أصر المستعمرون وعملاؤهم على تزيف أو
قمع أرادة الشعب ).
و
جاء في التقرير ايضا:( ان مسألة العنف هي بالنسبة لنا مسألة
يقررها سلوك الخصم عندما لا يريد أن ينزل الى أرادة الشعب ) .
وللاسف الشديد لم يعمل الحزب بموقف صلب تجاه السلطة الحاكمة
التي وضعت 70% من كوادر وقادة الحزب في السجون والمعتقلات .
و
ردا على همجية السلطة والاعتقالات المتكررة وملء السجون
بالشيوعيين وقمع السلطة لاضرابهم , توجب على الحزب أن يطور من
أمكانية الوقوف بوجه السلطة وأساليبها . فقد جاء في بيان الحزب
بتأريخ 11 كانون الاول 1956 دعوة الى ( تطوير أساليب الكفاح
والتنظيم ورفعها الى درجات اكثر حزما وفعالية ) وهذا بحد ذاته
يتطلب التنظيم الحزبي العالي الكفاءة وتثقيف الاعضاء من أجل
الوقوف ضد سياسة أنهاء الحزب أو تهميشه ... الخ , ومن تجربة
أنتفاضة 1956التي تعطي أن يعمل الحزب في الجيش ويطور من قدراته
الذاتية لتغير النظام وفق ماتطلبه مصلحة الحزب والجماهير و (
بتعزيز التكتلات الوطنية بين منتسبي الجيش)
.
ويذكر كتاب (سيرة مناضل) الى ان الانتفاضة ( نبهت حزبنا أكثر
من السابق الى ضرورة تطوير أساليب مساندة للحركة التحررية
العربية, خصوصا في حالة تبنيها للكفاح المسلح , وكان من نتيجة
ذلك أن تأسست وحدات صغيرة للمقاومة الشعبية أواخر عام 1956
ساعدت أعمالها رغم ضيق نطاقها على تخفيف الضغط الاستعماري الذي
تعرضت له سوريا , عقب فشل العدوان الثلاثي على مصر , أن
أنتفاضة 1956 كما وردت في أحد بيانات الحزب هي التمرين الاخير
لثورتنا الكبرى ثورة 1958)
.
وفي
اعقاب انتفاضة الحي الشجاعة اعدمت السلطة القادة الثوريين وهما
علي الشيخ حمود وعطا مهدي الدباس , اصدر الحزب بيانا قال فيه:
( انهضوا دعما لجماهير الحي الشجاعة في انتفاضتها المسلحة )
ودعا فيها الجماهير الى العمل لاسناد المدينة المناضلة والدفاع
عن ابنائها.
وقد
تميزت أنتفاضة الحي بـ ( تنوع اساليب الكفاح كثيرا وتدرجت من
المذكرات والاضرابات حتى المناوشات المسلحة )
. كما ونبهت الانتفاضة الحزب والحركة الوطنية العراقية الى رفع
مستوى كفاحها بوجه الطغمة الحاكمة الى تطوير مستوى المجابهة
بالعنف والقوة , وكان ذلك يحتاج الى تطوير الاسلوب الامثل لحزب
ثوري يسعى الى أستلام السلطة وتعزيز دور الجماهير ومن أجل بناء
الاشتراكية والعدالة الاجتماعية .
اتسم اسلوب الحكم الملكي بالطغيان حيث أستعمل القوة ضد
الجماهيرعامة وضد الاحزاب والقوى الوطنية والديمقراطية . وكان
تأثير الاوضاع الداخلية والخارجية واضحاً وكبيراًعلى الحزب
,لذا أقر الكونفرس الثاني الاسلوب العنفي ضد السلطة (ففي أيلول
1956 أقر الكونفرس الثاني قرارا بتبني الكفاح المسلح في سبيل
التحرر من النظام الدكتاتوري الملكي .. )
.
ويضيف الكاتب بعد التأثر بأنتفاضة تشرين الثاني في مصر وقمع
السلطة أو الحكومة المصرية لها بالقوة , أضطر واقع الحياة أن
يغير الحزب الشيوعي خطة الكفاح باللجوء الى العنف لاسقاط
السلطة الملكية في العراق .ويعني ذلك أن الحزب أضطر الى العمل
بهذا الاسلوب تماشيا مع أسلوب السلطة , وهذا ليس خافيا علينا
جميعا حتى يومنا هذا , لان الحزب الشيوعي العراقي كان أسلوبه
النضالي هو الاسلوب السلمي , الا في الفترات التي مورست فيها
ضده أساليب وحشيه كانت ساعيه لتدمير الحزب وكيانه السياسي .
ويؤكد تقرير اللجنة المركزية المقدم الى المؤتمر الرابع للحزب
في 10 – 15 تشرين الثاني 1985 بأن الحزب ليس أول مرة يلجأ الى
الكفاح المسلح ( ... فقد سبق ان تبنى الحزب موضوعة استخدام
العنف الثوري لاسقاط النظام الملكي العميل في اعقاب انتفاضة
1956 اثر لجوء النظام الى العنف الدموي لمواجهة المظاهرات
الجماهيرية التي اندلعت تأيداً لمصر ضد العدوان الثلاثي ).
شهدت الفترة بين عامي 1957 و 1958 نشاطات وارهاصات ثورية وشملت
أوساط عديدة من أبناء الشعب العراقي وهي مقتنعة بضرورة احداث
تغير في السلطة الحاكمة والعمل من أجل اقامة حكومة وطنية .كما
شهد أنبثاق التنظيم الموحد لحركة الضباط الاحرار , وزاد الحماس
الثوري بين صفوف القوات المسلحة , مع تطور في الفعاليات
للاحزاب والقوى الاخرى .
وتذكرالسيدة ثمينة ناجي بأنه ( يحتاج من القوى الوطنية والحزب
أن يعرف أشكال النضال الملائم مع هكذا نظام , فقد طغى التفكير
في أغتيال نوري السعيد ) . لقد بذل الحزب جهودا كبيرة في سبيل
قيام (جبهة الاتحاد الوطني ) ومن هنا تم تجميع جميع القوى
الوطنية والقومية والديمقراطية في تجمع وطني يعمل من أجل مصالح
الشعب العراقي, والنضال للاهداف المشتركة , وتعبئة الجماهير في
المظاهرات والاضرابات. واصدرت الجبهة بيانا مشتركا من خمسة
نقاط طالبت فيه تنحية وزارة نوري السعيد وحل المجلس النيابي,
ومقاومة التدخل الاستعماري.. الخ
ولم
يشر البيان الى كيفية اسقاط الحكومة وحل البرلمان ولكن يبدو من
اتفاق الاحزاب الاربعة المنضوية في هذه الجبهة انها كانت تراهن
على الاضرابات والتظاهرات والاعتصامات أو الانتفاضة وتعبئة
الجماهير للوقوف مع هذه القوى .
ومنذ عام 1956 نشط الحزب في تحقيق مشروعه للاطاحة بالحكم
الملكي وتكررت محاولاته لتنفيذ الثورة .
(ففي الريف قام 300 فلاح في الدغارة والرميثة برفع السلاح
بوجهه السلطة مطالبين بتطبق مرسوم المناصفة وتجمعوا براياتهم
وسلاحهم واهازيجهم , وكان مقدرا لهذه الانتفاضة أن تتوسع وتجر
مناطق فلاحية أخرى وبعض المدن مثل ( الديوانية والحله ) مع
وجود امكانية أن يتدخل الجيش ( الفرقة الاولى ) لمساندتهم)
...واصدر الحزب بيانا في 3/6/1958 ساند فيه انتفاضة الفلاحين
وحث الشعب على مساندتها .
لقد تطور عمل الحزب مع تطور ظروف الحياة السياسية وأجراءات
السلطة القمعية تجاه القوى الوطنية العراقية بكل أطيافها ,
وأصبحت ظروف الحياة الموضوعية مهيئة بشكل جيد نتيجة استياء
ابناء شعبنا من الظروف الاقتصادية والاجتماعية والصحية , والتي
أصبح معها الوضع لايطاق .
وتضيف الكاتبة ثمينة ناجي (في هذا الشهر نفسه أجتمع 40 مناضلاً
شيوعيا لتدارس مقترح الحكومة بصدد تقديم كل فلاح طلبه عبر
تقديم العرائض للمسؤولين , ومن أجل تفويت الفرصة عليهم في
اشاعة البلبلة بين صفوف الفلاحين البسطاء , جرى تقديم العرائض
كتجربة من كل منطقة من قبل عدد قليل مع استمرار الهوسات
وتشديدها ).
كان دور الحزب كبيرا في أغلب مناطق العراق من خلال منظماته
الواسعة وخاصة في ريف الجنوب وتحرك الفلاحين ضد الملاكيين
والاقطاعيين والمستغلين الذين يسيطروا على أراضي واسعة ,
والذين أستغلو الفلاحين الفقراء المعدمين .
وبالفعل وصل عدد الفلاحين المسلحين الى 700 فلاح أقسموا على
مواصلة النضال حتى تحقيق مطاليبهم . وقد نالت الانتفاضة
التضامن من قبل فلاحي الشامية والفيصيلية والحمزة والقاسم
والمدحتية والمحاويل ومن مناطق أخرى , وكان دور الحزب
بتنظيماته الواسعة في الريف متميزا وبطوليا .
(ورفع فلاحو أل خليفة في العمارة السلاح يوم 29 /5/1958 وكان
عددهم حوالي 350 فلاحا ًوالذي أدى الى هروب مالكي الاراضي هلعا
الى المدينة مستنجدين بالسلطة) .
(لقد تعاظم نشاط الحزب الشيوعي العراقي بين الفلاحين وتغلغلت
شعارات الجمعيات الفلاحية السرية التي شكلها في أعماق الريف في
عام 1957 مما أدى الى قيام نضالات جماعية فلاحية لتحقيق أهداف
الحركة الفلاحية)
... وكتبت جريدة (صوت الفرات) واصفة تحول الحركة الفلاحية الى
قوة ثورية قادرة على المساهمة في اكتساح الحكم العميل وتغيره .
أما
أخر توجيه اصدرته اللجنة المركزية الى التنظيم فكان يوم 12
تموز 1958 جاء فيه: ( نظراً للاوضاع السياسية الداخلية
والعربية ووجود احتمالات تطورها بين أونة واخرى وبغية ضمان
وحدة النشاط السياسي لمنظاتنا الحزبية في الظروف الطارئة
والمعقدة نرى من الضروري التأكيد في الوقت الحاضر على شعارتنا
الاساسية:
1-
الخروج من حلف بغداد والاتفاقية الثنائية مع بريطانيا والوقوف
ضد مبدا أيزنهاور.
2-
اطلاق الحريات الديمقراطية لجماهير الشعب ( حرية التنظيم
الحزبي وحرية النشر والاجتماع ) .. الخ .
3-
اتخاذ تدابير فعالة لحماية ثروتنا الوطنية .. الخ
4-
قيام حكومة تنتهج سياسة وطنية وعربية مستقلة تدعم نضال الشعب
اللبناني وسائر الشعوب العربية وتخدم السلم .... الخ.
وأكد التوجيه على (العمل بحزم وامانة تامة لسياسة الحزب
واعتبار واجبنا الاساسي في كل الظروف هو تعبئة اوسع الجماهير
الشعبية ولفها حول الشعارات الصائبة في اللحظة المعينة وحول
الشعارات الكبرى لحركتنا الوطنية الديمقراطية) .
(تنبه الحزب الشيوعي العراقي الى اهمية تنظيم الجيش فقد أشارت
جميع الوثائق الحزبية، منذ الكونفرس الثاني عام 1956، الى
الدور الذي ستلعبه القوى الوطنية في الجيش في معركة تحرير
الشعب، وقدرت تقديرا صائبا نضوج عوامل الانتفاض الثوري معتبرة
الانتفاضة الشعبية 1956 و1957 بمثابة التمرين الاخير لثورتنا
الوطنية ).
ولهذا وبحسب المصدر السابق (كان الانقلاب المسلح الذي تحول الى
ثورة وطنية واكتسسبت صفة شعبية, شارك الضباط والجنود في ثورة
14 تموز بفعالية عالية وأشتركت الجماهير وبتحريض من منظمات
الحزب الشيوعي العراقي على دعم الثورة واعتقال الضباط
المتمردين وخاصة في الديوانية وكركوك وغيرها , واعطى المساندة
اللا شرطية للحكومة الوطنية ورفع شعار صيانة الجمهورية ) .
الاستنتاجات
خلاصة المبحث الاول
مر الحزب الشيوعي في ظروف غاية في الصعوبة منذ ولادته , فبرغم
تخلف البلاد في جوانب التعليم لقلة المدارس والجامعات والكليات
وقلة الكتب السياسية الصادرة والتي كان اكثرها مترجما وكذلك
ظروف الحياة الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية السيئة وقلة
المؤسسات الصناعية والمعامل , الا أن الوعي الطبقي والسياسي
تجسد في أعداد غير قليلة منهم (يوسف سلمان يوسف وغالي زويد
وعاصم فليح ومهدي هاشم وعبد الحميد الخطيب وغيرهم ) والذين
تأثروا بالافكار التقدمية وشكلوا الحزب وناضلوا من أجل
أستمراره , الا أن الفترة اللاحقة مرت بعدة منعطفات منها
التكتلات في الحزب منذ الاربعينات والخمسينات من القرن الماضي
. أضافة الى دور السلطة الحاكمة في تغذية هذه التكتلات والقمع
والاعتقالات والتي ملئ الشيوعيين فيها السجون مثل سجن نقرة
السلمان و سجن الكوت وبغداد وغيرها .
طيلة ربع قرن من عمر الحزب لم ينهج الحزب طريق العنف مثلما
تعاملت السلطة الحاكمة من قتل وأرهاب وأعدامات فقد أعدمت خمسة
من قادته وقتلت أعضائه وأنصاره من خلال ضرب التظاهرات أو
الاضرابات أو التعذيب و مجازر السجون وغيرها , ولا توجد وثيقة
حزبية تدلنا على أن الحزب رفع راية الكفاح المسلح بوجهه السلطة
وطبق هذا الاسلوب النضالي , فقد عقد كونفرسين ( 1944 و1956 )
ومؤتمره الاول في 1945 ولم يشر الى ذلك لا من قريب أو من بعيد
أو حتى ضمنيا ولم تشر أغلب الدراسات لتأريخ الحزب أو العراق
لهذه الموضوعة . من هنا أن تكتيك الحزب في هذه الفترة يغلب
عليه طابع النضال السلمي وهي مرحلة النضال الايديولوجي
والسياسي والاقتصادي برغم أن الفترة الاخيرة أي قبل ثورة 1958
تبلورت لدى الحزب أفكار مفادها أن القوة الحاكمة التي تحكم
بالسوط وبالقوة لا بد أن تجابه بنفس القوة والمجابهة , وكما
ذكرت أن العوامل الخارجية كان لها تأثير كبير على القوى
الثورية العراقية ومنها الحزب الشيوعي العراقي , ومنها طرق
وسلوك الانقلابات والثورات التي حدثت في البلدان العربية أو في
أرجاء العالم الاخرى
.
وبرغم أن النضال الثوري في مرحلة الاضطهاد والاعتقال أو القتل
هو حق الحزب الثوري في النضال ضد الطغمة الحاكمة التي تستعمل
كل أنواع التنكيل والقمع ضد حاملي الافكار التي تدعو لدولة
ديمقراطية يحكمها القانون , خاصة وأن بعض الظروف الموضوعة كانت
مساعدة ومنها أندحار الفاشية وانتصار الحلفاء في الحرب
العالمية الثانية وظهور الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى ونشوء
المنظمة الاشتراكية الجديدة , والتغيرات في الصين .
الاسلوب السلمي هو الذي طغى على سياسة الحزب الشيوعي العراقي
لهذه الفترة , ورغم الظروف التي مر بها الحزب من إنشقاقات
وتكتلات إضافة الى الاعتقالات والاعترافات ,فأن ذلك لم يدفع
الحزب لاتخاذ الكفاح المسلح طريقا للصراع الذي هو ارقى أشكال
النضال.
المبحث الثاني
الفترة الممتدة منذ ثورة 14 تموز 1958 ولغاية وقوع انقلاب شباط
الاسود عام 1963
لقد سقط النظام الملكي في 14 من تموز 1958 وجاءت حقبة زمنية
جديدة على الحزب أستمرت نصف عقد من الزمن , وكان يخوض صراعا
حادا مع البرجوازية الوطنية ومخلفات الرجعية الحاكمة وصراع مع
فردية عبد الكريم قاسم ومساع كبيرة لعدم اشراك الحزب في الحكم
برغم جماهيرته الواسعه والكبيرة (كما جرى التعبير عن ذلك في
مناسبات عديدة وفي مقدمتها المسيرة الضخمة التي جرت في عيد
العمال العالمي في 1 ايار 1959 ) , كذلك صراعه مع القوى
القومية والاسلامية والرجعية , اضافة الى التدخلات الخارجية
ومن قبل الولايات المتحدة الامريكية والمملكة المتحدة ومصر
..وغيرها .
لقد ناضل الحزب على الدوام من أجل ظروف أفضل لابناء شعبنا
العراقي، ولهذا جاءت كثير من القوانين والقرارات لصالح الشعب
ومنها قانون النفط وقانون الاصلاح الزراعي وقانون الاحوال
الشخصية وغيرها بُعيد ثورة 14 تموز .
وعشية اندلاع الثورة في 14 تموز 1958 أرسلت قيادة الحزب بأسم
(سكرتير اللجنة المركزية) برقية تهنئة الى مجلس السيادة ورئيس
الوزراء عبد الكريم قاسم جاء فيها:( نهنئكم من صميم قلوبنا على
خطواتكم المباركة ....أن اللجنة المركزية لحزبنا الشيوعي
العراقي تضع قوى الحزب الى جانب مؤازرتكم وللدفاع عن جمهوريتنا
البطلة)
كما أصدر الحزب بيانا مؤيدا للثورة .
بسبب طبيعة المرحلة الجديدة والظروف التي احاطت بالثورة
وطبيعة المخاطر المحلية والاقليمية والدولية التي تعرضت لها
فقد تطلبت الاوضاع من الحزب التهدئة وعدم خوض الصراع الا بحدود
ضيقة , خاصة بعد طلبه أن يشارك بالسلطة وذلك عندما رفع في
مظاهرات أيار الشعار الشهير: ( عاش زعيمي عبد الكريمي , حزب
شيوعي بالحكم مطلب عظيمي ). الا أن التدخلات الخارجية ومنها
ضغط الاتحاد السوفيتي على الحزب جعلته يتراجع عن مطلبه هذا.
ويقول تقيم الحزب: ( كان على الحزب في الوضع الثوري القائم
انذاك ان يواصل الهجوم وعدم التراجع امام ضغط البرجوازية)
كان
الحزب حريصا على الجمهورية الفتية ومتخوفا من تدخل القوى
الاستعمارية والرجعية والقوى القومية , ولهذا عمل على تعبئة
الجماهير لدعم الجمهورية خوفا من التأمر عليها.
لقد
حاول الحزب أن يستلم السلطة وذلك بضغط من القاعدة الحزبية
والجماهيرية المناصرة له، خاصة وأنه كانت للحزب قوة كبيرة في
الجيش تتألف من ضباط ومراتب وجنود الا أن الحجة التي قدمها
المكتب السياسي في حينه هي: ( أن من الصعب فرز القوى المؤيدة
للحزب في الجيش عن القوى التي تؤيد عبد الكريم قاسم )
.
ويضيف عزيز سباهي: ( في اوائل 1959 دعا كل من الرئيس الاول
خزعل السعدي , والرئيس الاول خليل ابراهيم العلي وكانا على رأس
كتيبتي الدبابات الثالثة والرابعة في أبو غريب على التوالي
للاطاحة بقاسم . وقاما بزيارة مكتب ( اتحاد الشعب ) بملابسهما
العسكرية وطرحا الامر على من كان في المكتب من قادة الحزب ودون
الرجوع الى مسؤولهما الحزبي ولما كانت الاستخبارات العسكرية
تراقب المكتب بلغ عبد الكريم قاسم أمرهما فأمر بأعتقالهما )
.
كانت محاولات رفاق الحزب وأصدقائه تعملمن أجل درء التراجع الذي
أصاب حكومة رئيس الوزراء وبالذات الموقف المتعسف أزاء الحزب
الشيوعي العراقي وذلك من خلال ممارسات الزعيم والتي يظهرخطها
البياني تذبذاً واضحاً هبوطاً وصعوداً بين تعامل سيئ وتعامل
بشيئ من الوعود على ضوء الظروف التي تحيط به , ولم يسعى الى جر
الحزب اليه بموقف متزن من أجل الوقوف ضد عبث القوميين الذين
يريدون النيل منه ومن الثورة .
و(كذلك كانت هناك محاولة قائد القوة الجوية جلال الاوقاتي
للاطاحة بقاسم والتي تضمنت الاستعانة بوحدات موجودة في بغداد
للاستيلاء على وزارة الدفاع وتسفير قاسم الى احدى البلدان
الاشتراكية
.
....) .
ويشير الكاتب علي كريم سعيد الى ان المكتب السياسي للحزب
الشيوعي العراقي رفض التغير ضد قاسم، وذلك في اجتماع حضره كل
من سلام عادل وزكي خيري وعامر عبد الله وعبد السلام الناصري
ومرشح المكتب السياسي عزيز الشيخ . وكان هؤلاء جميعا، يضاف لهم
بهاء الدين نوري وثابت حبيب العاني، يقفون ضد مبدأ أستلام
السلطة ويستثنى فقط سلام عادل الذي كان مع فكرة استلام السلطة
ويضيف: (في عام 1961 وصل عدد اعضاء الحزب الشيوعي العراقي في
الجيش الى 500 ضابط وثلاثة الالاف من الجنود وضباط الصف من أصل
خمسة الاف ضابط مجموع ضباط الجيش العراقي ومائة وعشرة الاف
عسكري , وهو مجموع افراد الجيش العراقي . وبلغ عدد الضباط
الذين يدفعون تبرعاً شهرياً للحزب الشيوعي حوالي 1200 ضابط
والاف من الجنود والمتعاطفين )
.
أن
المبدأ الاساسي للحزب الثوري في أستلام السلطة بأي طريقة كانت
السلمية أو التغير الثوري وللاسف فأن هذا الامرأعتمد على
أجتهادات البعض والتي بعضها لا يتوافق مع نهج الماركيسية
اللينينة في بث الروح الثورية لدى قادته واعضائه تطبيقا
وممارسةً , وأستغلال النهوض الثوري لدى الجماهير .
كذلك ينقل عن أقوال الملازم الاول طارق طه درويش في التحقيق ,
أن العقيد أبراهيم حسين الجبوري امر الفوج الثالث في اللواء
السابع والعشرين والمقدم خزعل علي السعدي امر فوج المثنى في
أبو غريب طرحا في اجتماع حضره كل من الرئيس الاول كاظم عبد
الكريم والملازم طارق طه درويش , طرحا موضوع الاستيلاء على
السلطة وكان عطشان الازيرجاوي عضو اللجنة العسكرية التي تقود
العمل الحزبي في الجيش هو الذي يدير الاجتماع فرد على
اقتراحهما مذكرا اياهما بشعبية قاسم , ولكن قيادة الحزب
بتناقض افكارها وأختلاف أرائها وقلة تجربتها في العمل الثوري
لم تحسم الامور مثلما تريد القاعدة الحزبية , فذهب البعض من
قيادة الحزب الى حل التنظيمات العسكرية , والذي أقترحه عزيز
محمد وأيده هادي هاشم الذي حل التنظيم قبل أن يتخذ المكتب
السياسي قرارا بذلك , وذلك لطمئنة كبار قادة الجيش المحيطين
بالزعيم . أن هذه المجاملات التي قام بها الحزب تؤكد عدم
دراسته للامور التكتيكية والاستراتيجية مما جعله يتخبط في
قراراته والتي أعتمدت بعضها على المزاجية .
كما
يشير السيد بهاء الدين نوري في كراس صدر أخيرا قائلا:
(كنت أحد اعضاء م. س – المكتب السياسي - الاربعة الذين رفضوا
بعد اسابيع من النقاش الاقتراح الذي تقدم به السيد عزيز محمد
-عضو م. س ائنذ- لحل التنظيم في الجيش كسبيل لتحسين العلاقة مع
قاسم)
.
ويقول عامر عبد الله ( في صيف عام 1959 وكنت مسؤولا عن
العلاقات الدولية توجهت الى موسكو في أوخر ايلول 1959 وامضيت
وقتا للراحة على البحر في ( سوجي ) ولكن قبل ذلك استدعيت الى
لقاء اللجنة المركزية , ثم لقاء ثاني قبل عودتي الى العراق
ترأسه من الجانب السوفيتي الرفيق سوسلوف وكان معه سكرتير
اللجنة المركزية أنذاك محي الدينوف وتيريوشكين وعدد أخر من
المسؤولين . وكان أهم مادار في هذا اللقاء هو الاعراب عن
رغبتهم في استطلاع رأيي برسالة وردتهم من قيادة الحزب , وكانت
تتضمن اقتراحا بحل تنظيماتنا في الجيش
..)
.
كان
على الحزب حسم أموره في هذا الجانب خاصة وهي الفرصة الوحيدة
التي سنحت للحزب لاستلام السلطة , ولكن المشاكل التي حصلت في
قيادة الحزب ومحاولة ازاحة قيادة سلام عادل في حين أن
المسؤولية جماعية في المكتب السياسي كما يقول عضو اللجنة
المركزية أنذاك حسين سلطان , وأنا أعتقد أن بعض القيادة في
اللجنة المركزية أو المكتب السياسي يقللون من أمكانيات سكرتير
الحزب وتراهم متعالين في طروحاتهم وارائهم .وكان على الحزب
الثوري أستغلال هذه الفرصة وكانت الظروف الذاتية وحتى
الموضوعية مهيئة , حتى لو أعترض الاتحاد السوفيتي على هذا
القرار.
لقد
رفضت هذه المجموعة ( الاربعة – السكرتارية ) السيطرة على
السلطة برغم الخطط التي تقدم بها المكتب العسكري الذي أعيد
عمله في تموز – أب 1960 والتي وضعها التنظيم في القوة الجوية
1960.
لقد عبر الحزب من خلال رسالة أرسلت الى الحزب الديمقراطي
الكردستاني في 5 حزيران 1962 بالقول: (نحن نعمل باتجاه منع
عملاء الاستعمار والقوى اليمينية من الوصول الى الحكم , فيما
لو نجحت بتوجيه ضربة الى الحكم القائم , ان استخدام السلاح ضد
حكومة وطنية معادية للاستعمار وفي مثل هذه الظروف و من قبل جهة
ديمقراطية لا يؤدي في أحسن الاحوال الا الى أمرين : اما أن
ترتمي السلطة القائمة في احضان الاستعمار وتتحالف مع جميع
القوى الرجعية لمحاربة مثل هذه الحركة , أو أن يستغل
المستعمرون وعملائهم مثل هذه الفرصة لاسقاط الحكم القائم ,
واقامة حكومة رجعية لا تبقي على شيئ من مكاسب الشعب ) .
أن
الحزب الثوري الذي يعتمد على نظرية جبارة نظرية بناء
الاشتراكية والعدالة الاجتماعية , أن يعمل وفق ما تتوفر له من
فرص وأيمانه بحقوق الشعوب في تغير الحكومة المالكة او الطاغية
أو الدكتاتورية وبكل السبل , لان الحزب ليس منظمة أجتماعية أو
نقابية مهنية بل حزب ثوري يعمل بكل قوة من أجل حياة الناس
وبناء المجتمع الذي يطمح اليه وكان عليه أن يربى أعضائه
وأصدقائه على العمل الثوري الذي يمكن الحزب من أخذ دوره وبناء
المجتمع الذي يصبو اليه .
لقد قيم الحزب الشيوعي العراقي في الكونفرس الثالث 1967 موقفه
من أنقلاب شباط وتوصل الى ( أن السبيل الوحيد الذي كان على
الحزب أن ينتهجه , هو ان يطرح برنامجا ديمقراطيا ثوريا لازاحة
قاسم واقامة دولة ديمقراطية ثورية , تحقق اصلاحا زراعيا عميقا
وتلبي مطلب الحكم الذاتي للشعب الكردي وتسحق القوى الرجعية ,
وتطمئن المصالح المشروعة للجماهير ) وبعد عقد من الزمن يقيم
الحزب الموقف حيث يقول: ( حل أزمة الحكم بطريق ثوري , بقيادة
الطبقة العاملة وحزبها الشيوعي – ذلك البديل الثوري الصحيح )
.
عمل
الحزب للمحافظة على الجمهورية ولهذا قام بتشكيل المقاومة
الشعبية ولجان للدفاع عن الجمهورية وقد ضمت التشكليتين الالاف
من الشيوعيين وأصدقاءهم ومؤيديهم . حيث ذكر الحزب في برقيته
الى رئيس الوزراء في 14 تموز الى (ان الشعب سيحمي جمهورته
الفتية كثمرة عزيزة لنضاله المرير ضد الاستعمار والرجعية ).هذه
الوعود التي يطرحها الحزب كانت صمام أمان لرئيس الوزراء الذي
عرف كيف يتعامل معها , وأعتقد أن الحرية التي أعطيت لبعض
منظمات الحزب هو هدية منه , وليس هو نضال الحزب وقوى الشعب من
الوطنيين والتقدميين ورجالات السلم والمخلصين من أبناء شعبنا .
وفي نشرة خاصة أصدرها المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي في
15 تموز 1958 والتي تتعلق بالمقاومة الشعبية، أشار فيها الى
بعض التعليمات التي يتعين أن يتم الالتزام بها وأخذ بنظر
الاعتبار تجربة المقاومة في الكاظمية أضافة الى التعليمات
الاخرى ومنها – تكوين فرق مقاومة على أساس الحظائر والفصائل ,
يتبع في التنظيم وفي اصدار الاوامر نظام الطاعة والاساليب
العسكرية وأكد على التدريب وأيجاد الفرق في المحلات والاحياء
.. الخ , وأشار الى مطالب المقاومة في الحصول على السلاح من
الحكومة والجيش. والنقطة الاساسية هنا هي ان المقاومة الشعبية
في مؤازرتها للحكومة تتجه لتكوين نوع من السلطة الشعبية تمارس
بحكمة مسؤولياتها هذه وتتجنب مهما استطاعت الاصطدام بالسلطة
الرسمية وتؤازرها في كل خطوة وطنية .
وليس هذا فقط، فالدفاع عن الجمهورية وقراراتها كان الحزب
الشيوعي وجماهيره يدافع عنها , وخاصة قانون الاصلاح الزراعي
الذي رفضه الاقطاعيون والملاكون وسراكيلهم وحدثت كثير من
الاحداث ومنها مقتل أحد فلاحي الكحلاء صاحب الملا خصاف الذي
قتل يتحريض من الاقطاعي (محمد العريبي).واحداث كركوك وأنقلاب
الشواف في الموصل كلها تشير الى تضحيات كبيرة لاعضاء الحزب
ومناصريه الذين أيدو الثورة بروح عالية من التفاني مقدمين
أنفسهم قربانا لهذه الثورة الجبارة .
وفي
لقاء خاص بالباحث د.عقيل الناصري جرى في 4 كانون الثاني 2009
اكد لي (أن الحزب الشيوعي العراقي دافع عن الثورة والجمهورية
لان منجزاتها كانت متقدمة جدا في منظور تلك الفترة ومنها قانون
80 قانون النفط والاصلاح الزراعي والاحوال الشخصية والانسحاب
من حلف بغداد وغيرها) .
لقد عانى الحزب الشيوعي العراقي وأصدقائه معاناة كبيرة وتحمل
وطئة الاعتداءات المتكررة من قبل المتنفذين من االبرجوازية
والاقطاعية وألاحزاب القومية المعادية للحزب .
وخرجت بعض الفتاوي تحرم العمل في الحزب الشيوعي والتي أثرت
نسبياً فيما بعد على الحزب في عام 1963 أثر أنقلاب البعثيين ,
وكل ذلك من أجل أبعاد الفلاحين والجماهير من الحزب .
لقد
هاجم عبد الكريم قاسم ( كل منحى ديمقراطي في حركة الشعب ممثلة
بالحركة الفلاحية ونقابات العمال والتنظيمات الديمقراطية
الاخرى
) . وركز هجومه على الحزب الشيوعي بعد ان جمد الحزب الوطني
الديمقراطي عمله السياسي وفي اكثر من مرة رفض عبد الكريم طلب
الحزب الان منحه اجازة للعمل العلني وعطل جريدته ( أتحاد الشعب
) التي صدرت متأخرة في كانون الثاني 1959 وكان ذلك تحت ضغط
الشركات النفطية التي تخاف صحافة الحزب الشيوعي العراقي ,
وصدرت صحيفة طريق الشعب سرا في تشرين الثاني من عام 1961 .
كما
قام قاسم في نهاية 1959 بحل لجان المقاومة الشعبية ولجان صيانة
الجمهورية التي دافعت بكل بسالة عن الثورة والجمهورية ولان
الرجعية لا يرضيها وجود لجان تعاديهم , فلفقت الكثير من
الاعتداءات والتجاوزات... الخ برغم أن المقاومين كانوا يسلمون
أسلحتهم عند نهاية دوامهم الى مراكز الشرطة في محلات سكناهم
ولكن هذا لايعنى أن البعض من لجان المقاومة لم ترتكب الاخطاء .
وشن
قاسم أكثر من مرة هجومه وفي مناسبات عديدة على الحزب ومنها
خطابه بمناسبة الاول من أيار , وأعتقل الكثير من الشيوعيين
بحجة تجاوزات على القانون , أضافة الى الاغتيالات السياسية
لآعضاء الحزب , وبلغ الضحايا العشرات بل المئات من الوطنين
والشيوعيين وكذلك الحملة الكبيرة ضد الحزب في قضايا ملفقة
وكاذبة .
يقول بطاطو : ( والواقع أنه اعتقل في الفترة 19 تموز و12 أب
1959 مئات من شيوعي القاعدة ورفاق دربهم , وعطل فاعلية قوة
المقاومة الشعبية وأغلق فروع اتحاد الشبيبة الديمقراطي في مدن
المحافظات كما ختم مكاتب الاتحاد العام لنقابات العمال , وسرح
مالايقل عن 1700 احتياطي بينهم جميع الضباط الاحتياط من الدورة
الثالثة عشر التي يحضى الشيوعيون بنفوذ واسع بين صفوف أفرادها
) . وتشير نشرة اصدرتها لجنة الدفاع عن الحقوق والحريات
الديمقراطية في العراق الى أن عدد السجناء الموقوفين عام 1960
بلغ 22 الف شخص واغتيل خلال تلك الفترة 270 شخصا وبلغت احكام
الاعدام التي أصدرتها المجالس العرفية بحق الشيوعيين واصدقائهم
الى 112 حكما ً ) .وكان بأمكان الحزب أيقاف عبد الكريم قاسم في
تعسفه هذا ، حيث الموقف المتردد من رئيس الوزراء الذي جامل
القوى الرجعية الداخلية والخارجية في هذه الاجراءات المهينة
لحزب ناضل ربع قرن ضد الرجعية الملكية والقوى الداعمة له
واعوانها .
لقد
وقع الحزب في ازدواجية سياسية أيديولوجية , متعارضة مع مد
جماهيرية وحركة ميدانية واسعة , اثرت بشكل كبير على الكثير من
أعضائه وأصدقائه , وبما فيه قيادته المتناقضة في مواقفها ,
وأعتقد أن برقية قيادة الحزب لتأيد للثورة تعطينا فكرة عن نهج
الحزب وسياسته , كونه عانى كثيرا ابان الحكم الملكي الدكتاتوري
بحكومته البغيضة , أمام الجمهورية الاولى أبان حكم عبد الكريم
بصـعود البرجوازية الوطنية التي هي أهون من ذلك الحكم الذي
حكم على مؤسس الحزب وقيادته بالاعدام . وهناك راي يقول ( أن
حزب البعث وغيره كالحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال
يواخذان على الحزب الشيوعي بأنه رغم نضاله الواضح والقوي ضد
السياسة اللاديمقراطية وضد المساومة فانه لن يتردد بين مصافحة
قاسم عندما يمد هذا يده اليه) .ويعنى أننا مع رئيس الوزراء
بالخطأ وبالصح و لانفرق بين تصرفاته والتي في كثير من الاحيان
لاتخدم الحزب الشيوعي .
وقد كتبت (اتحاد الشعب ) افتتاحية في 28 نيسان 1959 تحت عنوان
( مساهمة الحزب الشيوعي في مسؤولية الحكم اصبح ضرورة وطنية
ملحة )، ذكرت فيها ان الثقة كانت ولما تزال العامل الرئيسي في
الانتصارات التي حققتها ثورتنا , وفي تأمين سلامة النهج
الديمقراطي الثوري لجمهوريتنا – عبر حل المشاكل والتناقضات ,
ولسنا ناتي بجديد , اذا قلنا ان حزبنا , قد لعب دورا مشهودا
في تعزيز هذه الثقة وتطويرها – وتعبئة الجماهير الشعبية
الواسعة حول السياسة الوطنية الديمقراطية التي ينتهجها بثبات
عبد الكريم قاسم . وبالرغم من ملاحظاتنا على بعض التطبيقات
السياسية للحكومة – ولا سيما فيما يتعلق بعنصر الحساسية الغير
مبررة أزاء حزبنا والمظاهر السلبية الناشئة من الشكل الذي يجري
فيه تركيب وترميم السلطة السياسية
.
في
حين كان من المفترض أن يزيل الحزب التناقض بين قاعدة الثورة
وشكل السلطة , فقد كانت جماهير الحزب ومنظماته كبيرة جدا وكان
يحتاج أن يكون له دورا أساسيا في الحكم بل السيطرة على السلطة
, وقد برز هذا التناقض من خلال هجوم قائد الثورة على الحزب
وأعتقال مناصريه .أن هذا الحماس يحتاج من يخطط لاستغلاله وفق
ماتقتضيه مصلحة الحزب ونظريته الثورية. (فالثورة والعنف هما
طريق أنتزاع الديمقراطية المعبرة عن مصالح العمال والكادحين ,
والمغيرة للواقع...
.
) .
في
هذا الوقت بالذات لم يستطع الحزب أن يقوم بعمل ما , بحيث لا
يستطيع أن يطالب بحقوقه في المشاركة في الحكم , والذي تنصل عن
المطالبة بها فيما بعد . يعطي محمد حسين أبو العيس ( عضو
المكتب السياسي في حينه ) في نقده الذاتي نماذج من سياسة
المعارضة في المكتب السياسي لفرض التراجع غير المنظم حيث يقول:
( كنا نتجنب الدفاع والدخول في أي معركة دفاعية ولو كانت على
صفحات الجريدة )
.,
وكيف نعبر عن الحس الثوري للجماهير الغفيرة التي تنادي بأشراك
الحزب الشيوعي في الحكم , أما كان منا أن نتعامل مع هذه الظروف
وخاصة الذاتية التي توجت الحزب الشيوعي العراقي في قمة هرم
الاحزاب نشاطا وجماهيرا وقوة ً . (وكانت ضغوطات عبد الكريم
قاسم لازاحة قيادة الرفيق سلام عادل ورفاق أخرين مستمرة وكان
يعبر عن ذلك بأساليب مختلفة . وكان هدفه في الحقيقة محاولة ثلم
دور الحزب الطليعي في الحركة الجماهيرية , وتفادي ضغوط الحزب
من أجل تطوير الثورة .هذه جوهرها موقف طبقي، ولكن كان يعبر
عنها بأساليب مخادعة )
.
في حين كان سكرتير الحزب يعمل من أجل درء الخطر عن الثورة .
لقد طرح الرفيق سكرتير الحزب سلام عادل خطة تسمى حينها ( خط
حسين ) حيث دعى في أجتماع المكتب السياسي عام 1959 الى ( تشكيل
مفارز مسلحة صغيرة في المحلات والمناطق من شأنها مشاغلة
الانقلابين حتى يتسنى تحريك القطاعات العسكرية الموالية , الا
أن المكتب السياسي رفض تكوين تلك المفارز السرية برغم أنها لا
يمكن أن تبقى سرية)
.
تحمل الحزب تجاوزات القوى الرجعية على أختلافها الداخلية منها
والخارجية ومناورات الاستعمار والامبريالية الامريكية وحلفائها
أضافة الى سياسة عبد الكريم قاسم , فقد أعتقل العشرات من كوادر
الحزب وأدخلوا السجون والمعتقلات حيث أعتقل أكثر من 21 الف من
المواطنين ومنهم من اصدقاء الحزب وموازريه , وبقي الحزب يدافع
عن ثورة 14 تموز وهو من ساهم بها بشكل مباشر ولعب أبطاله من
الضباط والجنود والجماهير بشكل عام دورا كبيرا فيها , لهذا كان
الدفاع مستميتا , وكانت النتيجة لكل الاحداث السلبية التي
رافقت الثورة وكذلك تخبط سياسة الحزب هي حدوث الانقلاب البعثي
في 8 شباط عام 1963 والذي أجهض الثورة .
وراح ضحية هذا الانقلاب الالاف من الشيوعيين وأصدقائهم .
وتشير السيدة ثمينة ناجي الى ( أن انشغال المنظمات الحزبية من
القمة الى القاعدة بتعقب ومكافحة النشاطات المعادية
الاستعمارية الرجعية دفاعا عن الجمهورية ومكاسب الثورة وانشغال
عدد كبير من كوادرنا بمهام سياسية لا تحتمل التأجيل أو
اللامبالاة كان عائقا جديا أمام حل المشاكل التنظيمية في الحزب
...) لقد تركنا التنظيم الحزبي بشكل أو بأخر وكل عملنا هو
الدفاع عن الجمهورية ومنجزاتها .وكان من المفروض على الحزب
العمل على لملمة التنظيم الحزبي والعمل على عقد موسعات حزبية
تنظيمية وسياسية لسماع أراء أعضاء الحزب وبالتالي الجماهير كون
عضو الحزب هو الاقرب الى الجماهير ومشاعرهم تجاه الحزب والثورة
وقائدها , ومن ثم التهيئة لعقد مؤتمر ثاني للحزب والذي تأخر
كثيراً.
في
أجتماع أيلول 1962 أي بعد عودة سكرتير الحزب وجمال الحيدري من
موسكو بعد أن تم معاقبة مجموعة الاربعة وتحليل الاوضاع
السياسية قام الحزب بالعمل ضد دكتاتورية قاسم العسكرية حيث وجه
المنظمات الحزبية على تشجيع الاضرابات العمالية والتحريض على
التظاهرات .
من
جانب أخر بلغت اللجنة المحلية في الموصل من قبل اللجنة
المركزية في كانون أول 1962 بضرورة( أتخاذ الحيطة والحذر
واعداد فرق مسلحة قادرة على العمل في الريف والمدن وبالتنسيق
مع اللجنة العسكرية المركزية في بغداد استعدادا لمقاومة أي
محاولة انقلابية محتملة
..).
أهم مايميز هذه المرحلة
1-
تشابك المصالح وأختلافها بين الاحزاب التي كانت من ضمن جبهة
الاتحاد الوطني , والذي أنعكس في صراع ميداني ودعائي بينهم
وبين الكثير من جماهيرهم .
2-
تشعب أعداء الثورة داخليا وخارجيا وأرتباط مصالحهم في الوقوف
ضدها .
3-
(
الاستعمار وأعوانه من الاقطاعيين والرجعين وسائر المتأمرين ومن
ورائهم القوى الرجعية في البلدان العربية المجاورة)
.
4-
فوضى في بعض جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية .
5-
تمردات من قبل أعداء الثورة , والذي أدى الى تغير في ممارسة
الجماهير وبعضها كان تجاوزعلى حقوق الاخرين وحرياتهم وهو أسلوب
لايجمعه جامع مع الكفاح الثوري والانسان الثوري .
6-
صعود البرجوازية الوطنية التي أخذت تدافع عن مصالحها والتي
ترتبط بتطور الحكم السياسي وتنفيذه لمصالحها من أصدار القرارات
والقوانين ... الخ .
7-
التدخلات الخارجية وموقف القوى الاستعمارية بريطانيا وأمريكا
وحلفائهم .
إن مرحلة التطور
السريع للحزب تنظيميا وجماهيريا كان لها دورا كبيرا في اثارة
تخوف وحقد بعض الحكومات العربية والاحزاب العراقية من البعثيين
وألاحزاب البرجوازية والرجعين , ولكن الصعود الثوري السريع
والتفاف الجماهير الكبير حول الحزب لم يراعيه الحزب وقيادته
اهتماما جدياً وبمسؤلية عالية كانت تتطلب منه التغير لصالح هذه
الجماهير , أن هذا الكفاح البطولي الذي سطره الحزب طيلة تأريخة
كان يحتاج منه أستغلال هذه الفرصة بمنتهى الدقة والحزم الثوري
, فهو يتحمل المسؤولية التأريخية لانه لم يستلم السلطة وكان
بالامكان أن يتغير تأريخ العراق المعاصر .
أضافة
الى ماذكر من أسباب سقوط الثورة ونجاح الانقلابين في 8 شباط
الاسود فهناك اسباب كثيرة اخرى , فعلى صعيد الحزب تذكر ثمينة
ناجي ( 1- عدم تبلغ اللجنة العسكرية ومسؤولي الخطوط بالانقلاب
2- عدم مساهمة عدد من اعضاء اللجنة المركزية المعروفين في
المقاومة .. 3 - سيطرة الافكار الاستسلامية الذيلية بسبب أفكار
الكتلة الانتهازية على جزء غير قليل من التنظيمات وقيادة الحزب
وشيوع ما أطلق عليه بالدفاع السلبي أي عدم الفهم الواضح لخطة
الطوارئ...)
. وأنا أعتقد أن قيادة الحزب لم تدرس بشكل جيد دور الرجعية
المحلية من ملاكيين وأغوات وتعاونهم مع القوى القومية
وتنسيقها مع القوى الخارجية الاقليمية والدولية التي كانت تريد
ان تنال من الثورة .
وفي
مكان أخر تشير الى ( أن التراجع أضر وأساء للحزب وأثر على
نفسيات أعضائه بحيث لم يعد سهلا اعادة المواقف الثورية وبثها
فيهم من جديد . وفاقم من التدهور تضارب رأي أعضاء قيادة الحزب
, فقد كنا نسمع من عدد منهم ما يبعث على الثقة والحماس بينما
كان حديث أخرين محبطا للمنظمات الحزبية بسبب ذهنيته وتوجهاته
الفكرية)
.
كان
على الحزب الثوري الطليعي أن يكون حزبا موحد الفكر والارادة
والعمل , تسوده روح الانضباط العالي ومباديء المركزية
الديمقراطية والنقد والنقد الذاتي بعيدا عن عبادة الفرد والروح
البيروقراطية والاساليب العشائرية البالية وبعيدا عن الانانية
والمصلحية والانتهازية والفوضى , حزب ذو نظرية علمية تقوده
هيئات حزبية مناضلة ومكافحة ومنتخبة وفق قواعد الهيئات وأسس
الحياة الحزبية الداخلية , و توجهاته وقيادته للجماهير تأتي
وفق متطلبات الثورة وأفاقها كضرورة أنية ومهمة.
وفي
المعطيات السياسية فقد أستغل البعثيون والقوى الرجعية المساندة
لهم الفجوة بين حكومة قاسم والحزب الشيوعي العراقي ومعاداته
للديمقراطية , وكذلك حربه على الشعب الكردي أضافة الى أن حزب
البعث والقوى الرجعية المحلية والعربية والدولية أتحدت للقضاء
على المد الثوري للحزب الشيوعي العراقي وأنصار الجمهورية ,
وهكذا سجل تأريخ العنف والانقلابات والاعدامات بمجيئ أنقلاب
شباط الاسود عام 1963 .
لقد
أدى تحالف القوى الرجعية والبعثية والقوى القومية مع جهات
خارجية ,الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها وعبد الناصر وبعض
الدول العربية , والتنسيق على أعلى المستويات وفي الجوانب
الاعلامية وكذلك الدعم المادي واللوجستي والتسليحي والفني
وقدموا كل الترتيبات المخابراتية لخدمة أنقلابهم المشؤوم,
والذي أدى الى أستشهاد الالاف من الشيوعيين وأصدقائهم وأغرقت
البلاد بالدماء وزج الالاف في السجون من المواطنين الابرياء
والشرفاء .
الاستنتاجات
–
1-
لم ينفذ الحزب سياسة أستلام السلطة التي تطالب بها القاعدة
الحزبية والجماهيرية . – صراع الافكاروالاراء داخل القيادة
وضعف أدارتها حالت دون أستلام السلطة.
2-
أشيع أنطباع أن كل من يطالب بالحكم هو متياسر وكل من هوعكس ذلك
فهو يميني , ولم تكن سياسة الحزب متوازنة وأنما يشوبها أحيانا
الفردية وعدم الدراسة للاوضاع بشكل متأني .
3- التدخلات الخارجية ومنها تدخل الاتحاد السوفيتي وتأثيره
على الحزب ( رسالة حملها أحد قادة الحزب من خروشوف والذي أعترض
على مطالبة الحزب بالمشاركة في الحكم ).
4- قلة خبرة قيادة الحزب نظريا وعدم اخذ المبادرة والعمل
الثوري الذي يجسد الارادة الحزبية والشعبية لقاعدة الحزب .
5-
الولايات المتحدة الامريكية وعملاءها ومخابراتها كان لهم دورا
أساسيا في أعاقة عمل الحزب حيث كانت تشجع عبد الناصر في حملته
ضد الشيوعية في العراق .
6-
دور
القيادة المصرية التخريبي و كذلك دور النظام الاردني وبعض
القوى القومية العربية وصحافتها وأعلامها الذي تميز بالعداء
للشيوعية وللحزب الشيوعي العراقي .
7-
دفاع الحزب المستميت عن الثورة وقائدها ( تصريح لقاء سكرتير
الحزب سلام عادل مع جريدة أتحاد الشعب ) ورسالة سكرتير الحزب
الى رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم , برغم تقلباته على الحزب من
غلق جريدته وأعتقال الكثير من مناضليه والهجوم المتكرر في
خطاباته على الحزب , ودعمه حزب شيوعي أخر بقيادة (داود الصائغ
), وممانعته أشتراك الحزب في الحكومة.
8-
حل
تنظيمات الحزب في الجيش .
ومن
الاستنتاجات التي تضعها السيدة ثمينة ناجي في كتابها تقول (
الكل أجمع أن للحزب – في تلك الفترة – قوة نفوذا كبيرا وواسعا
وكان بمقدور الحزب في حالة استخدامه بصورة صحيحة وفي الظرف
المناسب وبالشعارات والاهداف الملموسة وبالترابط التام مع
الحلقات الاخرى التي وضحتها خطة سلام عادل : التحرك الجماهيري
, المقاومة الشعبية , التعبئة العامة في جميع المجالات
العسكرية والمدنية , أن ينجز تلك الاهداف ويراكمها وصولا الى
التغير النوعي في توازن القوى بين أعداء الثورة وأنصارها
وبالتالي تفويت الفرصة على الاعداء للانقضاض على الثورة كما
حصل في 8 شباط 1963 بسبب النشاط التخريبي للكتلة في جميع
المجالات ومنها في القطاع العسكري خصوصاً
..) .
المبحث الثالث
المرحلة الممتدة من 1963 وحتى أيلول 1970
من وجهة نظرنا في هذا المبحث، تعتبر هذه المرحلة من المراحل
المهمة في تأريخ الحزب الشيوعي العراقي فقد رفع الحزب فيها
السلاح بشكل علني وسلح أعضاءه واصدقائه نظريا وتعبويا مستفيدا
من الظروف السياسية والطبيعية .
ففي انقلاب شباط الاسود عام 1963 وزع الحزب بيانا يدعو
جماهيريه الى رفع السلاح والتصدي للانقلابين من البعثيين وجاء
فيه:( الى السلاح لقمع مؤامرة الاستعمار والرجعية , أيها الشعب
العظيم , الخونة والمتأمرين محصورين في أبي غريب , أن بعض
الزمر تحاول توسيع عملياتها في بعض أنحاء جانب الكرخ ........
اسحقو المتأمرين الخونة دون رحمة , استولوا على السلاح من
مراكز الشرطة ومن أي مكان وجد فيه , وهاجموا المتأمرين عملاء
الاستعمار ......
الى
السلاح الى الهجوم في كل أنحاء بغداد والعراق وسحق جيوب عملاء
الاستعمار المتأمرين
).
وقد
طالب أعضاء الحزب وجماهير واسعة بالسلاح من أجل الدفاع عن
الثورة , ولكن دون جدوى , ( لقد ظلت الجماهير التي يقودها محمد
شخيتم عند بوابة وزارة الدفاع عزلاء من السلاح رغم مطالبتهم
المستمرة
)
, وهذه أول مرة يدعو الحزب في بيان لرفع السلاح والدفاع عن
الثورة بالعنف الثوري ردا على عنف الانقلابين والتصدي لهجومهم
, وقامت جماهير الحزب في أماكن عديدة للمقاومة والتصدي لهذا
الانقلاب في الكاظمية وعكد الاكراد وغيرها من المناطق الاخرى .
وأستطاعت الجماهير ومؤيدي الحزب الشيوعي العراقي من السيطرة
على بعض المراكز وأخذ السلاح لمقاومة الانقلابين وقد سيطرت
المقاومة الباسلة على بعض مناطق مدينة الكاظمية . وكان من
المقاومين الابطال سعيد متروك الذي أستطاع أن يغطي عملية
الانسحاب لساعات طويلة حتى نفذ عتاده عن أخره.
وفي
عكد الاكراد قامت الجماهير من الاكراد الفيليين في المنطقة
وكادحي باب الشيخ و(الشروكية ) كما يسميهم البعض الذين لا
يرتاحون لهم , القادمين من مدينة الثورة وقد قدر عدد المقاومين
بـ 4 الاف في اليوم الاول وكان يقود المعركة محمد صالح العبلي
, بمقاومة باسلة.
وهناك كثير من الفعاليات التي قام بها الحزب لا نستطيع ان
ندرجها كلها , وأعتقد انها المرة الاولى التي يدعو الحزب فيها
الى رفع السلاح والعمل بكل قوة . نعم كانت هناك مقاومة بطولية
أعترف فيها البعثيين وقالوا أن جرائمهم هي ردا على هذه
المقاومة .
وهكذا سقط الكثير من الشيوعيين بين أيدي البعث ومن أستشهد ومن
أعتقل ووضع في السجون التي أكتضت بهم , كما ان الاعتقالات كانت
وفق قوائم معينة أعدت مسبقاً وبمساعدة (وكالة المخابرات
المركزية الامريكية ) , ودعم من دول الجوار من عربية وغير
عربية وراح ضحية ذلك الانقلاب فقط من الحزب الشيوعي العراقي
أكثر من خمسة الالاف من أعضائه .
فيما بعد ( دعا جمال الحيدري ومحمد صالح العبلي عضوا المكتب
السياسي للحزب الى المقاومة وتنشيطها بكل السبل وخاصة في منطقة
الفرات الاوسط حيث تتوفرهناك امكانات العمل لهذا الغرض هناك
وشجعا قادة الفرع في كردستان على التحول نحو رفع السلاح وتكوين
القواعد الانصارية
).
وهذه هي المرة الاولى التي يدعو فيها الحزب الى تكوين قواعد
لانصار الحزب الشيوعي في منطقة شمال العراق ( كردستان ) والتي
أصبحت فيما بعد ركيزة مهمة للرفاق والاصدقاء الذين فروا من
النظام البعثي نظام 8 شباط الفاشي , وكان بيان 13 السيئ الصيت
الذي أصدره حزب البعث والذي طالب فيه الجيش والشرطة اعتماد نهج
أبادة الشيوعيين ومن جراءه قتل ودفن المئات في مقابر جماعية
دون محاكمات قانونية .
وقال الحزب في بيانه ( اذا كانت سياسة الحرب في كردستان قد
عزلت واطاحت في النهاية بدكتاتورية عبد الكريم قاسم ,فان هذه
السياسة ستعجل بسقوط الدكتاتورية العسكرية للطغمة الحاكمة تحت
اقدام الشعب هذه المرة)
.
أما
قيادة فرع كردستان للحزب الشيوعي العراقي فلم تتعرض الى الهجمة
ولهذا طالبت بمواصلة النضال ضد الانقلاب . ومن هنا حاولت تجميع
التنظيمات الحزبية التي لم تتعرض للاعتقال من المنظمات الحزبية
الاخرى , برغم الظروف التي كانت تعانيها ومنها المادية وضغوط
القوى الرجعية من الاقطاعيين والملاكيين وكذلك كتلة اليمين في
الحزب الديمقراطي الكردستاني التي لا ترتاح لوجود الحزب
الشيوعي العراقي وأنصاره في المنطقة .
هذا
وكان الحزب قد اتخذ قرارا في أواخر 1962 بتنظيم الفرق المسلحة
استعدادا للطوارئ، كما ، أن (عزيز محمد عضو المكتب
السياسي قد التقى بالبرزاني والذي دعم وجود الانصار الشيوعيين
, فيما بعد كونوا لهم قواعد في هندرين وفي رواندوز وشقلاوة
وداربه في قضاء كويسنجق وفي جبل أوه كرد في المنطقة ذاتها ,
واوجدوا تجمعا في جبل القوش ولجأ الى قواعد الانصار هذه كثير
من الذين نجو من اعتقال الحرس القومي في بغداد وغيرها وكان من
بينهم الضباط المعروفون سعيد مطر وغضبان السعد وملازم خضر
واحمد الجبوري وأخرون وقد لعب هؤلاء دورا مشهوداً في الحركة
الكردية المسلحة . وقد خاض الانصار الشيوعيون معارك باسلة
وحققوا أنتصارات مجيدة في ( جبل حسن بك وفي قمة رتبوك )....وهذه
هي أحدى مفاخر الانصار الشيوعيين في كردستان العراق والتي
يرددها المناضلون في كردستان والعراق ككل الى هذا اليوم .
(فتجمع مئات الشيوعيين في مناطق تابعة لسيطرة بيشمةركة الحزب
الديمقراطي الكردستاني , وفي الجبال التقى الشيوعيون
والبارتيون وجها لوجه لاول مرة بعد ثورة ايلول).
ولابد أن نشير الى أن الفرع الكردي للحزب الشيوعي العراقي أصدر
بيانا في أب 1963يؤيد الحركة الكردية المسلحة بقيادة الملا
مصطفى البرزاني واعتبرها ثورة قام بها الشعب الكردي لنيل حقوقه
المشروعة .
(
تشكلت فصائل الانصار الشيوعيين في وحدات صغيرة متميزة في
التنظيم في عام 1963 الا انها من وحدات البيشمه ركه خاضعة
لقيادة الثورة من الناحية العسكرية وقد كان ذلك تحولا بارزا
لتأكتيك الحزب في تبنيه لاسلوب الكفاح المسلح ضد الحكم
الدكتاتوري البعثي ومساهمته في الثورة الكردية)
.
وأني أرى , كان لوجود جزء من التنظيم وبعض القيادات في تلك
المنطقة, قد ساعدت الحزب على التواصل مع العمق في المحافظات
الوسطى والجنوبية , وهذا ما أثبتته الايام من خلال أعادة
تنظيمات الحزب في أغلب مرافق الحياة ومنها المؤسسات الكبيرة
والمعامل الانتاجية والمشاركة في انتخابات الجامعات والتي حقق
فيها أتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية وكان ينشط فيه
الكثيرمن أعضاء الحزب .
ويشير منشور الحزب الى أن التجارب التي مرت بها فصائل الانصار
في عام 1963 ومراحلها – بعد انقلاب شباط الفاشي حيث أحتشد عدد
من الرفاق دون علاقات وروابط تنظيمية بالعمل وتم تشكيل ثلاث
لجان ( عسكرية وادارية وحزبية ) ولقلة التجربة وضعف الاداء
حدث تداخل في الواجبات , كما ان تعدد هذه اللجان لا يتناسب مع
عدد الانصار القليل , ولم يكن لدى هذه اللجان من مهام مايبرر
تشكيلها , وبعد فترة وجيزة الغيت هذه اللجان وتشكلت لجنة واحدة
لقيادة القاعدة( البنكة ).
(
وفي فترة المفاوضات الثانية عام1964 ظهرت الحاجة الى تثبيت
كيان الفصائل والحضائر واعطائها مهام ادارية وحزبية لتنهض
بمسؤلياتها ...... وأنيطت مهام القضايا الادارية في الفصيل الى
عريف الفصيل والمهام الحزبية الى المستشار السياسي ومسؤول لجنة
الفصيل وهؤلاء الثلاثة ( أمر الفصيل – العريف – المستشار
السياسي ) يشكلون لجنة الفصيل, يكون واجبها قيادة الفصيل بكافة
النواحي على غرار لجنة قيادة القوة)
.
وكانت للحزب عناصر من الفلاحين يحملون السلاح وهي الخطة التي
طرحها السكرتير الاول للحزب ( سلام عادل ) قبل أنقلاب شباط
والتي كان يرعاها الحزب . وانخرط بعض الشباب مع هذه العناصر
وكانوا يقاتلون ضد الحرس القومي الذي كان يقوم في حينها بما
سمي بـ ( الزركات ), علما ان بعض الشيوعيون احتموا في الاهوار
والقرى المحيطة وكانوا محط الاحترام من بعض الوجهاء ومن الذين
كانوا يناصرون ثورة 14 تموز وعبد الكريم قاسم .
وقد
التجأ الكثير من أعضاء الحزب ومناصريه الى مناطق الاهوار خوفا
من ملاحقة أزلام النظام البعثي الفاشي وزبانيته , حيث كونوا
العديد من الفصائل هناك . ولو كان لدى الحزب خطة واضحة وصريحة
ومدروسة من قبل قيادة الحزب وكوادره أثر التداعي الذي أصاب
السلطة في نهاية 1962 لكان موقف الحزب أفضل وخاصة خطة الطوارئ
التي أقترحها سكرتير الحزب سلام عادل . وكان على الحزب وضع خطة
التراجع بشكل مدروس والعمل بها بعد الانقلاب ومنها التواجد
والاختفاء في المناطق التي لم تستطع فيها السلطة الوصول اليها
مثل الاهوار والمناطق الجبلية في شمال العراق .
(
أن مثل هذه الظروف التي عاشها ويعيشها الانصار الشيوعيون في
كردستان سوف لا تواجه رفاقنا الانصار في الجنوب لانهم سيعملون
في ظرف متمايز تماما , فهم مستقلون في تنظيم وقيادة فصائلهم
والسيطرة على المناطق أي ان الثورة في الجنوب ستكون بقيادتهم
المباشرة الا انهم سيواجهون حربا طبقية والتي ستكون قاسية لان
العدو لا يمكن ان يرحم في مقاومته لمثل هذه الثورات التي تقضي
على مصالحه الاقتصادية والسياسية بصورة جذرية
) .
وفي
بيان للحزب صدر في حزيران 1963 يدعو الى تشديد المقاومة ويناشد
الجيش والشرطة والى مقاومة النظام وجاء فيه: ( أيها الجنود
ورجال الشرطة الشرفاء لاتطلقوا النار على شعبكم , لا تكونوا
الة تقتيل بيد الجلادين ... لا تخضعوا للخطط وأوامر الضباط
الفاشست وحرسهم القومي عرقلوا واحبطوا خطط المتأمرين ..
قاوموها .. التحقوا بصفوف الشعب العامل
)
.
لقد
صعد الحزب من لهجة البيانات المتكررة في المقاومة والتسلح وهو
رد طبيعي على عنف سلطة الانقلاب وحرسها القومي , وكان للبيانات
تأثير غير قليل بين أوساط الجنود والضباط وعامة الشعب، كما
لعبت عودة التنظيم ونهوضه مرة أخرى في تحفيز الجماهير لكره
السلطة الحاكمة التي جاءت في قطار أمريكي، على حد تعبير احد
قادة انقلاب شباط الاسود (علي صالح السعدي ) , أضافة الى همجية
القتل والتعذيب وغيرها أدت الى البغض من جميع الاوساط بما فيها
الفئات المثقفة من أبناء شعبنا العراقي . كان على رفاق الحزب
وأصدقائه ومؤازريه وحتى قيادة الحزب أن ترد على همجية النظام
البعثي برد مماثل .
ولم تمضي فترة طويلة حتى تحركت بعض تنظيمات الحزب بهذا الرد
وفي أكثر من موقع ,
وكانت أحدى تلك التحركات ما قام به بعض الجنود في معسكر فايدة
في الموصل والخطة التي أشرف عليها الكادر الشيوعي طالب عبد
الجبار ومراتب من المعسكر وبالتعاون مع المسلحين في جبل القوش
والخطة هي السيطرة على مضيق دهوك , ولكنها فشلت وأعدم قائدها
طالب عبد الجبار.
حركة معسكر الرشيد
بعد أنقلاب البعث واعتقال الالاف وقتلهم في اقبية التعذيب
والسجون بادرت مجموعة من الشيوعيين وأصدقائهم الى تشكيل منظمة
تضم مدنيين وعسكريين من مختلف المستويات وكان هدفها رد
الاعتبار الى الحزب والعمل على الاستيلاء على السلطة , لهذا
عملوا على الاتصال بالمنقطعين عن التنظيم الحزبي والاعداد الى
عمل مباغت وجريئ. واتخذت هذه الحركة اسم حركة (حسن سريع ) فيما
بعد. وفي يوم 3 تموز 1963 سيطرت هذه المجموعة على مشاجب السلاح
والحراسة في معسكر الرشيد واحتلت المطار، ولكن بسبب مقاومة حرس
السجن عجزوا عن أحتلاله وتحرير الضباط الشيوعيين منه. وقد
قمعت الحركة وأعتقل قائدها العريف حسن سريع واعدم بعد صموده
البطولي, وفي بيان للحزب في تقيم هذه الحركة ( عجز اعنف موجة
ارهابية على قتل الروح الثورية للشعب العراقي
..
). لقد اثبت الجنود وضباط الصف قدرتهم على رسم الخطط الثورية
فقد جاء في التقرير الذي قدمه أحد قادتها للحزب الشيوعي (...
كانت الخطة تعتمد على التحرك الشامل لجميع المعسكرات واحتلال
محطة الاذاعة من أجل دعوة الجماهير لاسناد الانتفاضة واذاعة
البيان الاول للثورة واسماء الوزراء الذين يشكلون الحكومة
الثورية .. .. اختير معسكر الرشيد للبدء بالانتفاضة وكون
العريف حسن سريع احد قادة الانتفاضة كان يعمل قائد وحدة عسكرية
في المعسكر نفسه ولوجود عدد كبير من القادة العسكريين والفنيين
والطيارين الشيوعيين والثوريين في سجن رقم واحد (1 ) ويربو
عددهم على ( 900 ) شخص فضلا عن وجود مطار الرشيد الذي يمكن
استخدامه كقوة ضاربة واستخدام اجهزته الفنية للاتصال بالوحدات
أثناء التنفيذ
).
وبعد فشل الانتفاضة قامت سلطة البعث يوم 7 تموز بترحيل هؤلاء
الضباط الشيوعيين والقاسمين الى نقرة السلمان في قطار سمي
يومها قطار الموت, حيث تم حشرهم وفي شهر تموز القائظ في قطار
لنقل البضائع وبعربات حديدية مقفلة ولولا أكتشاف سائق
القطارلحمولته , والذي دفعه لزيادة سرعت القطار والوصول الى
مدينة السماوة وفتح أبواب العربات ,فقد جاء الاهالي حاملين
صفائح الماء البارد واخذوا برشه على المعتقلين ولولا العمل ذلك
لهلك الكثير من هؤلاء السجناء ومع هذا فقد أستشهد الرئيس الاول
يحيى نادر لذلك هذا القطار بـ (قطار الموت).
كما
تعرض الكثير من أعضاء القيادة وكوادر الحزب العسكرية والمدنية
الى السجن والاعتقال ومنهم من أستشهد تحت التعذيب وفي مقدمتهم
اعضاء المكتب السياسي محمد صالح العبلي وجمال الحيدري والصحفي
عبد الجبار وهبي وعشرات الكوادر .
لقد أثبتت التجربة أن أي عمل بدون التنظيم والتعبئة الجماهيرية
لا يمكن أن ينجح , فعندما أتصل قادة الحركة ( حسن سريع )
بقيادة الحزب أي باللجنة المركزية للحزب لاخبارها بموعد تنفيذ
الثورة , عارض الحزب ذلك ( يجب الالتحاق بالتنظيم الحزبي
والتوقف عن التنفيذ ... ان عملكم هذا يشكل خرقا للمبادئ
ومنافيا للضبط الحزبي)
.
وكان للحركة نواقص كثيرة كان بالامكان تلافيها لو أستفاد
المنتفضون من خبرة الحزب وكوادره وضباطه، حيث كان هناك ضعف في
الكفاءات العسكرية والتنظيمية , وتسرع في القيام بالعمل
العسكري ، هذا اضافة الى قلة خبرة الجنود وضباط الصف , في هكذا
عمل ثوري يحتاج له التحضير الجيد والتوقيت الدقيق .
تتميز حركة تموز ( حسن سريع ) كونها عملا جريئا قام به مجموعة
من الجنود وضباط الصف وهم من الفقراء والمعدمين الذين لا
يملكون أي شيئ سوى الارادة والمعنويات العالية، وكانت حركتهم
لرد الاعتبار للحزب الذي تأثر بشكل كبير في أنقلاب 8 شباط بعد
الاعتقالات والاعدامات لقيادة الحزب وكوادره , حيث أنشطرت
التنظيمات الحزبية وانقطعت الخلايا واللجان عن بعضها البعض .
كانت للحركة صلات واسعة مع
العديد من الخلايا الحزبية بعضها مقطوع عن التنظيم في بغداد
والفرات الاوسط بين العسكرين والمدنيين, والامر الاخر أن حركة
حسن سريع بقيادتها ( اللجنة الثورية ) التي كانت اقنعت نفسها
بأنها قيادة الحزب نفسه لانه لم تحصل الموافقة من قيادة الحزب
على هذه الحركة بعد الاتصال الغير مباشرمع اللجنة الثورية (
حبيب – سريع ) (ويذكر أن موعدا مباشرا كان قد تقرر بين محمد
صالح العبلي وقيادة الحركة , لكنه أعتقل قبيل الموعد مع جمال
الحيدري وعبد الجبار وهبي في دار والد الدكتور عطا الخطيب ,
وهكذا لم ينته شهر تموز الا وكان الطرفان (العبلي –الحيدري
وتنظيم ( حبيب – السريع ) قد سحقا واعدم أغلبيتهم
.
وقد قيم الكونفرس الثالث للحزب المنعقد في 1967انتفاضة حسن
سريع بانها: (جسدت ارادة وتصميم الشيوعيين العراقيين على
أستلام السلطة في العراق ) .
و
تعتبر هذه الانتفاضة أول عمل مسلح يقوم به الحزب بتنظيماته
لاستلام السلطة. وبرغم ضعف الصلة والمخاوف من أنكشافها فهي
حركة مسلحة ذات مضامين شيوعية وديمقراطية وذلك من خلال تشكيل
الحكومة التي اراد المنتفضون تشكيلها
.
وعند البحث في اسباب فشل الانتفاضة فانه يمكن القول ان الظروف
الذاتية والموضوعية لم تكن مهيئة للقيام بعمل من هذا النوع
أطلاقاً , فالتنظيم مشتت وأغلب القيادات العسكرية من الضباط
كانوا في السجن وكذلك القيادات المدنية بين الاعتقال والسجن
والقتل والاعدام , ولم يعد التنظيم يمثل قوة ماقبل شباط 1963,
وكانت لبعض المنتفضين ضعف الثقة بانتصار الحركة وحالة من
التردد , في حين أن قائد الحركة والبعض الاخر كان لهم الثقة
الكبيرة في أمكانية التغير والسيطرة على بعض المؤسسات العسكرية
والمرافق الاخرى , وقد عبر قائد الحركة ومجموعته عن موقفهم في
المحكمة .
والظروف الاخرى كانت صعبة ايضا, فحزب البعث المنبوذ (بحرسه
القومي ) سيطر بالقوة على كثير من مرافق الدولة من المخابرات
وأجهزة الامن والاستخبارات والجيش والطيران والقصر والاذاعة
وغيرها . أضافة الى دور المخابرات الامريكية والبريطانية
والعربية في المنطقة والتخوف من مجيئ الحزب الشيوعي للسلطة في
العراق .
وكما هو معروف أن الانتفاضة هي شكل من أشكال النضال الارقى ,
وللانتفاضة قوانينها ومنها –
1-عدم التهاون باللانتفاضة وضرورة السير بها الى النهاية .
2-عندما تبدا يبدا معها الحزم و الجرأة والهجوم, والدفاع يعني
موت الانتفاضة المسلحة .
3-
المفاجئة عنصر أساسي في الانتفاضة .
4-
الوقت المناسب والزمن المناسب والنجاحات المهمة والنوعية
وقد
ذكرالاستراتيجي دانتون حول الانتفاضة المسلحة (الجرأة, الجرأة
أيضا , الجرأة أبداً ), وهي عملية ثورية مستمرة .
يقول لينين في الانتفاضة ( أن الانتفاضة فن وأن القاعدة
الاقدام و الشجاعة صفاتها ) ويضيف في تحليله لتطبيق المنهج
الماركسي , وفي تحليل الظرف الملموس , والواقع الثوري , يرى في
هذا الجانب ضروة الاخذ بتطور الاحداث السياسية والواقع العملي
وتطور الظروف الموضوعية والذاتية وميزان القوى الاجتماعية
المحركة للفعل الثوري ورد فعل السلطة .ولهذا كان ينبغي على
المنتفضين أخذ هذه الشروط والقوانين بنظر الاعتبار .
حتمت الظروف على الحزب التواجد وتغير أساليب العمل وبأشكال
مختلفة في العراق في ريف الفرات الاوسط وجبال كردستان ومنهم
من حمل السلاح دفاعا عن النفس والثورة وضد الانقلابين، حيث
شكلوا أول حركة انصارية شيوعية في تاريخ العراق .
ونتيجة لهذه الظروف لم يتسنى قيادة الحزب الناجية من الاعتقال
والموت من أن تجتمع وتقرر السياسة الجديدة بعد هذا الانقلاب بل
حملت القواعد السلاح بأرادة أو بغيرها , وبعضها أعتمد على
التصرف الشخصي خاصة في المدن دون توجيهات من القيادة .
وقد
تأثر الحزب سياسيا وفكريا بهذه الظروف والتي لم تحسب بشكل دقيق
, حيث الرجعية وازلامها وحلفائها من الامريكان والبريطانيين
كانت تعمل من أجل أن تسنح الفرصة لها للقضاء على الحزب
الشيوعي العراقي .
أنقلاب عبد السلام عارف على البعثيين
في 18 تشرين الثاني 1963 جرى اسقاط البعث من قبل حليفهم عبد
السلام عارف. وقد أعلن الحزب الشيوعي العراقي رأيه في هذا
الانقلاب من خلال (صوت الفرات ) جريدة الحزب في الفرات الاوسط
مشيرا الى ( أن قادة انقلاب 18 تشرين الثاني وشركاء حزب البعث
في انقلاب شباط , قد شخص فيهم شعبنا الواعي الورثة والمكملين
لسياسة البعث الاجرامية ...... , وهذه الطغمة تواصل استخدام
اساليب الحديد والنار والمجازر الدموية ضد الشعب العراقي
والثوار الوطنيين في كردستان .... كما ان وحدة وتراص صفوف
الحركة الثورية هي ضمانة الانتصار الكبرى لشعبنا . فعلى
الشيوعيين والقوى الثورية الاخرى في كردستان وفي سائر انحاء
العراق تقع مسؤولية خاصة للاضطلاع بهذه المهمة الشريفة وتذليل
كل الصعاب امامها
).
ووقفت لجنة تنظيم الخارج في البدء موقفا معاديا ايضا من نظام
حكم عارف واعتبرته ( دكتاتورية عسكرية رجعية ) وقد اثبتت
التجربة مرة أخرى أن الحكم العسكري ومهما كان شكله لا يستطيع
حل مشاكل الشعب
على العموم وقف الحزب، سواء في الداخل ام في الخارج ضد حكم
عارف وذلك من خلال البيانات وصحافته المختلفة, خاصة في بداية
حكمة وتغير سلطة البعث , ولكن وعلى ضوء الصراع الفكري والحزبي
برزت كثير من الامور لم تكن في الحسبان من قبل البعض من قيادة
الحزب , وخاصة كما ذكرنا أنفا حول مصطلح " التطور اللارسمالي "
, وتأثيره على بعض البلدان في أسيا وأفريقيا واحزابها الشيوعية
والاشتراكية. لهذا نادي البعض بهذه الافكار , وضرورة التركيز
على هذه التحولات الاقتصادية والاجتماعية في البلدان المتخلفة
والتي لا توجد فيها قاعدة مادية للتطور اللاحق بالصورة التي
أكدتها الماركسية . وظهرت أنئذاك كثير من " الاشتراكيات
المتنوعة " منها " الاشتراكية الاسلامية " و " الاشتراكية
العربية " التي دعا لها جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية
المصرية في ذلك الوقت وانتقل هذا التأثير على وضعنا في العراق
وتأثربها بعض من قيادة الحزب ومنهم عبد السلام الناصري الذي
كان مرشح المكتب السياسي للحزب ( وشرع بممارسة الضغط على
الكوادر الحزبية المتقدمة في الخارج لحملها على تبني وجهة نظره
كونه مرشحا للمكتب السياسي للحزب مشيرا الى أن هذا الموقف هو
موقف الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي . وقد كشف عن موقفه
هذا في أجتماع دعا اليه في براغ أواخر عام 1963 ضم أعضاء لجنة
تنظيم الخارج وكوادر متقدمة أخرى من الحزب كان من بينهم (نزيهة
الدليمي وارا خاجادور وعزيز الحاج وحسين سلطان وثابت حبيب
العاني ونوري عبد الرزاق ) وفي هذا الاجتماع يؤكد الناصري
أفكاره وطريق ( التطور اللارسمالي) الذي أتخذته مصر بقيادة
جمال عبد الناصر .وقد تأثرت بها الكثير من قيادات الاحزاب
الشيوعية في البلدان العربية وعلى ضوء هذه الافكار والمتغيرات
السياسية الجديدة لعارف داخليا وخارجيا (العلاقة مع الاتحاد
السوفيتي وأستئناف تزويد العراق بالسلاح السوفيتي الذي توقف
منذ انقلاب شباط 1963 ووقف الحرب في كردستان
) .
في حزيران 1964 عقد أجتماع في موسكو دعا له عبد السلام
الناصري للكوادر المتقدمة في الخارج وقد حضره كل من (نزيهة
الدليمي وحسين سلطان وعزيز الحاج وارا خاجادور ونوري عبد
الرزاق ومهدي عبد الكريم وماجد عبد الرضا وبهاء الدين نوري
وعامر عبد الله وثمينة يوسف ناجي ورحيم عجينة وثابت حبيب
العاني
...), وقد تبنى الاجتماع، أكثرية، الخط السياسي المتأثر
بالسياسة المصرية والتي كانت بضغط من الاتحاد السوفيتي , ويقول
رحيم عجينة، عضو اللجنة المركزية للحزب، والذي كان حاضرا
الاجتماع ما يلي: (...أن الدور الاساسي كله نجم عن الموقف
الفكري أو بالاحرى ضعف الموقف الفكري لدى قيادة الحزب , الذي
سبق وان خلق مشاكل فكرية سياسية وتنظيمية في مسيرة الحزب
وسيخلق أيضا ان أستمر دون علاج
)
.
لقد
توج هذا الموقف بماسمي بـ " خط أب " وتأثيراته
في
هذه المرحلة ساد " خط أب " , نتيجة تداعيات أتخذها هذا الخط
وتأثيره على البعض من قيادة الحزب والكثير من كوادره.
ان هذه المجموعة من قيادة الحزب التي تبنت هذا الخط كانت على
ما يبدو متأثرة بالاصلاحات التي قام بها نظام عبد السلام عارف،
وهو الذي كان احد المشاركين في نظام البعث الفاشي، بعد أن قام
في عام 1964 بتأميم بعض الشركات واتخذ بعض الاجراءات " الوطنية
" التي أثرت على هذه المجموعة من قيادة الحزب. ولكن هذا الخط
جوبه بمقاومة شديدة من طرف القاعدة الحزبية التي تجرعت الويل
من سلطة البعث وحلفائه من القوميين والناصرين, مما ادى الى فشل
هذا الخط. ولكن هذا الخط لم يمر من دون تداعيات وخلق حالة من
الصراع الحزبي الداخلي افضى لاحقا الى أنشقاق داخلي وتشكيل"
القيادة المركزية " التي دعت الى أسقاط النظام الدكتاتوري أي
حكومة عبد الرحمن عارف الضعيفة ( المترنحة ) , ودعت الى رفع
السلاح ( الكفاح المسلح) ضد السلطة الحاكمة .
فقد ( أنعقد الاجتماع الكامل في ضواحي براغ في جيكوسلوفاكيا في
أب 1964 وكان أمام الاجتماع ان يدرس خط الحزب السياسي وان
ينتخب لجنة مركزية للحزب وان يختار سكرتيرا له وان يتخذ قرارات
أخرى لتطوير عمل الحزب , وقد دعي لحضور الاجتماع جميع الاحياء
من قادة الحزب الذين كانوا قد عوقبوا في محاسبات 1962 وابعدو
عن اللجنة المركزية . ولم يتيسر لزكي خيري ان يشارك في
الاجتماع . ... وقد صدر عن الاجتماع تقريرا تضمن الشعار التالي
– في سبيل وحدة القوى الوطنية , في سبيل تعزيز الاستقلال
الوطني والتقدم الاجتماعي - ... واشار بوجه خاص الى – ان حركة
التحرر الوطني في الظروف العالمية المعاصرة تغتني بمضامين
تقدمية جديدة بفضل التأثير المتعاظم لنظام الاشتراكية العالمي
ولافكار الاشتراكية العالمية - ... واضاف التقرير الى – أن
النضال العربي يكتسب مضمونا تقدميا ثوريا جديدا – ثم يضيف
التقرير الى ـ تحت تأثير النظام العالمي لدكتاتورية
البروليتاريا وبالاستناد الى مساعداته الشامله تتحقق في بعض
البلدان العربية اشكال من النظم السياسية تأخذ بالحسبان أهمية
الاستناد الى وحدة القوى التقدمية في الامة , واشراك العمال
والفلاحين في ادارة الاقتصاد وثمار العمل , وفي توجيه قيادة
المجتمع والدولة ـــ ونوه التقرير بالدور الرائد للجمهورية
المصرية والجزائر
...), وفي ظني أن الحزبين الشيوعيين في مصر والجزائرقد أخطا
بأنضمام أعضاء حزبيهما الى (الاتحاد الاشتراكي العربي – المصري
وجبهة التحرير الجزائرية ) وذلك بعد ان حلا حزبيهما .
ثم
أعتبر ت اللجنة المركزية للحزب حكم عبد السلام عارف تحولا
ايجابيا، حيث جاء في هذا الخصوص ( أن حزبنا لن يتخذ من هذا
التنظيم – الاتحاد الاشتراكي العربي – موقفا أنعزاليا بل على
العكس سيتخذ منه موقفا ايجابيا ويرسم التدابير الضرورية
للتعاون معه بهدف السعي لتعزيز الجانب التقدمي في سياسته
وتطوير ايديولوجيته
).
لقد تأثر قادة الحزب الموجودين في الخارج ومنهم عبد السلام
الناصري عضو المكتب السياسي للحزب بالافكار التي طرحتها
القيادة السوفيتية وبالذات خروشوف ومنها التعايش السلمي
والتطور السلمي وعدم جدوى الثورات لانها تؤدي الى حروب ستؤثر
على العالم والبشرية جمعا وكذلك التوجه اللاراسمالي والتخلي عن
قيادة الطبقة العاملة , هذا القيادي الذي كان له دور كبير في
التأثير على بقية الرفاق والخروج بهذه الاستنتاجات التي أضرت
كما أرى بالحزب وأثرت تداعيات هذه الافكار الاستسلامية على
مجمل الحزب وجماهيره .
ويشير صالح دكله الى ( ولغرض ترويج هذا التوجه وتعزيزه , عقدت
الاحزاب الشيوعية العربية مؤتمرا صيف 1964 في براغ حضره ممثلوا
هذه الاحزاب الشيوعية العربية ومنهم الرفيق الراحل خالد بكداش
ومعه عمر السباعي وابراهيم بكري عن الحزب الشيوعي السوري , كما
حضر كل من الرفيق الراحل نقولا شاوي وصوايا صوايا عن الحزب
الشيوعي اللبناني والرفيق الراحل أبو سليم السليفتي عن الحزب
الشيوعي الاردني كما حضرنا نحن الثلاث أنا والرفيق سلام
الناصري وعزيز الحاج ممثلين عن الحزب الشيوعي العراقي ......
الخ وللحقيقة (والكلام لصالح دكله ) فلقد كان موقف خالد بكداش
معارضا للاطروحات التي أثيرت في هذا الاجتماع بحيث وجدنا صعوبة
في الاتفاق على البيان المشترك ... والذي نعتبر به أن جناحي
حركة التحرر العربية هما الحركة الشيوعية العربية والحركة
الناصرية وكان ذلك بتشجيع من ممثلي الصحافة السوفيتية حينذاك
)
.
هذا التقلب بين جهة وأخرى يسارا ويمينا والتأثيرات الخارجية
التي لا تتعامل مع أوضاع الاحزاب في بلدانها بالشكل الذي
يجعلها تمارس الاستقلال الفكري والسياسي والذي يخلق لديها
الحجة القوية أتجاه معارضيها , أن هذه التأثيرات تبعد الحزب عن
الجماهير وهذا الذي حصل مع بعض الاحزاب في الشرق الاوسط حين
أستمعت الى أراء لم تدرس طبيعة مجتمعاتها بالصورة الصحيحة ,
وبالرغم أن قوانين الماركسية واحدة ولكن ظروف التطبيق تختلف من
بلد الى أخر خاصة ,ان بعض الشعوب متدنية في الوعى نتيجة ظروف
أقتصادية أجتماعية وتعليمية .
ويشرح الكاتب عزيز سباهي هذه الظروف بالقول (جاء تبني الحزب
الخط الجديد في اب 1964 في اوضاع حزبية وجماهيرية غير مناسبة ,
فالحزب انذاك كان يشكو من مظاهر التسيب , ويشيع فيه ميل
للتياسر دفعت اليه الاثار المأساوية التي خلفها انقلاب شباط
الاسود
... ), ولهذا جاءت ردود فعل قوية من قبل أعضاء الحزب قيادات
وكوادر وحتى قواعد , خاصة بعد أن عرضت اللجنة المركزية مايشبه
الاستفتاء على بعض الكوادر الحزبية والتي اجمعت على ادانة هذا
الخط .
في
نفس الوقت شكلت لجنة من زكي خيري وعزيز الحاج لوضع دراسة في
(محاولة تقيم سياسة الحزب للفترة مابين 1956 الى 1964 ) والتي
عممت على بعض الكادرات الحزبية وقد أختلفت فيها الاراء حول هذا
التقرير . وفي عام 1965 أصدر عزيز الحاج كراسا يثبت موقفه من
خط أب والتحولات الاقتصادية وما سمي بالتحول اللاراسمالي ( حول
التطور غير الرأسمالي في العراق ) , وجرى توزيعه بدون علم
التنظيم والذي أحدث ضجة وبلبلة بين اعضاء الحزب في الخارج
والداخل وكان قد عمم على مستوى معين من التنظيم الحزبي , وأصدر
الحاج كراسين أخرين ( التحريفية ) و (الاستعمار الجديد ) ,
ويقول الحاج في كتابه شهادة للتأريخ أن أفكاري الانتقادية للخط
السوفيتي السائدة أسس فكريا لانشقاق عام 1967.
وردا على هذا النهج تحرك بعض اعضاء الحزب في الخارج معارضين
لنهج الحزب , فقد شكلت مجموعة ( لفيف من الثوريين ) هذا
مافعلوا في براغ. وفي بريطانيا وقفت منظمة بريطانيا ضد هذا
الخط وكان يقود هذا التحرك خالد أحمد زكي , واعلنت مجموعة من
الاعضاء الخروج من الحزب ومنهم (ابراهيم علاوي ) وبعد أن عوقب
اصدر بيانا تحت عنوان: (مذكرة فريق من الكادر ) يذكر فيها
الوضع وماترتب عليه. وأستمر العمل بين هذه المجاميع ومجاميع
أخرى شكلت (الثوريون ) أو ( اللجنة الثورية ) وضمت المجموعة
بعض الكوادر ومنهم ( الملازم شاكر العزاوي ومعاون الشرطة جواد
القرطاس والملازم الطيار صلاح الطيار والملازم الطيار عبد
النبي جميل ونائب الضابط كريم عزيز ونصيف جاسم ( أبو جمهورية )
ورمضان كاطع موزان وخليل العزاوي وعبد الحسين منذور ومتعب خميس
) وأتصلوا مع الضباط الشيوعيين الموجودين في الجبل حيث التحق
بهم العقيد الركن سليم الفخري فقط , ومجمل هذا النشاط بين هذه
المجاميع في الاتفاق والاختلاف تغير ,حيث أنشق بعضهم وشكلوا
فيما بعد ( القيادة المركزية بقيادة عزيز الحاج ), أي أساس هذا
الانشقاق يبدأ من خط أب والتي تراكمت مشاكله ومواقفه حتى وصلت
الى حالة الانشقاق عام 1967 .
و(عندما شعرت قيادة الحزب بخطأ " خط أب " عقدت أجتماعا لها في
نيسان 1965 في الداخل وبعد المداولات أقر مشروع تضمن تعديلا
اساسيا في سياسة الحزب . اذ طالب بأسقاط الحكم الدكتاتوري
العسكري والدعوة الى اقامة حكومة أئتلاف وطني ديمقراطية , تنهي
الاوضاع الاستثنائية التي تعيشها البلاد وتصفية مخلفات انقلاب
8 شباط وتحقيق الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان ).
في 18 نيسان من عام 1965 انعقد في بغداداجتماعا ضم مجموعة من
الكوادر الحزبية المتقدمة و من بينهم أعضاء في اللجنة المركزية
والمكتب السياسي وعلى رأسهم بهاء الدين نوري القطب (اليميني).
وكان التحضير (للعمل الحاسم ) محور الاجتماع ولم يكن العمل
الحاسم سوى انقلاب عسكري تقوم به وحدات من الجيش بأسلوب
(الكتمان والمباغتة ) كما جرى في 14 تموز 1958 وقد تمنى عامر
عبد الله على المجتمعين أن يقرأ بنفسه البيان الاول للعمل
الحاسم من الاذاعة والتلفزيون وأقترح تعديلا جوهريا هو أن
الحزب الشيوعي العراقي وجد ليبقى أضيفت هذه الجملة للتقرير
الذي قدم للاجتماع والذي اكد أن الحزب الشيوعي العراقي لايمكن
أن ينضم تحت لواء أي حزب أوحركة . وكان رأي بهاء الدين نوري
هو : لماذا يحرم الحزب الشيوعي القيام بانقلاب عسكري بواسطة
وحدات من الجيش في حين تمارس الاحزاب الاخرى هذا الاسلوب
.
وعقدت اللجنة المركزية وبعض الكوادر الحزبية أجتماعا لها حيث
يقول : ( في 9 تشرين أول 1965 في دار لم تكتمل تشيدها بعد في
حي جميلة في بغداد . وقد دام الاجتماع لثلاثة أيام وحضره 25 من
كوادر الحزب المتقدمة كان من بينهم سبعة من أعضاء اللجنة
المركزية هم – بهاء الدين نوري وعبد السلام الناصري وعامر عبد
الله وصالح دكله .. وبعد النقاش حول خط أب بين مؤيد ومعارض
فحسم التصويت وكان بالاغلبية مع الراي المعارض لخط أب .
وقد
قرر الاجتماع ,الاسلوب الانجع في الاستيلاء على السلطة وكان
أغلب الحاضرين يؤكدون على العمل الحاسم كما أقترحه عامر عبد
الله وتتلخص فكرته في – استخدام قوى الحزب الشيوعي وحده في
الجيش لانتزاع السلطة بأنقلاب عسكري فوري وحذر من تفويت الفرصة
)
.
وكان في حوزة المجتمعين بعض قطع السلاح والذخيرة والتي بقيت
لفترة من الزمن حتى بعد أنقلاب تموز 1968 في بيت الرفيق جمعة
عبد الله في مدينة الثورة .
وحينما تبنى الاجتماع " العمل الحاسم " اواسلوب العنف على أن
يتم التوجه بتوسيع العمل المسلح في مناطق كردستان العراق
والاستفادة من مساعدة الحركة الكردية , و أضافة الى امكانية
تطوير العمل المسلح في الاهوار وفي الجنوب . وقد شكلوا
(القيادة المؤقتة ) ومهماتها الاعداد الى عقد المؤتمر الثاني
للحزب الذي تأخر كثيراً .
وكما أشرت ففي بعض الاحيان أن بعض القيادين يراوح في أرائه بين
اليمين والتطرف اليساري الذي أوجد خللاً فكريا لدى البعض من
أعضاء الحزب , وكان بأستطاعة الحزب بقيادته وبعض الكوادر عقد
كونفرس حزبي ( أستثنائي ) لمعالجة الوضع وتدارك هذا التداعي
داخل التنظيم لتوفيت الفرصة على كل من يفكر بتخريب الحزب
والاخلال بالتنظيم.
في
18 و19 تشرين الثاني 1965دعا سكرتير الحزب انذاك الرفيق عزيز
محمد لجنة تنظيم الخارج وعددا أخر من قادة وكوادر الحزب
الاساسية الى اجتماع في براغ ... وأتفق الحاضرون على تخطئة
السياسة التي رسمها أجتماع أب المعروف. وقال الرفيق عزيز محمد:
( أن الكثير من تقديرات وسياسات أب لم تعززها الحياة , وأنها
خاطئة وان الحزب أنتبه لها وخطأّها
).
وكان من الضروري أن يعقد الحزب أجتماعا أستثنائيا لتلافي
ماحدث في وقتها دون انتظار ما تقرره حكومة بغداد من أصلاحات لا
تمت بتغير جوهري في الحياة السياسية الاقتصادية والاجتماعية .
ويذكر الكاتب الى أن أجتماع براغ أنتهى على أن يصوغ سكرتير
الحزب وبعض رفاق المكتب السياسي ( كريم أحمد وباقر أبراهيم )
رسالة بهذا الخصوص، ويبدو ان الرسالة جاءت بمثابة " خط وسط "
هو أقرب الى رأي سكرتير الحزب عزيز محمد وكريم أحمد، وحذرت
مركز الحزب من ( أي عمل متسرع يقارب المقامرة ). كما تلخص
الرسالة موقف المجتمعين عندما اكدت على ما يلي: (أننا نؤيد
الاعداد لانتفاضة شعبية يتم أنجازها من خلال نضال الجماهير
بنفسها بشرط ان نتذكر وحشية العدو تجاه الحركات الشعبية
والفترات الطويلة من الارهاب الحكومي وتجاربنا الاخيرة في هذا
المجال . اننا نؤيد بالكامل فكرة الاعتماد على المساعدة
الفاعلة في التنظيم الحزبي في الجيش ) و قالت الرسالة ( عندما
يفكر حزب ثوري بتنظيم هجوم عنيف على العدو معتمدا الجماهير
ورافضا للمغامرة فأن عليه أن يأخذ الحرب الاهلية في حسابه . أن
وضع بلادنا في المنطقة والقوى الموجودة في خدمة الرجعية
الداخلية بالاضافة الى حقيقة ان الحركة التي يقودها حزبنا لها
طابع يساري تقدمي مميز ... كل هذه العوامل قد تثير مقاومة
داخلية وخارجية صلبة في وجه حزبنا . ان أخذ هذا في الحسبان
يتطلب اعدادا جديا للحرب الاهلية . وهنا ستشكل الثورة الكردية
عنصرا مساعدا . في راينا – أستنادا الى خبرتنا التأريخية أن
بأستطاعة القسم العربي من بلدنا ان يدعم حركة مقاومة مختلفة في
السمات عن حركة الاكراد بالاشارة الى ديمومتها والى امكانيات
مناورتها ... ويبدو من رسالتهم الى المركز الحزبي في الداخل (
هو السعي لامتصاص فورة الحماس التي تصاعدت في صفوف الحزب
للموقف العنيف اتجاه حكم عارف)
كما يذكر نفس المصدر.
لقد
شكل الحزب تنظيمين انذاك , الاول - تنظيم عسكري يضم الشيوعيين
من منتسبي القوات المسلحة يقودها عضو اللجنة المركزية
اراخاجادور ( خط هاشم ) والثاني تنظيم شبه عسكري أي ميليشات
مسلحة وتكون بقيادة عضو اللجنة المركزية كاظم فرهود ( خط حسين
) , وهذا جزء من رد الاعتبار الى التنظيم العسكري الذي ضعف
بشكل كبير بعد أنقلاب شباط 1963 وتكون من مجموعة من الرفاق
المسرحين من الخدمة العسكرية وبعض الضباط وضباط الصف والمختصين
في الجانب العسكري .
في
مكان أخر يذكر كتاب سيرة مناضل أن عضو المكتب السياسي زكي خيري
عند ذهابه الى تنظيمات الفرات الاوسط حيث كان معاقبا بتنحيته
من اللجنة المركزية ما يلي: ( كنت في احاديثي مع باقر أبراهيم
لا أتحرج من تبيان مشاريعي بصدد تطوير الكفاح المسلح كتعبئة
جيش من الانصار الفلاحين للزحف على بغداد , والاستعانة بعربات
السكك الحديدية بدلا من الدروع وهلم جرا ).
إن
وضع الحزب في هذه المرحلة كان مربكا وجاء على خلفية صراعات
كبيرة في قيادته منذ حزيران 1959 والتي أثرت على خطط الحزب
اللاحقة ،وجاءت نتيجة الاراء التي كانت تدعو الى الضغط على
قاسم والاشتراك في السلطة. ويبدو ان خلفية بعض القيادة
وتوجهاتهم وطموحاتهم هي التي أثرت في حسم كثير من الامور ,
فماذا يعني التكتلات منذ السنوات الاولى من بناء الحزب في عام
1937 و1943 وثم 1953 أي راية الشغيلة والتكتلات في زمن ثورة 14
تموز حتى أنشقاق أيلول 1967 هذا كله يطرح روح المسؤولية التي
يجب أن يتحلى بها القيادي في الحزب، وكذلك روح الوطنية
والتضحية من أجل المبادئ والقيم التي أمن بها والتي أعطى الحزب
من اجلها الالاف من الشهداء وما يماثله من الاعتقال والتشريد
والسجن. وهذا يتطلب من أي قيادي أن يفكر مئة مرة قبل ان يقدم
على أي خطوة بأتجاه الانعزال أو الانشقاق او التكتل وغير ذلك .
لقد
أصبح خط أب 1964 هو الاساس الفكري الذي بني عليه أنشقاق 1967
أضافة الى تأخر عقد المؤتمر الثاني للحزب وعدم جدية القيادة في
تجاوز الاشكالات التي تنخر العمل التنظيمي والحزبي , وأبتعاد
الجماهير عن الحزب نتيجة السياسة التي تبناها .
ولكن هذه ليست الحقيقة كلها فالحزب تراجع عن خط أب بشكل كامل
وعمل على رفع شعارات جديدة تندد بممارسات النظام الدكتاتوري
ورفع شعار أسقاطه . والامر الاخر أن قيادة الحزب لم تتفرغ بشكل
جيد لعقد كونفرس أو مؤتمرجديد نتيجة الهجمة التي تلقاها الحزب
في 8 شباط 1963من الانقلاب الفاشي .
والامر الاخر بتقديري أن قيادة الحزب كانت تعيش في الخارج وهي
بعيدة عن ظروف البلد والجماهير .
الحركة الكردية و الحزب الشيوعي العراقي
من
المعروف للمتتبع لتأريخ العراق المعاصر, العلاقة التي تربط
الحركة الكردية بالحزب الشيوعي العراقي فهي علاقة قديمة منذ
نشوء الحزب الديمقراطي بل حتى قبل ذلك والذي كان يسمى الحزب
الكردي , ويشير رحيم عجينه في كتابه الاختيار المتجدد ( كان
مؤسس الحزب الشيوعي فهد يدعو الوطنيين الكردستانيين الى تنظيم
انفسهم في أحزاب ومنظمات واخذ قضيتهم بأيديهم) وتطورت العلاقة
فيما بعد أبا ن جبهة الاتحاد الوطني 1957 التي كان للحزب فيها
علاقة جانبية ثنائية مع الحزب الديمقراطي الكردستاني لرفض
الاحزاب الاخرى ( البعث والاستقلال ) دخول الاخير في الجبهة .
وقد اشار الكونفرس الثاني (1970) للحزب الى ان حل القضية
الكردية ( هو الاعتراف المتبادل بحق تقرير المصير وبمشروعية
الشعبين العربي والكردي الى التحرر والوحدة القومية) وحق
الاستقلال الذاتي للشعب الكردي في (اتحاد اختياري كفاحي اخوي )
.
ولعب
الشيوعيون دورا كبيرا في تطوير الكثير من المفاهيم عند البعض
من القوميين العرب والاكراد وقد تذللت كثير من الصعوبات بين
مايحمله التقدميين أو اليساريين , وكان دور الحزب كبيرا في
التهيئة في أستقبال الملا مصطفى البرزاني عندما عاد من الاتحاد
السوفيتي الى العراق
كما
كانت العلاقة بين الحزب الشيوعي العراقي والحزب الديمقراطي
الكردستاني علاقة ود وتعاون في كثير من الاحيان ولكن هذا
لايعني عدم وجود أشكالات طيلة المسيرة الطويلة للحزبين . ودعما
للحقوق المشروعة للشعب الكردي , نظم الحزب حملة كبيرة بين
أوساط شعبنا العراقي وأصدر بيان في ذلك ورفع في عام 1961 شعار
السلم في كردستان .
ومنذ عام 1961 لغاية انقلاب شباط 1963 ناضل الحزب الشيوعي
العراقي من أجل أيقاف الحرب في منطقة كردستان العراق والمطالبة
بتحقيق السلام وبين سبل حل القضية على أساس تلبية المطاليب
القومية العادلة للاكراد , لاول مرة في تأريخ الحركة الوطنية
طرح الحزب برنامجاً واضحا للقضية الكردية يستند الى الواقع
والى حقوق الشعب الكردي القومية .
كما
أصدر الحزب بيانه في أيار 1961 فضح فيه سياسة حكومة قاسم في
حينه , التي كانت (تحاول الاستناد الى الزمر الاقطاعية لتوسيع
استفزازاتها الراهنة وتحويلها الى عدوان عشائري مسلح ضد
المواطنين البارزانيين الذين شردوا لبضعة عشر عاما من ديارهم
جراء الاضطهاد الاستعماري في العهد المباد ومن ثم القيام بتدخل
حكومي مسلح يستهدف أعادة اضطهاد هؤلاء المواطنين البواسل ),
كما وأصدر الحزب في اذار 1962 تقريرا لحل القضية الكردية
( سياستنا وطريقنا لحل المسألة القومية الكردية في العراق حلا
ديمقراطيا عادلا ) .
أن وجود الحزب الديمقراطي الكرستاني في المناطق الجبلية ورفعه
السلاح ضد الحكومة منذ أيلول 1961 أثر على الكثير من أعضاء
وقواعد الحزب الشيوعي العراقي وبعضهم أنتقل الى هذه الحركة
نتيجة الظروف السياسية منذ عام 1960 وتقلبات عبد الكريم قاسم
وموقفه من الحركة الكردية ومن الحزب الشيوعي العراقي , برغم
ان قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني ( البارتي ) أيدت أنقلاب
شباط 1963 وذلك من خلال رسالة أرسلها الحزب الى مجلس قيادة
الثورة والتي جاء فيها ( أن ضربات الشعب الكردي تلاحمت بالثورة
المجيدة على العدو اللدود للقوميتين الشقيقتين العربية
والكردية وبقية ألشعب العراقي على الجلاد الاوحد لشعبنا الكردي
المسلم وعلى اوكار الخيانة الملطخة بعار دماء شهداء الشعب
وقواته المسلحة وكوارثهم وويلاتهم ... الخ ) وكتبت بخط صالح
اليوسفي وفؤاد عارف وقد أرسلت وفود للتهنئة بهذا الانقلاب .
وقد كتب سكرتير الحزب الشيوعي العراقي سلام عادل قبل أستشهاده
رسالة جاء فيها ( ان القوميين الاكراد حاربوا قاسم بصورة عمياء
وطالبوا بالعون والمساعدة من أية جهة لاسقاط قاسم , وغازلوا
القوميين العرب اليمينين وتعاونوا معه وتصوروا بأن انقلاب 8
شباط 1963 كما لوأنه انتصارا لهم و ان هذه السياسة تنم عن ضيق
الافق القومي وقصر النظر البرجوازي , انهم يجابهون الان عدوا
أشرس من قاسم .... الخ ) . ويرجع سبب عدم مساهمة الحزب الشيوعي
العراقي في الثورة المسلحة هو خلافه مع الحزب الديمقراطي
الكردستاني حول الحكم الوطني المعادي للاستعمار , , أضافة الى
تحفظاته على ظروف وكيفية بدأ الحركة وقواها والجهات التي
تشجعها ومنهم الاغوات والشيوخ وملاكي الارضي, وبالتالي عدم
الاتفاق على موقف سياسي .
في 10 حزيران 1963 انتهى تعاون الحركة الكردية مع الانقلابيين
, حيث هاجمت سلطة البعث الحركة الكردية وأشتدت المعارك بضراوة
أكثر من السابق .
ولهذا تضامنت الحركة الكردية مع الحزب الشيوعي العراقي و بشخص
الملا مصطفى البرزاني الذي رحب بالشيوعيين وخاصة الضباط ( سعيد
مطر وغضبان السعد وغيرهم ) الذين فروا من بطش سلطة البعث
الفاشي , برغم معارضة اليمينين في الحزب الديمقراطي .
وبهذا الصدد يشير كراس صادر عن الحزب الشيوعي العراقي فرع
أقليم كردستان في ايار 1968 حول تشكيل فصائل الانصار صفحة (ب
)(وجود زمرة ابراهيم أحمد اليمينية على رأس الحزب الديمقراطي
الكردستاني التي كانت تعارض بقوة مساهمة حزبنا في الثورة
وتشكيل فرق الانصارالشيوعيين .
وقد
قامت هذه الزمرة الخائنة ( جماعة المكتب السياسي – المؤلف )
بشن هجوم وحشي على بعض قواعد انصارنا وهي في بدأ تشكيلها في
لواء السليمانية فقتلت عددا من رفاقنا وجردت الباقين من السلاح
وزجتهم في سجونها – في المناطق التي تحت سيطرتها والتي قامت
بتجريد كل شيوعي يحمل السلاح , ويمكن ان نؤكد بأن اكثر من (500
) قطعة سلاح قد صادرتها هذه الزمرة المجرمة من رفاقنا .
وفي
المناطق التي سمح لنا بأقامة قواعد خاصة وتشكيل فرق أنصارنا
بأمر قائد الثورة الكردية . كنا نعاني من قلة ورداءة السلاح اذ
ان الثورة الكردية لم تقدم لنا أية قطعة سلاح . وكل الاسلحة
التي كانت بحوزة الحزب هي ملك لرفاقنا الفلاحين من اعضاء
ومؤيدين وتبرع عدد كبير من المواطنين بأسلحتهم الى انصارنا,
رغم ان الثورة كانت قد جردت الفلاحين من اسلحتهم الجيدة قبل
وبعد مساهمة حزبنا في هذه الثورة- ثورة ايلول 1961 ) .
وهذا الامر يؤشر الظروف الصعبة لعمل رفاقنا , والامر الاخر
أن هذه القوى لا تريد أن يعمل الحزب الشيوعي العراقي وأنصاره
في تلك المناطق .
ويضيف الكراس في الصفحة (ج ): ( ومن أبرز المشاكل التي كنا
نعاني منها هي مشكلة توفير الطعام للانصار وكذلك الالبسة
والاحذية والمأوى . اذ ان.... قادة الحزب الديمقراطي
الكردستاني انذاك قد اصدروا التعليمات الى وحدات البيشمه ركه
بمصادرة الخبز والاطعمة والالبسة التي كانت الجماهير تتبرع بها
لرفاقنا رغم قلتها ورداءتها وكان رفاقنا في بعض الاحيان يبقون
بدون طعام لوجبات معينة وكان الطعام الرئيسي لنا هو الخبز
والشاي .... وتعرض الناس الذين يتبرعوا لنا الى مختلف اشكال
الاضطهاد والى السجن والتعذيب والاهانة والسلب والنهب من قبل
تلك الزمرة ... الخ ) .
لقد عمل الانصار الابطال بهذه الظروف الصعبة ولكنهم كانوا في
مقدمة المعارك التي خاضتها الوحدات الانصارية بشجاعة ونكران
ذات وروح الضبط والطاعة التي يتمتع بها النصير الشيوعي وقدموا
التضحيات الغالية والكبيرة . ومنذ تلك الفترة ساهم الحزب
مباشرة في الثورة الكردية .
وقد أشترك أنصار الحزب في كثير من المعارك ومنها معركة جبل
هندرين 1966التي كانت للشيوعيين العراقيين (الريس كمال نعمان
وملازم خضر وفاخر ميركه سور وحاجي ملا سعيد وغضبان السعد ...
وغيرهم) فيها بطولات مشهودة ضد قوات الجيش النظامي , ولهذا عمل
الحزب على تنظيم نفسه وأستفاد من حماية الحزب الديمقراطي
الكردستاني وقواته من البيشمركه المخلصة , وكان أغلب قيادته
خاصة في القواعد الخلفية من الجبال وخاصة القيادة الكردية من
الحزب الشيوعي التي لم يتمكن النظام من أعتقالها .
وبقيت قواعد الانصارفي كثير من المناطق التي أشرنا اليها حتى
وقت المفاوضات مع السلطة من قبل الحزب الشيوعي العراقي او مع
الحركة الكردية المتمثلة بالحزب الديمقراطي الكردستاني
واتفاقية 11 أذار 1970 .
( القيادة المركزية ) والكفاح المسلح
قبل الخوض في
الموضوعة لابد من معرفة طوبغرافية منطقة الاهوار , والتي
أختارتها القيادة المركزية كمنطلق لنضال لاحق هو الكفاح المسلح
من أجل أسقاط السلطة القائمة أنذاك .
الاهوار هي تلك
المساحات الواسعة من الماء والخضرة وتسمى ( المسطحات المائية )
والتي تكونت لمئات السنين في منطقة جنوب العراق ومساحتها حوالي
9324 كم مربع وهي دائمة الخضرة و تقع في الاراضي المنخفضة بين
دجلة والفرات وتنمو فيها نباتات القصب والبردي وهما يشكلان
غابة كثيفة يصعب الدخول لها, وفي نفس الوقت صعوبة معرفة طرقها
وممراتها , وعاشت فيها أنواع الحيوانات المائية والطيور
والاسماك . ومن أهم الاهوار التي تقع بين الناصرية وميسان هي (
أهوار الصحين والسلام والميمونة وهور السنية والحويزة والحمار
وأهوار المجر ) والتي تصب فيها بعض الانهار والروافد ( البتيرة
والكحلاء والمشرح وفروع دجلة , المجر الكبير والعدل ونهر
الكسارة والسطيح ) , وهناك يعيش سكان كما يسمون ( عرب الاهوار
) وهي مجموعة من العشائر المعروفة في العراق والذي يصفهم
المستشرق البريطاني (ويلفريد ثيسيغر ) في كتابه بالكرم
والشجاعة والمروة والحب .. الخ .
الكفاح المسلح
كانت المشكلة الرئيسية في ( قضية الحسم ) تصب في محاسبة راسمي
سياسة خط أب 1964 وهم ( عبد السلام الناصري وباقر أبراهيم
وعامرعبد الله وبهاء الدين نوري ) , وبعض القياديين الذين
التفوا حول هؤلاء, وكانت لجنة تنظيم بغداد هي المطالبة بذلك
وقد أصدرت بيانا حيث أدانت فيه هذا الخط ووزعته وبدون موافقة
اللجنة المركزية أو الرجوع اليها وقد ردت اللجنة المركزية
ببيان في أب 1966 على بيان صادر في حزيران نفس السنه وفيما
بعد رفع تنظيم بغداد شعار (الانتفاضة الشعبية المسلحة ) في
حين رفعت اللجنة المركزية شعار العمل الحاسم , وبعد الاشكالات
التي حدثت بين التنظيمين عقد أجتماع للجنة المركزية في شباط
1967وكلف عضو المكتب السياسي عزيز الحاج بأن يشرف على تنظيم
بغداد بدلاً من عمر علي الشيخ , وهذا هو الخطأ الفادح خاصة
وعزيز يميل الى القرارات الفردية وحب الظهور .. الخ .
عقد
أجتماع حزبي في شهر ايلول قاده عزيز الحاج واكد على ضرورة عزل
القيادة , وتنفيذاً لقرارات هذا الاجتماع وضعت خطة لاعتقال
أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية .
بعد
أنشقاق مجموعة (عزيز الحاج ) عن اللجنة المركزية شكلت تنظيما
جديد اطلق عليه اسم: "القيادة المركزية للحزب الشيوعي العراقي
" وذلك في 17 أيلول وأنضم اليه الكم الاكبر من الكوادر
والقواعد في بغداد وبعض التنظيمات في الجنوب، وانتقل بعض
كوادرها الى القيام بما سمي في حينه بـ " أنتفاضة الاهوار " .
وبالمقابل طردت اللجنة المركزية عزيز الحاج وكوادر تنظيم بغداد
المنشقين وذلك في 19 أيلول 1967 ..
(جاءت فكرة الانتفاضة – أنتفاضة الاهوار - كرد على أنقلاب 8
شباط 1963 وما صاحبها من تصفية المنجزات لثورة تموز واغراق
العراق في بحر من الدماء والظلام , من قبل خالد احمد زكي والذي
سمي جيفارا العراق ,حيث ترك عالم لندن وكل مافيها من عالم جميل
حيث كان سكرتير لمنظمة برتراند رسل السلام في أنكلترا وعاد
ليناضل الى جانب شعبه ضد الطغيان والارهاب
).
قاد خالد أحمد زكي تنظيم بأسم ( فريق الكادر ) حيث أجتمعت
مجموعة من الكوادر في 30 /7/1967 واكدت على ضرورة عقد المؤتمر
الثاني للحزب .
لقد
قدم الشهيد خالد وثيقة ضمنها أرائه في مطلع 1968 حيث تبلورت
بشكل كامل بتبني الكفاح المسلح والاستفادة من التجارب الغنية
ومنها الكفاح البطولي لشعب فيتنام كما .. وتأثر بأفكار
الاممية الرابعة التي تهتدي بالتروتسكية , ومن بين ما ذكر في
هذه الوثيقة:
1-
استبدال اساليب الكفاح السابقة المعتمدة كليا على العمل
السياسي السلمي كالعرائض والمظاهرات بأساليب كفاح جديدة تعتمد
على الكفاح الثوري المسلح لآن الطابع الغالب للكفاح الوطني
والطبقي هو الطابع العنفي . ... الخ
2-
تكيف التنظيمات ورفع روحها الجهادية لكي تكون قادرة على قيادة
الكفاح الثوري المسلح .
3-
توحيد القوى التقدمية في البلاد عن طريق التلاحم في الكفاح
المسلح ضد الاستعمار وعملائه .... ,
4-
الالتفات الى ضرورة تعبئة الجنود والعناصر الوطنية في الجيش
والقوات المسلحة ... ,
5-
دراسة الوضع الجغرافي للعراق ودراسة الظروف المحلية في كل
منطقة انطلاقا من مقتضيات الكفاح المسلح وخبرة الجماهير
الشعبية ) .
رفعت القيادة العامة شعارالكفاح المسلح وقد أنضمت اليها الكثير
من التنظيمات منها المحلية العمالية والطلابية والكرادة
الشرقية .
ودعا أحد قادة التنظيم العسكري في البصرة أمين حسين الخيون
الاسدي ( أبو جماهير ) الى أنقلاب عسكري حيث عارض الانتفاضة
المسلحة وهي قادرة على ( العمل الحاسم ) وجمع مجموعة من
مناصرية وسمها ( منظمة الكفاح المسلح) ورفض أن ينضم الى
المجاميع الاخرى وشرع بجمع السلاح واتخذت المنظمة من اهوار
الجبايش في الناصرية منطلقا لعملها .
يقول عزيز الحاج ( كانت العناصر والاعتبارات والعوامل السياسية
والشخصية ..ممتزجة ومتشابكة في مجمل الصراعات الحزبية عهد ذاك
...).
هذا
الجانب الذي أدركه عزيز الحاج بعد أكثر من عقدين على أنشقاقه ,
وهذا يشير الى مدى الوعي الذي يحمله الكادر الحزبي ومواقفه في
ظروف الحزب الصعبة الذي عانى من أجله الكثير , الجانب الذاتي
وحب التأثر الذي أمتزج بأرادوية لم تتوفر لها القاعدة الحزبية
ولم تساعدها الظروف على تطورها , وكانت الخسارة الكبيرة في
أستشهاد العديد من القيادات والكوادر الحزبية والتي كان الحزب
بحاجة لها خاصة بعد أنقلاب البعث 1963 .وكون مع مجموعة من بعض
الاعضاء الكوادر حركة منتفضة داخل الحزب .
في الوقت
يشير الكاتب عزيز سباهي الى ذات الموضوع بالقول -
في
17 أيلول سارع المنشقون الى أصدار بيان بعنوان (قرارات
الاجتماع الحزبي الاستثنائي ) وأشاروا فيه الى أنه صادر عن
اجتماع عدد من الكوادر الحزبية المتقدمة وانه لم يتسن حضور
جميع الكوادر المتقدمة الواعية التي يجب ان تأخذ بأيديها مصائر
الحزب ) والحال ان اجتماعا كهذا لم ينعقد كما يقول عزيز الحاج
في تلك الايام . واورد البيان عدة قرارات في ادانة اللجنة
المركزية وادانة خط أب وتشكيل قيادة مركزية مؤقتة تأخذ على
عاتقها أجراء ( حملة تطهير مبدئية جريئة في جميع الهيئات
المركزية واللجان الاساسية في نطاق الحزب كله ولاسيما بغداد و
فرع كردستان ) .. وفي حيثيات القرارات وعد المنشقون بأن حركتهم
ستجري (عملية تطهير لينينية في اللجنة المركزية أولا ثم في
الهيئات القيادية الاخرى وبوجه عام ) , ذلك الانشقاق الذي أضعف
كيان الحزب أمام القوى الاخرى والسلطة الدكتاتورية في تلك
الفترة والذي كان جزء من ردود الفعل في المرحلة التي مرت في
العالم ككل كما قلنا سلفا في المرحلة الجيفارية وأنتشار
الافكار اليسارية ونهوض حركات التحرر الوطني في أغلب بلدان
العالم الثالث .
...
ويقول الحاج ( وسنرى ان مجرى الاحداث ودوافع المنافسة الحامية
مع الجناح الاخر لكسب مجموع الحزب وبعض التيارات والافكار
المتهورة والمتطرفة , اخذت تدفع بنا مع مرور الايام الى ان نضع
مشاريع اكثر من طموحة وان نتعجل الخطوات قبل نضوج عوامل نجاحها
)
.
وبعيدا عن ظروف الانشقاق وحيثياته فأننا نرى من اللازم أخذ
الاسباب التي أدت الى تبني هذه المجموعة الكفاح المسلح ضد
السلطة الحاكمة حتى بعدعام 1968 ومجيئ البعث نفسه مرة أخرى .
لقد
توصل أجتماع شباط عام 1967 الى تثبيت المبادئ الاساسية في
برنامجه ( المنهاج ) والنص على اهدافه النهائية في الاشتراكية
والتأكيد على الدور القيادي للطبقة العاملة وعلى النضال الثوري
لاقامة دولة ثورية تقودها الطبقة العاملة وحزبها .وفي نفس
الوقت تم تنحية ( الرفاق عبد السلام الناصري وباقر أبراهيم
وعامر عبد الله ) الذين اعتبروا من مخططي خط أب اليميني .
ولكن هذا الاجتماع لم يعط الصورة الواضحة لشكل النضال في
المرحلة الراهنة ( أنذاك ) ففي تشرين الثاني 1965 اكد اجتماع
براغ على ( الحاجة الى الكفاح المسلح ) أو ( العمل
الحاسم ) ثم عادت اللجنة المركزية وطرحت الامر للنقاش
.وهذا الامر يعكس التذبذب في سياسة القيادة في طرح مشروع
النضال القادم في المرحلة المعينة , وحالة الترقب التي يصفها
الكاتب عزيز سباهي في عدم وجود حسم في مجمل الامور السياسية او
التنظيمية التي بدا من جرائها التسيب ينخر التنظيم واللا
مبالات في تحمل المسؤولية تجاه هذا العمل الذي يحطم الحزب وهو
في حاجة ماسة الى وحدة تنظيمية قوية يجابه بها اعدائه على كل
الاصعدة وكانت البلبلة والتفكك ظاهراً في التنظيم والتبشير
بالاراء الفردية داخل أغلب المنظمات , وراح الحديث يدور عن عدم
قدرة القيادة على تنفذ البرامج أو سياسة الحزب المطلوبة واخذ
البعض يناقش العمل على رفع الكفاح المسلح , وقد أيد البعض من
المنظمات هذا الانشقاق وأخرى ادانته ولكن المهم في ذلك هو فرع
كردستان الذي أدان هذا الانشقاق بقوة برغم أن جزء من محلية
السليمانية كان مع الانشقاق و ايدت الحزب فيما بعد, وعاش الحزب
أزمة تنظيمية حزبية و فكرية شديدة أثرت بشكل كبير على التنظيم
والجماهير في عموم العراق وخارجه ( لندن ) وكذلك على
المتواجدين في السجون قبل وبعد 1968ومنها سجن الحلة الذي انضمت
الاكثرية فيه الى الانشقاق . ويشير السيد باقر أبراهيم
الى أنه كان مسؤولا عن لجنة منطقة بغداد , حيث كانت هذه اللجنة
مركزا لفعاليات وتحضيرات تيارها وأهم مطاليبهم هي ( استلام
السلطة هي مهمة الحزب الثوري وثانيا الدعوة لاستقلالية الحركة
الشيوعية العراقية عن الحزب الشيوعي السوفيتي وثالثا أعادة
النظر في القضايا القومية العربية ورابعا العنف هو أسلوب
النضال ) .
وقد
دعا سكرتير الحزب عزيز محمد اعضاء اللجنة المركزية ولجنة تنظيم
الخارج الى اجتماع وادان هذا العمل ودعم ما اتخذته اللجنة
المركزية في الداخل وفضح الانشقاق من خلال اذاعة صوت الشعب
وساعد هذا في تعرف عدد من المنظمات الحزبية خارج بغداد على
الانشقاق .
أهم
أسباب الانشقاق
1-
الموقف الفكري من مفهوم ( التطور اللارأسمالي) .
2-
سياسية ( الاصلاحات التي قام بها نظام عارف ), وخط أب التحريفي
.
3-
تنظيمية (تأخير أنعقاد مؤتمر الحزب ) .
4-
ذاتية وشخصية بين بعض القيادين والكوادر الحزبية .
5-
خلاف حول طرح وثيقة تقيم سياسة الحزب للفترة بين عام 1956 و
1964 ) وبنودها .
6-
ضعف
أستيعاب الاراء المخالفة وقصور في فهم الديمقراطية ولهذا كان
التفرد في أخذ قرارات مهمة ومصيرية .
7-
صراع داخلي غير مبرر يتوج بمفاهيم أنانية بعيدة عن الشيوعية
والعمل الجماعي والمسؤولية الحزبية ,والتي أدت الى تكتلات خفية
.
كانت روح التمرد وأخذ الثأر من القوى المعادية للحزب ومأساة
1963 التي حلت على الحزب أثرت على كثير من الكوادر والقواعد
الحزبية والقاعدة الجماهيرية , ومال الكثيرون للتذبذب وذلك
بسبب الصراع الفكري والسياسي بين مجمل اعضاء ومنظمات الحزب .
أدى مجمل الوضع الى تخلخل في التنظيم وفي العمل الحزبي
وبالتالي الجماهيري وكذلك في الجانب الفكري وعدم وضوح في
الجانب السياسي لعمل الحزب وتشخيص سليم لطبيعة السلطة الحاكمة
.
(
كانت الاحداث الدموية لعام 1963 , قد وحدت الشيوعيين العراقيين
في ادانة السلطة الجديدة وانتهاكاتها , لكن عوامل الصراع
الحزبي الداخلي الحاد, وبذور الانقسامات , قد نشطت منذ رضوخ
بعض اعضاء القيادة ( المتواجدين ـ المؤلف ) في موسكو للتعليمات
السوفيتية بوجوب مهادنة حكم ( عبد السلام عارف ) والسير وراءها
, وتطور الامر الى اعتباره حكما تقدميا ( لا رأسماليا ) يمكن
للحزب الاندماج التدريجي في مؤسساته . أما في الوطن فقد أتسعت
الشكوك في التنظيمات القاعدية واتسعت موجة الشكوى والاحتجاج ,
وفي الخارج بدأ الصراع الداخلي الحاد على صعيد الكوادر
المتقدمة وعلى صعيد القواعد
) .
ويشير الحاج في كتابه الى أن فترات 1965 و66 و67 شهدت تكتلات
خفية في صفوف الهيئات القيادية للحزب في بغدادواختلطت القضايا
السياسية والفكرية بالاعتبارات والحسابات الشخصية .
أهم
مايميز وضع السلطة الحاكمة في تلك المرحلة
1-
نظام دكتاتوري ذا توجهات قومانية .
2-
سعي
النظام الى ( أشتراكية أسلامية ) ( دولة ديمقراطية أشتراكية
تستمد ديمقراطيتها و أشتراكيتها من التراث العربي وروح الاسلام).
3-
قيام النظام بأصلاحات غير جدية ومنها تأسيس الحزب ( الاتحاد
الاشتراكي العربي ) , وهو الحزب الذي تكون جميع الاحزاب والقوى
الوطنية بأختلاف أيديولوجتها وبرامجها تحت جناحه .وعلى هذه
الاحزاب أن تحل نفسها في بودقة هذا الاتحاد .
4-
تحولات أقتصادية غير جذرية ومنها بعض التأميمات التي أجرها
النظام في بعض القطاعات الصناعية والزراعية أو ماسمي ب (
القرارات الاشتراكية ).
يتعلق الامر هنا بحكم عبد السلام عارف وليس على كل المرحلة
التي يتناولها المبحث.
من
خلال دراسة الوضع العراقي والدولي نرى كيف أثر ذلك على وضع
الحزب وقيادته وكوادره والتي أنقسمت بالتالي الى أكثر من جهة
تعمل وفق قناعاتها وفهمها للماركسية اللينينة والافق الثوري
وتطلعاتهم , وللاسف الشديد كل هذه الافكار أثرت بشكل سلبي على
الحزب ككيان سياسي ومؤسسة لها تأريخها المعروف , وارتبطت مجمل
الاوضاع الداخلية والخارجية لتحمل الحزب هذا التشضي والتي
أضعفت من قدراته الحزب بشكل عام .
تأثير الوضع الدولي والاقليمي على الوضع في العراق
1-
القوى والاحزاب القومية والحكومات العربية في سوريا والجزائر
ومصر .وكان للاخيرة تأثير كبير على الساحة السياسية العربية
والتي تقاربت بهذا الشكل أو ذاك مع سياسة الولايات المتحدة
الامريكية ضد الاحزاب الشيوعية في المنطقة العربية ومنها الحزب
الشيوعي العراقي , والتي سعت من أجل القضاء على الحزب عبر
دعمها لانقلاب شباط 1963 .
2 -
سياسة الاتحاد السوفيتي وتبنيه فكرة التوجه اللارأسمالي
.وتأثيرذلك على الصراعات في الحركة الشيوعية .والتي دعم فيها
التغيرات السياسية والاقتصادية في مصر والجزائر .
أما
على صعيد المكاسب الاشتراكية والتغيرات العالمية وتأثيراتها
على المناضلين في العالم ومنهم في العراق فهناك عوامل كثيرة .
نشوء وضع ثوري عارم في العالم والتغيرات العالمية والتحول الى
صالح الكفاح المسلح ضد الانظمة الدكتاتورية والتي دعا لها
المناضل الشهير تشي جيفارا والانتصارات التي يحققها الشعب
الفيتنامي ووكذلك في جنوب شرق اسيا كمبوديا ولاوس ونضال الشعب
الفلسطيني من أجل استرجاع حقوقه وبناء دولته. وارتبط ذلك أيضاً
بهزيمة الجيوش العربية في حربها أمام أسرائيل في 5 حزيران
1967فكشفت زيف الانظمة العربية الرجعية والدكتاتورية , واحتاج
الوضع الى أطلاق الدور للجماهير العربية ومنحها الحرية في
التعبير عن أرائها وأعطاء جوا ديمقراطيا يوطر الى حياة جديدة .
لقد
توصل الحزب بعد فشل خط أب الى أن العنف هو الاسلوب الارجح
للكفاح وأكدت أغلب الاجتماعات على ضرورة تحريك المزاج الثوري
في الشارع لدى الجماهير والعمل على تقوية التنظيم وأكد أجتماع
شباط 1967 الى ضرورة أنهاء البلبلة الفكرية وتثبيت الخط الثوري
( ان نقطة الانطلاق في تصفية البلبلة الفكرية وتثبيت الخط
الثوري وتثبيت وحدة الحزب وتنشيط دوره هي دراسة وتقيم تجاربه
الكبرى على أساس موضوعي علمي
).
وقد
عوقب بعض المسؤولين عن نهج خط أب حيث تم أنتخاب قيادة جديدة
للحزب في الاجتماع الانف الذكر وهم عزيز محمد وزكي خيري وكريم
أحمد وعزيز الحاج وأبعد كل من عامر عبد الله وباقر أبراهيم
وعبد السلام الناصري وبهاء الدين نوري الذي أصبح مرشحا للجنة
المركزية في هذا الاجتماع.
وهكذا أصبح الحزب شطرين ( كفاحين) مسلحين في فترة واحدة وهما
مختلفان تنظيميا وأعلاميا وفكريا وفي منطقتين من العراق في
الجنوب في الاهوار وفي الشمال في الجبال حيث تتمركز بعض قيادات
اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي , وبعض أنصارها و
قيادتها في جبال كردستان العراق , ولاجل الحماية من سلطة شباط
1963ومن ثم النظام الدكتاتوري لعبد السلام عارف وحلفائه .
وقد
شارك الحزب الحركة الكردية النضال ضد هذه الحكومات المتعاقبة
وتشهد على ذلك كثير من المعارك التي ذكرناها سابقاً .
وفي
الاهوار في جنوب العراق يناضل( جناح القيادة المركزية ) ببعض
من قيادتها وأكثرها كوادر متقدمة في الحزب وأنصارهم وقد خاضوا
كثيرا من المعارك ضد النظام الدكتاتوري العارفي وقد خسرت
القيادة المركزية هذه المعارك لعدم التكافؤء بين القوتين ثم
جاء الانهيار التام بعد أنهيار قادتها من المنشقين , وتم القاء
القبض على بعض قيادتهم وصمدوا صمود الابطال وفيما بعد أعدموا .
وكان من المفترض بأمكانيات هكذا كادرحزبي أن يتعلموا من أقوال
وكتابات لينين في أختيار اللحظة الثورية والزمن الثوري ,
وللاسف لم يدرسوا العوامل الذاتية لحزب شيوعي يرتبط بالجماهير
ويعمل على أستنهاضها من أجل تطوير فعالياتها بفعل النضال
الثوري الذي تتخذه القيادة الثورية للحزب الثوري , والامر
الاخر أن مستوى أستنهاض الجماهير ليس واحدا في كل الاوقات .
وترى الماركيسية – اللينينية ,التي تؤكد على الممارسات العملية
والتجارب العديدة في استنهاض الجماهير وأمكانية أستعدادها
للعمل النضالي والتي تتحكم فيها الظروف الموضوعية والذاتية
التي تسود في البلد المعين والزمن المعين والظروف العالمية
والاقليمية التي تؤثر في مجمل الاوضاع .
ولهذا كان على أي حزب ومنها القيادة المركزية ( المنشقة ) عن
الحزب الام أن تحدد طبيعة المرحلة وطبيعة الحكم والتي ينظر
اليها في الجانب الوطني والطبقي والتغير الاجتماعي . وكذلك شكل
النضال الذي تفرضه ظروف البلد , والاستعدادت لاستخدام هذا
الشكل النضالي أو ذاك أو مجتمعة, وأختيار الشكل المناسب للظرف
المناسب وهي أحد شروط العمل النضالي والكفاحي للجماهير , كان
يحتاج دراسة الاوضاع الاقتصادية – الاجتماعية وواقع العملية
الثورية وفق المنهج الماركيسي – اللينيني .
إن المنطقة العربية والعالم يعيش مرحلة النهوض الثوري
والاستقلال الوطني والنضال ضد الاستعمار والتبعية هذا النضال
بدا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في كثير من البلدان
ومنها العراق , ولهذا فقد هاجمت القوى الامبريالية
والاستعمارية مصر في عدوانها عام 1956, والتأمر على العراق في
عام 1963 ومجيئ سلطة بدعم ألامبريالية الامريكية وعملائها
الرجعية .
ولهذا كانت نكسة حزيران 1967 هزيمة حركة التحرر الوطني العربي
التي أفرحت الرجعية التقليدية الموالية للغرب منذ تكوين دولها
, وأنتشرت مظاهر اليأس للمواطن والتشكيك في القدرة على مواجهة
عدو الشعوب الاستعمار والصهيونية .ولهذا لم تكن العوامل
الذاتية ناضجة بدرجة كافية لتحقيق التغير التي تريده القوى
الوطنية والديمقراطية والشيوعية , خاصة وأن قدرات الجماهير بعد
شباط 1963 ضعفت في التقرب الى الحزب نتيجة الارهاب الذي ساد في
العراق والذي أدى الى أستشهاد أعداد كبيرة من قيادة وكوادر
وأعضاء الحزب والذي أحتاج وقت غير قليل لاسترجاع تلك
الامكانيات .أضافة الى ماذكرفي تعزيز الترابط والتفاعل بين هذا
النضال الثوري ونضال القوى التقدمية العربية والعالمية .
في
أكثر من مكان وقع قادة الانشقاق في جملة من الاخطاء والتي سببت
الاذى للحزب ككيان ومؤسسة , والى أعضاء الحزب كمناضلين أعطوا
كل حياتهم الى الكفاح من أجل الاستقلال ومن أجل تحرر العراق
ومن أجل بناء الديمقراطية ( كانت الاحلام الثورية تقترن باوهام
والطموح المشروع يمتزج بالخيال ..., وكذلك التغيرات العالمية
السريعة التي يرى فيها الحاج ( واصبحت بعض العناصر والتنظيمات
تدعو الى الاقتداء الاعمى بتجارب نضالية أجنبية (فيتنام أو
كوبا أو غيفارا) وأصبحت شعارات الكفاح المسلح تطرح هنا وهناك
.... هذا النزوع يتسم بصورة عامة بالارتجال والعاطفة والتسرع
...) .
كان شعار القيادة
المركزية الذي أتخذته في كانون الاول 1967 هو ( أسقاط السلطة )
, ولم يوضع هذا الشعار موضع التطبيق حتى أعتقلت السلطة (
أنقلاب 17 تموز 1968 ) سكرتير القيادة المركزية عزيز الحاج
والبعض من قادتها وهم أعضاء المكتب السياسي ( كاظم الصفار ,
متي هندو , عبد الحميد الصافي و أحمد محمود الحلاق ) وكذلك
البعض من أعضاء اللجنة المركزية والكوادر . لقد هاجمت صحيفة
طريق الشعب الانشقاق وقيادته في مقال تحت عنوان (صيانة وتعزيز
وحدة الحزب شرط لانتصار الطبقة العاملة والجماهير الشعبية )
واضافت الصحيفة ( أن العناصر المخلصة بينهم التي انجرفت وراء
التيار الانقسامي بسبب ضعف وعيها الطبقي , وقلة تجربتها ستعيد
النظر في موقفها الخاطئ)
.
عقد الكونفرس
الثالث للحزب في كويسنجق في كانون الاول 1967 في اربيل وقد
حضره 57 مندوب ومراقب وأغلب قيادة الحزب وقد درس الكونفرس
الوضع السياسي العام وظروف الحزب الداخلية ومنها الانشقاق في
الحزب أضافة الى مشروع النظام الداخلي والبرنامج وقد صادق على
الاول وأقر مشروع البرنامج ولكن أحاله للمؤتمر الثاني للمصادقة
عليه . وأكد الحزب على مواصلة التوعية الفكرية والسياسية
والتنظيمية وأوصى على ضرورة التقارب والاحتكاك مع العناصر
الطيبة والجيدة التي أنجرفت مع الانشقاق .
وقد
أقر الكونفرس الشعار التالي: ( الانتفاضة الشعبية المسلحة التي
تلعب فيها القوات المسلحة الدور الحاسم لاسقاط الحكم ), كتكتيك
للحزب. واضافة لذلك أشار الكونفرس الى ما يلي: (والان بعد
الازمة العميقة التي أصابت الحركة الشيوعية العالمية يجب دراسة
الوثائق الحزبية جميعا بروح انتقادية للفكرة والاسلوب جميعا
كما تقتضي الماركسية
).
وأعاد الكونفرس التأكيد على تأثير الاتجاه الصيني على موقف
المنشقين ( القيادة المركزية ) .
وأشارالكونفرس الى ( ان الانقسام الحاصل في صفوف الحركة
الشيوعية العالمية تقع كامل مسؤوليته على عاتق جماعة ماوتسي
تونغ , الذين دفعوا الامور عن وعي واصرار الى حالة الانقسام ,
ان هذه الجماعة ابتعدت عن الماركيسية اللينينية وعرضتها
للتشويه واعتمدت العقائدية الجامدة طريقا لها ) , وكان تأثير
الصراع السوفيتي – الصيني على أغلب الاحزاب الشيوعية في العالم
, ومنها الحزب الشيوعي العراقي واضحاً.
وأنا أرى أن بعض قيادة الحزب وكوادره شعروا بالمظالم وعانوا من
الارهاب والاعتقال والتعذيب والقتل التي قام بها حزب البعث
وجلاوزته والذي أثر بدوره على نفسيتهم ومزاجهم السياسي ,
والبعض الاخر من قيادة الحزب والتي تشكل اللجنة المركزية
أساسها والتي تأثرت بأصلاحات الحكومة العراقية وثأثيرات
السوفيت والخوروشوفية والتي أدت الى خط أب المهبط للمعنويات و
ظهور بعض من قيادة الحزب اليمينية , ومن هذه الاوضاع وغيرها
بدا الانشقاق وربما من مجموعة الاربعة التي تكتلت في زمن
سكرتير الحزب سلام عادل .
كما
أجد عدم نضوج لبعض من قيادة الحزب وسرعة التاثيرات السياسية
المحلية والدولية وأحيانا يلعب المزاج الشخصي دوره في هذه
القضية وغيرها .
وعدم وجود عزيمة قوية لدى البعض من قيادة الحزب لاخذ قرارات
صائبة تبعده عن التجاذبات والتكتلات والانشقاقات والتي أضعفته
بشكل كبير خاصة وأن المرحلة كانت جيدة للحزب في لملمة
تنظيماته وأعادة كوادره وأعضاءه المنقطعين عن العمل من جراء
الاوضاع الشاذة التي عاشها الحزب منذ عام 1963 .
كما
ان اتخاذ القرار بخوض الكفاح المسلح لم يكن في وقته , ولم تأخذ
بنظر الاعتبار الظروف الموضوعية والذاتية وألامكانيات
والتصورات الداخلية والخارجية ومجمل التدخلات ومنها تدخلات
شركات النفط وحلفائها في الداخل والخارج , والنتيجة كانت خسارة
الحركة الشيوعية واليسار بشكل عام .
وأشير هنا الى أن الانشقاق لم يضعف فقط الحزب ككيان ومؤسسة لها
جماهير واسعة ولها قوتها الحقيقة لجذورها المتأصلة بين شعبنا ,
بل ساعد حزب البعث، بطريقة أو بأخرى، على السيطرة على السلطة
ومباغتة القوى والاحزاب الوطنية
وقد
اشار لينين حول تطور اشكال النضال وتصاعدها ودعا الى الاستفادة
حسب ظروفها ومستلزماتها , وكذلك لدراسة اشكال واساليب النضال
التأريخية والانتباه الى موازين القوى وقوة الخصم والارتقاء
بألاشكال النضالية الى مستوى متطور .وقد أشار الى ماحققته
الثورة الروسية في الانتفاضة التاريخية هو الانتفاضة المسلحة .
ونتيجة لمجمل الاوضاع السيئة فقد وقع أنقلاب 17- 30 تموز 1968
بسيطرة معاون الاستخبارات العسكرية ومعه قائد قوات الحرس
الجمهوري وبالتنسيق مع بعض القيادة العسكرية والمدنية في حزب
البعث , وقد أسقط حكم عبد الرحمن عارف بعد سيطرة هذه المجموعة
واعوانها على القصر الجمهوري .
وأصدر الحزب بيانا في 29 من تموز 1968 أوضح فيه أزمة النظام
العارفي، وأكد على مجموعة من المهام التي يجب أن يحققها النظام
الجديد ومنها: (تحقيق الديمقراطية والنظام الديمقراطي والعفو
العام واعادة المفصولين وتحريم أسقاط الجنسية وأعادة الجنسية
للذين أسقطت عنهم الجنسية ... الخ . ودعا البيان كذلك الى حل
القضية الكردية والاقرار بحقوق الشعب الكردي، والغاء مجلس
الشورى والتغير في الوضع المعاشي لابناء الشعب , واعطاء حرية
العمل النقابي والطلابي .
أهم
ماميز الاوضاع الجديدة (بعد أنقلاب 17-30 تموز 1968 )
1-
سيطرة حزب البعث ذو الخلفية الدموية والأساليب الفاشية
والعلاقات المشبوه .
2-
تذبذب مواقفه لاجل تحييد القوى الوطنية العراقية بما فيها
الاحزاب الكردية للاستفادة من الوقت لترتيب وضعه .
3-
سيطرة النظام على الاعلام واجهزة الدولة وامكانياتها المادية
4-
القيام بأغتيال معارضيه وأغلبها اغتيل في ظروف غامضة .
5-
ضعف
في قاعدته الحزبية والجماهيرية في الفترة الاولى.
6-
ديماغوجي في طروحاته يميل الى الانفراد في عمله وهو معادي
للديمقراطية بأي شكل كان .وأستطاع أن يثير الخصومة بين الحزب
الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردستاني .
7-
معادي للحزب الشيوعي العراقي والشيوعية وبالذات من قبل جناح
ميشل عفلق وأعوانه ومن بعض القوميين العرب والناصريين .
8-
لايؤمن بحقوق الشعب الكردي .
لقد
أكد الحزب الشيوعي العراقي في بياناته وطروحاته السياسية من
خلال منابره وصحافته على الاسس التي يجب أن يتعامل بها النظام
الجديد مع أبناء شعبنا وقواه الوطنية، خاصة وأن هذه القيادة
نفسها التي قتلت وأعدمت كثير من أبناء شعبنا من شيوعيين
وتقدميين وأصدقاءهم. وطالب الحزب بضرورة (ان.... يتمسك حزبنا
في حالة المشاركة في حكومة ائتلافية حقا , ممارسة العمل
السياسي العلني وحريته في اصدار الصحف , مع ألغاء كافة الاوضاع
الاستثنائية والمؤسسات والقوانين المعادية للديمقراطية ,
والعمل على حل القضية الكردية على اساس الاعتراف بحقوق الشعب
الكردي القومية , وخاصة حقه في الحكم الذاتي ضمن اطار
الجمهورية العراقية . ان حزبنا ,اذ يناضل في سبيل اقامة الجبهة
الموحدة , ومن اجل اهدافها فأنه يؤمن بأن ذلك يمكن تحقيقه
بالاساس ,عبر النضال الجماهيري الواسع , والاستناد الى ارادة
الشعب ,وخاصة العمال والفلاحين الذين يشكلون القاعدة الاساسية
لاية جبهة أو تحالف
...). كان الحزب متخوفا من أي عمل مع السلطة الجديدة
ولهذا بدا يطرح مقتضيات العمل الجبهوي أو التحالف أو التعاون
خاصة وأنها- أي السلطة البعثية - ارادت ان تغير من سياستها
هذه المرة , وقد أختلفت قيادة الحزب في مابينها حول الموقف من
الحكم الجديد , فمن هو مؤيد للتباحث مع حزب البعث والوصول الى
نتيجة وأخرون ضد ذلك حيث ذكر بيان اللجنة المركزية للحزب في
تشرين الاول من عام 1968 الى ( أن الحكم الذي يقترحه البعث
للبلاد هو في الواقع لا ديمقراطي ).
كان
الحزب يريد من السلطة أن تبين مواقفها من خلال أصدار القوانين
والقرارات التي تصب في مصلحة عامة الشعب خاصة وإن الارث الذي
يحمله حزب البعث من التأمر والقتل والاجرام لايدفع للتصديق
بوعوده اذ لم تكن على أرض الواقع .
لهذا بقيت هاتان السنتان - أي من تموز 1968 حتى أيلول 1970-
بمثابة جس نبض لسياسة البعث , ومراقبة طروحاته بشأن مجمل
القضايا المصيرية التي ذكرناها أنفا , ومنها القضية الكردية
وحل الخلاف حولها، ولعب الحزب الشيوعي العراقي دورا متميزا في
التوصل الى أتفاقية 11 أذار 1970 التي أقرت الحقوق القومية
المشروعة للشعب الكردي متجلية في تلك المرحلة بتطبيق الحكم
الذاتي. وقد أشاد الاتحاد السوفيتي وأوساط الرأي العام
الديمقراطي في العالم بتلك الاتفاقية , وكان للشيوعيين
العراقيين الدور المتميز في اللجنة الاستشارية التي شكلت لحل
الخلافات والمشاكل التي يمكن ان تنشأ عن تطبيق هذه الاتفاقية،
بحسب ما اشار عزيز سباهي في كتابه عقود من تأريخ الحزب الشيوعي
العراقي
المبحث الرابع
الفترة الممتدة من ايلول 1970 ولغاية عام 1993
عقد الحزب الشيوعي العراقي مؤتمره الثاني في أيلول 1970بصورة
سرية في راوندوز في أربيل , وقد ناقش عدة وثائق مقدمة
للمندوبين , ومنها التقرير السياسي وتدقيق موضوعة البرنامج
ونظامه الداخلي. حضر المؤتمر 102 مندوبا وكان بحراسة قوات
الانصار الشيوعيين وأطلق عليه (مؤتمر هندرين ) تمجيدا للمعركة
المعروفة التي خاضها الانصار الشيوعيون في عام 1966وأنتصروا
فيها.
ناقش المؤتمر التقرير السياسي الذي قدمه سكرتير الحزب عزيز
محمد وتناول طبيعة الحكم والسياسة التي سار عليها الحزب تجاه
هذه السلطة والقائمة على معارضة لنهج الحكومة المعادية
للديمقراطية والشيوعية, واضطهاد لاحزاب المعارضةالوطنية.
واكد على ( اننا سنؤيد وندعم أي إجراء تقدمي او أي موقف تقدمي
ضد الاستعمار والرجعية تقفه السلطة )، وحدد المؤتمر المهمات
اللاحقة التي تواجه الشيوعيين ولخصها بالديمقرطية الشاملة
والجبهة الوطنية دون شروط على أساس ( ضمان حرية كل حزب وطني
استقلاله السياسي والايديولوجي والتنظيمي وحرية النشاط الفكري
والعملي لتحقيق اهدافه وبرامجه).
كان
الحزب يرسم سياسته وتحالفاته الطبقية والوطنية على اعتبار أن
قيام الجبهة الوطنية العريضة معبرة عن سائر الجماهير بمختلف
أفكارهم وأهدافهم وهي ضرورة ملحة وحاسمة , وهو ينظر اليها
كمنطلق تكتيكي لبعد ستراتيجي , ومفهوم الحزب للجبهة في تعزيز
وتطويرعمل المنظمات الجماهيرية والمهنية بما فيها النقابات
والاتحادات ... الخ .
وقد
وضع الحزب أمامه للمرحلة القادمة الكثير من المهام منها تعزيز
الديمقراطية في العراق والعمل على قيام الجبهة الوطنية والامر
الاخر هو العمل للدفاع عن مصالح الشعب والطبقة العاملة وسائر
الكادحين .
وعلى ضوء الدراسة للتقرير المقدم من قيادة الحزب والاراء التي
طرحت , بادر الحزب في طرح مقترحه بشأن قيام الجبهة الوطنية
فيما بعد . وهكذا أقر المؤتمر قضية التحالف مع حزب البعث
الحاكم , وقد أستمرت ثلاث سنوات من التباحث بين الحزبين وصولا
الى الجبهة الوطنية التقدمية . والتي عين للحزب الشيوعي على
أثرها وزيرين في الحكومة, اضافة الى الاتفاق على حل المسألة
الكردية .
وقام النظام بعدة أجراءات عدّت في حينها تقدمية , ومنها معاهدة
الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفيتي عام 1972 والاعتراف
بالمانيا الديمقراطية , وعلى صعيد الداخل تأميم النفط واصدار
قانون العمل 151 وغيرها من القرارات والتي قيمها الحزب في
حينها بالايجاب. كما أيد الاتحاد السوفيتي قيام هذه الجبهة
وفقا للمتغيرات التي أشرنا لها .
وفي نفس الموضوعة يكتب البعض حول خضوع الحزب الشيوعي العراقي
لتوجيهات قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي في كثير من السياسات
والمواقف , وبأن الحزب مع سياسة الاتحاد السوفيتي في زمن
خروشوف ( 1953 الى 1964 ) وأفكاره في التطور اللارسمالي لدول
العالم الثالث , ومع سياسة برجنيف ( 1964 الى 1982 ) في
التعايش السلمي بين الشعوب وهو مع سياسة كورباجوف ( 1985الى
1991) في البريسترويكا والغلاسنوست في منتصف ثمانينات من القرن
الماضي , وأنا أقول جازما يخطئ هؤلاء في هذا القول بل هو تجني
بحق الحزب والشيوعيين الذي عانى الكثيرمنهم بسبب تلك المواقف
, ومنها التكتل الذي حصل لمجموعة الاربعة في عام 1959 بين مؤيد
لآستلام السلطة أو رافض , خط أب عام 1964 ومن ثم التكتلات التي
ظهرت اثره وكانت مخالفة لسياسة السوفيت في المنطقة وتوج ذلك
بالانشقاق عام 1967 وخلاف البعض من قيادة وكوادر الحزب من كان
مع توجهات سياسة الصين الماوية وضدها .
ولايمكن أن نغض النظر عن موقف الحزب وتبنيه شعار الكفاح المسلح
في كردستان في عام 1979 بدون موافقة القادة السوفيت وأستمر 9
سنوات في هذا النضال , وكان الحزب يحاول توضيح موقفه من
الحكومة البعثية الديماغوجية التي ساوت في المسافة بين الاتحاد
السوفيتي وأمريكا لمصالحها الخاصة وخاصة في حربها مع أيران .
وكان الحزب ينتقد هذا الدعم وهو العارف بخفايا النظام وأكاذيبه
مع شعبه أو مع شعوب العالم وأظهار نفسه بالتقدمي والوطني
والمعادي للامبريالية .(كانت تربطنا العلاقة العميقة مع الحزب
الشيوعي العراقي .. وقد زودنا الحزب بكل مايحتاجه من الاسلحة
وفتح معسكرات للتدريب وتقديم أشكال أخرى من الدعم :لا أكتم
سراً أن موقفنا هذا قد تقاطع مع موقف الرفاق في القيادة
السوفيتية التي كانت ترى أن يتعامل الحزب مع النظام بشكل أخر
.. حديث خاص للرفيق نايف حواتمه في دمشق كانون الثاني 1995 ,
نقلا عن كتاب مذكرات باقر أبراهيم ص 182 ) .ويضيف السيد باقر
في نفس الصفحة ( تحسست بوضوح أن أحزاب تلك الدول كانت شأن
الحزب الشيوعي السوفيتي , ترغب أن تكون للحزب الشيوعي العراقي
سياسة أخرى غير هذه , أي صلة بالسياسة القديمة ..) .
أن
الحزب الشيوعي الروسي الذي فجر ثورة أكتوبر 1917 والتي نادت
بالاشتراكية والعدالة والاستقلال من الهيمنة الامبريالية
والاستعمار والتي على أثرها تكون بلد الاشتراكية الاول الاتحاد
السوفيتي الذي أصبح قبلة المناضلين , فلابد أن يحترم الشيوعيين
في العالم تضحيات الشعب السوفيتي ويقدر مواقفه مع قضايا الشعوب
في العالم من أجل التحرر والاستقلال والحرية وكذلك موقفه
ومساعدته وأسناده للشعوب العربية في حربها مع أسرائيل .
وبرغم قيام سلطة البعث ببعض الانجازات , لكنها من جانب أخر
كانت تقوم بالاغتيالات وتصفية كل من يعارضها من القوى السياسية
. وقدأغتيل الكثير من قادة الحزب الشيوعي العراقي ومنهم ستار
خضير وشاكر محمود عضوي اللجنة المركزية و كوادر حزبية في
مقدمتهم كل من محمد الخضري وكاظم الجاسم وعزيز حميد ومحمد
الدجيلي وجواد عطية و علي البرزنجي الذي استشهد تحت التعذيب
واخرين .أضافة الى الاعتقالات التي شملت أغلب مناطق العراق
وذلك من أجل تركيز السلطة بالقوة بيد البعث الحاكم .
وبين التحكم بالسلطة من جهة، ومناوراته المعروفه مع الاحزاب
والقوى الوطنية الاخرى من جهة ثانية ,طرح حزب البعث في 15
تشرين الثاني 1971 مشروع ميثاق العمل الوطني , والذي قيمته
قيادة الحزب أيجابيا واعتبرته اساسا صالح للحوار مع البعث من
أجل اقامة الجبهة .
واعتبر الحزب الشيوعي أن المشروع معادي للامبريالية ويتضمن
الحل السلمي للقضية الكردية وذو تحولات اقتصادية اجتماعية
ويؤكد على علاقات فاعلة مع المنظومة الاشتراكية .... الخ ..
ويرى الكاتب عزيز سباهي في كتابه حول التحالف مع حزب البعث الى
( أن أستئناف الدعوة الى الجبهة جاء من الحزب الشيوعي العراقي
وبتحفيز من الحزب الشيوعي السوفيتي وأن قيادة الحزب الشيوعي
العراقي استجابت للنصيحة دون تردد, مع أن أصداء مادار في
المؤتمر الثاني بشأن التعامل مع حزب البعث لازالت عالقة في
الاذهان . فهي اذن عودة الى طروحات فترة الستينات حول التطور
اللارسمالي وماجرته على الحزب من متاعب فكرية سياسية وتنظمية
....).
أما
شروط حزب البعث لقيام الجبهة فقد رفضها الحزب الشيوعي العراقي
حيث ذكر ان ( هذه الشروط تقضي بالجوهر بأن تسلم جميع الاحزاب
السياسية بقيادة البعث لها ولسلطة الدولة والمنظمات
الاجتماعية, وان تقبل ببرنامج حزب البعث وايديولوجيته دونما
حاجة لبرنامج مشترك يتضمن نقاط الالتقاء وتجنب الخلاف , على ان
يسمح البعث لقاء قبول الاحزاب الوطنية بهذا , باصدار جريدة
والمشاركة الشكلية في الحكم (..من تقيم المؤتمر الرابع للحزب
1985 ) .
في
6 نيسان 1973 عقدت اللجنة المركزية للحزب اجتماعا ناقشت فيه
مسالة الجبهة الوطنية مع حزب البعث وقد أختلفت القيادة داخل
الاجتماع في تحديد موقف واضح ومدروس حول قيام الجبهة حيث قدم
اقتراح لقيادة الحزب ( اللجنة المركزية ) بأن يتم التصويت من
هو يوافق على الجبهة أو بالضد منها .
انقسمت اللجنة المركزية الى قسمين نصف الى جانب قيام الجبهة
والاخر بالضد منها أي الطرفان متعادلان وبعد الاستراحة أستطاع
سكرتير الحزب أن يقنع الرفيق أبو سرباز – أحمد باني خلاني -
ليفوز الراي المؤيد للجبهة بأغلبية صوت واحد .
ظهرت الجبهة الوطنية والقومية التقدمية للوجود بعد أن وقع على
وثائقها عن قيادة البعث أحمد حسن البكر وقيادة الحزب الشيوعي
العراقي عزيز محمد في 16 تموز 1973وجاء في البيان ( أن أقامة
الجبهة الوطنية والقومية التقدمية هي استجابة لهدف نادت به
وناضلت من اجله كل الاحزاب والقوى التقدمية .... ) .
كما
وجاء في البيان ( أن أنبثاق الجبهة الوطنية والقومية التقدمية
يشكل نقطة بارزة ومشرفة في مسيرة العمل الجاد والمخلص والشامل
لتكاتف الاحزاب والقوى الوطنية والقومية التقدمية ) .
وبودي أن أشير الى رسالة القادة السوفيت بمناسبة عقد المؤتمر
الثاني للحزب جاء فيها ( أن الحزب الشيوعي العراقي يبذل جميع
جهوده من اجل اقامة الجبهة الوطنية لجميع القوى التقدمية
والمعادية للاستعمار في العراق وهذه الجبهة هي القادرة على
المحافظة والتطوير للمكاسب الديمقراطية للشعب العراقي
.
وأنا أعتقد أن الحزب أستعجل في قيام هذا التحالف وعبر عن ثقة
متسرعة لا مبرر لها منحها لحزب برجوازي له طموحاته الخاصة في
أستلام السلطة والهيمنة وأن يلعب حزب البعث الدور الرئيسي و
التأثيرفي مجالات الحياة المختلفة للمجتمع العراقي , وهذا
الحزب الذي جاء بغطاء أخر بعد الفضائح التي قام بها في 8 شباط
1963 .
وكان من أخطاء الحزب الكبيرةهذا التسرع في دخول الجبهة الوطنية
, والصفح والتغاضي ونسيان ممارسات البعث في عام 1963 وقتله
للالاف من الشيوعيين ومن المواطنين الابرياء وكان على الحزب أن
يضع شروط لهذا التحالف هي بناء الديمقراطية وترسيخها بين أبناء
شعبنا وقيام حكومة ائتلافية وطنية , وكذلك عدم التدخل في شؤون
الحزب والاستقلالية للحزب تنظيميا وأيديولوجيا وسياسيا وعدم
فرض المواقف السياسية المحلية والعربية والعالمية على الحزب.
وكان على الحزب أن يقدم شروط واضحة وصريحة وأن يكون
هناك طرفا ثالثا شاهدا على تطبيق تلك الشروط منعا لحدوث
التسويف والتزيف في محتوى الاتفاق , والذي حدث فيما بعد حينما
جرد الحزب الشيوعي العراقي من كل أجنحته أي من كل المنظمات
القريبة منه المعروفة وعمل حزب البعث على تبعيث المجتمع
العراقي وكل مؤسسات الدولة المهمة من القوات المسلحة وزارتي (
الدفاع والداخلية ) أضافة الى أجهزة الاستخبارات المختلفة
وأصبحت بيديه السلطة في جميع مجالات ومرافق العمل ونشاطاتها .
الحلفاء يتخاصمون
توصل الحزب الديمقراطي الكردستاني وحكومة البعث الى أتفاق 11
أذار 1970 على أساس الحكم الذاتي للشعب الكردي وقد أشترك منهم
في حكومة البعث 5 وزراء وكان الحزب الديمقراطي الكردستاني لا
يفضل دخول الحزب الشيوعي العراقي في مفاوضات مع السلطة ويعزو
الكاتب عزيز سباهي ذلك الى التأثيرات الخارجية التي كانت
لاتريد التحالف او العمل مع الحزب الشيوعي العراقي ( ... كان
يقع تحت ضغط القوى الاجنبية التي لا تحبذ التحالف الوطني في
العراق , وتقف على الضد من تعاون الحزبين الشيوعي العراقي
والديمقراطي الكردستاني وعلى الضد من التحالف الوطني عامة
) .
في
تلك الفترة أستطاع النظام أن يحيك الدسائس وويعمل على تخريب
العلاقة بين الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردستاني من
خلال المفاوضات المنفردة أي كل واحد على جانب , و كان المفروض
أن يتفق الحزبان بالضد من البعث. ورفض الحزب الديمقراطي
الكردستاني(أن يعمل مع الحزب الشيوعي لفرض المنحى الديمقراطي,
راح يسلك سلوكا معاديا للحزب في المناطق المهيمن عليها ومنها
أرتكابه لجريمة قرب منطقة زاخو قام بها المجرم عيسى سوار
ومجموعته والتي راح ضحيتها 12 من كوادر الحزب الشيوعي العائدين
من موسكو في طريقهم الى احدى مواقع انصار الحزب الشيوعي
..) .
لقد
عمل الحزب الديمقراطي الكردستاني في مناطقه على أنه يمثل الشعب
الكردي كله بمختلف أفكارهم وأراهم وهذا التفكير خطا بالطبع
والدليل على ذلك الانشقاقات والتكتلات التي حدثت للحزب نفسه
منذ عام 1964 حتى المؤتمر التاسع للحزب وخروج مجموعة سامي عبد
الرحمن وتأسيس حزب الشعب والحزب الاشتراكي الكردستاني أضافة
الى الاحزاب الاخرى التي تختلف في أرائها ورؤيتها عن رؤية حدك
الى حقوق الشعب الكردي ... , ولم تستمع قيادة الحزب الديمقراطي
الكردستاني الى صوت العقل والحكمة ونفذت النهج الذي خطط له
والذي أوصل الحوار في النهاية الى طريق مسدود , حيث رفضت
الدخول في الجبهة الوطنية والقومية التقدمية .
بودي أن أشير الى ماجاء في في كتاب عقود من تأريخ الحزب
الشيوعي العراقي الجزء الثالث للكاتب عزيز سباهي في صفحة 117
حيث يقول فيه ما يلي:( واجه مقترح اشراك الحزب الشيوعي العراقي
في الحكومة تحفظا من جانب الحزب الديمقراطي الكردستاني , في
وقت كان هو يشارك في الحكومة بخمسة وزراء . فهل كان وراء هذا
التحفظ ما لمسه هو من عدم جدوى المشاركة في حكم لايقام فيه وزن
للتكافؤ بين القوى والتعامل الديمقراطي فيما بينها وعدم اشباع
الحكومة والاطراف المشاركة فيها بمسؤولياتهم .. ويومها كانت
علاقات (حدك ) بالبعث اخذة بالتردي ؟ أم أن الحزب الديمقراطي
الكردستاني كان يسعى الى حصر التحالف بينه وبين البعث وتقاسم
النفوذ بينهما وابعاد الحزب الشيوعي , أو لعل ( حدك ) كان يدرك
ان البعث يريد من الامر أن يأمن جانب الشيوعيين في صراعه مع
الحركة القومية الكردية وقيادتها الممثلة بمصطفى البارزاني ,
وان هذه القيادة كانت تنوي تصعيد الخصومة مع البعث استناداً
الى نصائح ووعود اجنبية ظهر زيفها فيما بعد,وهي لهذا لا تريد
تعزيز حكم البعث ؟
وكان الحزب الشيوعي العراقي يدرك جيدا ماذا يريد البعث حتى
توقيع الاتفاقية ببنودها وأعطاء الحقوق كانت محط ريبة وشك ,
وكان يتأمل دخول الحزب الديمقراطي الكردستاني هذا التحالف لكي
يكونان الحزبان قوة كفاحية ذات تجربة كبيرة أمام حزب البعث
ومناوراته .
أن
الحقوق التي تعطيها حكومة ديمقراطية وطنية هي غير الحقوق التي
تعطيها حكومة قام حزبها على الانقلابات والتأمر المعروف للشعب
العراقي ولا يؤمن بحقوق الاخرين , والتجربة معروفة مع حزب
البعث وحكومته لاحقا وماحل بالحزب الشيوعي وأعضائه وموازريه
بعد أن ثبت سلطته .
وقد
طالب الحزب الديمقراطي الكردستاني بتأجيل اعلان قانون الحكم
الذاتي 1974 كما نص عليه بيان أذار 1970, وأن الاحداث التي تلت
أثبتت بما لايقبل الشك بأن بعض العناصر القيادية في الحزب
الديمقراطي الكردستاني وبتوجيه من بعض الاوساط المعروفة لنا
لكسب الوقت والمناورة ومن أجل الاستعداد لتجديد القتال .
ويشير كتاب صفحات من تاريخ الحركة الشيوعية في العراق الى نفس
الموضوعة الواردة أنفاً ( .. سعى الحزب الشيوعي جاهدا لاقناع
الحزب الديمقراطي الكردستاني بالدخول كطرف ثالث في الجبهة
لتستقر قاعدة الحكم على الاحزاب الثلاث . فتوالى ارسال الوفود
وعلى مستوى قيادي الى مقر الملا مصطفى البرزاني شمال العراق
) . وكان أحد الوفود بقيادة سكرتير الحزب عزيز محمد ووفد أخر
ضم رحيم عجينة من الحزب وغانم عبد الجليل من البعث , ولكن
الحزب الديمقراطي له غاياته التي وضعها أمام حزب البعث أو
الحكومة , رفضوا حتى أستقبال موفدنا ( وطالبوا بدلا من ذلك
خلال مفاوضاتهم مع السلطة أن يقتصر الحوار بشأن الجبهة بين من
يمثل القوميتين الرئيستين في العراق أي البارتي والبعث .. ص
147 نفس المصدر السابق ) , وهذا الموقف يدل على طبيعة
البرجوازية الصغيرة وحلفائها من أصحاب المصالح التي لاترتاح
بعلاقة مع الحزب الشيوعي العراقي في حين هم يعرفون مدى دفاع
الحزب منذ تاسيسه عن مصالح الشعب الكردي وحقوقه المشروعة .
والاكثر من ذلك رفضوا أي دعاية للجبهة الوطنية حيث تعتبرها بعض
الاوساط في الحزب الديمقراطي أنها أستفزازا لها , وأخذت تلاحق
الالوف من المواطنين الذين عبروا عن تأيدهم وأسنادهم لقيام
الجبهة الوطنية
ويشير فاتح رسول مؤلف كتاب تأريخ نضال الشعب الكوردي وماكان من
المفروض أن يكون موقف الحلفاء الخاطىء (موقف الحزب الديمقراطي
الكردستاني الخاطئ والعدائي الذي اتخذه ضد حزبنا حيث كان صديقا
حقيقيا للبارتي , قد ساعد ومهد السبيل بأن يتخذ حشع هذا الموقف
الخاطئ , وكانت النتيجة ان كلانا قد الحقت به أضرار فادحة
وتعرض للفشل والاحباط الجسيم في تأريخ نضال وكفاح حشع
( الحزب الشيوعي العراقي -المؤلف ) . وتجربة الحزب الشيوعي مع
الحزب الديمقراطي الكردستاني طويلة برغم السلبيات التي ظهرت في
بعض المواقف لكن العلاقة أتسمت بالود خاصة بعد الهجمة على
الحزب الشيوعي في عام 1979 . ولكن مرحلة السنوات العجاف مع
نظام البعث ومسيرة الجبهة والمناوشات وغيرها هي فترات غير
ودية وبالاخص حين تنازل النظام عن نصف شط العرب وضربه الحركة
الكردية وخروجها من ساحة النضال .
ويشير عضو اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي العراقي وممثل
الحزب في الجبهة الكردستانية رحيم عجينه صاحب التجربة الطويلة
في التحالفات الى -
(
أن موقف قيادة حدك تجاهنا أمر غير مستغرب , فعلى الرغم من
علاقاتنا النضالية المديدة والعلاقات الشخصية مع البارزاني
وقادة حزبنا من الاكراد فان نزعة الاستئثار بالعمل السياسي في
كردستان وفيما يخص القضية الكردية , تدفع حدك لاتخاذ مثل هذه
المواقف التي تلحق افدح الاضرار به وبالشعب الكردي والحركة
القومية الكردية
... ) .
وقد
أشتركت بعض قوات الحزب من أبناء المناطق المتأخمة للمناطق
الجبلية مع قوات الجيش في بعض الربايا ضد قوات البيشمه ركة
التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني خاصة في عام 1974في موعد
تطبيق قانون الحكم الذاتي .
وتشير دراسة التقيم للحزب الشيوعي العراقي في الكفاح المسلح
لسنوات 1979 الى 1988 الى ( كانت قوات الانصار تدعم القوات
الحكومية ضد الحركة الكردية المسلحة كجزء من سياسة الحزب في
تعزيز التحالف مع البعث وردا على الحملات المعادية للشيوعية
التي استهدفت سحق منظمات الحزب في كردستان ). وبالفعل منعت
منظمات الحزب العمل في مناطق كردستان .وجرى أعتقال وأغتيال بعض
كوادر الحزب في أربيل وسليمانية وغيرها .
كما ذكرت , أستطاع النظام أن يفرق بين الحلفاء بطريقة أستفراده
بكل حزب ومن منطلق القوة والمصالح ولم يتابع هذان الحزبان
نوايا ومناورات نظام البعث البغيضة في أضعافهم وهذا ماحدث
بالفعل فبعد قيام الجبهة الوطنية عام 1973مع الحزب الشيوعي
العراقي , أستطاع أن يعقد أتفاقية الجزائر أذار1975 مع الجارة
أيران ( مع أخفاق ثورة أيلول وانهيارها في شهر أذار 1975 ,
كشف البعثيون عن وجوههم أكثر فأكثر , فتمزقت الاقنعة عن معظم
الاهداف والنزعات المخفية , وقد لاحت المؤامرات والمخططات
الشوفينية ونوازع الحقد والكراهية ومعاداة الامة الكوردية
والديمقراطية كالبدر شاخصاً
...
) .
بالفعل أستطاع
البعث أن ينفذ مخططه بخبث سياسي دنيئ أوحى للاخرين من السياسين
وفي بدية انقلابه في العراق أو العالم بأنه يريد أن يغيرمن
أسلوبه وعليه يرجع الى السلطة بثوب أخر .
ويوضح الرفيق توما توماس عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي
العراقي في مذكراته (16 ) التي نشرها موقع الناس الاكتروني (لم
يكن انضمام حزبنا للجبهة ليعني الوقوف ضد الحركة الكردية
والحزب الديمقراطي الكردستاني على الاطلاق ... وكان الحزب
يرتبط خلال سنوات طويلة بعلاقات مميزة مع الحركة الكردية ...
ومع ذلك وأقولها للتأريخ بأننا لو خيرنا بين الحركة المسلحة
والبعث لكنا نختار وبوعي صف الحركة الكردية والحزب الديمقراطي
الكردستاني من منطلق حل المسألة الكردية وفق قناعاتنا التي
تكونت خلال سنوات غير قليلة من النضال ) .
وهكذا أنتهت الحركة الكردية أثر أتفاق صدام حسين مع شاه أيران
حيث تنازل عن نصف مياه شط العرب الى أيران مقابل وقف المساعدات
الايرانية الى الثورة الكردية.
مسيرة الجبهة الوطنية
الحديث طويل عن علاقة الحزب الشيوعي العراقي مع نظام البعث
أيام الجبهة الوطنية والقومية التقدمية , فقد تحدثت وثائق
الحزب عن تلك الفترة بشئ من الوضوح والانتقاد من خلال
المؤتمرات التي عقدها الحزب أو الدراسات المختلفة التي قدمها
الى أعضائه وأصدقائه والى جميع أبناء الشعب .
يشير تقيم تجربة الحزب الذي أقره المؤتمر الرابع 10 – 15 تشرين
الثاني 1985للسنوات 1968 الى ( لقد كان قيام الجبهة بأتفاق
فوقي لم يستند او يعزز بقاعدة متينة من التلاحم النضالي
المشترك وان صيغة الميثاق الوطني كانت تعكس توازن القوى
السياسية في تلك الفترة الذي مال الى جانب حزب البعث بسبب
وجوده في السلطة وقيامه بخطوات تقدمية رغم بقاء صفته الثابتة
في معاداة الديمقراطية وخوفه من تنامي نفوذ الحزب الشيوعي)
.
خرج المؤتمر الثالث للحزب 1976 في رفعة شعارات جديدة " العمل
سوية صوب الاشتراكية " دون التدقيق في نوايا البعث وسلطته حيث
كانت مخابراته واجهزة الامن تراقب كل تحركات عناصر الحزب
وأعضائه ومشاركاته المختلفه .( وأستغلت اجهزة الامن الحكومية
حالة الرخاوة هذه في الحزب الشيوعي العراقي لتدس بعض عناصرها
في صفوف المنظمات الحزبية الشيوعية ...)
.
وكالعادة صيغ تقرير سكرتير الحزب عن الانتصارات التي تحققت
أبان الفترة السابقة على الصعيد الدولي والعربي والمحلي , وجرى
التأكيد على العلاقة التحالفية ومهمة أنجاز ميثاق العمل الوطني
والتي يجب أن تطبق خلال 5 خمسة سنوات بعد أعلان الجبهة الوطنية
وحل مجلس قيادة الثورة وغيرها من القرارات والقوانين التي يجب
أن تصدر .
ويشير عزيز سباهي في كتابة عقود من تاريخ الحزب الشيوعي
العراقي الى ( لقد أنطلقت تقديرات الحزب الشيوعي للعمل الجبهوي
, وافاق تطوره من أن طبيعة الجبهة ذاتها بوصفها تحالفاً يمتلك
كل الامكانيات لتنفيذ برنامجها التقدمي المعادي للتطور
الراسمالي , والى تاثير طابع العصر , عصر الانتقال من
الرأسمالية الى الاشتراكية بمقياس عالمي).
ويضيف الكاتب ( ولم يتوقف المؤتمر جديا عند طبيعة الحزب الحليف
. ولم تعمل قيادة الحزب على دراسة طبيعة الحزب الحليف بعمق
ومتابعة مايطرأ عليها وأكتفت بترديد المسلمات النظرية بشأن
الطبيعة المزدوجة لاي حزب برجوازي صغير . ....لقد كان حزب
البعث الحاكم يتحول يومها من حزب برجوازي صغير يميني وقومي
شوفيني , الى حزب يمثل البرجوازية الطفيلية والبيروقراطية لا
في ايدلوجيته وحدها وانما في تكوينه أيضا . وكانت هذه الفئات
تنمو في المجتمع وبين صفوفه بسرعة كبيرة وتفرض نظرتها وطبيعتها
ومصالحها على المجتمع والدولة والحزب الحاكم وتستخدم الدولة
وأمكانياتها الفنية والمالية والمادية وسلطتها عامة الى أداة
لتسريع النمو الراسمالي في البلاد . وكان لابد والحال هذه , ان
ينحل عقد التحالف , عاجلا أم اجلا , ويتحول الى خصومة وتصادم ,
شاء دعاة هذا التحالف أم أبو
) .
لقد
أصدر حزب البعث قوانين وقرارات كثيرة تحرم على الحزب الشيوعي
العمل في مرافق عديدة ومنها العمل في الجيش والقوات المسلحة
وكان لدى الحزب الالاف من الشيوعيين المجندين الزاميا في الجيش
من دون تنظيم خاص بهم ( كما يشير تقرير المؤتمر الرابع ص 57
تشرين ثاني 1985 ) , و أعتقل العديد من أعضاء الحزب وأصدقائهم
وصدرت بحقهم أحكام الاعدام , وهكذا أعدم 31 من هؤلاء بحجة
العمل على التنظيم في الجيش حيث تم أعدامهم في 18 و19 ايار من
عام 1978 و27 و28 و29 أيار من نفس السنة, برغم كل التدخلات من
الدول الصديقة الشيوعية , الا أنهم أعتبروها تدخلا في شؤون
العراق .
وهكذا حجم حزب البعث وسلطته الحزب الشيوعي في جميع مرافق العمل
السياسي والحزبي والتنظيم العسكري في القوات المسلحة , فقد
حصرقبول المتطوع في الاماكن المهمة ودورات الضباط على البعثيين
والاقرباء وأبناء المدينة والقرية, وعمل على تثقيف الجيش
العراقي بأيديولوجية البعث والقومية العربية وأبعد مداولة
الكتب الغير بعثية من شيوعية ووطنية وديمقراطية . وأستطاع كسب
الجيش بطريقة الاغراء وقوة السلطة , وفي نفس الوقت أبعاد أي
عسكري من القوات المسلحة يشك في ولائه للبعث والسلطة , وهكذا
سيطر البعث على أهم مؤسسة في العراق لانها القوة الاساسية في
أستمراره في الحكم , وهذا كان مخطط له منذ زمن بعيد .
وللاسف الشديد أن قيادة الحزب بذلت في حينه جهودا مضنية في
سبيل الحفاظ على الجبهة و كانما هي
غير
معنية بما يحدث من تعسف من قبل السلطة والاستحواذ على كل شيئ
في الدولة .
ولهذا وافقت قيادة الحزب على حل المنظمات الديمقراطية (أتحاد
الطلبة العام في الجمهورية العراقية ورابطة المرأة في العراق و
أتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي ) .
وبدات الهجمة الشرسة من قبل اجهزة الامن على منظمات الحزب من
الملاحقات و الاعتقال والسجن , وهذا ما أشار له أجتماع اللجنة
المركزية في بداية أذار 1978 .
وبدات من المحافظات الجنوبية أي من البصرة والناصرية وغيرها
وأنتقل أعضاء الحزب وأصدقاءهم الى بغداد والى مدن اخرى وأعتقل
كثير منهم واودع السجن أو أعطاء (البراءه ) من العمل السياسي
على ضوء قرار 200 السيئ الصيت , وقد أدى التأخير في أخذ قرار
حاسم أتجاه هذا الوضع الى خسارة العديد من الرفاق بين الاعتقال
والسجن والهروب الى مصير غير معروف وتفككت المنظمات الحزبية
وأصبح الحزب في وضع غاية في الصعوبة .
ويشير فاتح رسول عضو اللجنة المركزية للحزب انذاك في كتابه الى
ما يلي: ( أخذت الحملات والضربات الموجهة لتنظيمات ح .ش . ع .
مدى أوسع فالنظام الفاشي وسع نطاق حمتله الشعواء من خلال تدمير
وتصفية المناطق التنظيمية واحدة تلو الاخرى , ابتداء من محافظة
البصرة حيث يساق يومياً مئات من الرفاق والمؤيدين الى دوائر
الامن والاستخبارات ومقرات البعث وجميع المنظات التابعة له ,
وكانوا يتعرضون الى أبشع أساليب وأشكال التعذيب الجسدي والنفسي
, طالبين منهم افشاء الاسرار الحزبية والتخلي عن العمل السياسي
مع الحزب الشيوعي , والتوقيع على تعهد بعدم العودة مرة أخرى
الى الحياة الحزبية , بأستثناء البعث العراقي ! وقد صفيت
تنظيمات حزبنا في وسط العراق وجنوبه خلال فترة قصيرة ووصلت
الحملة الى بغداد , ففي صبيحة يوم 12 / 11 /1978 شن هجوم وحشي
مفاجئ على عدد من الرفاق المعروفين والضباط القدامى , أصبحوا
خلال فترة من الزمن في أعداد المفقودين,وفتحت التحقيقات
الامنية في جميع المدارس والكليات والمعامل والنوادي والدوائر
الحكومية والنقابات ومقرات حزب البعث ....
)
ويضيف في مكان أخر بأنه أستلم رسالة من الحزب عن طريق الرفيق
أسعد خضر جاء فيها: ( وصلت حملة النظام الى بغداد , كونوا
حذرين , افعلوا مافي امكانياتكم لصيانة أنفسكم وتنظيمات
الاقليم كافة ...) .
لقد وضع النظام الدكتاتوري خطة للقضاء على الحزب منذ توقيع
بيان الجبهة تموز 1973,
وتشير دراسة الحزب في تقيمها ( لقد أشتدت مطالبة المنظمات
ورفاق الحزب بأتخاذ الاجراءات الضرورية لتهيئة الحزب للانتقال
الى اشكال اخرى من التنظيم ولكن هذه المطالبة كانت تقابل
بالاهمال من قيادة الحزب , وحتى عندما بدأ الحزب بأتخاذ
التدابير في النصف الثاني من عام 1978 لم تكن بالمستوى المطلوب
, وكان يرافقها التأكيد على التريث وعدم التطير الذي كان من
حيث محتوه لا يعني الا ضعف اليقضة الامر الذي ادى الى تعميق
الضربات الموجهة الى المنظمات الحزبية
) .
وأزاء المتغيرات السريعة والمواقف المتردية للنظام , كان لابد
للحزب أن يغير سياسته بعد أن بلغت الامور أكثر ماتحتمل , ولكي
يكون تصورنا واضحا في التغير الذي طرأ على سياسة الحزب بدرجة
سريعة بين الجبهة والتحالف مع حزب البعث الحاكم وسلطته وسياسته
الجديدة التي تطالب بالتغير الكلي في نهج النظام وانهاء كل
ممارسات الدكتاتورية وأساليبها القمعية .
(
وخلال السنوات الاخيرة من عمر الجبهة تفاقمت التجاوزات التي
كان يمارسها البعث في العمل الجبهوي والتي تستند الى هيمنته
على السلطة بلا منازع , والى عدم تطبيق بنود ميثاق الجبهة في
مايتعلق بالديمقراطية السياسية , سواء باقامة المؤسسات
الدستورية على أسس ديمقراطية , أو بتحقيق الحريات الديمقراطية
, والى التدهور التي شهدته سياسته العامة ليصبح المتحكم
بالجبهة .
وقد
أدى مجمل النهج الرجعي للحكم في مختلف الميادين الاقتصادية
والساسية ففضلا عن ايديولوجية العداء للشيوعية المتأصلة لدى
قادة البعث في العراق , الى تصعيد حملات القمع الدموي ضد الحزب
الشيوعي , الامر الذي أدى الى تخريب الجبهة الوطنية وانهيار
الائتلاف السياسي عام 1978, هذا الائتلاف الذي بقي دائماً
ائتلافاً فوقياً عاجزاً عن تعبئة الجماهير وتنظيمها في النضال
لانجاز مهمات الجبهة
)
.
وهكذا تفككت المنظمات الحزبية وأنتقلت القيادة الى دول مختلفة
ومن بقي فهو يعيش ظروف العمل السري , بل أن السلطة تغض النظر
عنها لانها تريد أن تضع فجوة بين القيادة والقاعدة خاصة وأن
الهجمة بدأت بالاعضاء والاصدقاء والكوادر المتوسطة .
ولم
تستطع قيادة الحزب أن تتخذ القرار الصائب وكما يشير تقيم الحزب
( 1968 – 1979 ) الى صياغة وقف التدهور التي بقيت مترددة في
العمل الجدي لانقاذ الحزب والرفاق وبالتالي هيبة الحزب ( ومع
ذلك كان التردد طابع سياسة الحزب في الفترة 1978 – 1979 , فمن
منظور الحرص على الجبهة , لم يسحب ممثليه في الوزارة , بعد
حملة الاعدمات .. وتردد في تنظيم حملة تضامنية فعالة , وواصلت
صحافة الحزبنا الصدور , دون الاشارة الى الارهاب الموجه ضد
الشيوعيين بشكل صريح وفعال .. وعندما صاغت اللجنة المركزية
شعار ـ وقف التدهور في أواخر حزيران 1978 , لم يكن هنالك فهم
موحد لهذا الشعار والاساليب الواجب اتباعها, وتغلب في التطبيق
تفسير وقف التدهور بالتراجع من جانب الحزب وعدم استفزاز
السلطة, واتسمت خطواته بطابع التردد ..) .
وبعد الحملة الهمجية على الحزب والتي نكلت بأعضاء الحزب
وأصدقائه تطالب السلطة من الحزب الاعتذار على بيان أذار 1978
الذي طالب فيه وقف الحملة القمعية المعادية للديمقراطية وسياسة
التبعيث والتعريب ... ألخ
ويرى تقيم الحركة الانصارية التابعة للحزب الى (وقد تبين من
الوثائق الامنية التي حصل عليها الحزب بعد انتفاضة أذار 1991
أن الخطط والاجراءات الامنية والسياسية للقضاء على الحزب وضعت
منتصف السبعينات
) .
وكانت منظمات الحزب تبعث بتقارير يومية تتحدث عن أجراءات
السلطة ضد أعضاء الحزب وملاحقات قوى الامن المتكررة بل اليومي
مما أدى في الاخير بقيادة الحزب أن تغير في موقفها .
(
وأصرت قيادة الحزب على رفض أي حوار مادامت الحملة القمعية
مستمرة , ومالم تعتذر قيادة البعث علناً عن الاعدامات وتعلن
اعادة الاعتبار للشهداء رسميا ......... وغدا التفاهم بين
الحزبين مستحيلا لآن حزبنا لم يعد قادرا على العودة الى سياسة
التحالف مع البعث بالشروط السابقة
)
.
لقد
خرج الالاف من الرفاق والاصدقاء الى مختلف بلدان العالم ومنها
البلدان الاشتراكية , وأصبح الوضع مأساويا الى درجة أن البعض
منهم سلم للامر الواقع لعدم وجود موقف واضح وصريح من قيادة
الحزب والتي تتحمل المسؤولية الكبيرة تجاه الرفاق والاصدقاء
وأبناء شعبنا .
(أن الارتداد في النهج السياسي والاجتماعي لحزب البعث في
العراق , وأصراره على تخريب التحالف مع حزبنا ومحاولة تصفيته
,وتصعيد أساليب القمع الفاشي ضد جماهير الشعب وقواه الوطنية
واندفاعه في طريق التعاون مع الرجعية والامبريالية , قد خلق
وضعاً جديدا درسته اللجنة المركزية لحزبنا في أواسط 1979 وصاغت
على أساسه سياسة الحزب في الانتقال الى معارضة النظام والدعوة
الى الاطاحة به . وقد أسفر هذا التدهور في نهج الحكم عن شن
الحرب العدوانية ضد الجارة أيران في أواخر 1980 التي أقترنت
بمزيد من التدهور في نهج الحكم على سائر الميادين
..).
وماكان لاجراءات السلطة القمعية المستمرة غير نتيجة واحدة وهي
أنهاء أي علاقة مع الحزب الشيوعي العراقي لكي ينفرد النظام
بالسلطة وبالتالي بالقرارات والقوانين وما نتج عنها من أضرار
على الشعب العراقي وسلامة العراق وحدوده والتي ظهرت نتائجها
بعد قيامه بالحرب المشؤمة مع الجارة أيران , ونتائجها الكارثية
على العراق و المنطقة ككل .
وكان ولابد للحزب أن يتخذ الموقف السريع لكي ينقذ وضع الحزب
وأعلاء هيبته التي أراد النظام تنكيسها , وأنهاء الحزب
كذلك .
(في أجتماع تموز 1979 قررت اللجنة المركزية تقديم شعار انهاء
الدكتاتورية واقامة حكومة ديمقراطية ائتلافية تحقق الديمقراطية
للعراق والحكم الذاتي الحقيقي لكردستان , وكان في الحقيقة
تعبيرا عن الدعوة لاسقاط حكم البعث ) , وهكذا تحول الحزب نحو
تنفيذ هذه السياسة من خلال التواجد في مناطق جبلية نائية يعيد
فيها هيبة الحزب وتنظيمه ويحافظ على بقية التنظيم والرفاق
والاصدقاء الذين لم يعتقلوا من قبل جلاوزة النظام وأجهزته
الامنية .
(في ظل هذه الاجواء برزت فكرت اللجوء الى العمل الانصاري
المسلح في كردستان ومن اجل حماية الكادر والاعضاء وابعادهم عن
غدر اجهزة النظام وانطلقت هذه الافكار من التقدير بأستحالة
بقاء اعضاء كادر الحزب القيادي وجمهرة واسعة من الاعضاء في
المدن دون التعرض لخطرالتصفيةالجسدية أو السياسية ) .
ومن أجل العمل على ذلك بدا الحزب التباحث مع القوى التي تعادي
النظام الدكتاتوري والتي تتخذ من تلك المناطق الجبلية في شمال
العراق أي كردستان وهما الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب
الديمقراطي الكردستاني , حيث مكان عملهما و نضالها أضافة الى
تهيئة المستلزمات الضروية لهذا النضال الشاق والصعب والمكلف في
كل شيئ .
وبالفعل هياُت أعضاء الحزب الذين يعيشون في مناطق كردستان الى
هذه المهمة الكبيرة والتي بدءتها لجنة هندرين في الاقليم لهذا
الغرض .
ويذكر تقيم الحركة الانصارية الى ( كما جرت الموافقة من المكتب
السياسي في وقت متأخر – تشرين الاول 1978 ــ بعد أتخاذ الخطوات
الاولية على الانتقال الفعلي الى المواقع الانصارية وكان قد
بقي من (م. س .) ويعني المكتب السياسي ـ في الداخل ثلاثة فقط
, وظهرت مبادرات فردية وجماعية من بعض الرفاق للالتحاق ببعض
المواقع الانصارية وكان لها دور كبير في دعم الوجهة اللاحقة
) .
ولابد أن نسأل ماذا عمل الحزب و ماهي الاجراءات التي أتخذها في
تهيئة هذه المستلزمات الاولية البسيطة .
أن
عمل الحزب وصعوده الى الجبل كان مبادرة من قبل بعض الرفاق اذا
كانوا في القيادة أو القاعدة ومنهم من كان ضد الجبهة أساسا عام
1973 مع النظام , ولهذا كان حمل السلاح ضد هذا النظام البغيض
هو عين الانتصار لرفضهم السابق الذي طرحوه في التنظيم الحزبي
وخاصة من هم يعيشون في تلك المناطق .
يقول فاتح رسول في كتابه صفحات من تأريخ الشعب الكوردي (لا
يخفى على جميع منظمات الحزب وأصدقائها ومؤيديها بأن التراجع
والهروب والتوجه الى المناطق الجبلية واللجوء الى الكفاح
المسلح العصيب وحرب العصابات , لم يبدأ على أساس التحليل
العميق بل بسبب الهجوم الوحشي للنظام البعثي في بغداد
واعتداءاتهم على الحزب فرضت هذا النهج الجديد , لم يبق خيار
أمام الحزب ,اما هذه الانتفاضة والمواجهة وأما الخضوع والخنوع
, لو لم يختر طريق المقاومة لكان هذا مذلة وموتاً وأعتبر أكبر
خطأ , ويبقى في الذاكرة الى أمد طويل جداً
) .
والامر الاخر أن الحزب لم يهيئ هذه المستلزمات أكثر من
المباحثات مع هذين الحزبين بالتواجد في تلك المناطق في سوران
أو بهدينان . ولكن لابد للحزب أن يأخذ موقف عملي أجرائي وسريع
.فقد قرر أرسال مجاميع من أعضاء الحزب المتدربين الى كردستان .
(
توجهت المجموعات الانصارية الاولى الى الجبل وهي تفتقر المال
والسلاح وتعاني الارتباك والبلبلة وعدم الثقة في القيادة الا
أن المستلزمات المادية سرعان ما أمكن تأمينها بفضل المساعدة
الاممية ودعم المقاومة الفلسطينية والاوساط العربية والتقدمية
والروح الجهادية ونكران الذات للرفاق الاوائل
) .
وهكذا بدا الحزب مرحلة جديدة من نضاله الطويل والشاق في
كردستان العراق حيث بدا في تجميع أعضائه من داخل العراق وخارجه
, حيث عمل دورات عسكرية وذلك بالتنسيق مع المقاومة الفلسطينية
بفصائلها المختلفة ومنها حركة فتح بقيادة ياسر عرفات والجبهة
الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبش والجبهة الديمقراطية
بقيادة نايف حواتمه .
حيث
أبدت هذه الفصائل مساعدتها لحركة الحزب الشيوعي الانصارية
ماديا ومعنويا وتسليحيا وهذا مايؤكده صالح دكله في كتابه من
الذاكرة ( سيرة حياة ) , ويضيف ...
(
واصلنا نحن في حزب العمل في اصدار الصحيفة والبيانات وفي
مساعدة الحزب عن طريق بهاء الدين نوري وارا خاجادور بتزويده
بالمساعدات الضرورية من اسلحة واجهزة كنت أحصل عليها بحكم
علاقتي بالجبهة الشعبية وبما في ذلك المال . وعندما أفتتحت أول
قاعدة عسكرية للشيوعيين على الحدود العراقية التركية , كنت من
أول من اوصل اليهم وجبة من السلاح . وقد رافقني في هذه الرحلة
التي جمعنا فيها بعض قطع السلاح والمسدسات والقنابل اليدوية
وحملناها مخبأة في سيارة المرسيدس التي اشتريناها لهذا الغرض
مع الرفيق ابراهيم الحريري وقطعنا بالسيارة التي انطلقنا بها
من بيروت الاراضي السورية والاراضي التركية حتى دخلنا بعض
الاراضي العراقية الحدودية حيث افرغنا الشحنة وعدنا الى بيروت
) .
تركيبة النظام الدكتاتوري
يعتبر النظام العراقي والمتمثل بحزب البعث من أسوء الانظمة في
العالم من خلال مايحمله من فكر وممارسة والتي كرسها خلال حكمه
لفترات مختلفة من تأريخ العراق المعاصر , وفترة مجيئ البعث عام
1968 توضح التعامل السيئ للسلطة ضد الشعب العراقي من أعتقال
وأرهاب وأعدام خلال الثلاثين سنة الماضية .
وتكون النظام من أبناء العشائر الذين التحقوا بالمؤسسة
العسكرية وأجهزة الدولة والقوات المسلحة والمخابرات و تدرجوا
الى مراتب معينة وأصبحت لهم ادواراً مهمة في هذه المؤسسات وزاد
ذلك في أنضمام أبناء المدينة والمنطقة وحتى المذهب وأصبحوا
القاعدة للحزب والسلطة .
ومع
التنمية الانفجارية وتزايد العوائد المالية من جراء الثروة
النفطية , قد ظهرت مجموعة من الوسطاء والمرتشين وأصحاب
العقارات والمقاولات وكونت طبقة من البرجوازين والبيرقراطيين .
ويشير ( تقيم تجربة الحزب الشيوعي العراقي النضالية للسنوات
1968 الى 1979 الى – وقد أدى تنامي دور الدولة الاقتصادي
والاجتماعي الى تضخيم شديد في أجهزة الدولة والى توسيع كبيرفي
قاعدة البرجوازية البيروقراطية , والى هيمنتها على النشاط
الاقتصادي وتحكمها بالايرادات المالية الكبيرة , كما قاد الى
تضخم في شريحتها العليا .
وعملت الشركات الرأسمالية الاجنبية على تكوين علاقات وطيدة مع
قطاع المقاولات المحلي والمنتفعين من سلطة الدولة , الامر الذي
أدى الى تحول فئة من رجال الحزب الحاكم واعوانه والعديد من
كبار موظفي الدولة ومدراء شركات قطاع الدولة الى طغمة من كبار
الرأسماليين جراء العمولات التي يستلمونها من الشركات الاجنبية
لقاء التلاعب بالعطاءات أو تسهيل التعاقد على المشاريع .
وهكذا نمت وترعرعت فئة واسعة من البرجوازية البيرقراطية في
احضان قطاع الدولة وبالارتباط الوثيق مع الرأسمال الاجنبي وشهد
العراق لاول مرة عددا من أصحاب الملايين الذين كونوا الى جانب
الفئات الاخرى من البرجوازية والبرجوازية الصغيرة في المدينة
والريف القاعدة الاجتماعية للحزب الحاكم وسلطته الطبقية التي
تحولت الى سلطة البرجوازية البيرقراطية والطفيلية المرتبطة
بالدولة والشركات الرأسمالية الاحتكارية
) .
ومن
هنا لا يمكن أن يتعامل حزب البعث بسلطته وبهذه القاعدة العريضة
من هذه الفئات مع أفكار الحزب الشيوعي العرقي في بناء القطاع
العام وتهيئة الطبقة العاملة وتطوير أمكانياتها وتطوير االقطاع
الصناعي والزراعي ودعم فقراء الفلاحين والكادحين وبالتالي بناء
الاشتراكية وغيرها .
(
وقد ادى مجمل النهج الرجعي للحكم في مختلف الميادين الاقتصادية
والسياسية , فضلا عن ايديولوجية العداء للشيوعية المتأصلة لدى
قادة البعث في العراق , الى تصعيد حملات القمع الدموي ضد الحزب
الشيوعي
) . وهكذا أصبح الحزب الشيوعي العراقي يسير بخط يتعارض مع سلطة
البعث ونهجها الارهابي والشوفيني .
وهكذا تبنى النظام الدكتاتوري الدموي نهجا معادي لشعبنا وهذا
ما تجسد في شنه الحرب ضد الجاره أيران والتي أدت الى خسائر
فادحة من أبناء شعبنا ومن مختلف الفئات, والذي سبب تعطيل كامل
لكافة ميادين العمل وسبب تراجعا كبيرا في جميع جوانب الحياة
الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية والفنية .
وتميز النظام الدكتاتوري بنهج ثابت من الممارسات القمعية
الدموية والاغتيالات والاعدامات والقتل والتخويف والاهانة
وأذلال الانسان والحط من قيمته وأصبح المواطن مهان الكرامة لا
يستطيع أن يغير شيئ بل لا يستطيع أن يتحدث مع عائلته خوفا من
أجهزة النظام ومخابراته المتيقضة دائما ضد شعبها . ومن أهم هذه
الميزات :
1-
نظام سلطة الحزب الواحد
2-
نظام دموي ذو أساليب فاشية .
3-
معادي للديمقراطية .
4-معادي لطموحات الشعب الكردي , شوفيني في أفكاره وأساليبه .
5-
ضمت قاعدته الاجتماعية الطفيليين والبرجوازيين البيرقراطيين.
6-
نظام ديماغوجي في ممارساته ( ساوى بين المنظومة الاشتراكية
والامبريالية ).
7-
أتباع سياسة معادية للدول العربية المتحررة ولا سيما سوريا
واليمن الديمقراطية .
8-أستعمال سياسة تبعيث الشعب العراقي في كل مرافق الدولة
الرسمية وشبه الرسمية .
9-
تطبيق سياسة فرض الهيمنة الكاملة فكريا وسياسيا وتنظيميا على
المؤسسات العسكرية , وازالة أي تأثير للقوى السياسية الوطنية
والتقدميـــــة عليها.[105]
الكفاح المسلح
من
المعروف ان هذا الاسلوب يحتاج الكثير من العمل من أجل أسقاط
أنظمة دكتاتورية وخاصة مثل نظام صدام حسين الذي في الوقت نفسه
يخوض حرباً شعواء مع الجارة أيران .
هذا
النظام كان يمتلك الاموال الهائلة من خلال تدفق موارد النفط
ولهذا عمل كل ما بوسعه من أجل تقوية سلطته و ( في سياق هذا
التوجه جرى صرف الاف الملايين من الدنانير على بناء جهاز عسكري
ضخم وتطوير مؤسسات القمع واقامة المشاريع الصناعية الضخمة
ومحاولة التحكم بسياسة الدول العربية والعديد من الدول النامية
. كما كان هذا التوجه في أساس المغامرة العسكرية التي قام بها
النظام في عدوانه على أيران)
ولهذا كان لابد للحزب أن يحسب كل الامور المتعلقة في تجسيد هذا
الاسلوب النضالي الذي أصبح الاسلوب الرئيسي للحزب منذ أجتماع
اللجنة المركزية عام 1981 .
ومن اجل تقديم صورة واضحة عن الكفاح المسلح بقدر الامكان لابد
من تقسيم هذه المرحلة التي أمتدت حوال 9 سنوات من النضال
والعمل المضني والدؤوب حسب توفر الامكانيات ونشاط الحزب
والتغيرات التي طرأت على عمله وظروف النظام الدكتاتوري الحاكم
انذاك , الى عدة مراحل وهي:
أولا فترة التأسيس والبناء ( 1979 –1981 )
ثانيا فترة الاستقرار والتطور ( 1981 ـ 1983 )
ثالثا فترة الانكسار (1983 ـ 1984 )
رابعا فترة الانتعاش ( 1984 ـ 1988 )
خامسا فترة نهاية الكفاح المسلح ( 1988 ـ 1989 )
أولا فترة التأسيس والبناء (1979 ـ 1981)
يذكر تقييم حركة الانصار التابعة للحزب الشيوعي العراقي الى ان
العمل الانصاري (اقتصر, في هذه الفترة على بناء المواقع
الانصارية وتعزيزها وتشكيل مكتب عسكري وتنظيم الانصار
المتواجدين في تشكيلات أنصارية وتدريبهم على السلاح
), وقد أشتمل ذلك الرفاق الذين التحقوا من الداخل نهاية عام
1978 وبداية 1979 حيث كان الغالبية منهم من أبناء المنطقة أي
من كردستان العراق , اما الذين أتو من الخارج فبدأ ذلك منذ
تشرين الاول من عام 1979 ,على دفعات وهم الذين دخلوا دورات
تدريبية في لبنان وسوريا وبأشراف المنظمات الفسلطينية وبالذات
الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بقيادة نايف حواتمه , حيث
تلقوا الدروس النظرية والعملية والمسيرات الطويله حتى مناطق
قريبة من العدو الاسرائيلي، ومكنهم من التعرف على أنواع
الاسلحة الخفيفة والمتوسطة , والاستخبارات والجوانب الامنية
والتوجيهية وظروف الكفاح المسلح ومايتطلبه من عمل اسشهادي في
القضية التي يؤمن بها النصير .
وأستطاع البعض أن يثبت جدارة في الجوانب العسكرية ,وأخرون ممن
خدم في الجيش العراق كانت لديهم معارف أكبر حيث أضيفت لهم
معلومات أنصارية جديدة غير تلك التي تعلموها في الجيش النظامي،
حيث حرب العصابات تعتمد على المباغتة والكروالفر بأعداد قليلة
ولكنها مؤثرة في ساحة عملها العسكري , وهي التي تختار الوقت
المناسب بمعنى الزمان والمكان المناسبين... الخ .
يعتبرهذا الطريق الصعب وهذا الاسلوب النضالي ذوقيمة فعلية
ومعنوية كبيرة جدا لوقيست بظروف الحزب أنذاك , خاصة بالنسبة
للذين لايجدون مواصلة الجبهة أو العمل مع حزب البعث الفاشي
وأساليبه التي نكل بالحزب وقلل من هيبته أمام الرفاق والشعب
وأصدقائه .
وعليه كان لابد للحزب أن يحسب الامور بشكل دقيق لهذا الاسلوب
,ومن هذه الامور أو القضايا التي يجب أن يحسب لها وليس على شكل
ردود فعل وبظرف زمني قصير هي:
أولا ـ مدى قبول هذا الاسلوب النضالي من قبل أعضاء الحزب
ومناصريه .
ثانيا ـ الوضع الجغرافي أي طوبغرافية المنطقة وقدرة الحزب
ورفاقه على التكيف عليها , وتأثيرها على أسلوب الحياة ..
ثالثا ــ القواعد الثابته والمتحركة والمفارز المختلفة ..
رابعا ــ العلاقة مع الجماهير وخاصة أن أبناء المنطقة الذين
يتحدثون بلغة أخرى حيث ان نسبة 70% من الانصار كانوا لا
يستطيعوا التحدث بها ، ومدى قبول الطرف الاخر بهؤلاء الانصار .
خامسا ــ قبول الاحزاب الاخرى المتواجدة في المنطقة (الحزب
الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني ) وتضارب مصالحهم مع
الحزب الشيوعي العراقي، حيث كل حزب منهم يمثل مصالح فئة أو
طبقة معينة .
سادسا ـ أمكانية تجهيز الحركة الانصارية بالوسائل الضرورية
للحياة ومنها الملابس و السلاح والتموين وأمور أخرى .
سابعا ـ كيفية ابعاد الحركة الانصارية عن أساليب النظام
التخريبية في الاندساس والعمل على تخريب العلاقة بين فصائل
الانصار والقوى الاخرى أو بسبب التواجد في المنطقة الكردية
بتخريبها للعلاقات مع جماهير المنطقة .
هذه الامور وغيرها كان الحزب يحتاجها ويأخذها بنظر الاعتبار
قبل عمل أي شيئ , فهل أستطعنا أن نهيئ جزء منها أو كلها لكي
نستطيع مواصلة هذا النضال أمام نظام دكتاتوري لديه كل
الامكانيات التسليحية والمادية والبشرية ؟ أم ماذا كان يدور في
خلد الحزب ككل في هذا التواجد الذي أستمر حتى عام 1988 , أي في
وقت أنتهاء الحرب العراقية الايرانية التي كان الكثير من
الاحزاب المتواجدة معنا في كردستان العراق تذكر أن النظام
العراقي عندما تنتهي الحرب مع أيران سوف يتحول الى محاربة
قواتنا في كردستان وبالفعل هذا ماحدث والبعض من تلك القوى كان
لايريد ان تنتهي هذه الحرب , ولكن الحزب كانت لديه رؤية أخرى ,
وهذه مسؤوليته الاخلاقية والسياسية ,أن يرفع شعار أنهاء الحرب
وبكل السبل لانها تحرق أبناء شعبنا وليس النظام نفسه وهذا
ماجرى , فالنظام بعد انتهاء الحرب مع ايران أصبح أقوى وخسر
شعبنا العراقي مايقدر بمليون من القتلى والجرحى والمفقودين
وأصبحت كثير من العوائل بدون معيل حيث ترملت الالاف من النساء
, واصبح العراق بلد لالاف المعوقين والايتام , أضافة الى وضع
معاشي وأقتصادي وأجتماعي سيئ للغاية في بلد النفط .
لقد
تكونت ثلاث مراكز أنصارية في مناطق مختلفة من كردستان العراق
هي :
-
قاعدة حلبجة لقيادة منطقة هورامان والسليمانية والتي تأسست
أذار عام 1979 .
-
قاعدة بهدينان لقيادة منطقة دهوك والموصل وتأسست في 4 تشرين
الاول عام 1979 .
-
قاعدة ناوزنك والتي نشأت في بداية عام 1979 حيث كانت مقر
قيادة الحزب , أضافة الى المكتب العسكري والاقليم والاعلام
والعلاقات ... الخ .أضافة الى مقرات أخرى تابعة الى هذه
القواطع ومنها قاعدة كوستا التابعة الى قاطع أربيل .
لقد تميزت الحركة الانصارية للحزب بالتحاق أعضاء الحزب فقط
وبعض الاصدقاء ومن كلا الجنسين الذين كانوا محسوبين على الحزب
وهم من مختلف القوميات ومن الجنوب حتى الشمال. ولم يلتحق
بالحركة في بدايتها من أبناء المنطقة
أي
في عام 1979 وعام 1980 , حيث كانت هناك عوامل كثيرة أثرت في
هذا الجانب ومنها اللغة وتواجد الاحزاب الاخرى ومن هم أعداء
الحزب من الاغوات والاقطاعيين الذين لايريدون للحزب التواجد في
مناطقهم وكذلك مساعى النظام التخريبية في هذا المجال أضافة الى
الجانب الاعلامي المضاد. كل هذه وغيرها كان لها تأثيرها على أن
يناضل الحزب بمفرده فقط , هذا لايعني عدم التحاق ابناء المنطقة
بالحزب , ولكنه لم يكن بالمستوى المنتظر, وبعضهم ترك الحزب
بسبب أرتباط مصالح أوخوف, وهذا ماثبت بعد عام 1991 حيث الكثير
من أبناء المنطقة الذين كانوا معنا في فترة الكفاح المسلح
التحق بالحزب الديمقراطي الكردستاني أو الاتحاد الوطني
الكردستاني وأستلموا بعض المسؤوليات ولم يبق الا من ارتبط
روحيا وفكريا مع الحزب والمبادئ التي أستوعب تاثيرها ومداها .
وتميزت الحركة الانصارية في البداية بقدرات بسيطة وبسلاح خفيف
وأنصار لم تكن لديهم معرفة مسبقة بالمنطقة وبالمستوى الجيد،
وبالذات في بداية الكفاح المسلح وخاصة في منطقة بهدينان , اذا
كان أغلبهم من أبناء المناطق الجنوبية وبغداد من العراق الذين
لم يعرفوا الجبل بشكل كاف اضافة الى صعوبات الحياة الاخرى.
وبرزت بعض المشاكل ومنها تململ البعض من التواجد في هذه
المناطق النائية من العراق والعالم فكيف يمكن خوض الكفاح
المسلح ومع من؟ وكيف سنصل العدو ومعاقله؟... الخ , هذا ماكان
يطرحه البعض خاصة عندما تزداد أعداد الانصار وبالذات منذ عا م
1980 والسؤال الذي كان يطرح: لماذا نحن هنا ؟
كانت فكرة الحزب تقوم على تجميع الرفاق والبدء بعملية البناء
أي بناء مقرات للحزب في الشريط الحدودي بين العراق وتركيا أو
بين العراق وأيران . وهي الفترة الاولى التي يستعمل فيها تكتيك
معين يتناسب مع الامكانيات المتوفرة التي تتيح لها صيانة نفسها
, أضافة الى العمل الدعائي والاتصال مع جماهير المنطقة
لتعريفهم بسياسة الحزب بعد أنسحابه من الجبهة مع النظام
الدكتاتوري .
وجرى تقسيم وتنظيم الانصار في سرايا وفصائل وحضائر عسكريا
وتنظيميا ( حزبية ) برغم أن البعض منهم لم يعرف مستواه الحزبي
بل أعتمد على مايقوله أو تزكية من الاخرين المتواجدين من
الرفاق لآن التنظيم خارج منطقة كردستان ترك لكل رفيق ان يتخذ
قراره بنفسه. ولهذا نجد منهم من سافر الى الخارج وعلى مسؤوليته
الخاصة ونفقته الشخصية , لهذا لم يحملوا معهم تراحيل توضح
وضعهم الحزبي .
الامر الاخر هو انه تم ادخال بعض الانصار دورات لغة ودورات
عسكرية بسيطة ومسيرات تحمل وأستطلاع للمنطقة أضافة الى الدروس
النظرية حول العمل الانصاري أو حرب العصابات ومنها تجارب
اليوغسلاف أو اليونانيين أو في فيتنام وأمريكا الاتينية وغيرها
وهي تجارب مفيدة ولكن تضاريس تلك البلدان وظروفها تختلف ,
والتعامل مع الوسط الاجتماعي هو الاخر مختلف وكانت اللغة عائق
كبيروالحياة ذات ظروف قاسية .
ومهما درسنا هذه التجارب لا يمكن أن نطبقها بشكل حرفي أو
نستنسخها في ظروف تختلف وبشكل كلي عن الظروف التي أقيمت فيها
حروب العصابات المختلفة .
ولهذا أعتبرت فترة الرخاء أو البقاء هي فترة تهيئة نفسية
ومعنوية للانصار المتواجدين , أضافة الى عملية التثقيف الذاتي
والجماعي من خلال المحاضرات والدورات العسكرية والحزبية التي
تقوم بها قيادة القاطع المعين وبأشراف مختصين في الجانب النظري
من خريجي الجامعات الحكومية أو الحزبية في الاتحاد السوفيتي
أو البلدان الاشتراكية , وقد ادى هذا التثقيف دوره وبنسب
متفاوتة على الانصار .
من
المذكرات التي حررها الانصار الذين تواجدوا في هذه السنوات
فانهم يشيرون الى أن البداية كانت صعبة جداً ولم تتوفر أبسط
المستلزمات ومنها المادية ,اكثر من مرة استدان المسؤولون من
وجهاء المنطقة الذين يدعمون الحركة الانصارية وكذلك التموين
وبالتالي السلاح الذي كان بسيطا جدا .
في
هذه الفترة توفرت الاسلحة التالية :
·
الاسلحة الخفيفة وقاذفات أربي جي.
·
مدافع هاون عيار 81 و60 وبعض القذائف.
·
سلاح مضاد جوي عيار 500 أمريكي الصنع.
·
أسلحة متوسطة عفاروف وتكتريوف مع الذخائر.
·
أجهزة أتصال بسيطة .
أما
ملابس الانصار فقد كانت تختلف في شكلها وفصالها لان المنطقة
جبلية تحتاج الى ملابس عريضة فتحمل الحزب خياطتها وتجهيزها الى
الانصار أضافة الى الاحذية التي تلائم السير في الجبال
والوديان وظروف الحياة .
وبرغم كل هذه الظروف الصعبة والقاسية، وخاصة في تغذية الانصار
الذين عاشوا على مايتوفر في المناطق الحدودية من المواد
التموينية الغذائية البسيطة ( الرز والفاصوليا والحمص والحليب
والمعجون والدهن والسكر والشاي والبرغل والجوزوالمربى أضافة
الى المادة الرئيسية الطحين ) والتي توفرت ولكن ليس بالشكل
الذي يحتاجه الانصار خاصة في هذه المرحلة .
وفي
الاشهر الاولى للحركة الانصارية كانت هناك مساعدات من قبل
الحزب على هيئة راتب شهري رمزي لاجل شراء الملابس الداخلية أو
السكائر وكانت تتراوح بين ( 2,5 دينار و5 دنانير , و10 دنانير
).
(
لقد أستطاع الحزب بقيادته وكوادره وأعضائه وأنصاره وبجهادية
عالية , تجاوز الضربة العميقة والشاملة التي وجهت له ,
والسيرعلى طريق استعادة بناء منظماته ووحداته المسلحة (
الانصار ) في كردستان العراق , بفضل العمل الدؤوب والمفعم
بنكران الذات من لدن جميع أعضاء الحزب ومؤازريه , واستطاع في
أجتماعات اللجنة المركزية في اعوام 1979 , 1980 , 1981 , 1982
, 1984 , أن يصوغ ويطور سياسته الجديدة القائمة على اسقاط
الدكتاتورية الفاشية واقامة حكومة وطنية ديمقراطية ائتلافية
) .
بالفعل عمل الانصار بكل جهد من أجل بناء الاسس و مستلزمات
الكفاح المسلح بعمل كبير وبطولي حيث بنوا قاعات كبيرة في جميع
ارجاء كردستان حيث حلوا , من السليمانية حتى أربيل ودهوك وشمال
الموصل . وشمل هذا الجانب بناء غرف خاصة للطبابة ومشاجب السلاح
والاعلام والاتصالات والتصوير وغيرها .
و
يشير الكاتب عزيز سباهي في كتابه الى (أن أخطر ما واجه اجتماع
اللجنة المركزية هو البت في مسألة الكفاح المسلح ـ أي أجتماع
اللجنة المركزية عام 1979 ـ فمثلما لاحظنا سابقا ان الاجتماع
السابق قبل عام , لم يحسم هذه المسألة و رغم ان هذا الكفاح قد
بدأ فعلا , وخطا فيه بعض قادة الحزب خطوات ملموسة , وصار
الانصار الشيوعيون يخوضون المعارك , اقر اجتماع برلين مبدأ
التحول الى اسلوب العنف الثوري والكفاح المسلح ,بعد أن لم يعد
بوسع الحزب ان يدافع عن نفسه بالاساليب السلمية وحدها . فالحكم
بحملة الارهاب المتواصلة والمتفاقمة كان يسد فيها منافذ العمل
السلمي امام منظمات الحزب ,وارغامها على ان ترفع السلاح , في
ذات الوقت التي ظلت تستخدم كل الوسائل الاخرى الاعلامية
والسياسية والعمل المباشر مع الجماهير لفضح الدكتاتورية
,وتحريك الشعب ضدها , وتاتي قيمة الاقرار الرسمي بالعمل المسلح
كونه قد أطلق ايدي المنظمات والهيئات الحزبية في كل مكان لدعم
هذا الكفاح والارتقاء به كما ً ونوعاً
) .
محطات لدعم الكفاح المسلح
أستطاعت قيادة الحزب أن تقنع الاحزاب الكردية التي تناضل ضد
النظام الدكتاتوري بالتواجد في كردستان , برغم أن الحزبين (
الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني ) في
طور النشوء والتطور من ناحية أن الاتحاد الوطني تأسس في منتصف
عام 1975 والحزب الديمقراطي أعاد تنظيمه بعد ان شكلت له قيادة
مؤقته بعد أن حل الحزب بعد أتفاقية أذار 1975 , ولم يرجع الحزب
بأسمه الحالي الا بعد المؤتمر التاسع الذي عقد في خريف 1979 .
والجانب الاخر كانت تهيئة أعضاء الحزب وأنصاره من خلال التثقيف
بالعمل الانصاري ومن ثم نقل بعضهم من كثير من الدول الاوربية
الى لبنان وسوريا لتدريبهم على السلاح حيث أن أغلب الذين جائوا
من الخارج الى كردستان دخلوا في دورات تدريبية بأشراف المنظمات
الفلسطنية وبالذات الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين و بنسبة
أقل الجبهة الشعبية وفتح وكذلك في جمهورية اليمن
الديمقراطيــــــة( اليمن الجنوبية ) , ودخل بعض رفاقنا ومنهم
الاطباء معترك العمل والتدريب وقدموا مساعدات كثيرة للمخيمات
الفلسطينية وللفدائيين .
ويرتبط ذلك أيضا بالمساعدات التسليحية التي قدمتها تلك
المنظمات للحزب ومن ثم أرسال السلاح الى كردستان العراق عبر
سوريا , وكانت محطة القامشلي أهم محطة لجميع القوى والاحزاب
العراقية ومنهم الحزب الشيوعي العراقي حيث كانت سوريا سندا
وداعما لنضال الحزب ضد السلطة الدكتاتورية فــي بغداد .
وقد
تدفق السلاح بشكل جيد وأستطاع رفاقنا في قيادة محطة القامشلي
أن ترسل السلاح بأنواعه من خلال مفارز صغيرة وعلى طريقين
الطريق عبر الاراضــــي الحدودية التركية والاراضي الحدودية
العراقية , برغم الصعوبات الجمة التي واجهها رفاق الطريق من
خلال الظروف الطبيعية وعبور الانهر ( الهيزل ودجلة وفيشخابور )
أو الكمائن التركية والعراقية والتي راح ضحيتها العديد من
أعضاء الحزب , حيث مع نقل السلاح يتم نقل الرفاق ومن كلا
الجنسين وبوجبات مختلفة العدد .
وتعتبر محطة القامشلي (الشبه علنية ) أهم محطة لاستمرار أسلوب
النضال الجديد أي داعمة الكفاح المسلح لآن هذه المحطة لم ترسل
فقط السلاح أو المقاتلين الانصار بل الادوية والبريد الحزبي
والصحافة والمبالغ المالية , وتهيئة كل المستلزمات الضرورية
لمواصلة هذا العمل الجبار برغم المراقبة من قبل الاجهزة
الامنية السورية لكل تحركات هذا الكادر القليل العدد الذي يوفر
ويجهز ويهئئ المقاتلين ومتابعة وضعهم بشكل مستمر , وكان
بمساعدة الحزب الشيوعي السوري وبعض الاحزاب الكردية المتواجدة
في القامشلي .
ومدينة القامشلي مدينة حدودية محاذية للعراق تبعد حوالي 135 كم
من مركز المدينة حتى الحدود العراقية السورية .
الجرحى والمرضى والعوائل من الانصار والبيشمه مركه يرسلون الى
الخارج عبر منفذ القامشلي , ويقومون مسؤولي المحطة بكل
الاجراات الفنية لغرض أرسالهم الى البلدان التي يتم التنسيق
معها .
أما
المحطة الثانية ( السرية جداً) فكانت في طهران ,حيث أستطاعت
منظمة طهران للحزب الشيوعي من أن تساعد الحزب في أستقبال
الرفاق عبر مطار طهران ومن ثم دخولهم الى كردستان عبر المناطق
الحدودية الايرانية العراقية .
أضافة الى قيامها في أدخال المرضى الى المستشفيات أو جلب
الادوية و صحافة الحزب الى مواقع الانصار , والتي عمل رفاقها
على قلة عددهم بنشاط منقطع النظير حيث تم نقل العديد من قيادة
الحزب عبر أيران الى افغانستان وبالعكس .وأغلب الانصار يدخلون
الى أيران بأوراق خاصة بأسم أحد الاحزاب الكردية العراقية .
محطتين مهمتين للحزب وطيلة حوالي 8 سنوات تعمل بنسق واحد برغم
الظروف الصعبة التي مرت على العاملين في هاتين المحطتين .
أما
المحطة الغير معلنة فهي المحطة التركية وكانت تعتمد على
الاحزاب والقوى الكردية التركية خاصة في الفترة الاولى من
الكفاح المسلح , والتي ساعدت الحزب في دخول السلاح والانصار
وخروجهم .
الظروف الموضوعية والذاتية
أن ظروف الحزب الذاتية والعوامل الموضوعية لم تتوفر بالقدر
الكافي لحرب الانصار, حيث كانت قاعدة الحزب مشتتة في بقاع
العالم وهناك تردي وأحباط وأنتكاسة عامة , فالنظام الذي يخوض
الحرب كما أسلفنا , قوي بكل شيئ تسليحا وماديا , و دول الجوار
التي لا ترتاح لوجود حزب شيوعي يحمل السلاح في المنطقة خاصة
تركيا وايران , أضافة الى أن القوى العراقية الكردية لم تقتنع
بتواجنا في كردستان وتعتقد أن الظروف عندما تنجلي عن الحزب
سوف يرجع الى النظام , وهذا ماأشار اليه فاتح رسول في كتابه
صفحات من تأريخ كفاح الشعب الكوردي .في حين يسعى الحزب الى
تجميع كافة القوى العراقية من أجل أسقاط النظام الدكتاتوري ,
خاصة وأن الحزب خاض الكفاح المسلح قبل بدأ الحرب العراقية –
الايرانية .
وكما هو معروف فأن نظام البعث بعث بعدة رسائل لغرض رجوع الحزب
الى الجبهة وتوسط في ذلك الحزب الشيوعي اللبناني والكوبي .
ومن
جانب أخر يشير سكرتير الحزب عزيز محمد في لقاء خاص مع مجلة
الثقافة الجديدة عن الظروف الموضوعية والذاتية الى ( ان أزمة
النظام السياسية والاقتصادية والاجتماعية , والتي شملت جميع
ميادين حياة المجتمع العراقي وانتقال كل القوى الوطنية الى
المعارضة والى الكفاح المسلح ,بأعتباره الاسلوب الرئيسي
لنضالها وأتساع هذه المعارضة لتشمل فئات أجتماعية أوسع
فاوسع.... ويطرح السكرتير حول مقومات بقاء النظام , رغم الازمة
المتفاقمة .. ) , ويضيف بأن (سياسة الارهاب والقمع الدموي التي
مارسها ضد قوى المعارضة وجماهير شعبنا العراقي , لكننا نتفق أن
من أسباب بقاء النظام الدكتاتوري هو غياب الجبهة الوطنية
العريضة ..ان الحزب الشيوعي العراقي يرى انطلاقا من مواقفه
الثابته في انتهاج سياسة التحالفات ,أن الظروف الموضوعية ناضجة
تماما لاقامة مثل هذه الجبهة بين القوى المعارضة الوطنية ذات
الوجود الحقيقي
)
.
وأني أخالف بعضا من الرأي كون النظام أستطاع البقاء أكثر من
عشرين عاما بعد هذا اللقاء ولم تؤثر به أي ازمة لابل أنه
استرجع قواه الذاتية بعد نهاية الحرب مع أيران وقام بأحتلال
الكويت في عام 1990 , وأن الموضوعة متشابكة في مجمل أشكالها
وطغت عليها مصالح النظام الدكتاتوري في علاقاته مع جميع الدول
الراسمالية والاشتراكية وعمل على كسب تايدها داخلياً وفي
المحافل الدولية , ونفذ صدام حسين سياسة ديماغوجية في المنطقة
وأستعمل منطق القوة داخليا وخارجيا وخاصة مع الدول الخليجية
لفرض تلك السياسة . أما الظروف الذاتية فهي ليست سهلة , لان
سياسة الحزب مع النظام في زمن الجبهة لم تكن موفقه ولم يوخذ
الموقف الصائب أتجاه ماقام به النظام من أعتقال وتعسف في حق
أعضائه , والتي بطبيعة الحال أثرت على نفسية أعضاء الحزب . (
كما باشر النظام الحاكم في العراق بتنفيذ خطة استهدفت تصفية
الحزب ومحاولة أخراجه من الساحة السياسية , وقد بلغ ضحايا هذه
الحملة ممن أعدموا أو سجنوا أو تعرضوا للاكراه من اعضاء حزبنا
واصدقائه نحو (70 ) الف مواطن
...)
.
فقد غادر الالاف منهم الى الخارج وتوزعوا في البلدان المجاورة
ومنها سوريا ولبنان أضافة الى الدول الاشتراكية وتشتت
التنظيمات , ومنهم من بقي في الداخل مختفياً أو ترك السياسة ,
ولهذا ليس من السهل السيطرة على مثل هذه الاوضاع أو أيصال
قرارات الحزب الجديدة , ولكن الاكثرية من القاعدة كانت تريد رد
الاعتبار للحزب والعمل ضد النظام القائم من اجل أسترجاع هيبة
الحزب بين أبناء شعبنا العراقي وتذكريهم بمواقفه الوطنية
والقومية والاممية المشهودة , ولهذا عملوا أعضاء الحزب
وأصدقائه كل ما بوسعهم من أجل ذلك من خلال مناشدة الحزب في
الرجوع الى مواقع معينة يختارها الحزب للعمل والنضال ضد هذا
النظام المتعجرف .
وقد لبى نداء ذلك النضال البطولي المئات بل الالاف من
المناضلين ومن مختلف الاختصاصات والامكانيات ومن مختلف دول
الشتات والتحقوا بهذه الحركة الناشئة .
ولاول مرة تتكون حركة الانصار من أمكانيات علمية وفنية ومهنية
كبيرة جدا بين أعضاءها ,أضافة الى الادباء والكتاب وبعض
العسكريين من الجيش العراقي النظامي أو من حركة الانصار
للفترات الماضية والذين كان لهم تأثيرا أيجابيا في نقل الخبرة
الميدانية للانصار الجدد والمعرفة وباسلوب حياة الكفاح المسلح
وظروف الواقع الكردستاني بكل تلاوينه .
أن الثورات كما أثبتت التجارب التأريخية وفي جميع البلدان مهما
أختلفت ظروفها , ينبغي الاعتماد فيها بالدرجة الاساسية على
القدرة والامكانيات الذاتية للشعب وقواه الجماهيرية الوطنية
المكافحة وخاصة الجماهير الكادحة ذات المصلحة الحقيقة
للاستمرار الثورة ونجاحها .
أن
الاعتماد على الجماهير الشعبية والكادحة هو الينبوع الذي يفضي
الى تطور حياة الحزب نحو الامام كونه القوة الضامنة التي ترى
فيها الجماهير أملها والملبي لحاجاتها ومتطلباتها .
كردستان العراق
أن منطقة كردستان العراق والتي تتمثل في ثلاث محافظات هي
السليمانية وأربيل ودهوك تعد من أجمل المناطق في العراق من
ناحية أجواءها وجمال سهولها وجبالها ووديانها وانهارها ,
وتعتبر الجبال القريبة من الحدود مع الدول المجاورة تركيا
وأيران جبال عصية وقاسية وشديدة الوعورة وتحوي المنحدرات
الكثيرة والكهوف العديدة .
وقد
عاش الشعب الكردي في القرى الفقيرة الجبلية الممتدة في تلك
المناطق البعيدة والنائية والتي قام الفلاح بزراعتها واستفاد
من الانهار وعيون الماء المنتشرة في كل مكان .أرتفاع جبالها
بين 400 م في منطقة السندي وحوالي 3600 م عند قمة هلكورد في
جبل حصاروست , وتمتد سلسلة الجبال بأتجاه الشرق ( جبل بخير
والجبل الابيض , عقره , بيرمام , هيبت سلطان , سكرمه وقرداغ ..
) . وتمتد بين هذه السلسلة الجبلية مجموعة من السهول والوحدات
التضاريسية العديدة , والسهول الجبلية وتخترقها مجموعة من
الانهار والروافد ومنها ( دجلة , الخابور , الزاب الكبير ,
الزاب الصغير ) . ومناخ الاقليم يعتبر من مناخ البحر المتوسط ,
حيث تنخفض درجة الحرارة في الشتاء الى دون الصفر ودرجة الحرارة
تصل في الصيف الى 40 درجة مئوية . ويختلف طول الخريف والربيع
حسب طول المناطق الجبلية والسهلية .وتزرع في تلك المناطق مختلف
الفواكة والتبوغ والقمح والشعير , أضافة الى الاشجار المثمرة
الاخرى , وتعيش فيها مختلف أنواع الحيوانات من الطيور الى
الخنزير البري .
هذه
المناطق تعتبر من المناطق الامنة بالنسبة للثورة الكردية
والحركة الانصارية والتي لم تستطع الحكومات المتعاقبة القضاء
على الحركة المسلحة فيها بشكل عام .
وقد
أختار الحزب الشيوعي العراقي تلك المنطقة لانصاره خوفا من
ملاحقة أنقلابي 8 شباط 1963 وقوات صدام حسين في الفترة مابعد
عام 1979 .
وقد
عاش الحزب منذ 1963 حتى قيام الجبهة الوطنية القومية التقدمية
1973 في ظروف العمل السري والتواجد في كردستان العراق , وعاش
الحزب فترة 5 سنوات فقط في ظروف طبيعية وبديمقراطية مقننة هي
العلاقة الجبهوية مع حزب البعث الذي يقود السلطة .
وعادت قوات الحركة الانصارية للحزب الى كردستان في عام 1979
وبقيت حتى نهاية 1988حيث خرجت القوات الانصارية مع حلفائها بعد
وقف الحرب مع أيران مباشرةً حيث شنت قوات النظام مع الجحوش
الحرب على مواقعهم والذي أدى الى خروج قواتهم الى دول الجوار
ودول أخرى , ثم عادت القوات بعد الانتفاضة في اذار 1991 ,
وبعدها خروج جيش وقوات النظام الدكتاتوري من تلك المناطق ومن
ثم أوجدت مناطق أمنة للشعب الكردي , وعمليا رجع الحزب مع قوات
الانصارالى كردستان في عام 1992 وبقي حتى سقوط النظام .
وعمليا وطيلة 40 عاما أي منذ 1963 الى سقوط النظام عام 2003 لم
يعمل الحزب الشيوعي العراقي بين شعبه بشكل طبيعي , بحيث لم
يعقد الحزب سوى مؤتمرا واحدا في بغداد بشكل علني في أيار عام
1976 .
الحرب العراقية ـ الايرانية
درس الحزب الحرب بين الدولتين الجارتين وتأثيراتها على مجمل
الوضع بما فيها على شعبنا وكذلك على الحزب و أعضاءه وانصاره.
حدد الحزب موقفه منها في بيان عقب اندلاعها , ندد بغزو العراق
للاراضي الايرانية وطالب بسحب القوات العراقية دون قيد وشرط .
لقد بدأت الحرب في أيلول عام 1980 وكانت أسبابها المعلنة هي أن
صدام حسين مزق أتفاقية الجزائرعام 1975 والتي بموجبها أعطى
صدام الحق بالضفة الشرقية من شط العرب الى أيران مقابل عدم دعم
الثورة الكردية في العراق , في حين الولايات المتحدة الامريكية
كانت تدعم نظام البعث وبشخص صدام نفسه كونه البديل عن الشاه في
المنطقة وكذلك الخوف من تأثيرات الثورة الايرانية على شعوب
المنطقة وخاصة في العراق والخليج العربي , أضافة الى أن أغلب
الدول الاوربية وأمريكا لاترتاح الى هذه الثورة كونها مصدر قلق
من خلال تصدير الثورة ودعمها الى مناوئي الحكومات في أفريقيا
وأسيا , وكان للحرب فوائد لتحريك وأنعاش المصانع الاوربية
والامريكية لبيع سلاحها.
ولكن لو حسبناها عمليا فالنظام الدكتاتوري كان مشغول بحربه
الطاحنه مع ايران ,ونسبة كبيرة من الجيش العراقي كان مشتركا
على الحدود بطول الجبهة تقريبا البالغ 1300 كم , ثم جرى سحب
بعض الالوية من بعض المناطق الشمالية القريبة من عملنا
الانصاري الى مناطق القتال .
(وجراء الحرب اضطر النظام الدكتاتوري الى تكريس القسط الرئيسي
من امكانياته الماليه الدعائية والعسكرية ضد أيران ولم يعد
يمكنه الانفراد بالحركة الانصارية . وقد اضطر الى سحب الكثير
من الربايا المزروعة في كردستان العراق مما سهل تغلغل القوات
المسلحة الكردية (ب م ) وقوات الحركة الانصارية التابعة لحزبنا
الى العمق في كردستان , واصبح نشاطها يمتد الى الكثير من
المجمعات القسرية وحتى مدينة أربيل
.
) . وبالمقابل أثرت الحرب سلبياً على بعض قواعدنا
العسكرية خاصة في قاعدة السليمانية وكركوك .,يقول قادر رشيد في
كتابه بشتاشان بين الالم والصمت ص 121 ( زادت ضغوطات الجيش
الايراني القريب من منطقة ( كه رهجال) وشيئاً فشيئاً بدأ
الايرانيون باحتلال المنطقة وأصبحنا نحن مع قوات حدك , حسك ,
باسوك , تحت رحمة قصف القوات العراقية ... نتيجة لاطلاق قذائف
المدافع اصبنا باضرار بشرية كبيرة واستشهد عدد من رفاقنا ومنهم
البيشمه ركة كاميران أحمد ( درويش ) والاسيرالالماني الجنسية
(ايرهارد) كذلك جرح البيشمه ركة مصطفى درويش قادر حلبجي . وفي
مكان أخر يقول ( وبما أننا كنا واقعين بين نار الحرب العراقية
الايرانية ووجود الحصار علينا من الجانبين ولتجنب قصف الطائرات
العراقية كنا نتفرق خلال النهار ونعود الى مكاننا في الليل,
وقد أتخذنا مواقف دفاعية ولم يكن بأمكاننا خوض المعارك ضد
النظام البعثي الفاشي).
ولايمكن أن ننسى دور النظام الايراني في دعم القوى الاسلامية
الكردية ومنهم الشيخ خالد البرزاني وهو من أقرباء مسعود
البرزاني والذي جلب معه قوة كبيرة الى منطقة برزان في أربيل
وقام بتهديد قواتنا هناك في 3 من أب 1985 والتي على أثرها
أنسحبت قواتنا الى منطقة كافيه . من خلال رسالة بعثها الى
قيادة القاطع هناك يقول فيها ( ننذركم بأخلاء مناطق بارزان
خلال ستة أيام والا فأن جحافل الاسلام جاهزة لاخراجكم منها
بالقوة , وقد أعذر من أنذر.. الخ ).
أهم
مميزات هذه الفترة ـــ
1-
كان
شعار هذه الفترة أنهاء النظام الدكتاتوري وأقامة البديل
الديمقراطي الشعارالذي أقرته اللجنة المركزية في أجتماعها في
تموزعام 1979.
2-
كانت الحركة الانصارية في بداية تأسيسها تعتمد في كثير من
الجوانب على الاحزاب الكردية .
3-
أعتمد الانصار الاوائل على خبرة أبناء المنطقة ومن الانصار
الذين كانوا قد خاضوا النضال الانصاري في فترات سابقة .
4-
بساطة المستلزمات المادية لهذا الاسلوب النضالي ( من سلاح
وتجهيزات عسكرية وذخائر وامور أخرى ) .
5-
أقتصر العمل الانصاري على بناء القواعد أو المواقع الانصارية ,
والتثقيف الجماعي والذاتي .
6-
عمل
الحزب على تشكيل مكتب عسكري يقود هؤلاء الانصار وتنظيمهم في
تشكيلات ووحدات عسكرية .
7-
واخيرا كان أساس العمل هو تجميع الرفاق الانصار في أماكن محددة
وتهيئتهم لعمل أنصاري لاحق من خلال التوعية السياسية والعسكرية
واطلاعهم على ظروف المنطقة وحياتهم وعاداتهم وحتى لغتهم .
الفترة الثانية (1981 ـــ1983)
فترة الاستقرار والتطور
في تشرين الثاني من عام 1981 قرر الحزب تبني اسلوب الكفاح
المسلح رسميا كنهج رئيسي في النضال من اجل الاطاحة بالنظام
الدكتاتوري في العراق وأحلال البديل الديمقراطي مع ربطه
بالاساليب الاخرى. وكان لهذا الشعار صدى واسع بين الانصار
والاحزاب الكردستانية المتواجدة وكذلك على الاحزاب الشقيقة
والصديقة وخاصة في المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفيتي
سابقا .
ويذكر الحزب الى انه كان يعمل ( .... لتصعيد النشاط على مختلف
ميادين العمل التعبوي والسياسي والفكري والتنظيمي , واعداد
مستلزمات خوض الكفاح المسلح في مختلف مناطق العراق , وعقد
التحالفات الوطنية , واستنهاض الحركة الجماهيرية وصولا الى
الوضع الثوري للاطاحة بالدكتاتورية وتحقيق شعار الحزب وأماني
الشعب
) .
وكان الحزب يسعى الى تطوير الكفاح المسلح وتعريقه أي أن يمتد
الى جميع مناطق العراق وبالذات في المناطق الجنوبية (الاهوار )
, ولكن هذا المسعى أرتبط بأشكالات عديدة منها ضعف الامكانيات
المتوفرة للحزب في كثير من الجوانب , أضافة الى أن الحرب
العراقية الايرانية وصلت الى مناطق الاهوار في العمارة وشمال
القرنة وغيرها من المناطق الحدودية وحتى عمق الاراضي العراقية
مما عقد مهمة التعريق هذه.
وكانت سياسة الحزب خلال هذه المرحلة تتضمن الامور التالية :
1.
اسقاط النظام الدكتاتوري .
2.
انهاء الحرب العراقية – الايرانية .
3.
اعادة روابط التنظيم وتنشيطه في جميع أرجاء الوطن .
4.
اعادة هيكلية العمل الانصاري في جميع المواقع الانصارية (قاطع
السليمانية وكركوك , قاطع أربيل , وقاطع بهدينان (دهوك والموصل
) .
5.
تشكيل قيادة جديدة للعمل الانصاري ( المكتب العسكري المركزي )
, خاصة بعد ان انتقلت قيادة الحزب والمكتب السياسي الى
كردستان.
وقد
جاء في تقريراللجنة المركزية ( تأكيد التوجيهات الحزبية حول
واجبات التدريب والاستعداد الدائم من قبل كافة أعضاء وأصدقاء
الحزب لتلبية الواجب المشرف في الانخراط بوحدات الانصار ,
والاهتمام بأختيار أفضل النوعيات لاداء هذا الواجب , وكذلك
لجمع مختلف الكفاءات التي تحتاجها وحدات الانصار , ويحتاجها
الحزب في مختلف الميادين
).
وكان للنصيرات البطلات الدور المتميز في رفع الروح المعنوية
للرفاق الانصار , وهي أول حركة أنصارية عراقية تشرك المرأة في
هذا النضال الصعب والبطولي , وتتحمل كل الظروف القاسية من تعب
وجوع وحرمان وهذه هي المفخرة بحد ذاتها .
هذا
التميز هو الذي ساعد الحركة الانصارية أن تلتقي بالعوائل وتوثق
العلاقة الاجتماعية في الكثير من القرى الكردستانية وخاصة
المرأة وتعمل على توعيتها بظروفها وحقوقها .
لقد
تطور العمل الانصاري بفضل كثير من العوامل منها :
-
انسحاب قوات الجيش العراقي من كثير من المناطق المتأخمة لمناطق
العمل الانصاري .
-
أزدياد أعداد الانصار ( الرفاق ) الملتحقين بالحزب سواء كانوا
من الخارج أو من الداخل بعد معرفتهم بتواجد ه في تلك المناطق.
-
وصول أعداد جيدة من الاسلحة من مضادات للطيران أو المدفعية
والكثير من الذخائر ومستلزمات أخرى من (زمزميات أو أحزمة
وأنواع الحمالات وغيرها ) .
-
القيام بعمليات نوعية كان لها تأثير جيداًعلى أبناء المنطقة .
-
هروب أعداد كبيرة من الجنود وخاصة من أبناء المنطقة (ولكنهم لم
يلتحقوا بالشكل الذي كنا نريده في الحركة ككل ) حيث بقي
غالبيتهم في قريته أو عند أقربائه .
-
العمل المشترك مع الاحزاب المتواجدة في الساحة السياسية
(الاتحاد الوطني والحزب الاشتراكي والحزب الديمقراطي
الكردستاني ) .
-
معرفة أنصارنا للمنطقة بشكل جيد من الجبال والوديان وتشعباتها
والطرق السهلة والصعبة , أضافة الى معرفتهم بالعمل الانصاري من
خلال خوضهم لكثير من المعارك وهي تجربة جيدة .
-
أيجاد ركائز حزبية في بعض القرى والذي أصبح بعضها عيونا
للمفارز من خلال ارشادهم على الكمائن وتواجد الجيش أو عمن
يتعاون مع النظام . ولعب الانصار الاطباء دورا جيدا في التأثير
على الجماهير من خلال مساعدتهم لهم وتوفير بعض العلاجات
لمرضاهم .
-
تطور في الجانب الاعلامي حيث ظهرت للوجود اذاعة صوت الشعب
العراقي والصحافة ( طريق الشعب , نهج الانصار , ريكاي كردستان
و جريدة النصير , أضافة الى النشريات الاخرى ) .
-
تخرج مجموعة من الضباط في بعض الدول الصديقة (جمهورية اليمن
الديمقراطية ) .
-
أشتراك مجموعة من النساء ( النصيرات ) في العمل الانصاري وهي
ميزة تنفرد بها الحركة الانصارية الشيوعية .
-
تحسن في الاداء العسكري نتيجة التطور المعرفي والتدريب
للمقاتلين الانصار وكذلك التطور والتوسع في المهام العسكرية .
-
بناء عدد من المستشفيات الثابتة والمتحركة ارتبطت مع ظروف
الحركة الانصارية وبعد توافد عدد غير قليل من الكوادر الطبية
من الاطباء والمساعدين.
ويشير تقييم الحركة الانصارية الى ( توسع نشاط الحركة
الانصارية التابعة لحزبنا الى جانب نشاط الفصائل المسلحة
(البيشمه مركة ) اطراف (جود )الاخرى وامتد الى داخل المدن
الرئيسية . وتطور الخبرة العسكرية واستخدم التكتيكات العسكرية
الناجحة والحصول على نوعيات جيدة من الاسلحة ...الخ) .
وقد
وضع الحزب مجموعة من القرارات والتوصيات لأعضاء الحزب وبالذات
للانصار وقيادة القواطع والسرايا .جاءت هذه القرارات نتيجة
تدهور الجانب المعنوي في أوضاع الجيش العراقي على الجبهة وظهور
حالات كثيرة من الهروب الفردي والجماعي , اضافة الى العدد
الكبير من القتلى والجرحى , مما ولد وضعا مأساويا كبيرا بين
أبناء الشعب العراقي , وأعتقد الحزب أمكانية حصول شيئ ما (
أنقلاب عسكري ) أو فوضى داخل بعض الوحدات العسكرية أو تمرد
وغيرها من الامور التي سوف تحدث نتيجة هذا التدهور .
وكذلك انتفاضة الربيع ( أذار 1982 ) التي عمت القرى والمدن
والمجمعات السكنية في كردستان , وأعمال الاحتجاج والسخط
والتظاهرات التي أستمرت أربعة أيام في اربيل أحتجاجا على
قادسية المقبور صدام .
ومن
أبرز التوجهات والقرارات التي وصلت للتنظيم الحزبي والعسكري
والتي سميت في حينها ( خطة الطوارئ ) ما يلي:
-
تطوير العلاقة مع الجماهير والعمل على زج الرفاق ذوي التجربة
بين صفوفهم .
-
تشكيل قوات خاصة تعمل بأمرة الحزب متهيئة للظروف المتوفرة .
-
الاستيلاء على المراكز المهمة في القصبات و المدن ( الاجهزة
الامنية والمخابراتية ومراكز الشرطة ) وغيرها .
-
بذل
الجهد في الاتصال بكوادر الحزب السابقين من عسكريين ومدنيين .
-
الاستيلاء على السيارات العسكرية والمدرعات والاسلحة .
ـ
مهاجمة بنوك الدولة ( المصارف ) والسيطرة على موجوداتها
ـ
العمل على تصفية عملاء النظام ومرتزقته في المنطقة, ومن قادة
المنظمات الحزبية والجيش الشعبي والاستخبارات العسكرية
وشكلت قيادة الحزب مجموعة من التشكيلات العسكرية التي ليست
جديدة بمحتواها بل جرى توسيع عملها وأيجاد أساليب عمل تنظيمية
تخدم العمل العسكري بشكل عام أرتباطاً بعملها في الداخل
,ارتباطات تنظيمية ( محلية ) على مستوى التنظيم المحلي في
القرى والقصبات والمدن التي يتم الوصول اليها . وكذلك الوصول
الى المحافظات الاخرى وتطوير العمل التنظيمي والحزبي .
وقد
شكل الحزب المكتب العسكري المركزي الذي يقود العمل الانصاري
وعلى الشكل التالي ( المسؤول السياسي والمسؤول العسكري
والمسؤول الاداري والمالي ) أضافة الى أعضاء متفرغين أو مسؤولي
التنظيم داخل المفرزة , وشكلت ثلاث قواطع في مناطق كردستان
تكون تابعة للحزب أضافة الى التنظيمات المحلية التي ترتبط
بالقواطع نفسها , اما تنظيم الداخل أي في المحافظات الاخرى
فيرتبط بقيادة خاصة يقودها عضو المكتب السياسي وبعض أعضاء
اللجنة المركزية وكوادر متخصصين في العمل التنظيمي .
والقواطع التي شكلت انذاك هي:
1.
قاطع بهدينان ويتكون من الفوج الاول وهو المسؤول عن مناطق شمال
محافظة الموصل , والفوج الثالث ويكون مسؤول عن بعض مناطق
محافظة دهوك ويكون مسؤولاً عن هذا القاطع عضوي اللجنة
المركزية (توما صادق توماس وسليم أسماعيل )
2.
قاطع أربيل ويتكون من ثلاث أفواج ( السابع والحادي عشر.
والثالث عشر ) ويكون مسؤلان عنه عضوا اللجنة المركزية (ثابت
حبيب العاني ويوسف حنا القس ) .
3.
قاطع سليمانية وكركوك ويتكون من ثلاث أفواج الخامس والفوج
التاسع والخامس عشر يكون مسؤول عن قرداغ وكرميان ويكون مسؤلا
عنه ( بهاء الدين نوري المسؤول الاول وعدنان عباس مسؤول
التنظيم وملا علي المسؤول العسكري وأبراهيم الصوفي (ابو تارا
) المسؤول الاداري ) .
أضافة الى المكتب العسكري المركزي الذي أختار منطقة في شمال
أربيل تدعى ( بشتاشان ) مقرا له .
وشكلت تلك القواطع من أماكن عملها عدة أفواج وسرايا وسرية مقر
وغير ذلك .
واختارت كمكتب للعمل يضم المسؤول العسكري والسياسي والاداري
وأحيانا المسؤول الحزبي أو معاون لآمر السرية أو لأمر الفصيل .
كان
الفوج يضم أحيانا ثلاث أو أربع سرايا، والسرية تضم فصيلين أو
ثلاثة، والفصيل يضم حضيرتين أو ثلاث أي حسب العدد الموجود،
وأحيانا يضاف الملتحقون ويتوزعون على الحضائر الموجودة .
العمل السياسي والتحالفات
بعد خروج الحزب الشيوعي العراقي من " الجبهة الوطنية والقومية
التقدمية " والتي عقدت مع حزب السلطة الحاكمة أي حزب البعث
العربي الاشتراكي عام 1973 والتجائه الى الجبال في منطقة
كردستان , أتصل بالقوى والاحزاب الكردية المتواجدة في المنطقة
وهي الحزب الديمقراطي الكرستاني والاتحاد الوطني الكردستاني
والحزب الاشتراكي الكردستاني من أجل القيام بتحالف ثنائي أو
جماعي .فقد كان ذلك شعار الحزب بعد خروجه وعقده اجتماع لقيادته
ـ اللجنة المركزية ـ تموز 1979 في برلين . طور الحزب من
شعاراته بأختلاف الظروف فرفع فيما بعد شعار ( في سبيل جبهة
وطنية ديمقراطية لانهاء الحكم الدكتاتوري واقامة نظام ديمقراطي
في العراق ) .
وبسبب الصراع الدائر بين القوى الكردية ( القديم والجديد ) أي
الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة جلال الطلباني والحزب
الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود البرزاني لم يكن ممكنا
انذاك قيام تحالف يضم هذين الحزبين معا .
في
12 تشرين الثاني 1980 أعلن عن تشكيل الجبهة الوطنية التقدمية
الديمقراطية ( جوقد ) والتي ضمت في عضويتها (الاتحاد الوطني
والحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي والحركة الاشتراكية العربية
وحزب البعث العربي الاشتراكي أي ( قيادة قطر العراق ), ولم
يشترك الحزب الديمقراطي الكردستاني بسبب معارضة الاتحاد الوطني
لانضمامه الى هذه الجبهة .
هذا
الرفض جاء بالتنسيق مع حزب البعث (قطر العراق ).
وفي أيضاح للحزب الشيوعي العراقي صادر من المكتب السياسي في
20/5/1982 جرت الاشارة الى مشاركة الحزب الشيوعي في جوقد ولهذا
أبدى الحزب موقف الاطراف الاخرى من الحزب الديمقراطي
الكردستاني ( نظرا لرفض بعض الاطراف في جوقد فكرة انضمام الحزب
الديمقراطي الكردستاني الى (جوقد ) عمل حزبنا والحزب الاشتراكي
الكردستاني على عقد تحالف مع الحزب الديمقراطي الكردستاني أتخذ
أسم الجبهة الوطنية الديمقراطية (جود ) التي أعلن عن تشكيلها
في 28/11/1980 ).
و
عند سماع الاطراف الاخرى في جوقد عن انبثاق هذه الجبهة حتى
أتخذ قرار بتجميد عضوية الحزب الشيوعي العراقي في جوقد
وكذلك عضوية الحزب الاشتراكي الكردستاني .
وطالب الحزب أن ينضم الحزب الديمقراطي الكردستاني الى (جوقد )
ألا أن الاحزاب المؤتلفة في هذه الجبهة طالبوا بحل جبهة ( جود
) .ويشير الحزب في ايضاحه الى ضرورة الدقة للذين عقدوا مؤتمرهم
الصحفي , وان يتجنبوا في المستقبل ادخال اسم الحزب الشيوعي
العراقي .
وكان الحزب الشيوعي العراقي هو الوسيط في كثير من الفعاليات
واللقاءات مع الاحزاب الاخرى من أجل تحقيق التقارب بين الاتحاد
الوطني والحزب الديمقراطي الكردستاني , ويؤكد ذلك محضر اجتماع
الوساطة الوطنية التي يشير اليه الكاتب فاتح رسول في كتابه
فيقول ( أستنادا الى الفقرة ج من محضر اجتماع ممثلي الحزب
الاشتراكي الكردستاني وحزب البعث العربي الاشتراكي والاتحاد
الوطني الكردستاني في 16 /10/1980 والمتضمن بذل الجهود من أجل
وضع حد للتوتر في العلاقات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني
والاتحاد الوطني الكردستاني وبدعوة من الحزب الاشتراكي
الكردستاني أجتمع ممثلوالاحزاب التالية : الحزب الشيوعي
العراقي ,حزب البعث العربي الاشتراكي قيادة قطر العراق , الحزب
الاشتراكي الكردي (باسوك ) والحزب الاشتراكي الكردستاني . وبعد
مداولات طويلة وتبادل وجهات النظر توصلت اللجنة الى ........
1.
وقف
الحملات الاعلامية بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب
الديمقراطي الكردستاني لمدة شهر واحد قابلة للتمديد ... الخ .
2.
وقف
الاصطدامات بين مسلحي الطرفين ... الخ .
3.
تسعى اللجنة من أجل عقد لقاء مباشر بين الطرفين الاتحاد الوطني
الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني بحضور ممثلي هذه
اللجنة ... الخ .
وبقيت كثير من المشاكل بين تلك الاحزاب والتي توجت بقتال
بشتاشان بين الاتحاد الوطني ( أوك )
وبقية الاحزاب الموجودة في الساحة الكردستانية أي مع الاحزاب
التي تضمها جبهة جود .
وقبلها أي بين عام 1982 حتى بداية عام 1984 الكثير من المعارك
والتي سببت كثير من الخسائر في الارواح والجماهير التي كانت
تلتف حول تلك الاحزاب , وقد أستفاد بطبيعة الحال النظام
الدكتاتوري من هذا الوضع المتأزم في عمل هذه الاحزاب وأستطاع
شراء الكثير من ذمم الذين تعاونوا معه ضد الحركة الكردية من
جحوش أو موالين وعملاء .
في
بداية تموزعام 1982 أصدر الحزب بياناً مشتركا مع الاتحاد
الوطني الكردستاني أبديا استعدادهم التعاون فيما بينهما وضرورة
التنسيق بين الحزبين وحل الخلافات بطرق ديمقراطية.
وقد
عمل الحزب وبذل جهوداً مضنية من أجل تقارب هذين الحزبين عن
طريق المحادثات الاخوية وبروح أخوية وكان الحزب محط تقدير عال
من تلك الاحزاب ففي أحدى اللقاءات يقول كاك مسعود البارزاني (
كوردستان العراق كلها ساحة الكفاح ونضال كل القوى المعارضة
لنظام بغداد الفاشي , نحن مستعدون لآي أتفاق معهم , نرضى برأي
ومقترح حشع ( ويعني الحزب الشيوعي العراقي ) , حتى أننا على
استعداد لبحث جميع الخلافات القديمة والحديثة
) .
النظام ومخابراته
لقد سعى النظام وأجهزته المخابراتية الى بذل جهود غير عادية
من أجل الوصول الى الحركة الكردية المسلحة وقواها الموجودة
ومنها قوات الحزب الشيوعي العراقي , ومنذ بداية تشكيل هذه
القوات أرسل النظام عملائه الى المنطقة وأستطاع شراء العديد من
أبناء القرى المحيطة بالعمل الانصاري .
وأستطاعت السلطة بأمكانياتها الكبيرة الوصول الى عدة مواقع
أنصارية بواسطة عملائها (برغم أن بعضهم كان ينكشف بسهوله من
قبل لجان التحقيق ), الا أن السلطات استطاعت أن تبعث رسائل
الى أطراف معينة أي من القوى المتواجدة بتواقيع مزورة من أجل
بث روح التفرقة بين هذه القوى وأضعافها وهذا ماحررته أجهزة
المخابرات عن طريق عملائها .
وقد
أشارت الوثائق التي صودرت بعد انتفاضة أذار 1991الى هذا
الجانب من العمل الدنئ الذي أستخدمته السلطة وأجهزتها
المخابراتية , وقد نجحت في بعض مفاصل عملها من خلال القاء
القبض على مجموعة من تنظيم الحزب بعد أن أستخدموا عميلا ( مامو
) الذي أستطاع أن يجر أحدى المفارز الى داخل أربيل واعطائهم
شراب (الكوكاكولا أو عصير معين ) ثم يلقى القبض عليهم ويعدموا
, ويتحمل المسؤولية في هذا العمل المسؤول القيادي في الحزب
(يوسف حنا ) لانه زكى ( مامو ) بقبوله في الحركة الانصارية مع
معرفته به وبسبب هذا العميل خسر الحزب 24 نصيرا .
ويمكن ذكر مثال اخر وهو فرار المدعو لطيف التركماني الى
السلطة وأجبار أحد الانصار الذهاب معه بقوة السلاح .
وقد
تابع النظام وأزلامه كل تحركات أعضاء الحزب ومناصريه حيث كان
يترصد نشاطاتهم في المنطقة ومن أجل أعاقة أتصالهم بالجماهير
وتأثيره عليهم ومنها تدبير كمين محكم لرفاق التنظيم الحزبي (
أبو رؤوف وسيدو وخالد ) جنوب قضاء العمادية .
وقد أوردت مثالا لتلك التدخلات المخابراتية في كتابي (مذكرات
نصير الصادر 2004 في بغداد ) , فقد أرسل عميد الامن لمنطقة
الحكم الذاتي كتاباً الى مديرية الامن العامة , يذكر فيها
(لغرض زيادة شقة الخلاف بين الحزب الشيوعي العميل وزمرة
الاتحاد الوطني الكردستاني ومنعاً لحصول أي تقارب بينهما فقد
قامت مديرية أمن محافظة أربيل بتحرير رسالة داخلية موقعة
بتوقيع مزور ومطابق جدأ لتوقيع عضو اللجنة المركزية المجرم
يوسف حنا القس ومختومة بختم الحزب الشيوعي والذي سبق وأن تم
تصنيعه من قبل مديرية الامن العامة موجهة الى أمر سرية كوي
المتواجد في قاطع كويسنجق تضمنت الايعاز له بضرب عناصرالاتحاد
الوطني.
وبالفعل تأزم الموقف بين الطرفين وجرت تعزيزات لهذا الغرض , من
جانب أخر تؤكد مديرية الامن على تصعيد الموقف بين الطرفين ).
وقد
أستطاعت السلطة أن تؤثر بهذا الشكل أو ذاك على مجمل عملنا
الانصاري من بينها أرسال السموم ( حليب معلب سائل زرق بسم
الثاليوم بواسطة أبرة - سرنجة ) الى مواقع الانصار والثاليوم
مع المشروبات الكحولية ( أرسل النظام بيد أحد المواطنين قنينة
ويسكي الى النصير أبو نضال ـ توما القس ـ وقال هذا المواطن
أنها هدية بمناسبة رأس السنة وأن الهدية أرسلت اليه من عائلته
, وتبين فيما بعد أنها مسمومة بالثاليوم ) , وكذلك عمليات
الاغتيالات التي قامت بها السلطة بواسطة عملائها للانصار
والعاملين في التنظيم المحلي أدت الى خسائر غير قليلة لبعض
الكادر الحزبي المحترف , وأرسل ايضا العديد من العملاء الى
مواقع الانصار من أجل الالتحاق بها وقد أعترف العديد منهم ,
والبعض الاخر أستطاع أن ينجو بسبب التراخي من قبل بعض
المسؤولين والثقة الزائدة بهؤلاء (العملاء) .
وقام النظام بالتأثير على الجماهير في المنطقة وفي العراق ككل
في نشر الدعاية ضد الحزب وقادته (اعلن الوريث الشرعي لشباط ( 8
شباط –1963 ) بأن الحزب الشيوعي لن يبقى له أثر في الوجود ) .
جرى
التعتيم على الحزب وسياسته من خلال شراء بعض الصحفيين والكتاب
من العراقيين والعرب وحتى من دول أجنبية ومن خلال أجهزته
الاعلامية الضخمة في الداخل والخارج من أذاعة وصحافة وتعبئة
أعلامية مرئية ومقرؤة .
ويشير تقرير اللجنة المركزية التي قدمه الى المؤتمر الرابع
تشرين الثاني 1985 الى ( أشاعة اليأس وعدم الثقة بالحزب
الشيوعي العراقي وبقدرته على تحقيق أهداف الشعب العراقي ونفي
دوره في قيادة نضالاته منذ تأسيسه .
-
السعي الى خلق فجوة بين القاعدة والقيادة وتصديع وحدة الحزب .
-
التحريض ببث الفرقة بين القوى الوطنية وتخريب تحالفاتها في
جبهة وطنية موحدة .
-
خلق التعارض والحساسية في اوساط حزبنا تجاه الاحزاب الشقيقة
بشأن سياسة حزبنا والتضامن الاممي معه .
-
نفي نضالات الحزب والتعتيم على عمليات الانصار البطولية )
وهناك وثائق تشير الى نشاط السلطة ومخابراتها وعملائها في قرى
كردستان بل وأندساسها بين الاحزاب المعارضة المتوجدة , وحتى
القوى الموجود خارج العراق .
الفترة الثالثة - 1983-1984
الانكسار ( بشتاشان )
لقد دفع موقف الاتحاد الوطني الكردستاني المعادي للحزب
الديمقراطي الكردستاني الى عداء للحزب الشيوعي العراقي وبأشكال
مختلفة ومنها تأليب الجماهير ضد الحزب والتحرك ضد مفارز
الانصار المتجولة في أربيل أو السليمانية والقيام بكمائن لها
وغير ذلك من الاعمال التي تخدم النظام الدكتاتوري .
كانت علاقة الاتحاد الوطني بأحزاب ( جود ) ( الحزب الاشتراكي
الكردستاني , الحزب الديمقراطي الكردستاني والحزب الشيوعي
العراقي ) سيئة للغاية , ويشير الكاتب عزيز سباهي الى ( وكانت
سلطة بغداد تضغط من جانب لتوتير الاوضاع , كما كانت ايران تدفع
من الجانب المقابل عبر حدك والاحزاب الكردية المتحالفة معه
لتأزيم الاوضاع . وكانت الذرائع للاحتكاك والاصدامات بين
الاطراف المختلفة عديدة , فالى جانب التداخل في المقرات
والمسالك ومناطق التحرك ,كانت هناك الاختلافات حول التحاق هذا
المرتزق أو ذاك , ونزعات الثار والاندساسات
) .
(أن
الانقسام الذي شهدته القوى المسلحة في كردستان والصراعات
الدموية التي امتدت لسنوات , حتى عقد الجبهة الكردستانية عام
1988 بين ذات الاطراف المتصارعة بالامس , الحقت اضرارا جسيمة
بحركة المعارضةالعراقية وخاصة بحركة التحرر القومي الكردي
وبسمعتها واثرت سلبا على دعم الرأي العام لها وعلى مزاج
الجماهير وبعثت اليأس في اوساطها
) .
وتأريخيا هناك علاقة جيدة بين الحزب الشيوعي العراقي والحزب
الديمقراطي الكردستاني , وسبق وان أشرنا لها في المبحث الثاني
وبالذات مع الملا مصطفى البرزاني , ولكن العلاقة مع رموز
وقيادة الاتحاد الوطني ( جلال الطلباني – ابراهيم أحمد) الذين
أسسوه في سوريا عام (1/6/1975) الذي تكون من ثلاث كتل هي
كوملا والاتحاد الوطني- الخط العام - والحزب الاشتراكي , لم
تكن على مايرام وهذا ماذكرناه في اشكال تعاملهم مع
الانصارالشيوعيين عندما كانوا في كردستان بعد عام 1963 وحصارهم
الذي فرضوه على الانصار .
بدات المعارك في مناطق أربيل ومنها في منطقة باليسان وورته
وخوشناو وبعض القرى وقد وقع بعض الانصار والبيشمه ركه من جبهة
جود في كمائن الاتحاد الوطني وراح ضحيتها العديد منهم .( وفي
شباط عام 1983 دخلت مفرزة كبيرة نسبيا من مفارز حزبنا
الانصارية ضمت أكثر من 90 مقاتلاً الى مدنية أربيل . وبعد أن
اكملت مهمتها الانصارية وانسحبت من المدينة , وقعت طلائعها في
كمين نصبه مقاتلو ( أؤك ) .وكانت علاقات حزبنا جيدة انذاك مع (
أؤك ) ولم يكن قد مضى غير ايام على توقيع الاتفاقية (
الاسترتيجية ) بيننا حول العمل المشترك ضد النظام والتي وقعت
في 5 شباط عام 1983 .
وقد
أصدر الحزب بيانا أوضح فيه دور ( أؤك ) بتصعيد القتال من أجل
سفك دماء الانصار الذين يناضلون من أجل أسقاط النظام
الدكتاتوري في بغداد .
لايخفي علينا أن النظام الدكتاتوري بعث بعدة رسائل الى الاتحاد
الوطني الكردستاني من أجل التعاون معه , وأخيرا في نهاية عام
1982 وبداية عام 1983 أتسمت العلاقة مع النظام بالجدية والجوده
, وقد قام النظام بتقديم المساعدات العسكرية واللوجستية
والمادية والطبية ... وغيرها للاتحاد الوطني .( دخل جلال
الطالباني المفاوضات مع الحكومة البعثية بعد أعلان الهدنة معها
ونال لقاء ذلك 11993678 دولارمن الحكومة ,بعد أن شكل عمر شيخ
موس عضو المكتب السياسي للاتحاد الوطنيشركة أكوم الوهمية للسكر
في لندن لنيل المبلغ من مصرف الرافدين )ويشير الكاتب الى
تفاصيل المحاكمة في لندن بين مصرف الرافدين والاتحاد الوطني
الكردستاني.(من كتاب النفط والاكراد لكمال مجيد ص 80 ) .
وكان للحزب علما باللقاء الذي تم بين الوفد الحكومي في مقر
الاتحاد الوطني في 13 شباط 1983
, وقد أوضح الحزب الشيوعي العراقي موقفه من هذه اللقاءات
والاجتماعات مع النظام , كونه يعيش أزمة مستعصية وهو يلجأ الى
المناورات المعروفة لخداع الجماهير وابناء شعبنا .
وقد
جاءت في رسالة المكتب السياسي للحزب الى المكتب السياسي
للاتحاد الوطني في 24 شباط 1983 ما يلي: ( اننا في علاقات
تحالف مع حدك – وحسك والحزب الاشتراكي الكردي ( باسوك ) في جود
. وفي علاقة تعاون معكم ثبتناها في البيان المشترك في تموز /
1982 والمحضر المشترك في شباط /1983 , كما اننا جميعا قد وقعنا
اتفاق طرابلس من أجل تحقيق هدف قيام الجبهة الوطنية العريضة ).
في الاول من أيار 1983 وتحت شعار (الانتقام يأتي في حينه ولكنه
يكون قاسياً ) بدأ هجوم الاتحاد الوطني الكردستاني على قوات
جود وعلى قوات الحزب الشيوعي العراقي , كانت هذه القوات – أي
قوات اوك - مجهزة بأخر المعدات العسكرية، وجرى استطلاع ترهيبي
للطيران الحكومي على المنطقة وكانت قواته تضم عدد كبير من
الجحوش أضافة الى الاعداد الكبيرة من قوات الاتحاد التي قدرت
بحوالي 1500 الى 1750 وكانت تحمل الاسلحة المتوسطة ( بي كي سي
) ومدافع الهاون المختلفة.
بعد
القصف الكثيف أقتحمت قوات الاتحاد الوطني والقوات الداعمة لها
مقر بشتاشان الذي كان يضم (مقر المكتب السياسي والعسكري
والاداري والاعلامي أضافة الى أذاعة صوت الشعب العراقي
والمستشفى والمدرسة الحزبية ومرافق العمل الاخرى) .
أسفر الهجوم عن سقوط أعداد كبيرة من الشهداء حوالي (70) نصيراً
وعدد غير قليل من الجرحى والمفقودين وأغلب هؤلاء الشهداء من
الكوادر العلمية والثقافية والمهنية , وسيطرت هذه القوات
المهاجمة على جميع مقرات الحزب , وقام البعض من عناصرأؤك
بقتل بعض الانصار بعد أن يكتشفوا أن الاسير هو من القومية
العربية , أو يجري أهانته على أقل تقدير .
ووقعت في الاسرمفرزة مكونه من(72) نصيراً بعضهم من قيادة الحزب
وهم (كريم أحمد وأحمد باني خيلاني وكوادر عسكرية وحزبية )
أضافة الى العشرات من الانصار والنصيرات
.
أما
البقية من الانصار فقد أنسحبوا الى قمم الجبال التي تغطيها
الثلوج بعد أن أحرقوا بعض الوثائق ودمروا المعدات المهمة.
كان
الانسحاب الى قمة جبل قنديل الشاهق غاية في الصعوبة خاصة وأن
البعض منهم كان كبيرا في السن أو يعاني من الامراض . وقد عانوا
الكثير من الجوع والبرد والقلق وغير ذلك.
كانت معركة بشتاشان جريمة بحق ,حيث أستشهد فيها كوادر الحزب
الشيوعي وأغلبهم من ذوي الخبرة الحزبية والشهادات العلمية
والفنية وهم لا ذنب لهم بقدر ماكانوا أبناء برره يناضلون من
أجل حقوق الشعب الكردي نفسه والذي هو جزء من القضية الكبرى في
العراق ومن أجل أسقاط النظام الدكتاتوري , وأقامة البديل
الديمقراطي الذي يحفظ حقوق هذا الشعب المناضل .
وأستطاع البعض المقاومة وخاصة المدفعية التي أنهالت بقذائفها
على المهاجمين , حيث يشير مسؤول القوات المهاجمة (ناوشيروان في
كتابه: الاصابع تسحق الاصابع ) , الى تأثير المدفعية في
هجومهم , أضافة الى المقاومة الفردية من الانصار الاخرين , الا
أن المباغتة للقوات المهاجمة لم تستطع معها قوات الحزب الشيوعي
العراقي من الدفاع عن مقراتها بشكل كاف , حيث كان الغدر , فقبل
يومان أي يوم 27 نيسان جاءت مفرزة من الاتحاد الوطني ( حسب
شهود عيان ـ أحد الانصار ) وتم مساعدتهم وتجهيزهم بما يحتاجون
من خبز ومعلبات , وسمح لهم بالمرور برغم الخلافات الحادة مع
الاتحاد الوطني .
(
ولم تتلق قوات الانصارالشيوعية في بشتاشان الدعم والتعزيزات
حتى من الانصار الشيوعيين في المناطق المجاورة , فبرغم الحاح
المكتب السياسي ببرقياته الى قاطع السليمانية الذي كان يقوده
بهاء الدين نوري والملا علي بأرسال نجدات عسكرية أو مشاغلة
قوات أؤك , الا أنهما لم يعيرا للامر التفاتا بحجة تعذر أرسال
النجدة بالسرعة الممكنة
) .
ولكن قاطع السليمانية وقع اتفاقية مع ( أؤك ) سميت ( عدم
الاعتداء والتعاون ) في منطقة ديوانه وسميت الاتفاقية بهذا
الاسم أتفاقية ديوانه .
وقد أدان الحزب الشيوعي العراقي هجوم أؤك على مقرات الانصار
جاء فيه ( عقدت اللجنة المركزية اجتماعا طارئا في الثامن من
أيار 1983 ,بحثت فيه الاوضاع الراهنة الناجمة عن الهجوم
العدواني الغادر الذي قامت به قيادة أؤك على مقرات انصار الحزب
وقوى الجبهة الوطنية الديمقراطية في الاول من أيار 1983 , الذي
أودى بحياة عشرات المناضلين وارتكبت فيه جرائم بشعة لا تحصى
واعلانها الحرب على الجبهة الوطنية الديمقراطية .
وجاء فيه ( أقدمت قيادة أوك في الاول من أيار الجاري على
ارتكاب جريمة بشعة لم يسبق لها مثيل . وذلك بقيامها بهجوم غادر
على منطقة بشتاشان ,على مقر المكتب السياسي لحزبنا والمراكز
الحزبية الاعلامية والطباعة والعوائل والمدنيين من أعضاء
وكوادر حزبنا ومقرات الحزب الاشتراكي الكردستاني – العراق
ومواقع أخرى لاطراف جود .
وأضافت في هذا البيان - لقد ظهر ( فرسان العمل الثوري ) كما
يحلو لهم أن يسمو أنفسهم , ( بطولاتهم ) ضد رفيقات لنا بعمر
الورد جئن ليشاركن في النضال ضد الدكتاتورية الفاشية , وقتلوا
العديد منهن ممن عرفتهن الجماهير الفلاحية الكردية مثالا
مشرفاً للنساء العراقيات المناضلات المضحيات , وقتلوا عددا من
شغيلة الطب الذين كانوا في خدمة رفاقهم الانصار وجماهير القرى
الكادحة , وقتلوا عدداً من الكوادر الحزبية التي أفنت زهرة
شبابها في السجون والمنافي وظروف العمل السري الشاق والملاحقات
القاسية )
.
في الوقت نفسه (حيت اللجنة المركزية المقاومة البطولية التي
ابداها رفاقنا وأنصار جود, ومجدت الشهداء الابرار الذين سقطوا
صرعى هذا الهجوم الوحشي .... وأكدت اللجنة المركزية ضرورة
أتخاذ كل الاجراءات اللازمة لتعزيز التعاون بين اطراف جود
والارتفاع به الى مستوى أعلى في جميع المجالات لمجابهة المخطط
التأمري واحباطه , وتصعيد نضال شعبنا بجميع قواه الوطنية ضد
الحكم الدكتاتوري الفاشي العدو الرئيسي لشعبنا وضد كل
المتعاونين معه في تنفيذ جرائمه البشعة
) .
وقد
أدانت أحزاب جود في بيان لها هذا الهجوم الغادر.
لقد
خسر الحزب المعدات والاجهزة والاسلحة وغير ذلك وقدرت في حينها
من أحد المصادر بين 5 الى 7 ملايين دينار عراقي .
وتشير وثائق المؤتمر السادس ص92 ( الى اشاعة مشاعر خيبة الامل
والاحباط في صفوف الانصار وتسرب المئات الى خارج كردستان , ولم
تنج بقية الانصار من الاثار السلبية التي تركتها الاحداث ) .
وفي وثيقة حزبية يكشفها لي أحد الكوادر الحزبية المتقدمة في
الحزب الشيوعي العراقي
(أ
.ص) الى ( قرأت رسالة معنونه من ناوشيروان الى أحد القيادين في
الاتحاد الوطني يقول فيها – نحن ضربنا الحزب الشيوعي العراقي
الذي هو عدو البعث والحكومة وكان ومن المفروض أن يعطينا صدام
حسين كل شيئ وكل ما نطلب , حيث وفرنا له ظروفاً جيدة للعمل في
منطقة كردستان , بعد أن قضينا على أحدى القوات المعارضة ) .
وبعد فترة غير قليلة أرسل الحزب العديد من الانصار الى الخارج
وخاصة المرضى والعوائل وكبار السن ومن أرسل لغرض العلاج أو
الدراسة وكذلك الراحة.
لقد تأثر الحزب بشكل كبير معنويا وماديا وبشريا وأصبح وضع
القوات الانصارية صعب جدا , خاصة وأن قاطع السليمانية وأثناء
الازمة وقع أتفاقا مع قيادة الاتحاد الوطني في العاشر من أيار
1983 بوقف القتال , ووقعها عضو المكتب السياسي كريم أحمد والذي
اريد فيه تطمين القوات الاخرى في أربيل وبهدينان الى وقف
القتال في حين تقوم قوات أؤك بجريمة منظمة في بشتاشان والمناطق
التي تتواجد فيها قوات الحزب الاشتراكي والحزب الديمقراطي
الكردستاني .
كما
أنتقل العديد من الانصار الى مواقع أخرى أو في قواعد أخرى في
قاعدة بهدينان أو مقرات أربيل . وبدأ الانصار بناء قواعد جديدة
لهم في لولان وبدأ العمل ثانية ًمن الصفر .
وحملت قاعدة الحزب الرفاق في القيادة بعضاً من المسؤولية لهذه
الجريمة والتي كان بالامكان عدم الوقوع فيها لوكانت قيادة
الحزب تتابع الاوضاع السياسية وتطوراتها بشكل دقيق على الساحة
العراقية , و تحليلها لطبيعة الاحزاب البرجوازية الصغيرة
ومصالحها الخاصة التي هي فوق كل شيئ .
ويذكر السيد قادر رشيد في كتابه ( حتى سنة 1982 لم تفكر أية
جهة في أن تجعل هذه المنطقة مقرا وقاعدة لنشاطاتها الرئيسية
والعسكرية والاعلامية ...ويقول - بأن الرفيق احمد باني خيلاني
ذكر له شفهيا – بأن المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي ,
ارسل في تلك السنة ثلاثة من اعضائه المختصين في المجال العسكري
, من قرية نوكان الى بشتاشان لدراسة موقعه وتقيم ما اذا كان
مناسبا وملائما لجعله مقرا للقيادة , وكان الرفاق الثلاثة هم
أحمد بانيخيلاني , وملا علي وعبد الله ملا فرج و واراخاجادور,
وبعد دراسة المنطقة توصل الرفاق الى نتيجة مفادها ان المنطقة
غير صالحة لبناء قاعدة عسكرية للحزب فيها . وبعد عودتهم ابلغوا
المكتب العسكري بأن المنطقة موضوعة البحث ليست صالحة من
الناحية العسكرية ومن الافضل التفكير في اختيار منطقة أخرى
..).
كما
ويذكر الكاتب قادر رشيد مجموعة من الاسباب منها (أن الموقع
معزول وبعيد عن مواقع القوى والاحزاب الاخرى , وصعوبة تأمين
الذخيرة والمتطلبات اليومية ووعورة جبل قنديل كون القرية تقع
على سفحه وخاصة في الشتاء وبعيدة عن مقراتنا في القواطع الاخرى
....الخ) .
أما الجوانب الاخر وأسباب أحداث بشتاشان كثيرة –
1-
طبيعة الاحزاب البرجوازية وتذبذبها وفق مصالحها .
2-
الصراع والمنافسة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد
الوطني الكردستاني.
3-
تأثير السلطة العراقية على الاتحاد الوطني وتقديمه للاغراءات
الكثيرة من أجل كسبه اليها .
4-
تواجد قوات الجبهة الوطنية الديمقراطية (جود ) على الساحة
الكردستانية أثار حفيظة الاتحاد الوطني الكردستاني كون جبهة (
جوقد ) التي تضم الاحزاب الاخرى غير متواجده على الساحة
الكردستانية .
5-
العلاقة المتينة التي تربط عائلة جلال الطالباني مع عائلة صدام
والتي تحدث بها أكثر مرة بعد السقوط 2003 .
أما
الجوانب الاخرى من النواقص فهي ذاتية كان على الحزب متابعة
تنفيذها خاصة وأن هناك معارك حدثت مع قوات أؤك كان عليهم الحذر
منه , ومن هذه العوامل أيضا هو عدم وجود خطة للدفاع عن المقرات
, وضعف في أستباق الاحداث ومتابعتها أي عدم وجود جهاز
أستخباراتي يتابع دور الاحزاب وممارساتها وطريقة عملها مع
الحزب وعلاقتها مع النظام وعدم الدخول مع طرف ضد طرف أخر وكان
من الضروري بقاءنا محايدين بين تلك الاطراف المتحاربة . وأكدت
التجربة ضعف الجاهزية القتالية عند الرفاق في هذا الموقع والذي
أدى الى الخسائر المعروفة وضعف التقيد بالاوامر الصادرة من
القيادة العسكرية برغم أن القيادة العسكرية تفاجئت بهذا الهجوم
بشكل كبير , لانها لم تكن تتوقع ذلك .
ويشير تقيم حركة الانصار الصادر من المؤتمر السادس للحزب الى (
وكشفت هذه الضربة الخلل السياسي والفكري وضعف تحليلنا لطبيعة
الاحزاب القومية وعدم كفاية ادراكنا سرعة انتقالها من موقع
لاخر , كما أكدت الخلل في الجانب العسكري والثغرات في موقع
بشتاشان عسكريا وضعف التحكم في القواطع وتجميع قواها عند
الضرورة )
.
وعلى ضوء ذلك أجتمعت أحزاب الجبهة الوطنية الديمقراطية (جود )
لدراسة ماهو الرد على الهزيمة التي تلقوها من قوات الاتحاد
الوطني والقوات المساندة له من جحوش وقوات الحكومة العراقية ,
وقد قررت هذه الاحزاب الرد على قوات الاتحاد الوطني والانتقام
منها .
وبدأ التحضير لهذه المعركة والتي تم جمع الكثير من القوات لهذه
الاحزاب حيث وصلت مفرزة من أنصار الحزب الشيوعي العراقي من
قاطع بهدينان بقيادة الشهيد نزار ناجي يوسف كقوات دعم لهذه
المعركة , وأستلم بعض العسكريين هذه المسؤولية وبدأ الهجوم
المعاكس في أيلول 1983, وأمام أمكانية قوات الاتحاد الوطني
والقوات المساندة لها ,لم تستطع قوات جود من عمل شيئ بقدر ما
أنها واجهت قوات مسلحة تسليحا جيدا ومتطورا أضافة الى تفوقها
في أمور أخرى مثل التموين والنقل والاستخبارات,وأسفر الهجوم عن
خسارة كبيرة بين صفوف أحزاب ( جود ) من أرواح وممتلكات , أضافة
الى المعنويات و كانت قوات جود لاتملك القوات الكافية العددية
والتسليحية , في حين كان أستعداد المقابل للمعركة بشكل يؤهلها
للانتصار, ووما جاء في تقيم حركة الانصار ( وفي تقدير خاطئ بعد
معركة بشت أشان الاولى خاض الانصار اعمالا عسكرية اخرى غير
مبررة مع الحلفاء في جود ( مع حدك خاصة ) ادت الى خسائر اضافية
بشرية ومعنوية وذلك في معارك بشتاشان الثانية صيف عام 1983
نفسه
) .
الهجوم التركي
في منتصف شهر أيار من نفس السنة 1983 بدا الهجوم التركي على
مناطق بهدينان وعلى مقرات الحزب الشيوعي العراقي والحزب
الديمقراطي الكردستاني قرب المثلث السوري- العراقي- التركي
تزيد رقعة المنطقة على 1200 كم مربع . ودخلت القوات التركية
مسافة حوالي 30 كيلو متر داخل الاراضي العراقية وأشترك أكثر من
10 الالاف جندي وبمصاحبة الطيران الذي قاد جولات أستطلاعية في
المنطقة وشارك في ضرب القرى الكردية بوحشية .
وقد
أعلنت الحكومة التركية نبأ اجتياحها للاراضي العراقية مشيرة
الى أن هدف هذه الحملة هو جزئي ومحدود ويتلخص في: ( القضاء على
قطاع الطرق وأعضاء تنظيمات محضورة ومجرمين ومهربين
) , في حين صرح السفير العراقي في أنقرة انذاك( محمود طه
القيسي ) ان هدف الحملة هو ( حماية انبوب النفط ) .
وأثار هذا الهجوم قلق جميع القوى الوطنية والتقدمية في جميع
أنحاء العالم . ويبدو ان هذا الهجوم كان جزء من الاتفاقية
السرية بين النظام الدكتاتوري والحكومة التركية، والتي تم
توقيعها بين الطرفين في عام 1982 وتضمنت بنودا خطيرة تمس
السيادة الوطنية لبلادنا , حيث أجازت الاتفاقية دخول القوات
التركية الى حوالي 17 كيلو متر في العمق العراقي, وتضمنت
الاتفاقية التنسيق الامني والتعاون بين البلدين في ما يخص
النشاطات المعادية للحكومتين ومحاربة القوى الثورية التي تناضل
من أجل حقوقها والحريات الديمقراطية . وكذلك سمحت الاتفاقية
للطيران التركي بالتحليق فوق اراضي الطرفين بنفس القدر. ومن
المعلوم أن العراق لا يستطع عمل ذلك لانه كان قد دخل في حرب مع
أيران . والامر الاخر هو التعاون والتنسيق الامني بين العراق
وتركيا وتبادل المعلومات بينهما بصدد " مكافحة الشيوعية
ونشاطات البيشه مركة ذات الطابع التخريبي " . وكذلك نصت
الاتفاقية على " تسليم المتمردين " في حالة القاء القبض عليهم
وبالفعل هذا ماحصل عندما تم تسليم 5 رفاق مع رفيقة الى النظام
حيث أعدمت الرفيقة النصيرة لاحقا.
والبند الاخر هو ان الجانب العراقي يتحمل نفقات التحصينات
والتحركات العسكرية . وقد حدثت معركة بين القوات المهاجمة
التركية وقوات جود ( الحزب الديمقراطي والحزب الشيوعي العراقي
) ,حيث بدات القوات التركية بالقصف المدفعي وبدا تحليق الطيران
فوق المنطقة , ودارت المعركة والتي أدت الى أستشهاد ( أحد
الانصار- رحيم كوكو العامري – أبو فكرت ) من الحزب الشيوعي ولم
تستطع قوات (جود ) المرابطة في قمة الجبل على قمة قرب قرية
هرور من المواصله أما هذه الحشود الكبيرة فقررت الانسحاب الى
العمق الى داخل الاراضي العراقية .
وأصدر الحزب الشيوعي العراقي في أوائل حزيران 1983 بياناً جاء
تحت عنوان: الاجتياح التركي للاراضي العراقية لن ينقذ صدام
ونظامه ! شجب الاجتياح التركي للاراضي العراقية وجاء فيه:
(
يا أبناء شعبنا المناضل أيها الوطنيون الغيارى , عربا وكردا
وأقليات
في
السادس والعشرين من أيار , قامت قوات الدكتاتورية العسكرية
التركية عميلة حلف الاطلسي العدواني والتابع والمنفذ لارادة
واشنطن ......
لقد
زجت تركيا الدكتاتورية في هذه العملية (15 ) الف جندي بينهم
قوات مظلية وخاصة مدعومة بـ (30 ) الف جندي محشدين على الحدود
, وجرى العدوان بمشاركة الطيران التركي الذي قصف العديد من
القرى الكردية العراقية بوحشية.
ودعا البيان القوى الخيرة الى التضامن والعمل ضد هذا العدوان.
كما توجه الى العراقيين قائلا: ( أيها الوطنيون من كل الاحزاب
الوطنية المعادية للدكتاتورية , يامن تعز عليكم سيادة الوطن
وحرمة أراضيه , وحدوا الجهود وواصلوا الشجب للعدوان التركي على
الاراضي العراقية, أفضحوا جرائم الغزاة الاتراك ضد المناضلين
العراقين المعادين للدكتاتورية الفاشية وضد أبناء وطننا
الامنين
) .
ومن
جانبها شجبت جبهة جود الهجوم التركي وذلك في بيان لها تحت
عنوان: ( جزء من المؤامرة الكبرى على وطننا وحركة شعبنا
الوطنية ! مضيفة:
(
ان توقيت العدوان الغاشم ,وتوجه القوات التركية للتحرش بقوات
أنصار الجبهة الوطنية الديمقراطية (جود ) داخل الاراضي
العراقية واضطهاد الجماهير الكردية في القرى الحدودية امتدادا
للاضطهاد البشع الذي يمارسه الاتراك ضد الشعب الكردي في تركيا
يكشف طبيعة العدوان بأعتباره جزء من المؤامرة الكبرى على وطننا
وحركة شعبنا الوطنية
).
وترتبط هذه الاحداث بالحصار الاقتصادي الذي فرضه النظام
الدكتاتوري على القرى الفلاحية في مناطق كردستان حيث لم تسوق
منتوجاتهم الزراعية (فواكهة وخضروات ومحاصيل زراعية أخرى ) حيث
جرى تكديس هذه المواد الزراعية وأصابها التلف مما أضر
بالفلاحين وقطع مصدر رزقهم الوحيد .
وهذه القرى كان يستفيد منها الانصار والبيشمه ركه من كل القوى
الوطنية المتواجدة على الساحة الكردستانية , والتي خلقت جوا
من عدم الارتياح للقرى وأهاليها .
وأضطرت قوات البيشمه ركة والانصار للحزبين الديمقراطي والشيوعي
الى الانتقال الى مواقع أخرى نحو العمق في مناطق جبل متين وفي
منطقة نيروه , وهكذا أستمر العمل في بناء مقرات جديدة وأستمر
العمل الانصاري والكفاح المسلح برغم كل الظروف الغير طبيعية
التي مرت على الحزب والانصار والمنطقة والاهالي .... الخ .
أبرز سلبيات هذه الفترة
1.
العلاقة المتوترة بين القوى الوطنية العراقية على الساحة
الكردستانية / العراق والتي تحولت الى صراع ومعارك فيما بعد .
وبهذا الصدد يشير تقيم حركة الانصار الى ( ان الصراعات المسلحة
بين القوى الكردستانية في كردستان لسنوات حالت دون تطور
امكانياتها بمستوى الاحداث وتعاونها في وضع خطة مجابهة سليمة
وتدبير وسائل الوقاية والدعاية لنشاطها ) .
2.
انتقال الاتحاد الوطني الكردستاني الى خندق النظام الدكتاتوري
مؤقتاً .
3.
تأثير الاحزاب الكردية على بعض قرارات الحزب في بعض القضايا
السياسية (التكتيكية) والتي أثرت بهذا الشكل أو ذاك في
الانجرار للمعارك وخصومات, تم الضغط فيها على الحزب .( وتمر
الاعوام ويكون أعداء الامس أصدقاء اليوم والحزب الشيوعي
العراقي بعيدا عن ذلك التحالف , ولايجد مناضلوا الحزب الشيوعي
العراقي الذين ناضلوا في كردستان القيمة الحقيقية لنضالهم في
سبيل الديمقراطية للعراق والدفاع عن حقوق الشعب الكردي ).
4.
صراع داخل قيادة الحزب والذي أدى الى أبتعاد بعض المجموعات عن
الحزب , والذي ترك أثارا سلبية على العمل العسكري والسياسي .
5.
خطأ
رد الحزب و( جود) للانتقام على أحداث بشتاشان, والتي أدت الى
خسائر كبيرة للحزب والذي كان غير مهيأ لها بشكل كافي ( كما
يصفها تقيم حركة الانصار 1979 الى 1988) والتي أضرت بالحزب
معنويا وبشرياً كونها خسارة كبيرة وخاصة أستشهاد الكوادر
الحزبية والعسكرية فيها وسميت بشتاشان الثانية .
6.
خروج اعداد كبيرة من الانصار الى الخارج لاسباب التي ذكرتها في
البداية والذي اثر بشكل عام على وضع الانصار معنويا وعددياً .
7.
أثارة البلبلة السياسية والفكرية العميقة بين أعضاء القيادة
نفسها وبعض الكوادر الحزبية وحتى بعض من الانصار مما ولد وضعا
مربكا.
8.
كانت الحرب العراقية –الايرانية والموقف منها أحد أسباب هذا
الصراع الفكري .
9.
ضعف
في الاعلام الحزبي من صحافة أو أذاعة وغير ذلك .
10-
لم يدرك الحزب العلاقة مع الاحزاب البرجوازية ذات المصالح
الخاصة, خاصة وأن تجربته مع حزب البعث كانت تجربة فاشلة ولكنها
تجربة كبيرة وغنية , كان المفروض الاستفاد منها .
الفترة الرابعة (1984 – 1988)
فترة الانتعاش
خاض الانصار خلال هذه الفترة عدة معارك ضد قوات السلطة في
شهرزور وقرداغ وكرميان ودربندخان وكفري وطوز خرماتو وسوار توكا
ومانكيش في بهدينان وغيرها من المعارك البطولية والتي جسدت
البطولة والشجاعة اللامتناهية,وتحققت كثير من الانتصارات التي
أدت الى رفع معنويات البيشمه ركة والانصار بشكل عام وتراجع
النظام وقواته ومن مثل هذه المعارك معركة القوش واحتلال شقلاوة
لثلاثة أيام ودخولهم جامعة صلاح الدين في أربيل وكانت كل هذه
البطولات اعمال نادرة نالت أستحسان الاهالي والقرى المحيطة
لمناطق العمليات .
وفي
هذه الفترة وبمناسبة عيد الحزب الخمسين وبلوغ سكرتير الحزب
عزيز محمد عامه الستين منحه الاتحاد السوفيتي ( مجلس السوفيت
الاعلى ) وسام لينين لدوره خلال مسيرة الحزب النضالية ودور
الحزب في حياة الشعب العراقي , حيث عم فرح كبير ومشاعر لا توصف
للشيوعيين العراقيين بهذا الانجاز.
مثلت سنة 1984 سنة الذكرى الخمسين لتأسيس الحزب , أنتعاش حيث
أحتفل الانصار وجماهير القرى المحيطة ومجيئ الكثير من العوائل
الى هذه الاحتفالات من بغداد وأربيل وسليمانية وحتى الموصل ,
متذكرين دور الشيوعيين ونضالهم المشرف خلال الخمسة عقود
الماضية .
وكان لهذه اللقاءات والاجتماعات مبعث امل جميل في نفوس الانصار
والجماهيرالمحبة للحزب التي جاءت من كثير من مناطق العراق .
في تموز من عام 1984 أجتمعت اللجنة المركزية للحزب بكامل
أعضاءها وتدارست مجمل وضع الحزب وخاصة فترة الاقتتال مع
الاتحاد الوطني الكردستاني في (بشتاشان ) وتعقد الاوضاع في
المنطقة والتي أدت تأثيراتها على الجماهير عامة .
وقد
تدارست قيادة الحزب الوضع التنظيمي للحزب والكفاح المسلح
وأحداث بشتاشان والموقف من الحرب العراقية الايرانية والامور
السياسية بشكل عام .
وقد
أكد الاجتماع على ضرورة متابعة العمل التنظيمي وايلاء اهتمام
لتطوير الكوادر الحزبية وفتح المدارس الحزبية وتربية أعضاء
الحزب على روح الالتزام وتنفيذ الواجبات بالشكل المطلوب . كما
أكد الاجتماع على تطوير الكفاح المسلح وسد الثغرات التي طالت
العمل خلال الفترة الماضية وحل المشاكل التي ظهرت خلال تلك
الفترة السابقة والصراع بين السياسي و العسكري وأيهما الذي
يقرر .
وناقش الاجتماع المذكور ايضا معارك بشتاشان وأثارها السيئة
والسلبية على الانصار والحزب ماديا ومعنويا وبشريا , وبالفعل
كان هناك صراع بين طرفين كل واحد يحمل الاخر تبعات تلك المعارك
وعدم الاستعداد لها من النواحي العسكرية والتعبوية والسياسية .
وتطرق بيان الحزب الى العلاقة المتدهورة مع الاتحاد الوطني
وتوقف عند دور (أوك) خلال الفترة الماضية مشيرا الى ان قيادة
الاتحاد الوطني الكردستاني ( ساهمت في تخريب المساعي الرامية
لتوحيد اوسع جبهة وطنية لمقارعة النظام واسقاطه كما جاءت هذه
الصفقة المشبوهة في توقيت دقيق مع تصاعد الهجوم الامبريالي
الصهيوني على المنطقة واستباحة الاراضي العراقية من جانب
القوات التركية وتنظيم المذابح والاعدامات ضد الثوريين
الاكراد في تركيا
).
وشهدت هذه الفترة صراعا بين مجموعة باقر أبراهيم المتهم دائما
باليمينية وألاغلبيه التي تكون قيادة الحزب ومنهم (كريم أحمد
وعمر على الشيخ وتوما توماس وسليم اسماعيل وسكرتير الحزب
وغيرهم ) . وكان كل مجموعة تحمل الاخرى المسؤولية عن الخسائر
في بشتاشان وكذلك أوضاع الحزب بما فيه الكفاح المسلح. وقد رد
سكرتير الحزب على هذه الموضوعة بالقول: ( ماذا كان الحزب
يستحق بدون الكفاح المسلح ؟ لولا الكفاح المسلح لكنا في وضع
اخر لا يمكن أن أصفه الا بنعوت قاسية
)
.
أما بخصوص الحرب العراقية الايرانية فأصدر الحزب بيانا بعد أن
خسر الجيش العراقي مواقعه وأنسحابه الى الحدود الدولية فقد
طالب الاجتماع في بيانه ــ وقف الحرب واللجوء الى المفاوضات ,
ونفي حق الطرفين في ضم اراضي أي من البلدين للاخر و احترام
الحدود الدولية قبل الحرب , وأحترام السيادة الوطنية لكلا
الشعبين على أراضيهما , والاقرار بحق كل شعب في أختيار نوع
الحكم السياسي الذي يريده .
في حين كانت مجموعة باقر أبرهيم ومنهم عدنان عباس وبعض
الكوادر من الفرات الاوسط تريد أن يقوم الحزب بمراجعة نفسه
والرجوع الى الوطن والدفاع عن النظام الدكتاتوري لان الحرب
أخذت مسارا أخر هو أنسحاب الجيش العراقي ودخول الجيش الايراني
الاراضي العراقي . ولكن في هذا الامر فأن النظام هو الذي قرر
الحرب بدون مراجعة لاي طرف معين أو مؤسسة , ودعم النظام يعني
أعادة الاعتبار الى البعث الذي قتل من الحزب الالاف من
الشيوعيين وأصدقائهم .
وخلال هذه الفترة حدثت كثير من المشاكل بين الجهتين
المتعارضتين وأدت بالتالي الى أخراج بعض القيادات من اللجنة
المركزية ولاسباب مختلفة , منها ( موقفهم من سياسة الحزب
وأبتعاده عنه أو عدم أمكانيتهم القيادية أو موقفهم من الكفاح
المسلح ..... الخ ) .
أضافة الى دراسة مسودة التقيم لتجربة الحزب في الجبهة الوطنية
والقومية التقدمية مع حزب البعث ( 1968 – 1979) وأثارها على
الحزب وجماهيره . وتأكيد لنهج الحزب في العمل بكل الوسائل من
أجل تطويرالكفاح المسلح وتهيئة مستلزماته العسكرية والتعبوية
والمادي والاعلامية .
وشهدت هذه الفترة تطور صحافة الحزب: (طريق الشعب) و(نهج
الانصار ) و (ريكاي كردستان) و ( النصير ) والصحافة الداخلية
والنشريات الخاصة وغيرها، كما تطورت ايضا (اذاعة صوت الشعب
العراقي)
من خلال الكادر الفني المتواجد في قواعد الانصار .ومن خلال هذه
الفعاليات أراد الحزب أن يكون
الكفاح المسلح الاسلوب الرئيسي فضلاً عن الاساليب الاخرى وذلك
من خلال عقد مؤتمر للحزب في كردستان خاصة وان الحزب لم يعقد
مؤتمرا وطنيا منذ المؤتمر الثالث (أيار 1976)
وفي
نفس الوقت أراد الحزب اجراء تغيير في قيادته ودعمها بكوادر
حزبية شبابية , خاصة وان العديد من قيادة الحزب (أي حوالي
ربعها) قد ابتعد لاسباب مختلفة .
قيادة
الحزب
من
المعروف للجميع أن قيادة الحزب الشيوعي العراقي التي قادة
الحزب منذ عام 1964 أستمرت بقيادة الحزب برغم كل المتغيرات
السياسية والحزبية والانشقاقات , وهي التي أنتخبت في المؤتمر
الثاني 1970 وتحاورت مع قيادة البعث على التحالف ومن صادقت على
قيام الجبهة الوطنية التقدمية مع حزب البعث
تموز
1973, وأستمرت في القيادة بعد فضها في عام 1979 , وبعد أن رفع
الحزب الكفاح المسلح في كردستان العراق بقيت نفس القيادة حتى
المؤتمر الرابع في عام 1985 , حيث تغيرت حوالي نصفها لمختلف
الاسباب التي ذكرتها .
وهذا بتقديري غير صحيح بأن اللجنة المركزية تستمر في قيادة
الحزب في ظروف السلم والحرب , وهذا مخالف أيضا لذات هذا القائد
كونه لديه أفكار ورؤى تختلف من مرحلة الى أخر , ولكن للاسف هذا
الذي لم يكن .
النسبة الكبيرة من قيادة الحزب في حياتها السابقة مدنية وخرجي
كليات ومعاهد وعمال وفلاحين وموضفي صغار, وحوالي 3% الى 4% من
القيادة او الكوادر كانوا عسكريين وعاشوا حياة الانصار
والبيشمه ركه في كردستان في فترات مختلفة في عام 1963 وحتى عام
1970 .
ليس
سهلا لقيادي لا يعرف شيئ في الامور العسكرية أن يأخذ قرار في
الجانب العسكري والمعارك وتفاصيل العمل الانصاري , ولهذا لم
تنجح القيادة في كثير من مفاصل العمل العسكري , وقد أنعكس ذلك
في القواطع والافواج ومن يقود العمل . كثير من القياديين كانوا
أبطال العمل السري و في التنظيم الحزبي والعمل السياسي والسجون
, ولكن قدرته على العمل العسكري والعمل الانصاري صعب جدا.
الامر
الاخر والمهم هو أستمرار قيادة الحزب المعارضة لنهج الحزب
الجديد أي الكفاح المسلح في القيادة كونهم أعضاء في اللجنة
المركزية أو في المكتب السياسي , وقد أنعكس هذا بشكل سلبي على
أعضاء الحزب وكوادره لانهم لم يكتفوا بالمعارضة , بل أخذ بعضهم
بالتثقيف في وجهة نظره المخالفة وهؤلاء الملتفين حولهم أخذو
يثقفون بوجهة النظر المخالفة والتي أثرت على التنظيم بصورة
عامة , وكان بالاحرى بهؤلاء القياديين أو الكوادر الحزبية أن
يحتفظوا بأراهم وفق منطلق المركزية الديمقراطية السائدة أنذاك
.
أو
على الاقل يستقيل من اللجنة المركزية كونه له رأي مخالف ويضع
رأية للزمن الذي يخطئ هذا الرأي أو قد يكون صحيح .
المؤتمر الوطني الرابع
بين
الفترة 10 – 15 تشرين الثاني عام 1985 عقد الحزب مؤتمره
الرابع في منطقة لولان التابعة لمحافظة أربيل، وشارك في
اعماله 128 مندوبا كانت نسبة العرب فيه 68% والاكراد 28% وقد
ناقش المؤتمرون عدة وثائق مهمة كانت تحتاج المصادقة عليها .
عقد
المؤتمر بحماية الانصار وتحت شعار ( من أجل أنهاء الحرب فوراً
, وأسقاط الدكتاتورية الفاشية , وتحقيق البديل الديمقراطي ) .
كما
درس المؤتمرالعديد من الوثائق: تقيم سياسة الحزب ( 1968 – 1979
)، وبرنامج الحزب الجديد ، وتطوير الكفاح المسلح كأسلوب رئيسي
للحزب .
وقد
نجح المؤتمر برغم محاولات النظام ومخابراته في معرفة مكان
وزمان انعقاده , كما جرى ضم مجموعة من الكوادر الحزبية الى
قيادة الحزب كأعضاء في اللجنة المركزية .
وظهرت كثير من المشاكل أثناء المؤتمر حول تقييم سياسة الحزب
بين معارض ومؤيد حول سياسة الجبهة وأخيرا كان الحل ( وسطاً )
بين الجهتين المتناحرتين , حيث الاولى ترى أن سياسة الحزب زمن
الجبهة الوطنية التقدمية مع حزب البعث سياسة ذيلية ولم تعكس
مفاهيم وتطلعات الحزب حول الحريات الديمقراطية بصورة جلية
للجماهير , والجهة الاخرى تقول أن الجبهة الوطنية أستفاد الحزب
منها بتعزيز وجوده بين ابناء شعبنا وتوسعت قاعدة الحزب بشكل
ملفت للنظر أضافة الى التطورات الاقتصادية والاجتماعية على
صعيد حياة شعبنا اليومية بشكل عام .
وأنا أعتقد أن المؤتمرسجل نجاحاً كبيراعلى قدرة الحزب
التنظيمية والفكرية على حد سواء . وفي نفس الوقت أزال
المؤتمرالتردد بين البعض من الشيوعيين في كون أن الكفاح المسلح
هو الاسلوب الرئيسي للحزب أم لا . وأعطى المؤتمر هيبة للحزب
كونه قادر على أتخاذ القرار المستقل بعيدا عن التدخلات المحلية
والدولية .
وفي
نهاية المؤتمر جرى انتخاب اللجنة المركزية الجديدة وأضافة عشرة
أعضاء جدد من الجيل الثاني على أن لايكون عضوا في اللجنة
المركزية سابقأ وأن يكون من الذين عملوا في الداخل ويتم
أختيارهم من قبل سكرتير الحزب , وكانت هذه الخطوة في مجال
الديمقراطية وتعزيزها غير موفقة أطلاقاً. أما نشر أخبار
المؤتمر والاعضاء الجدد للجنة المركزية بعد أنتهائه مباشرةً
كان من المفروض على قيادة الحزب أن تحاسب كل من أفشى هذه
الاسرار الى الصحافة الخليجة وبالذات الكويتية .
وعقد المجلس العسكري أجتماعا برئاسة سكرتير الحزب وبحضور
مسؤولي القواطع والاعلام المركزي والاقليم وأتخذ جملة من
القرارات .
وجرى تعين المكتب العسكري لقيادة الانصار والكفاح المسلح وهم
(سليمان يوسف بوكه ورحيم عجينه ويوسف حنا القس وتولى يوسف
أسماعيل مسؤولية لجنة اقليم كردستان ) .
ولا
يمكن أغفال العديد من المعارضين لنهج الحزب والذين كونوا بعض
الكتل الحزبية والمنظمات , وبعضهم كتب الرسائل للحزب وقيادته
لتصحيح نهج الحزب كما يراها هؤلاء , وبعض هذه المنظمات أو
الرفاق كان يناشد الحزب من باب مصلحة الحزب وحبهم له وأخرون
كانوا عكس ذلك فقد أثرعليهم الموقف بشكل سلبي فأصدروا العديد
من النشرات التي تعبر عن نواياهم السيئة تجاه الحزب وقيادته
وتأريخه .
وخلال هذه الفترة بدأت حركة الكفاح المسلح المتمثلة في الاحزاب
المتواجدة على الساحة السياسية الكردستانية وجماهيرها بالسيطرة
على الكثير من مناطق كردستان وتوسع التنظيم الحزبي والسياسي
الى مناطق العمق وكذلك تطور عمل الحزب من زيادة الكسب والصلات
مع أعضاء الحزب السابقين الغير مكشوفين وكذلك الاصدقاء وأصبح
الحزب يصل الى كثير من مناطق العراق وخاصة المتاخمة لتلك
المنطقة كردستان ومنها ديالى وكركوك والموصل وحتى محافظة بغداد
.
وقد
اصدر الحزب بعض التوجيهات اكد فيها على ضرورة الحرص على
التنظيم وايجاد خطوط جديدة ذات فعالية أكبر وأكثر , وأيجاد
كادر حزبي عالي الثقة وتربية كادر حزبي قائد للتنظيم .
وأكد الحزب في نشرة داخلية على حفظ الادبيات وبرمجة الاجتماعات
وأقامة التنظيم على أساس مهني وموقع العمل و المحلة والقرية ,
والتأكيد على عدم أستخدام المحلات المكشوفة في القيام بمهام
الحزب والتنظيم . وكذلك وجه الحزب للتحرك بين
الجماهيروالاهتمام بألركائز الحزبية في القرى والقصبات وتشكيل
الفرق المسلحة داخل المدن ومدها بالمستلزمات الضرورية لعملها
واعتماد البرمجة والتخطيط المسبق وانضاج الظروف للانتفاضة
الشعبية المسلحة , واكد على _ تشكيل الفرق المسلحة واستكمال
توعية رفاقنا وأصدقاءنا في تلك التشكيلات . وكذلك تطوير العمل
التنظيمي والتعبوي في صفوف القوات المسلحة ودعوتها الى النضال
ضد النظام الدكتاتوري . وربط العمل العلني بالسري من خلال
التأثير على المنظمات العلنيــــة ( النقابات العمالية
والطلابية والنسائية والمهنية ) .
ومن
أجل تطوير العمل الانصاري بعث المؤتمر رسالة للانصار يقول فيها
(قووا وحدتكم وفعالياتكم المشتركة ضد الدكتاتورية وأجهزة قمعها
..طوروا أساليبكم ووسعوا مناطق نشاطكم السياسي المسلح,
بالانتشار بين جماهير الفلاحين وكادحي المدن والاعتماد على
تأييدها ودعمها .. وقدموا لها كل المساعدات الممكنة لحل
مشاكلها اليومية , وعبئوها من أجل مطالبها السياسية
والاقتصادية والثقافية .أرفعوا شعار التأخي مع الجنود وأفراد
القوات المسلحة, ممن يمتنعون عن أشهار السلاح ضدكم. وأعلنوا
أستعدادكم للتعاون معهم وطالبوهم بأقناع زملائهم , للانتقال
الى مواقع التأخي مع انصار الحركة الوطنية ) .
وأكد الحزب على التضامن مع شعبنا وذلك من خلال دعم منظماتنا في
الخارج وخاصة في الجانب الانساني وفضح خروقات النظام ضد
معارضيه من السجناء السياسيين وذلك لتوضيح ممارسات هذا النظام
الفاشي أزاء شعبنا للرأي العالمي من خلال الصحافة العربية
والاجنبية والاعلام المرأي .
ملامح الاستقرار
ومن
ملامح الاستقرار والتطور في هذه المرحلة هو السعي الى بناء
المستشفيات وتوفير بعض الاطباء وتم بناء عيادة أسنان وبعض
المضمدين , وهؤلاء قدموا خدمة كبيرة للقرى المحيطة بالمنطقة
وأستفاد الاهالي منها , أضافة الى الانصار المرضى ومن الاحزاب
الاخرى , وكان للنصيرات الطبيبات مهما بين النساء في المنطقة
خاصة للولادات .
ومن
أجل الاستفادة من مساحات الاراضي الواسعة التي تحت سيطرة
الاحزاب ومنها الحزب الشيوعي في المنطقة فقد تم زراعة بعض
الاراضي والتي تم الاستفادة منها من خلال زراعة الخضروات (
الصيفية ) والتي عوضت الحزب الشراء من المناطق التي تحت سيطرة
النظام .
كما
تم توفير السلاح والقذائف والاعتدة وغيرها حيث تم شرائها من (
الجحوش ) من خلال وسطاء , وهي مخلفات الجيش الذي أنسحب من
المنطقة , أو التي بحوزتهم .
وخلال السنتين 1987 و 1988شن النظام الدكتاتوري هجوما وحشيا
على مناطق تواجد الانصارمن خلال ضربه لمواقع في منطقة بهدينان
( مقر قاطع – زيوه ) يوم 5 حزيران 1987 بالسلاح الكيمياوي –
غاز الخردل والذي أدى الى عمى مؤقت لاكثر من 150 نصيرا من
الحزب الشيوعي العراقي وكذلك قصفة لقرى بليسان وقرى نائية مما
خلف أثارا وأضرارا كبيرة على الحقول والمزارع والحيوانات ,
وكانت ضربة حلبجة بالغاز الكيمياوي في أذار 1988 هي الجريمة
البشعة التي راح ضحيتها 5000 مواطن كردي من رجال ونساء وأطفال
والتي أدانتها المنظمات الانسانية في جميع أرجاء العالم تقريبا
وبعض الحكومات في الدول الاوربية .
في
الوقت نفسه كانت توجهات الحزب هي التأكيد على العمل السري في
الداخل , وحث الطلبة على التظاهر , والاهتمام بالمراسلات
الحزبية ورصد تحركات عناصر السلطة .
ونتجة للظروف التي تحيط بالمنطقة عمل الحزب بنموذج المفارز
الصغيرة من أجل سهولة الانتقال والاختفاء .
وخلال هذه الفترة ( أختل توازن القوى في الحرب العراقية –
الايرانية لصالح العراق جراء الموقف الدولي وتعززت امكانياته
العسكرية واسلحته الكيمياوية بدعم دولي مما ادى الى اجبار
ايران على الموافقة على وقف الحرب )
.
وعندما توقفت الحرب العراقية الايرانية طبقا لقرار مجلس الامن
الدولي المرقم 598 والصادر في تموز 1988 أعد النظام العدة
للهجوم على الاحزاب والقوى الوطنية في كردستان العراق , خاصة
وأنه خرج من الحرب مدمرا أقتصاديا وأجتماعيا .
أهم
مميزات الحركة الانصارية للحزب
تتميز الحركة الانصارية في هذه فترة الانتعاش (1984 – 1988 )
بمميزات تختلف عن الحركة الانصارية السابقة في أغلب جوانبها
أبتداء من الظروف المحيطة بها الى وضع الانصارأنفسهم وايضا وضع
النظام الدكتاتوري وغيرها من الظروف -
1-
التحاق عدد كبير من الكوادر الوسطية والقاعدة الحزبية بالحركة
الانصارية .
2-
ضمت
الحركة الكثير من المتعلمين وخريجي الجامعات وحملة الشهادات
العليا والاساتذة والمختصين وعدد كبير من الطلبة الذين أنهو
دراستهم توا أو هم في صفوف الجامعة .
3-
في
المرحلة الاولى أعتمدت الحركة الانصارية على أعضاء الحزب ولم
يلتحق من أبناء المنطقة بالحركة الا في منتصف المرحلة
وغالبيتهم من الفلاحين الذين ازداد عددهم خاصة بعد الهروب من
الحرب .
4-
وجود عدد لابأس به من النصيرات المقاتلات .
5-
أنتقال قيادة الحزب الى قواعد الانصار والذي أعطى روح معنوية
جيدة للانصار .
6-
توفرت أسلحة مختلفة وتم شراء بعضها من أعوان السلطة بواسطة
الوكلاء .
7-
تنظيم جيد في تقسيم القواطع والافواج والسرايا ومهماتها.
8-
الحركة أرتبطت بمجموعة من الاحزاب الكردية أرتباطا وثيقا ً,
بها وبصراعاتها وأهدافها .
9-
بناء مستشفيات شبه مستقرة وتوفرت لديها أدوية وأطباء جراحين
وأطباء أسنان من كلا الجنسين وبعض المضمدين والمضمدات .
10-
علاقة غير ودية مع دول مجاورة ( أيران وتركيا) . (ارتباطا
بموقف ايران المعادي للشيوعية لم تتطور علاقاتنا معها , كما لم
تستفد حركتنا الانصارية منها , بل ساءت العلاقات اكثر مع دخول
القوات الايرانية وبعض القوى الموالية لها اراضي كردستان , حيث
اضطررنا الى الانسحاب من تلك المناطق , مما ترك اثارا سلبية
على حركتنا الانصارية
) .
سياسة التهجير
منذ
وقت طويل أستعملت الانظمة الدكتاتورية والفردية سياسة التهجير
والابعاد والنفي ضد السياسيين المناوئين لها حيث أبعد قبل وبعد
ثورة العشرين شخصيات عراقية ثورية الى الهند وأيران و تركيا
ودول أخرى من جراء موقفهم من الانظمة المتعاقبة والذي كانوا
يطالبون فيه بالحرية او الاستقلال ... الخ وأسقطت الجنسية عن
بعضهم .
وقد
قامت الحكومة العراقية بعد أنقلاب عام 1968 بتهجير الاكراد
الفيلية والعرب الشيعة في كل مناطق العراق بحجج واهية وغير
قانونية بل لأعتبارات قومية وسياسية وأيديولوجية .
أما في مناطق كردستان العراق فقد هجر النظام الدكتاتوري القرى
الكردية القريبة من مناطق الثوار في الجبال لقطع الرافد المهم
لاستمرار الثورة وأستمرار الحياة فيها .
ولم
تكن سياسة التهجير التي أستعملها النظام وبرع بها فقط, بل
سياسة القمع والاعتقال والاعدام , كما مارس سياسة التمييز
الطائفي من خلال الترحيل القسري للالاف القرى في المنطقة .
اضافة الى ذلك تم حرق القرى وبعضها هدم وشتت اهلها ونقلوا الى
مناطق اخرى , ووضعت الربايا والافواج التي تراقب الناس الذين
يعيشون في تلك المناطق كل ذلك لكي يقطعوا السبل أما م البيشمه
ركة والانصار الذين يعتمدون بهذا الشكل وذاك على هذه القرى في
التموين والرصد ونقل الاخبار وغير ذلك , بل زرعوا عملائهم في
أغلب القرى من المختارين الى الجحوش ( الفرسان ) وغيرهم .
وعملوا على أيقاف الملتحقين من أبناء المناطق الاخرى الفارين
من الحرب الذين هم من المناطق الجنوبية للالتحاق بفصائل
الانصار أو البيشمه ركة من خلال تشكيل الافواج الخفيفة التي
تصدت الى الاعداد الكبيرة من هؤلاء الملتحقين وبعضهم قتل أو تم
القاء القبض عليه وتم أعدامه .
لقد
عمل النظام على فرض الحصار الاقتصادي والاداري للقرى ووضع
بعضها تحت حزام أمني واضعا تلك المناطق في أعتبارات الجانب
العسكري تحت غطاء القرى والمناطق المعادية له, اراد النظام أن
ينكل بالقرى ورافضي الحرب الذين وصل عددهم الى الالاف ويجبرهم
بالرجوع الى المدن.
حاول النظام القيام بعدة أجرأءات للنيل من معارضيه الذين
يكافحون من أجل أسقاطه ومنها –
1-
القصف اليومي للقرى القريبة من مناطق الثوار .
2-
سياسة الحصار الاقتصادي التي حارب بها الاهالي ومنتوجاتهم .
3-
ألتهديد بأستعمال الاسلحة المحرمة دوليا والتي استعملها فيما
بعد في ضربه حلبجة 1988 وبعض مقرات الانصار.
4-
شكل
الوكلاء والفرسان والمختارين أدوات النظام في كردستان .
5-
الافواج الخفيفة التابعة لبعض العشائر التي كانت تخدم النظام
الدكتاتوري وكانت أداة لقتل المواطنين الابرياء من النساء
وكبار السن والاطفال .
6-
تشكيل لجنة موالية للنظام في المجمعات والوحدات السكنية .
7-
أصدار العفو العام بين فترة وأخرى لغرض كسب ود الناس ورجوعهم
الى السلطة .
دمر
النظام الالاف من القرى من خلال ضربها باللاسلحة الكيمياوية في
سليمانية واربيل ودهوك اضافة الى القصف المدفعي الذي أدى الى
تهجير القرى الحدودية وسمح له بتشكيل حزام أمني يمتد على طول
الحدودالعراقية التركية والحدود الايرانية وحتى السورية .
ومن
أكبر حملات التهجير كانت حملات ( الانفال أب 1988 – وهي تعني
غنائم الغزو) حيث تم نقل عشرات الالاف من المواطنين الى مناطق
غير مؤهوله ولحد الان فأن هؤلاء باتو مجهولي المصير وعدت تلك
الحملة من أسوء الحملات وأعتبرت من الجرائم الوحشية
ضدالانسانية .
المعارك ضد قوات النظام
لقد خاضت قوات البيشمه ركه والانصار عدة معارك ضد قوات النظام
الدكتاتوري من الجيش النظامي بمختلف صنوفه وكذلك الجحوش (
ويسمى الفرسان ) والافواج الخفيفة وغيرهم , وأغلب المعارك
القتالية كانت غير متكافئة من ناحية العدة والامكانيات وعدد
القوات المهاجمة أو المدافعة وأستعمل الجيش فيها الاسلحة
التدميرية والكيمياوية وبعض المعارك أستعمل فيها الطيران
الحربي الذي قصف مقر قيادة قاطع بهدينان الذي أدى الى أصابة
أكثر من 150 نصيرا بسموم الاسلحة الكيمياوية , وبرغم قوة
النظام وجبروته فقد حققت قوات الانصار الكثيرمن ألانتصارات في
بعض المعارك ومواقع السلطة من ربايا أو أفواج أو عمل كمائن
محكمة .
وبعض المعارك أدت الى خسائر غير قليلة في قوات الانصار وكان
بعضها بسبب اللامبالات وضعف اليقظة أو قلة الخبرة في التخلص من
الكمائن , ومن هذه المعارك, معارك كرميان ودربنديخان ومفرزة
الطريق وربيئة سركلي في العمادية والخسارة الكبيرة في منطقة
(بيرموس- كلي كورت ) والتي أدت الى أستشهاد 9 أنصار من خلال
هجوم الطائرات السمتية ( الهليكوبتر ) على المفرزة وغيرها .
أضافة الى المعارك بين قوات المعارضة فيما بينها والذي أدى الى
خسائر كبيرة بين قوات الانصار والبيشمه مركة حيث أدى أيضا الى
تدهور في معنويات تلك القوات , ومنها المعارك المسلحة التي
حدثت بين قوات جود وقوات الاتحاد الوطني .
(
وفي هذه الفترة من مسيرة الحركة الانصارية وقعت احداث سياسية
وعسكرية هامة تركت اثارها على الحركة وعلى مسارها وتقييمها ,
وظلت هذه التأثيرات ملحوظة طوال فترة الحركة . وكان في المقدمة
من تلك الاحداث الاصطدامات المسلحة بين الاطراف الكردية
) .
ورغم تطورالحركة الانصارية في الامكانيات التسليحية والمادية
والعددية , الا أنها بقيت أسيرة المنطقة الحدودية , وامام قوة
النظام الدكتاتوري التي تحدثنا عنها لايمكن أن تحتل قوات
الانصار مواقع معينة للجيش العراقي ( ربية أو فوج أو ناحية )
وتبقى فيها أكثر من ساعة , وخلال العمل الانصاري كانت قد تحققت
الكثير من البطولات وكان بعضها جريئاً وبعضها فيه نوع من
المجازفة كما حدث في ( جامعة صلاح الدين ومانكيش ومطار بامرني
وتحرير ناحية نوجول وفوج سوتكي ... ألخ ) .
من
جانب أخر لم ترتق الحركة الانصارية الى درجة كافية من التطور
الجماهيري وتحفيز الجنود والضباط ورافضي الحرب للالتحاق بها .
(
واخفقت حركتنا الانصارية في كردستان في احتواء جمهرة الجنود
الهاربين وخاصة من المناطق العربية , والسبب يعود الى ضعف
تنظيماتنا الحزبية في مناطق السلطة وبالتالي ضعف دورها في
توعية الجماهير وكسب هؤلاء الجنود , وبعد مناطقها عن مواقع
الانصار في كردستان ومصاعب الظرف السياسي وقساوة الارهاب في
بقية أنحاء العراق
).
وفي
حزيران 1988 درس المكتب السياسي للحزب وضع الحركة الانصارية
وقيادتها وقرر نقل قيادتها للجنة أقليم كردستان , وكان هذا
المقترح قيد دراسة منذ أجتماع اللجنة المركزية في كانون الاول
1986, وطبقا لهذا القرا قرر أخراج قيادة قواطع الحركة
الانصارية الى الخارج .
لقد
عاشت الحركة الانصارية ظروفا صعبة للغاية في التموين والنقل
خاصة وأن المنبع الاساسي للحركة الانصارية قد زال وهي القرى
التي كانت ترفد الحركة بكل شيئ .
وأخيرا كانت الانتكاسة والخسارة للحركة الانصارية وقوات
البيشمه ركة حيث خرجت تلك القوات في نهاية عام 1988 الى دول
الجوار تركيا وأيران وسوريا .
شهداء الكفاح المسلح
قدم الحزب الشيوعي العراقي منذ أتخاذه أسلوب الكفاح المسلح
مئات الشهداء وخاصة في الفترة ( 1963 الى عام 1970 والفترة
اللاحقة من عام 1979 وحتى عام 1988 ) وسيصدر لاحقاً كتاب عن
شهداء الحركة الانصارية .
لقد
قدم الانصار الشيوعيون مأثر بطولية ومثالا للتفاني والاخلاص
والاقدام وبقيت تضحياتهم شاخصة باقية لاتنسى وكانوا مثالا
للبطولة التي يذكرها الاعداء والاصدقاء على السواء من الاحزاب
والمنظمات التي عاشت عن قرب في ساحات النضال .
وكانت خسائر الحزب كبيرة نتيجة لتحارب أصدقاء الامس وخاصة
ماجرى مع الاتحاد الوطني في بشتاشان أيار 1983 والتي راح
ضحيتها أكثر من 60 نصيرا غير الجرحى والمفقودين , وهم من
الكوادر الحزبية المختلفة .
وكذلك المعارك الغير متكافئة مع قوات النظام المتمكن تسليحا
وقوة وعددا .أضافة الى الاخطاء في العمل العسكري والذي أدى الى
أستشهاد عدد غير قليل من الانصار .
وقد
بعث المؤتمر الوطني الرابع للحزب تشرين الثاني 1985رسالة الى
عوائل الشهداء معبراً عن أحترامه وتقديره العالي لتضحية هؤلاء
الابطال
.
بعض من رافضي الكفاح المسلح يؤخذ على الحزب اتخاذه طريق الكفاح
المسلح , لو أتخذ أسلوب نضالي أخر لكانت خسائره أقل من هذا
العدد , في حين هؤلاء وغيرهم لايعرفون مدى الذل الذي وقع فيه
رفاق الحزب أبان هجوم الاجهزة الامنية والمخابراتية للنظام في
عامي 1978 و1979 والذي راح ضحيته حوالي 70 ألف حسب تقديرات
الحزب بين أعتقال وتعذيب وأسقاط سياسي وأعدام . وكان الكثير من
هؤلاء المناضلين يتمنون الشهادة على كشف أسرار الحزب أو كشف
الرفاق أو التنظيم . وقد أستعمل النظام الدكتاتوري في شباط
1963 ومابين 1978 و1979 مختلف أساليب الارهاب من وسائل التعذيب
من مثل أجبار المعتقل على الجلوس على القناني أو الخوازيق أو
الاعتداء الجنسي أو التعليق في المروحة السقفية أو قلع الاظافر
أو الكي بواسطة السكائر أو الالات أخرى , ويذكر كتاب طوارق
الظلام لمؤلفيه توفيق الناشي والسيدة ابتسام الرومي – كيف كان
البعثيون يمارسون الارهاب ويقتلون ضحاياهم
.
الفترة الخامسة 1988- 1989
نهاية الكفاح المسلح
بعد انتهاء الحرب كان لدى الاحزاب والجماهير في منطقة كردستان
العراق توجس بهجوم النظام الدكتاتوري عليها , وكان التفكير أن
النظام يهيئ لذلك الهجوم بعد أن ينقل قواته الى المنطقة ويعمل
على تنظيمها , بالنسبة لنا في الحزب الشيوعي العراقي وقواته
درست قضية العوائل المتواجدة التي حوصرت وأغلبهم أهالي الانصار
والملتحقين بالحزب والكفاح المسلح , وقد قررت القيادة في بعض
المناطق التسليم الى النظام وذلك في بداية الهجوم في 25 أب من
عام 1988 وبالفعل سلمت العوائل نفسها الى قوات النظام الفاشي
من جيش وجحوش الذين قاموا باعدام كل من سلم نفسه أليهم والذي
عرف فيما بعد بـ عمليات (الانفال) وهي أسم لسورة في القرأن
الكريم، والتي راح ضحيتها 180 الف مواطن كردي .
وبالنسبة لقوات البيشمه مركة والانصار الاخرين من القوى
المتواجدة فلم تستطع المقاومة أومجابهة 150 الف من الجحوش
والجيش مدججين بالسلاح وتساندهم الدبابات والمدرعات وقطاعات
عسكرية وبمصاحبة الطيران من الهليكوبتر والطائرات النفاثة
والتي راحت تقصف أغلب المناطق , وقد أنسحبت قوات الانصاربأتجاه
تركيا وأيران وبعضها الى الحدود السورية , ومنهم من أختفى وعاش
ظروف غاية في الصعوبة .
لقد
شاهدنا القسوة بكل تفاصيلها والقتل العمد والتنكيل ضد كل من
يلقى القبض عليه , ولم نر أي جانب أنساني يشعرك بأنه أخيك في
الدم والتأريخ والحضارة , بل أنك عدوه الاول!!
لقد
شاهدنا الكثيرمن المأسي لتلك العوائل الكردية المنسحبة و
(المتبهذلة ) وهي تعاني من ظروف غاية في الصعوبة، من حرمان
وجوع وفقدان الاحبة .
أن أنهيار الحركة ككل جاء نتيجة ظروف معينة في اغلبها ذاتية أي
الاحزاب الكردستانية بأشكالاتها ومن جراء علاقاتها المتوتره
ونزاعاتها وايضا اخطائها الداخلية التي سبق وان تحدثنا عنها ,
أضافة الى علاقاتها مع الدول المحيطة التي لا تريد الخير
للحركة نفسها , وكذلك الظروف والمتغيرات الدولية التي كانت في
غيرصالح القوى الوطنية والخيرة حيث كان الانكسار بشكل عام لهذه
القوى .
لقد تبعثرت قوات (البيشمه ركة – الانصار ) في مناطق كردستان
العراق وعاشوا ظرفا صعبا , حيث لم يكن لهم خيارا بل أجبروا على
مغادرة كردستان التي سبق لهم وان حرروا مناطق كبيرة منها
وأصبحت تحت سيطرتهم .
وقد
قام الانصار بأخفاء الاسلحة والوثاثق السرية والمواد التي لا
حاجة لهم بها, وقد وجهت قيادة الحزب على خفض أعداد المفارز وأن
تتحول الى مفارز صغيرة .
وبالمقابل كان النظام يرسل دعاياته حول تحشده وتجميع قواته وقد
أثرت هذه الدعاية على المواطنين البسطاء فراحوا ينسحبون من
المنطقة مع عوائلهم وماشيتهم وأخف حاجاتهم الثمينة وقد
تأثرمزاج الجماهير بشكل سيئ وكانت تدرك أن النظام سيقوم بهجومه
على المنطقة بعد أن أنتهت الحرب مع أيران .
أسباب فشل الحركة الانصارية
( لقد انتكست
الحركة الانصارية عام 1988 لاسباب ذاتية وموضوعية بعد أن تركت
دروسا غنية للحزب ومسيرته, ولعموم الحركة الوطنية في بلادنا)
.
لا
أريد التحدث عن فشل الكفاح المسلح والثورة بشكل عام بقدر
مايعني الموضوع , فشل تطور هذه الحركة الانصارية التابعة للحزب
الشيوعي العراقي وبرغم أن الحركة الانصارية كانت مستقلة
تنظيميا وفكريا وعمليا الا أنها كانت تتأثر بالحركة الكردية
ككل وهي جزء منها وتعمل في مناطقها , وفي وقت معين أشترك
الانصار في كثير من المعارك ضد النظام الدكتاتوري العارفي بعد
حزيران عام 1963 .
-
جاء
تبني الكفاح المسلح كرد طبيعي على سياسة النظام الدكتاتوري
الذي أراد أن ينهي الحزب . ولم ياتي ذلك برغبة ذاتية كان يخطط
لها مسبقاً. وهناك اطروحة مرشدة للينين عندما اكد على التحليل
الملموس للوضع الملموس يتيح للحزب الثوري اختيار الشكل النضالي
الملموس. والمعنى هنا واضح وهو ان اختيار الشكل (او الاشكال)
النضالي الملموس لا يخضع للرغبات الذاتية.
-
خاض
الحزب الشيوعي العراقي الكفاح المسلح بهيكله العام بصورة
أساسية أي بأعضاء الحزب وكوادره .
-
أدى
صراع الاحزاب الكردية في مابينها وبعضها مع الحزب الشيوعي الى
تعقيدات في مرحلة معينة من النضال .
-
كانت الحركة لا جماهيرية , وهي أقرب ما تكون الى منظمة حزبية
عسكرية
.
-
لم
تستطع قوات الانصار من كسب قواطع أو أفواج من الجيش العراقي ,
الا بعد انتفاضة أذار 1991 .
-
ضعف
الاعلام والتعبئة والدعاية والتي لم تستطع الوصول الى مناطق في
عمق العراق ( في 2004 أتصلت بأحد المواطنين لطبع كتابي مذكرات
نصير في حي الجامعة ببغداد وتحدثت عن الكتاب وحياة الانصار ,
وقال لي لم أسمع بأن الحزب الشيوعي العراقي يخوض حرب الانصار
في الشمال , وهذا المواطن كان في نهاية عقده الثالث وخريج
جامعة) .
-
صراعات أدارية داخل الحركة الانصارية وخاصة حول من يقود الحركة
الانصارية وتوابعها من الافواج والسرايا , هل هو السياسي أم
العسكري والتي القت بضلالها على الحركة الانصارية عامة ً.
-
الصراع الفكري في قيادة الحزب مابين الذين مع الكفاح المسلح
والذين ضده .
-
الدول المحيطة بالحركة الانصارية والتي تعاديها وتعادي الحركة
الكردية , (تركيا وأيران ) .
-
بقيت حركة الانصار في مناطق محدودة نسبيا عدا بعض المناطق التي
وصلتها في بعض العمليات, ولم ينجح شعارها في تعريق ( عرقنة )
الكفاح المسلح .
-
تعين بعض الكوادر الغير كفؤة لقيادة العمل العسكري أو السياسي
أو الاداري .
-
تحويل مسؤولية الحركة الانصارية من القيادة المباشرة للجنة
المركزية الى لجنة أقليم كردستان
-
الحرب العراقية الايرانية وتأثيراتها على الحركة الانصارية وهي
بين مصالح ذاتية لايران في المنطقة ومصالح الاحزاب الكردية
والاستفادة من هذه الحرب ولو وقتياً .
-
دور
مخابرات النظام وعملائه في المنطقة واساليبه في الخداع
والتضليل والمناورة وكذلك القوة الدعائية وتأثيرها على
الجماهير .
-
ضعف
في الجانب التسليحي لقوات الانصار بشكل عام .
-
العفو العام من قبل السلطة أثر على البعض من الانصار
والملتحقين والهاربين من الجيش .
-
كثرة العوائل في المقرات والمرضى وكبار السن وهذا بحد ذاته
كانت عبئا على الحركة الانصارية والتي اخذت حيزا من جهد
الانصار للحفاظ عليهم .
-
لم
تصل الحركة الى مستوى حركة ثورية عارمة تؤثر بشكل مباشر على
عموم الجماهير في المنطقة وفي العراق ككل وذلك للاسباب التي
ذكرتها .
-
عدم
فهم الاحزاب الكردية لتطلعاتها وطبيعتها الطبقية وسياساتها
وتحالفاتها ومصالحها .
-
عدم
تطوير العلاقة بشكل كاف مع الجماهير الكردية .
-
تجفيف منابع الحياة والصلة مع القرى والاهالي من خلال التهجير
وغلق العيون والقصف اليومي الذي أدى الى ضعف في المعنويات خاصة
لدى الجماهير التي كانت ترفد الحركة الانصارية والبيشمة ركة
بكل مايحتاجون من أخبار أو أرزاق وتموين وأمور أخرى .
-
نجاح السلطة – الى حد معين – في عزل الحركة عن الجماهير عبر
اجراءات مختلفة ( سياسة الارض المحروقة , تشكيل الافواج
الخفيفة , قرارات العفو , الاجراءات الامنية , تسليح سكان
العديد من القرى وكذلك ملاحقة عوائل الانصار .
ويتطرق تقيم حركة الانصار الى أسباب أخرى منها أن الحركة
الانصارية لحزبنا لم تستطع تجاوز الاساليب العسكرية المتوارثة
تماما , وكذلك حرمان الانصار من فترات استراحة ضرورية لتجديد
قواهم واكساب الحركة سمات التجنيد الالزامي بهذا الشكل أوذاك
) .
ربما هذه ليست كل الاسباب لفشل الحركة بصورة عامة , لاننا كحزب
لم نخسر كل شيئ , بل خسرنا المعركة وهذه هي الحقيقة لان الحزب
عاد بقوة بعد سقوط النظام الدكتاتوري وبرغم الظروف الحالية
وفوضى الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومخلفات
الحروب لكن الحزب يعود من جديد ولو ببطء ولكنه بأتجاه الصعود ,
حيث يحتاج المواطن الامن والاستقرار وظروف حياتية أفضل لكي
يستطيع أن يقرأ ويفكر ويختار من هو المؤهل في أن يلعب دور
رئيسي في الساحة السياسية العراقية وبالتالي بناء الدولة
الحديثة والتي تحتاج الصدق والصراحة والنزاهة و.... الخ .
ويشير التقرير السياسي الصادر عن الاجتماع الاعتيادي الكامل
للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في أوائل أذار 1989 (الى
جملة من الاسباب التي أدت الى الانتكاسة بشكل عام , منها حرب
الابادة الشوفينية التي قام بها النظام ضد الشعب الكردي وحملة
أبادة جماعية والتي تصاعدت منذ نيسان عام 1987 أضافة الى
أستخدامها للاسلحة الكيمياوية والقنابل العنقودية ومنها قصف
مدينة حلبجة في أذار 1988 , وكان النظام يسعى الى تركيع الشعب
الكردي وسحق حركته القومية المسلحة وقوى المعارضة الوطنية ),
ويشير التقرير الى جملة من النواقص الذاتية للحركة ككل والتي
أدى الى فقدانها المواقع أضافة الى العوامل الموضوعية .
ومن
هذه العوامل الذاتية –
-
كان
التنسيق بين القوى المسلحة للحركة الوطنية دون المستوى
المطلوب.
-
كانت بعض المفاهيم سائدة بخصوص التعويل على الحرب مع أيران
لاسقاط النظام الدكتاتوري .
-
كل
حركة أنصارية لها نواقصها والتي تركت أثارها على العمل
والمجابهة مع النظام
) .
وبالفعل قام النظام بتصفية كل أثار للحياة في كردستان من خلال
تهجير الاهالي والقرى المحيطة بمناطق عمل القوى الوطنية
المسلحة , وأستطاع السيطرة على الطرق الرئيسية والاماكن
المهمة في الاقضية والمدن .
وحول الحركة الانصارية يرى بيان اللجنة المركزية الصادر في
أذار 1989 الى ( أنه أحد اشكال الكفاح المسلح الذي يمكن ان
يتخذ صورا واشكالا عديدة , تبعا لطبيعة الوضع , وملاءمة هذا
الاسلوب أو ذاك لتطوير نضال جماهير شعبنا من أجل السلام
وانتزاع الديمقراطية وضمان الحقوق القومية للشعب الكردي)
ظروف الحزب
بعد الحملة الكبيرة لنظام صدام حسين وخروج أغلب القوى العراقية
الديمقراطية واليسارية من ساحة النضال , وتأثير الظروف
الخارجية على مجمل الاحزاب ومنها الاحزاب الشيوعية ومعالجة
ذاتها من خلال ما أطلق عليه (البروسترويكا) أي أعادة البناء
والتي أثرت بشكل كبير على أعضاء الحزب وأصدقائه , وتبنته بعض
وسائل الاعلام العراقية وبما فيها الحزبية ( مجلة النهج مثالا-
مجلة الاحزاب الشيوعية والعمالية في العالم العربي ورئيس
تحريرها فخري كريم والتي تصدر من دمشق ) بدون أن تجد الوامل
الملائمه مع ظروف هذه الدول الاخرى ومنها الاتحاد السوفيتي ,
وقد أقامت مجلة النهج بندواتها المتتالية ودعوة كبار المفكرين
والمثقفين لتتبنى هذا الفكر والتغير الجديد.
وعلى ضوء هذه المتغيرات السياسية والايديولوجية والنضالية ,
وجد الحزب ظروفا غاية في الصعوبة في أيجاد حلول لوضع متأزم على
جميع الاصعدة .
يشير الكاتب عزيز سباهي في كتابه الى ( بعد عام أي في أواخر
أذار 1990 عادت اللجنة المركزية الى مناقشة أوضاع الحزب في ضوء
البروستروكيا و ولكن بتفصيل اكبر هذه المرة , واعارت اهتماما
اكبر للظاهرة ذاتها وتقدمت خطوة ابعد في طرح وجهة نظر الحزب
الشيوعي العراقي فيما يجري وتقول في تقريرها أيضاً أن أقرار
حزبنا بالظروف الموضوعية التاريخية لعملية التجديد وطابعها
الشمولي الخلاق , ينطوي على وعي المخاطر التي تحيطها وتلازمها
وتناقضاتها والعوامل التي تتحكم بمجراها وتكبحها او تغير وجهة
جريانها مما يستلزم التأكيد على قيم الاشتراكية وأفضلياتها )
.
ويشير الاجتماع الى أن الحزب الشيوعي العراقي يحاول أن يتمثل
جوهر التجديد واتجاهاته الرئيسية انطلاقا من واقعه الملموس و
في معرض تجديد برنامجه ونظامه الداخلي وتدقيق سياساته بما
يساعد في أبراز قيمة الاشتراكية ومضامينها الديمقراطية العميقة
على أن يراعي ماهو جوهري في هذه العملية الموضوعية وما ينسجم
مع الخصوصية الملموسة لبلادنا وحزبنا .
واعتقد أن البيرسترويكا أثرت بشكل سلبي على مجمل الاحزاب
الشيوعية في العالم وخاصة نحن في المنطقة العربية والعراق
بالذات , حيث كثير من الاحزاب الشيوعية العربية غيرت أسمها بل
أنحلت وتركت القضية التي ناضلت من أجلها عشرات السنين واصبحت
هذه الاحزاب تمر في مرحلة قاسية جدا , خاصة أن أغلب الدول
الاشتراكية قد تغيرت فيها النظم السياسية وجاءت حكومات جديدة
موالية للغرب , وللاسف الشديد فان الانحدار الذي أنحدرت به هذه
الاحزاب الحاكمة وبتحريك من عراب البيرسرويكا ( ميخائيل
كرباجوف ) ادى الى أنحلال هذه الاحزاب وبسرعة كبيرة .وكانت
بالنسبة لنا صدمة قوية وكبيرة برغم أن الشيوعيين العراقيين من
أكثر الشيوعيين الذين كانوا يتخوفون من هذه الاجراءأت السريعة
والمحبطة في نتائجها .
وبالتالي عاش الحزب صراعات حادة وسط قيادته وكوادره خاصة وأن
الحزب خرج من الكفاح المسلح مع القوى الاخرى والاحزاب الكردية
بخسارة ساحة المعركة التي بقي فيها أكثر من عشرة سنوات , أضافة
الى تأثيرات البرستروكيا على مجمل الاوضاع السياسية في العالم
, وبالفعل أصبحت هناك أزمة حقيقية في قيادة الحزب , وقد غلب
الجانب القومي لدى بعض الرفاق الاكراد وذلك بنشوء أو تطوير
منظمة أقليم كردستان الى الحزب الشيوعي الكردستاني , وهذا
ماجرى لاحقا .
ويشير كتاب عقود من تاريخ ( تمثلت أزمة القيادة في جوانب سلبية
عديدة في مقدمتها ضعف اليقضة والمبادرة والبيروقراطية والتسيب
وافشاء الاسرار وخرق الانضباط الحزبي , وتعالت الشكوى من أن
القيادة السياسية ليست في مستوى الاحداث , وانها غارقة في
المركزية البيروقراطية وان الخلافات تسود المكتب السياسي في
المواقف السياسية والفكرية , ودار حديث أيضا عن أن المتابعة
ضعيفة وربما معدومة وبالنسبة للقرارات التي تتخذ , وأن
أجتماعات المكتب السياسي ليست بالمستوى الذي يليق بهيئة خطيرة
بهذا المستوى , في حزب ذي تجربة طويلة في العمل ...لم يعد
خافيا أن العلاقات فيما بين أعضاء المكتب السياسي قد ساءت وأن
الجفاء قد بلغ حد الطعون والشتائم بين بعض أعضائه
) .
وضع
الحزب بين 1989 و1993
-
أزمة (أشكالات ) في قيادة الحزب .
-
ضعف
في التنظيم بصورة عامة .
-
نشوء ظاهرة التسيب واللامبالات بين صفوف الحزب بما فيها قيادة
الحزب .
-
ضعف
في قيادة الحزب وعلى رأسها سكرتير الحزب في حسم بعض الامور
التنظيمية والسياسية والفكرية ( فيما يتعلق بالبيريسترويكا
وتأثيراتها الفكرية ) .
-
الابتعاد عن تحمل مسؤولية الاخطاء والسلبيات والنواقص في عمل
الحزب .
-
أنهيار في مواقف بعض الكوادر المتقدمة في الحزب .
-
علاقاتنا مع (حدك) (وأوك ) غير جيدة فيها شوائب لاسباب سياسية
بالاساس ( كما يصفها عضو اللجنة المركزية رحيم عجينة ) , ووضع
الحزب بصورة عامة غير جيدعلى ضوء الظروف الموضوعية والذاتية
والحالة التي مر بها أنفاً.
-
الخروج الغير منظم من ساحة المعركة وتبعاتها في الخروج الى دول
اللجوء .
-
عدم
وجود دراسة جدية تحل أشكالات الانصار خاصة بعد خروجهم من
كردستان ( يأتي قرار بمحاسبة كل من يخرج الى دول اللجوء , بعد
شهرين يأتي قرار بمساعدة العوائل للخروج الى دول اللجوء , ثم
يأتي قرار كل من يصل الاتحاد السوفيتي عليه أن يعود الى سوريا
ليصبح عبأ على الحزب بدلا من أرساله الى دول اللجوء , وبعد
وصوله بأشهر يأتي قرار بأن يأخذ على عاتقه أمر الخروج الى دول
اللجوء . هذا هو التخبط في القرارات الغير مدروسة ) .
-
مر
الحزب والتنظيم بشكل عام بصراعات حادة وكبيرة كان عقد المؤتمر
الخامس 1993تفريغ لهذه الصراعات والذي أستمر 13 يوما .
-
ظروف الحياة الجديدة في العالم في توسيع الديمقراطية الحزبية
على حساب المركزية المفرطة والتي فهمها البعض بأفشاء الاسرار
وحرية التنظيم على حساب حرية الفكر وسرية التنظيم .
-
تأثر بعض الرفاق الاكراد بالقومية وكان كونفرس منظمة أربيل(
بقيادة يوسف حنا القس – عضو اللجنة المركزية سابقا ) تتويج
لذلك وذلك بالمطالبة بالاستقلالية عن الحزب الشيوعي العراقي (
الام ) , وهو ليس ببعيد عن دور الاحزاب الكردستانية في التأثير
على البعض من هؤلاء .
الجبهة الكردستانية
في ضوء الظروف التي مرت على الحزب والحركة الوطنية
والقومية والديمقراطية ومنها ضرب مدينة حلبجة بالسلاح
الكيمياوي أجتمعت وتشاورت مجموعة من الاحزاب الكردستانية مع
الحزب الشيوعي العراقي- منظمة أقليم كردستان - (الحزب
الاشتراكي الكردي(باسوك), الاتحاد الوطني الكردستاني وحزب
الشعب الديمقراطي الكردستاني , الحزب الاشتراكي الكردستاني
والحزب الديمقراطي الكردستاني ) في أواخر نيسان وبداية أيار
عام 1988, وتوصلت الى تأسيس جبهة بأسم ( الجبهة الكردستانية
العراقية ) , وأكدت على القيام بقيادة الحركة التحررية الكردية
بتوحيد قوى ومؤسسات ثورتها , من أجل مجابهة النظام الدكتاتوري
وارهابه الشامل ضد الشعب العراقي عامة وضد الشعب الكردي خاصة ,
ووضعت ساحة عملها في كردستان العراق .
ووضعت لها نظاما داخليا يؤكد فيه مبادئ العمل ومؤسسات الجبهة
الكردستانية والميثاق يؤكد فيه على ظروف انبثاق الجبهة وحقوق
الشعب الكردستاني ودور النظام الدكتاتوري والكفاح العربي
الكردي ...الخ وأسقاط الحكومة الدكتاتورية ودعم القضية الكردية
أضافة الى الموقف من الحرب العراقية الايرانية ودور الاقليات
القومية والموقف من بناء وأعادة القوات المسلحة والموقف من
القضية الفلسطينية والعالمية .– ووضعت عدة شعارات لها منها -
-
(اسقاط النظام الدكتاتوري واقامة حكومة ائتلافية وطنية
ديمقرطية تؤمن حقوق الشعب وحرياته الديمقراطية وتضمن الحقوق
المشروعة للشعب الكردي .وأعادة المهجرين والانتقال بالبلاد الى
الاوضاع الدستورية الديمقراطيةعن طريق وضع قانون ديمقراطي
لانتخاب مجلس وطني)
.
ووضعت أسس العمل اللاحق وأكدت على التعاون بين قوى الجبهة من
أجل تحقيق أماني الشعب العراقي ككل والشعب الكردي بشكل خاص .
نهاية الحرب العراقية- الايرانية
عمليا أنتهت الحرب في 8 أب 1988 بعد موافقة أيران على قرار
مجلس الامن رقم 598 الصادر في تموز 1987 حيث كانت فرحة كبيرة
للشعبين العراقي والايراني اللذين أبتليا بهذه الحرب المدمرة
والتي راح ضحيتها عشرات الالوف من الطرفين , والحرب كانت
لاغالب فيها ولا مغلوب بل خسارة الشعبين في جميع مجالات الحياة
ومنها الميدان الاقتصادي الذي أدى الى تدهور اوضاع العوائل
أقتصاديا وأجتماعيا وتعليميا وصحيا , كما أدت الحرب الى توتر
في أجواء كل المنطقة .
ولكن الشيئ المهم هو عنجهية النظام الذي يعتقد أنه كان المنتصر
اذ أعطى صورة للراي العام في العراق والمنطقة العربية والعالم
أنه حقق النصر على أيران , وكانت ظروف الحرب وتفاعلاتها تفعل
فعلها في أمكانية أبقاء العدد الهائل من الجيش العراقي الذي
يبلغ حوالي مليونين من العسكر بما فيها الجيش الشعبي أضافة الى
أصدار قوانين جائرة بحق العمال , وكانت البطالة لها وزنها
وتأثيرها على العوائل . لقد نشأ وضعا جديدا مابعد الحرب أراد
النظام تصريفه, ونشأ وضع جديد على المجتمع العراقي وذلك (...في
تشويه العلاقات الانسانية والحياة الروحية للشعب وثقافته وبروز
انماط وقيم سلوكية عدوانية وأشكال من الانحلال الخلقي...من
تقرير ل .م في أذار 1989 ) .
لقد
زاد النظام من شراسته من خلال الاستناد الى الدعم العربي
القومي الذي بني على ما سمي ( الدفاع عن البوابة الشرقية )
وأيضا الدول الاوربية وأمريكا والاتحاد السوفيتي والذي كان
النظام يعمل من أن يجعل المسافة واحدة مع هذه القوى الجبارة ,
والامر الاخر أن أيران بنظامها المغلق ومفاهيمها في تصدير
الثورة وغيرها جعل هذه الدول وغيرها غير راغبة باقامة علاقات
متبادلة ووطيدة معها , فهي قلقلة بهذا الشأن .
ومن
منطلق تعزيز السلطة قام النظام بنشاط واسع في تشكيل الاحلاف
والتكتلات مع بعض الدول العربية الرجعية, وأخذ يزايد في
المصلحة العربية والقضية الفلسطنية ..وغيرها . كما قام بعدة
أجراءات داخلية تسعى الى أبعاد العناصر الغير مرغوب فيها من
الجيش والعناصر البعثية التي يشك في ولائها وكذلك العناصر
المستقلة, والعمل على تشديد الارهاب والقمع ضد المعارضة
الوطنية .
وأصبح وضع العراق الاقتصادي سيئاً حيث بلغت ديونه اكثر من 200
ملياردولارللدول الدائنة من دول الخليج والاتحاد السوفيتي
وفرنسا, وغيرها.
دخول الكويت
ومن
القضايا الساخنة والاساسية والتي أثرت على مجمل الوضع السياسي
والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والصحي هو دخول صدام حسين
بجيشه الى الكويت وضمها قسرا الى العراق والاثار السلبية
والخطيرة التي مرت على شعبنا ( النهج التدميري المغامر
للدكتاتورية واطماعها التوسعية ).
وقد
أدان الحزب الشيوعي العراقي هذا الغزو , وناشد القوات العراقية
وبالانسحاب من الجارة الكويت وناشد القوى الخيرة والمناصرة
للحرية والسلام الى ايجاد مخرج للازمة .
ومع
تعنت صدام حسين , هاجمت القوات الامريكية وحلفائها العراق
وجيشه وشعبه وجميع البنى التحتية للعراق واصبح العراق من خلال
القصف الجوي والارضي خراب وأطلال والحقت أضرار كبيرة في البنية
التحتية من مؤسسات ومعامل أنتاج وغيرها .
وأدان الحزب هذه الجريمة مشيرا الى: ( أن حزبنا يدين الجريمة
التي يتعرض لها شعبنا ووطننا الان ..... , أن حزبنا يدرك ذلك
كله , يتوجه الى جميع ابناء شعبنا وجيشنا وكل الوطنيين الاخيار
في مختلف مواقع العمل والمسؤولية في بلادنا بما في ذلك الذين
يحتلون مواقع مؤثرة للنهوض من مسؤلياتهم وانقاذ شعبنا من هذه
المحنة والويلات التي ممكن أن تستمر, اذا ماظل الدكتاتور في
مركز القرار والمسؤولية واجباره على الانسحاب من الكويت
) .
أنتفاضة أذار 1991
جاءت أنتفاضة أذار لتوكد رفض أبناء شعبنا لسياسة النظام
القمعية وهي بمثابة الاستفتاء على وجود هذا النظام الدكتاتوري
وسياسته الرعناء .
وكانت انطلاقة الانتفاضة والتي شوهدت عبر وسائل الاعلام
الغربية هو عودة الجنود الساخطين على السلطة وقراراتها وقد
لاقوا الجوع والعطش والحرمان والمذلة والمهانة وغيرها من
الويلات , فعندما وصلوا الى جدارية الدكتاتور في البصرة أطلقوا
الرصاص على الجداريات التي تحمل صورة الدكتاتور صدام حسين
وتجمع الناس واندفعت الحشود وانطلقت صوب السجون والمؤسسات
الحكومية والدوائر وبدون توجيه وتنظيم مكتسحة هذه المؤسسات
وبالذات الامنية والمخابرات والمنظمات الحزبية والسجون
والمعسكرات وأنظم جزء من قوات الجيش اليهم وأطلق سراح السجناء
وتحرر الناس من النظام ومخابراته .
ويشير الكاتب عزيز سباهي في كتابه ( ومع أنطلاق الانتفاضة في
الاول من أذار 1991 تحركت مجموعة من الشيوعيين النشطين في
ناحية الحمار في 27من أذار سنة 1991 والتي هاجموا فيها مقر
الفرقة الحزبية في هذه الناحية وعندما ذاع الخبر الى عشائر ال
غزي وال ازيرج والحسينيات واندفعت لتجتاح مواقع السلطة في عدد
من مناطق المحافظة )
.
وثيقة التقييم اشارت الى ما يلي:( بينت أحداث انتفاضة أذار
المجيدة عام 1991 من جانبها اهمية الدور الذي لعبته خبرة سنوات
في الحركة الانصارية , وفي نشاط الرفاق الانصار في الانتفاضة ,
حيث لعب رفاقنا الانصار بالتلاحم مع رفاق التنظيمات دورا فعالا
في قيادة معارك الانتفاضة
) . وكذلك مشاركة أعضاء الحزب في أنتفاضة الحلة .
وأشتركت قوات الانصار والبيشمه مركة في الانتفاضة وسيطروا على
مواقع الامن والمخابرات في أغلب مناطق كردستان وبعدها دخول
القوات المنتفضة كركوك ودار الاذاعة والمواقع العسكرية الاخرى
, وأستسلم العديد من الجنود والمراتب والضباط وهم في وضع مزري
.
وفيما بعد أي في نهاية أذار قامت قوات السلطة الدكتاتورية بقصف
مدن كردستان وبدأ هجوم قوات الحرس الجمهوري وأستخدم أنواع
الاسلحة الدبابات والمدفعية والصواريخ ,أضافة الى الطائرات
السمتية . وتحت واقع الهجوم الكبير أضطر سكان المناطق في المدن
الرئيسية ونواحيها الى التوجه الى المناطق البعيدة والنائية
والقريبة من الجبال والوديان وأدى القصف بالاسلحة الكيمياوية
والفسفورية الى هجرة جماعية نحو الحدود التركية والايرانية
هربا من القوات المهاجمة من الحرس الجمهوري والجحوش , وحدثت
كثير من المأسي وأدى الهجوم الى مقتل العديد من هولاء
المواطنين ومن قوات البشمه مركة والانصار وأصدقائهم .
بعد أنتفاضة أذار 1991 أي بعد تحرير الكويت هاجم النظام
الدكتاتوري المناطق الشمالية – كردستان - وشرد الاف المواطنين
العزل من قراهم وبيوتهم وكانوا في وضع صعب جدا وذلك ما أغضب
المجتمع الدولي الذي سارع الى مساعدة الشعب الكردي ومنع بطش
النظام وأستطاع مجلس الامن أن يقرر ان تكون المناطق الشمالية
أي مابعد خط 36 درجة تحت الحماية الدولية .
لقد أستطاع النظام أعادة كثير من
المناطق الشمالية وأصبحت تحت سيطرته حيث وصل الى المناطق
الحدودية مع تركيا وأيران , وكان أحقر دور عرفته وسمعته هو دور
الجحوش في مساعد جيش صدام في التوغل والاستدلال في المنطقة
والسيطرة عليها وقد عاملوا هؤلاء العوائل بمنتهى القسوة
والتنكيل, وللاسف الشديد وأنا أكتب في العقد الاول من بداية
الالفية الثالثة و لم يتم لحد الان محاسبة هؤلاء الجحوش الذين
ناصروا النظام وأعوانه بل أصبح بعضهم بين ليلة وضحاها أعضاء في
برلمان كردستان العراق وذلك بسبب الولاءات العشائرية والتنافس
بين الحزبين اللذان يقودان الحكومة فيها - الحزب الديمقراطي
الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني .
ورغم ان الانتفاضة ليس لها علاقة مباشرة بموضوع بحثنا وقد كتب
عنها الكثير، غير اننا اردنا هنا الاشارة الى ان فشلها تدخلت
فيه جملة عوامل داخلية وخارجية. ونتيجة لدخول العراق الكويت
فرض على الشعب العراقي الحصار الاقتصادي الجائر والذي هلك
الالاف من أطفالنا نتيجة هذا الحصار المدمر الذي فرضه الغرب
بقرارات جائرة لا تؤثر على صدام حسين وزبائنيته .
وتعمقت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في بلادنا والتي أدت الى
هجرة الالاف من المواطنين الى دول الجوار والغرب ... الخ ( أن
القضية العراقية قد دولت بغزو الكويت , واصبح ممكناً التحكم
بالوضع في العراق من خلال العقوبات الدولية , وقرارات التفتيش
, واقامة المنطقة الامنة شمال خط العرض 36 وفرض الحظر الجوي
جنوب خط العرض 32 , وغير ذلك من الاجراءات والقرارات , نرى ان
قوى التغير الحقيقية هي القوى الداخلية , ولا يصح التعويل على
القوى الخارجية لانجاز مهمة التغير بدلا عنها , رغم ان هذا لا
ينفي , من جانب ثان , حاجة القوى الداخلية المعول عليها اساسا
في التغير , الى الاسناد الخارجي , السياسي والمعنوي
) .
وخلال هذه
الفترة دخل الحزب في نشاطات متعددة للمعارضة العراقية
المتمثلة في أحزاب قومية عربية وكردية لها مصالحها الخاصة
وأحزاب أسلامية وشخصيات مختلفة الاتجاهات وعقدت عدة اجتماعات
منها مؤتمر بيروت وصلاح الدين , وهذه الكتل والاحزاب غلبت
عليها المصالح الانانية والذاتية وبعضهم لا يحبذ وجود الحزب
الشيوعي العراقي ولا يريد أن يأخذ دوره على الساحة السياسية
برغم من أنهم يعرفون أن هذا الحزب هو أقدم حزب على الساحة
السياسية العراقية .
وتعتبر هذه الفترة
من أصعب الفترات في تأريخ الحزب حيث الظرف الذاتي أخذ في الضعف
نتيجة عوامل ذكرتها أنفاً والعوامل الدولية ومنها سقوط الاتحاد
السوفيتي والمنظومة الاشتراكية , ووضع دول الجوار الغير مريح
بالنسبة للحزب والحركة الديمقراطية واليسارية .
والاكثر
أستغرابا في ذلك ,موقف الجبهة الكردستانية والتي لم يمض على
تأسيسها ثلاث سنوات كما أشرنا (تأسست في أيار 1988, وكان من
شعاراتها , أسقاط النظام الدكتاتوري وأقامة حكومة ائتلافية
وطنية ديمقراطية تؤمن حقوق الشعب وحرياته الديمقراطية وتضمن
الحقوق المشروعه للشعب الكردي
) والتي ذهب جناحاها الممثلون بالحزبين الكرديين ( حدك وأؤك )
الى سلطة صدام حسين لبحث المصالحة والرجوع تحت جناحها , ومنهم
من هم في قيادة الجبهة الكردستانية
, جاء ذلك بعد الانتفاضة مباشرة أي في منتصف نيسان من عام
1991وهذا ماسبب للحزب الشيوعي العراقي الاحراج وخيبة أمل كبيرة
, برغم معرفة الحزب بالاحزاب القومية التي تريد مصالحها الخاصة
وحل القضية القومية بما يجلب لها المنافع الذاتية .
أما الحزب الشيوعي
فقد بقي بين ( الحانه والمانه ) , أين يقف فالصراع مع النظام
أستمر أكثر من ربع قرن , وحلفائه يحاولون أنهاء العمل العسكري
والتوجهة الى المفاوضات , وضربوا ميثاق العمل الجبهوي عرض
الحائط , وهذا في حد ذاته هو دعم للنظام المحاصر والمنبوذ
دوليا , وبحجة واهية هي الخوف على الشعب الكردي ... الخ
ولابد أن أوضح أن
أمكانيات الحزب مع القوى الاخرى في مواصلة الكفاح المسلح بدات
تتراجع , فالضعف أصبح عاماً .
قوى المعارضة
العراقية تجتمع وبمساعدة أمريكا وحلفائها بين بلد وأخر وبدون
نتيجة كل واحد يريد أن يتقرب لامريكا منافساً الاخر وكانت
أجتماعات شقلاوة وصلاح الدين للقوى العراقية خير دليل على
المنافسة غير الشريفة وبالنتيجة الجميع كان ينتظر ما سيحصل مع
النظام خاصة بعد الانتفاضة العفوية التي لم تستغل من قبل
الاحزاب العراقية التي لها رصيد بين الجماهير في الوسط والجنوب
والحزب الشيوعي واحد من هذه القوى . أما القوى الكردستانية
فصعوبة التعويل عليها ولحد الان مصالحها فوق كل شيئ ولم تفكر
بضروة وجود وممارسة الديمقراطية كشرط لاخذ الحقوق القومية في
عراق ديمقراطي يحترم الاقليات وحقوقها الادارية والثقافية .
أما النظام ووضعه
بعد دخول الكويت وأحتلالها ودخوله في مفاوضات خاسرة ترتبت
عليها الكثير من الشروط المجحفة بحق شعبنا الذي دفع فاتورتها
في الحصار والموت الحقيقي لاكثر من نصف مليون أنسان , أضافة
الى أنتفاضة شعبنا في اذار المجيدة وهي بمثابة الاستفتاء على
النظام وجلاوزته , فنرى مشهد واضح المعالم يتمثل ـــ
-
يمر النظام في
عزلة خانقة من الدول الاقليمة والدولية .
-
حصار أقتصادي
مؤثرعلى الشعب العراقي .
-
أبتعاد كثير من
الدول الصديقة للنظام وعدم أعترافها به .
-
عزلة داخلية برغم
الاعتقالات والاعدامات .. الخ .
-
هزيمة عسكرية مذلة
.
-
وضع قرارات لمجلس
الامن ترتب عليها تفتيش مؤسسات وقصور ووزارات ذات سيادة .
وبمقابل ذلك كان
هناك ضعف عام في المعارضة العراقية وأغلبها يعول على الولايات
المتحدة الامريكية بعد زوال الاتحاد السوفيتي , بحيث لم
يستطيعوا أن يعلنوا عن حكومة مؤقتة في المناطق المحررة خوفا من
هجوم النظام على المنطقة وهناك تهاون في هذا الامر من قبل بعض
الاحزاب في لجان العمل المشترك للاحزاب العراقية .
وأشير الى أبرز السمات والظروف التي مرت على صعيد الحزب
والعراق والعالم قبل المؤتمر الخامس , واقتطف من مقالة ( جدلية
الفكر .. جدلية الممارسة – أسئلة التجديد ) للكاتب الدكتور
سامي خالد في الثقافة الجديدة
والمعنية بأبرز سمات تلك الفترة .
على
الصعيد الوطني / العراقي
1-
أشتداد ارهاب وقمع النظام الدكتاتوري ( سياسة الارهاب ) وحروبه
الداخلية .
2-
توقف الحرب العراقية الايرانية التي استمرت 8 سنوات 1980 –1988
وماتركته الحرب من أثار أجتماعية وسياسية وأقتصادية .
3-
حرب
غزو الكويت 1990 والحصار الدولي المفروض على العراق .
4-
انتفاضة أذار 1991 وفشلها في الوسط والجنوب ونجاحها في أقليم
كردستان .
على
الصعيد الدولي
:
1-
انهيار المنظومة الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفيتي .
2-
نهاية الحرب الباردة , وهيمنة القطب الواحد وأعلان النظام
العالمي الجديد بزعامة الولايات المتحدة الامريكية .
3-
ظاهرة العولمة وتجلياتها , وخاصة عولمة رأس المال , وعولمة
الظواهر السياسية والتطور العلمي والتكنولوجي وثورة المعرفة
والاتصال .
4-
الحروب والازمات والصراعات الاقليمية في الشرق الاوسط
على
الصعيد الحزبي :
1-
انتقال الحزب من الكفاح المسلح الى الكفاح السلمي
2-
العمل في التجربة الكردستانية بعد انتفاضة 1991 .
3-
تشكيل الحزب الشيوعي الكردستاني .
4-
تنوع وتعقد عمل الحزب في ثلاث ميادين مختلفة هي:
في
الداخل ( العمق ) العمل السري
في
كردستان – العمل العلني
في
الخارج ( وجود تنظيم حزبي في أكثر من 30 بلدا ) .
المؤتمر الخامس للحزب - نحو النضال السلمي
عقد المؤتمر الخامس للحزب بين 12 الى 25 من تشرين الثاني عام
1993 وحضره 115 مندوبا وقد ناقش المندوبون مختلف القضايا
الشائكة وأطلق على المؤتمر ( مؤتمر الديمقراطية والتجديد )
وأتخذ له شعارا هو: ( في سبيل استنهاض شعبنا ورفع الحصار
الاقتصادي عنه , واسقاط الدكتاتورية , واقامة العراق
الديمقراطي الفدرالي الموحد , والدفاع عن مصالح الكادحين ) .
أن هذا المؤتمر هو
الفاصل بين عملية الكفاح المسلح والنضال السلمي في تغير الحكم
وأعتقد لا رجعة به مع توفر الظروف والمتغيرات الداخلية و
الاقليمية والعالمية .
وهناك الكثير من القضايا التي بحثت وعولجت وتغيرت بالتأكيد
ستؤدي الى توجهات و تكتيكات مختلفة كليا عن التكتيات السابقة ,
كون التغيرجرى في القضايا الفكرية ,ومنها تحول الحزب من
المركزية الديمقراطية الى حزب ديمقراطي في الجوهر والعمل بصيغ
تنظيمية جديدة .
أن
الحزب يعترف بالراي الاخر والتعددية الفكرية وجاء التغير في
الجانب الايديولوجي والفكري ولم تعد الافكار الماركيسية
اللينينة المرشد الوحيد بل أيضا يستفاد من التراث الانساني
الاشتراكي على مدى الفترات السابقة وكذلك الاستفادة من حضارات
شعوب وادي الرافدين ونضال شعبنا العراقي عبرتاريخه الطويل ,
وجاء التغير على الكثير من القضايا السياسية والاقتصادية
والحياتية وهذا ماجاء به برنامج الحزب وكذلك النظام الداخلي
ومنها تشكيل الحزب الشيوعي الكردستاني انطلاقا من الواقع
الملموس والتأكيد على المنطلقات القومية واحترام خصوصيتها .
لقد
ناقش المندوبون قضية الكفاح المسلح والانسحاب من كردستان
العراقي نهاية عام 1988 وتداعياتها على أنصارنا وجماهيرنا
وشعبنا بشكل عام والظروف التي أحاطت بها .
وقد
رفعت عدة شعارات أنية ومنها ( حشد كل الطاقات من أجل اسقاط
الدكتاتورية , لا للحصار الاقتصادي على شعبنا العراقي , الوقوف
ضد التحركات المستهدفة شن حرب على العراق .....الخ ) وتجنب
الخوض في هذه المسائل المستقبلية أو التنبؤات البعيدة .
أستعمل الحزب الشيوعي العراقي تكتيك جديد وخطاب سياسي جديد فقد
جاء في برنامج الحزب الذي أقره المؤتمر ( سن قانون ديمقراطي
لانتخاب مجلس تأسيسي للبلاد , يشرع دستورا ديمقراطيا دائما ,
يضمن فصل السلطات الثلاث واستقلالية القضاء ويرسى الاسس
القانونية لحياة ديمقراطية مستقرة وراسخة وأجراء أنتخابات
ممثلي الشعب بحرية وعلى أساس حق التصويت العام والمتساوي
والمباشر لكل البالغين قانونيا ذكورا وأناثا وبالاقتراع السري
وانتخاب المجالس البلدية وضمان اجراء اتخابات ديمقراطية
....الخ )
ولكي أنهي هذه الموضوعة التي لا أريد أن أناقشها بتفاصليها
وضروة فهم هذا التحول و الكيفية و الاسلوب النضالي للمرحلة
القادمة , وتحوله من جهة الى أخرى معاكساً لها أخذين بنظر
الاعتبار ظروف الحزب والاحزاب الاخرى والمتغيرات العالمية ووضع
دول الجوار والمنطقة بشكل عام وهذا يحتاج دراسة نظرية لتلك
الموضوعة .
وأشير الى فقرة من موضوعة تم فيها مناقشة وثائق المؤتمر الخامس
في مجلة الثقافة الجديدة ص 135 ( فلقد تخلفت قيادة الحزب أنذاك
عن استيعاب مغزى البريسترويكا . ففي اجتماع اللجنة المركزية
المنعقد في عام 1988 أي بعد ثلاث سنوات من الشروع بها , جرى
التطرق الى البريسترويكا بشكل عرضي . وفي اجتماعها في اذار
1989 توقفت اللجنة المركزية عندها دون أن تتفاعل مع جوهرها رغم
انهيار عدد من الانظمة الاشتراكية .ولكن كل ما كان يحيط بالحزب
يشير الى عدم امكانية الاستمرار على ذلك الوضع وباتت دراسة
وضعه بعمق واجراء مراجعة شاملة لايديولوجيته وبرنامجه ونظامه
الداخلي وخطابه السياسي , أمر لا يقبل التأجيل ويتوقف عليه
مصير الحزب الاحق ) .
وللاسف الشديد أن البعض من قادة الحزب ركض بسرعة البرق حاملا
هذه الاراء المشار لها وهو كان واحدا من المسؤولين لأكثر من
نصف تأريخ الحزب عن قضايا مهمة ومصيرية دون تمحيصها وتفحصها .
وفي
نشرة عممها المكتب السياسي في أيلول تمت دعوة منظمات الحزب
والرفاق المعنيين الى المساهمة مع قيادة الحزب في سعيها لاعادة
صياغة الوثائق البرنامجية للحزب وتدقيق المفاهيم وتطوير
استنتاجات الحزب وحصيلة تجربته النضالية . وأتخذ هذا المسعى
للتجديد كما تشير وثائق المؤتمر الوطني الخامس منحى أكثر
ملموسية.
في
أذار 1990 طرحت اللجنة المركزية تقريرها ( في سبيل استنهاض
قوى الشعب لتحقيق السلم والبديل الديمقراطي ) .
وقد
جاء في هذه الوثيقة ( وفي هذا الاطار شرع المكتب السياسي
للحزب منذ دورته في ايلول 1989 بأعادة تقيم وضع الحزب وحياته
الداخلية على أرضية اشاعة أوسع ديمقراطية فيها بما يرفع دور
الشيوعيين في رسم سياسة الحزب وابداعهم في تطبيقها وقدرتهم على
تقويمها وتصويبها, وتعديل مسارها ومتابعة عمل قيادة الحزب
وانتخابها وحجب الثقة عنها عند الضرورة , وتجديدها بأستمرار) .
وتضيف الوثيقة ( أن الواقع الذي الت اليه الاوضاع في بلدان
أوربا الشرقية ( الاشتراكية ) والاشواط التي قطعتها
البريسترويكا لاعادة البناء في الاتحاد السوفيتي على مختلف
الصعد والميادين جعلت من الضروري تجاوز العموميات والانتقال
الى التحديات الملموسة لمفاهيم التجديد خصوصا فيما يتعلق
بتفاعل الحزب مع جوهرها واستنتاجاتها الجديدة والاخذ بنظر
الاعتبار تأثيراتها المباشرة على الوضع في العراق ومحيطه
العربي والاقليمي ) .
الخاتمة
أن
مسيرة الحزب الشيوعي العراقي خلال ثلاثة أرباع القرن العشرين
تظهر, أن الحزب لم يرفع شعارالكفاح المسلح بوجهة الانظمة
الدكتاتورية الا بعد معاناة كبيرة حيث أضطر الى رفعة أو
اللجوء الى مواقع الكفاح المسلح جراء حملات الاعتقال والاضطهاد
وخنق الحريات وحملة السجون والاعدامات والقتل والاغتيال وغيرها
, لقد عانى الحزب أشد الظروف وطأة وقسوة طيلة تأريخه تمثلت
بأعدام وقتل اعضاء المكتب السياسي للحزب لفترتين مهمتين من
تأريخه, فقد أستشهد أكثر من 10 من أعضاء اللجنة المركزية
وكوادر متقدمة( سكرتير الحزب فهد ورفيقيه أعضاء المكتب السياسي
حازم وصارم في شباط 1949 ) أضافة الى الرفيقين يهودا صديق
وساسون دلال في عامي 1949 و1950 على يدي جلادي الحكم الملكي
أما عام 1963 شباط فقد عذب وقتل كل من (سكرتير الحزب سلام
عادل وعضو مكتب السكرتارية للحزب جمال الحيدري وأعضاء المكتب
السياسي محمد حسين أبو العيس ومحمد صالح العبلي وجورج تلو
وأعضاء اللجنة المركزية نافع يونس ورحيم شريف وحمزة سلمان ,
والصحفي عبد الجبار وهبي ) وقتلت أعداد كبيرة من الشيوعيين
وأنصارهم , ووضع في السجون الالاف من خيرة المناضلين وعاني
الحزب ظروف قاسية ومواقف سياسية صعبة للغاية .
وطال الاعتقال عشرات الالاف من الشيوعيين خاصة في الايام
الاولى لانقلاب البعث شباط 1963 .وفي بداية السبعينات أغتيل
عدد غير قليل من قيادي الحزب وكوادره (ستار خضير والبرزنجي
ومحمد الخضري وشاكر محمود وكاظم الجاسم وغيرهم ) .
وتكررت نفس العملية في نهاية عام 1978 وبداية عام 1979في حملة
هوجاء راح ضحيتها أكثر من 70 الف مواطن بين شهيد وسجين كما جاء
في تقرير اللجنة المركزية في المؤتمر الرابع للحزب 1985 .
لقد
واصل الحزب نضاله برغم كل الصعوبات وكان له دورا متميزا في
أضفاء الروح الوطنية والتقدمية والسلام والاشتراكية وترسيخ روح
اليسار بين صفوف شعبنا , ودائما كان وجود الحزب الشيوعي
العراقي في الساحة السياسية ضرورة لكل الوطنيين واليسارين
والذي يناضلون من أجل خير الناس وسعادتهم .
وأعطت البطولات الذي خاضها الانصار الشيوعيون في سفوح كردستان
وجباله وجهاً مشرقا للحزب وتأريخه المعروف وسجله المفعم
بالتضحية من أجل الشعب والوطن. ويمكن الاتفاق مع ما جاء في
وثيقة تقييم الحركة الانصارية عندما اشارت الى ان هذه الحركة
(شكلت في الثمانينات صفحة مشرقة في مسيرة حزبنا ونضاله ,
واعادت له هيبته في اوساط الحركة الوطنية العراقية والقوى
التقدمية العربية والعالمية , ومكنته من البقاء على ارض الوطن
ومواصلة نشاطه السياسي والتنظيمي والاعلامي والعسكري ولعبت
دورا في الحيلولة دون تشتت قوى الحزب في المنفى
) .
لقد
قدم الحزب الشيوعي العراقي من خلال خوضه للكفاح المسلح 1979 –
1988 ( العمل الانصاري ) أكثر من (1150) شهيداً ومن مختلف
المجالات والاختصاصات ومختلف المستويات الحزبية وستبقى
بطولاتهم خالدا مع تأريخ شعبنا .
المصادر
-
عقود من تاريخ
الحزب الشيوعي العراقي ج1 وج2 وج3 . للكاتب عزيز سباهي
-
مسيرة مناضل ج1
وج2 للسيدة ثمينة ناجي .
-
من حوار المفاهيم
الى حوار الدم د. علي كريم سعيد.
-
الحركة الشيوعية
في العراق , صلاح الخرسان.
-
شهداء الحزب
الشيوعي العراقي شهداء الوطن 1934 -1963 .
-
الاختيار المتجدد
د رحيم عجينه .
-
من ماهيات السيرة
الذاتية د عقيل الناصري .
-
14 تموز الثورة
الثرية د عقيل الناصري .
-
بشتاشان بين الالم
والصمت قادر رشيد.
-
من الذاكرة صالح
دكله .
-
المقايضة نجم
محمود.
-
شهادة للتأريخ
عزيز الحاج.
-
من دفاتر الشخص
الاخر عزيز الحاج .
-
تأريخ نضال الشعب
الكردي فاتح رسول
-
أصدارات الحزب
الشيوعي العراقي
-
تقيم الحركة
الانصارية 1979الى 1988
-
تقيم تجربة الحزب
1968 الى 1979 .
-
الثقافة الجديدة
وطريق الشعب ووثائق الحزب المقدمة الى مؤتمراته .
·
15 تشرين الثاني
2009
ملحق الصور




الفهرست
الإهداء
5
تمهيد
6
المقدمة
10
المبحث الأول1934-1958.
19
المبحث الثاني1958-1963.
49
المبحث الثالث1963-1970.
66
المبحث الرابع1970-1993.
112
الخاتمة
218
المصادر
220
ملحق الصور
221
الفهرست..
226
عقيل الناصري 14 تموز الثورة الثرية ص 61-
1- قوى الاحتلال الاجنبي والكادر الاداري المرافق له .
القوى
الاجتماعية المتكونة من 1و2 المدينية وتتمثل بألاشراف
والعوائل الاستقراطية القديمة والتجار والملاكين
الكبار . و2و2 الريفية وتتمثل بمجموعة القبائل
والعشائر وخاصة الكبيرة منها .
3و2
الدينية وخاصة الاسلامية ( السنية ) واليهودية .
3- الارث
المعنوي للملك المعين ومجموعة الضباط العراقيين في
الجيش العثماني .
جاء في بيان للحركة تشكيل الحكومة على الشكل التالي (
رئيس الجمهورية كامل الجادرجي ورئيس الوزراء المقدم
سليم الفخري ونائب رئيس الوزراء مصطفى البرزاني أما
بقية الوزراء فهم أما ديمقراطيين من الحزب الوطني
الديمقراطي أو من الحزب الديمقراطي الكردستاني أو من
الحزب الشيوعي العراقي وكذلك من المستقلين ومن مختلف
أطياف العراق وقومياته بما فيها جلال الطلباني يكون
وزير للاسكان ورحيم عجينه وزير للصحة ومحمد مهدي
الجواهري وزير للثقافة ... الخ ) .
.( أصدرت رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين بيان صادر
في 19 أيار 1983 يقول فيه – انه لمفجع , بالنسبة لنا
المثقفين خصوصاً أن يؤدي هذا الاعتداء أستشهاد وفقدان
وأسر العديد من زملائنا المناضلين . لقد استشهد الفنان
المسرحي والسينمائي شهيد عبد الرضا ( أبويحيى ) الذي
سقط جريحاً ثم فتك به البرابرة طعناً بالحراب ,والشاعر
الشاب محمد صالح الساعدي ( أبو وطفاء ) والقاص الشاب
جعفر عبد الائمة( أبو ظفر ) وشمل القتل والاعدامات
العديد من ذوي الاختصاصات والكفاءات في مجالات الطب
والهندسة والقانون والتكنلوجيا وغيرها .. وبالاضافة
الى ذلك انتزعت الهجمة العدوانية الكثير من أعضاء هيئة
تحرير مجلة اتحاد الادباء الاكراد وكثير من أعضاء
رابطتنا ..ث ج عدد 170 –1986 ص 167 ) وقد نسى البيان
الصحفي النصير الشهيد باسم محمد غانم وهو مراسل طريق
الشعب في 1976 من محافظة ميسان , وله كتابات كثيرة في
الصحف اللبنانية .
/ عامر عبد الله وناصر عبود وكريم أحمد هؤلاء أعضاء
اللجنة المركزية منذ حزيران 1955 , و بهاء الدين نوري
وزكي خيري وعزيز محمد وعبد السلام الناصري أعضاء
اللجنة المركزية منذ أجتماع اللجنة المركزية في أيلول
1958 ,وكلهم يعتبرون من الرعيل الاول , وثلاثة من كتلة
الاربعة المعارضة أستمرت بالقيادة أضافة الى المرشح
للجنة المركزية ثابت حبيب العاني , أما أجتماع أيلول
1962 فقد ترشح عن بقاء اللجنة المركزية التي قادة
العمل الحزبي بعد عام 1964 وهم عزيز محمد وكريم أحمد
وباقر أبراهيم وصالح دكله وعمر على الشيخ وعزيز الحاج
وحسين سلطان وأرا خاجادور وثابت حبيب العاني وناصر
عبود وعبد السلام الناصري أي 9 من هؤلاء أعضاء ا لجنة
المركزية أستمرو منذ ذلك التأريخ حتى المؤتمر الرابع
عام 1985 ), أما الفرع الكردي أضيف له ( يوسف حنا
وفاتح رسول واحمد باني خلاني وعادل سليم ) .
من
كتاب شهداء الحزب شهداء الوطن ( عمال وفلاحون ..مبدعو
المعرفة والكلمة والقصيدة واللوحة. من كل المهن
الشريفة .. حشد من البررة . من كل قوميات وطوائف وطننا
الغالي العراق .أعضاء ومرشحون .. أصدقاء حزبنا ..
مستلهمو الافكار التقدمية ..نساء .. يافعون ..شباب
..كهول ..شيوخ ..جسدوا بشرف الامثولة الاسمى .امثولة
الشهادة ) .
|