|
أيام في يك ماله
( 1 – 2 )
علي محمد ( أبو سعد)

§
خمس دقائق تعني ساعة
حين نُ قلت إلى (يك ماله) أخبروني بالتهيؤ للحركة في
الساعة الثانية بعد الظهر. وفي الساعة الثانية والنصف
دخل أبو لينا إلى القاعة وهو ينادي:
-
أبو حسين! أبو حسين!
-
نعن!
-
مرحباً! أنا أبو لينا، أمر عليك بعد خمس دقائق. نروح
سوية إلى يك ماله.
وجاءني في الساعة الثالثة والنصف وهو يعتذر:
-
تأخرت عليك، ها؟ آسف!
عشرة أيام مرت على وصولي إلى القاعدة ومازالت قروح
قدميّ لم تلتئم. سقط إظفران والثالث اصطبغ بزرقة
مخضرة.
نفس الطريق الذي جئنا منه. لا أتذكر تضاريسه بقدر
تذكري الآلام والجوع والإنهاك التي تكاثفت في تلك
الساعة الأخيرة من مسيرة أيام عشرة، صعدنا خلالها كل
جبال الله العالية الوعرة.
تذكرت قصة "شنٌ وطبقة" وقلت لنتجاذب الحديث، فجمجمتي
اكتظت بالأسئلة، لدرجة لم تتسع حتى لسؤال مختزل،
فلأفرغ قسماً منها:
-
الموقع بعيد؟
-
لا!
-
كم عددكم؟
-
غير ثابت؛ من 8 إلى 15.
-
ومهماتكم؟
-
أوه! مهماتنا؟ أولاً؛ عندنا موقع متقدم،
ثانياً عندنا ربيئة وعندنا دوشكا وبناء وأمور أخرى.
-
الربيئة بنفس الموقع؟
-
لا! على قمة جبل. الصعود إليها يأخذ ساعتين.
-
كم واحد فيها؟
-
من عندنا 3 والباقي من (حدك).(1)
-
ولأي شيء هذي الربيئة؟
-
تشرف على فوج (نزور).
-
فوج نزور؟
نظر إليّ أبو لينا ثم ضحك كاشفاً عن أسنان ترك
النيكوتين عليها طبقة صفراء قاتمة.
ابتسمت لضحكته، فقال:
-
آسف! نسيت، أنت جديد على المنطقة. فوج نزور للسلطة.
تحميه مجموعة ربايا. هو أقرب موقع للسلطة. مهمتنا رصد
تحركاته. ممكن يقومون بالتقدم علينا من هناك.
خشيت أن أسأل ثانية فيضحك مرة أخرى. بعد دقائق نمت
الأسئلة، هذه المرة، على شكل دمامل أخذ ورمها يطنّ في
أذني. فكرت:"يجب أن أعرف كل شيء عن موقعنا."
عدت للسؤال:
-
الدوشكا قرب الموقع؟
-
لا! قرب المكان الذي نسكن فيه.
-
كم غرفة تبنون؟
-
قاعتين.
تساءلت مع نفسي:"قاعتان لعدد لا يتجاوز الخمسة عشر
فرداً في الحالة القصوى!؟"
-
لمن قاعتين يا رفيق؟
-
للمستقبل!
فوجئت بالجواب. كيف نسيت المستقبل.. الآفاق..الأمل..
الكفاح المسلح.. الثورة الشعبية..؟
بحركة سريعة أوقفني أبو لينا بضربة على صدري وهو يهمس:
-
لحظة! سمعت شيء؟
-
لا!
وبعد فترة سكون وخفقان قلبي الشديد، تحركنا بعد التأكد
من عدم وجود حركة أمامنا.
حين أخبرني آمر السرية بأمر النقل نبهني إلى ضرورة
الإسراع لعبور الماء إلى الجهة العراقية إذا التقينا
بالجندرمة التركية. ولم أعرف بأننا سنمر في أراضي
تركيا، فعدت للسؤال:
-
اصطدمتم مع الجندرمة سابقا؟
-
لا! ما أدري!
-
وإذا صادفونا عند قطع؟
-
نستعد ونبتعد حتى يمروا. وننتظر رد فعلهم.
-
صار مثل هذا؟
-
أي! وما حصلت مواجهة.
بدأت ألهث بقوة. ازداد ألم قروح قدميّ. كان الصعود
حاداً والمسلك يضيق والسفح يزداد حدّة، والماء في
النهر الصغير يبتعد نحو الأسفل.
"زلة قدم وينتهي كل شيء! ماذا لو صادفناهم في هذا
المكان؟!"
بعد أن اجتزنا ذلك المسلك الصعب سألت:
-
والتموين؟
-
ننقله من مخزن المقر على ظهورنا. ما عندنا بغل. وعدونا
بواحد، ولكن أنت تعرف.. الروتين!
"كيف يمكن حمل نصف كيس طحين أو برغل على مثل هذا
الطريق، وتسلق قطوع صخرية حادة وعبور الماء عدة مرات
بالقفز على الصخور أو الأغصان؟" زاد تعبي. انتابني
حزن. اشتهيت الماء، رغم تعلمي خلال الأيام العشرة،
التي أوصلتنا إلى المقر، أن شرب الماء أثناء المسير
يزيد تيبس الفم والبلعوم، ربما يزيد التعب. كان طعم
العرق مالحاً. أخذ ثقل الكلاشنكوف وحبل المزودة يؤلمان
كتفي. لحسن الحظ لم أجلب إلاّ مستلزمات قليلة.
تساءلت:"كيف قدرتُ حمل حقيبة الظهر الكبيرة المملوءة
بعشرات الحاجات، وفوقها كيس النوم والمعطف وفي يدي
حقيبة صغيرة أخرى، والآن أنوء تحت ثقل بسيط؟ متى
أستعيد عافيتي؟ ربما بعدما تشفى قدماي! ولكن، ربيئة
ودوشكا وبناء قاعتين ونقل التموين والحراسات والأعمال
الأخرى، بعددنا الضئيل هذا! عدد حضيرة ومهام سريّة!"
فقلت له:
-
تعبت. نرتاح شوية.
-
الأحسن نرتاح على أرضنا.
استأنفنا المسير بعد استراحة قصيرة لنصل إلى منبسط
ينتهي بتلّة صغيرة تناثرت عليها بقايا بيوت قرية قديمة
بدت كأسنان عجوز. قلت في نفسي:"ربما هدمها العفالقة أو
الذين سبقهم!"
عند سفح التلة نهذ بناء جديد، بارتفاع قدم، لمدخل
وقاعتين. فقال لي:
-
هذا هو البناء,
-
كم واحد يشتغل بالبناء؟
-
5 وأحياناً 8.
-
والموقع؟
-
قريب.
-
يعني؟
-
خمس دقائق.
فقلت في نفسي:" خمس دقائق.. خمس دقائق تعني ساعة. هذا
هو الحساب الجديد. في المفرزة التي جئنا بها إلى
القاعدة، حين بصل بنا التعب إلى حد الإعياء، أو حين
يشتد الضمأ وتجحظ العيون، يقول لنا الدليل؛ بعد خمس
دقائق نصل إلى مكان أمين، أو بعد صعود هذا المرتفع،
أبعد عشر دقائق نصل الماء، فكانت الخمس دقائق تطول
ساعة، والعشر دقائق تأخذ منا ساعتين من الصعود..
وهكذا. وأبو لينا لما قال لي سأمرُّ عليك بعد خمس
دقائق رجع بعد ساعة!"
الشمس تحبو نحو الجبال.تحركنا نحو مضيق صغير، ثم بدأ
صعود جديد. اشتد عطشي. نظرت إلى أبو لينا. كان يمضي
وكأن لا همَّ له إلا المسير. استبد بي العطش.أما أبو
لينا، فما كان يبدو عليه شيء من هذا.. كابدت في الصعود
رغم أن ميل الجبل غير شديد.
أسرعت لأدرك أبو لينا. كان العرق يتصبب منه ويلهث كمن
يجر محراثاً أو زورقاً. وقفت لأسترد بعض أنفاسي ثم
تحاملت حتى أواصل. وقف أبو لينا ونظر ناحيتي. أراد أن
يخبرني بشيء، لكنه لم يستطع من فرط التعب واللهاث.
ولما حاذيته، أشار إلى شجرة جوز كبيرة وارفة وحيدة بين
أشجار العفص والبلوط والقاج، ثم أخرج كلمة متقطعة من
خلال لهاثه:
-
الجوزة!
-
أي جوزة؟
-
الكبيرة.
نظرت مستفهما، فأكمل:
-
موقعنا.
نسيت عطشي وصار همي الوصول إلى الموقع.
§
القاعة
بعد الفطور، جرى توزيع المجموعة على المهام. كنا اثني
عشر نصيراً. صعد أحدنا إلى الدوشكا الرابضة في حفرة
على التلة القريبة، اثنان للطبخ والخبز، خمسة للبناء،
واحد ينقل الماء إلى الربيئة، على ظهر حمار عجوز، في
وعاءين بلاستيكيين مثقوبين لا يحفظان من الماء إلا
أقله والثلاثة الباقون لقطع الأشجار. فوجئت بالمهمة
الأخيرة، فسألت باستغراب:
-
نقطع الأشجار!؟
التفت الجميع صوبي مندهشين. خجلت من سؤالي. جالت
بمخيلتي لوحة جواد سليم " الشجرة القتيلة"، فقلت
لنفسي:"يا إلهي! ربما تصوروني أتهمهم بقتل الأشجار!"
لكن سعيد بدد تداعياتي برده:
-
لسقف القاعتين!
ثم توجه إلى آمر الموقع بسؤال:
-
كم جذع قطعتم البارحة؟
-
12. صار عندنا 20. نحتاج إلى 40 غيرها على الأقل.
لم أمالك نفسي فتساءلت:
-
60 شجرة للسقف!؟
رد آمر المجموعة:
-
ربما أكثر. لو كان عندنا سبندار لما احتجنا إلى أكثر
من 8.
-
سبندار؟
-
شجر الحور. هذا اسمه بالكردية.
جالت بمخيلتي ذكرى من طفولتي، فآلمني نسيان لغتي
الكردية. إذ بعد وفاة أمي، لم يتكلم أبي معنا بلهجتنا
اللورية. وللآن لا أعرف السبب. وما أعرفه من الكردية
محته غربتي عن الأهل، بسبب الدراسة والعمل. مثل هذه
المفردات أخذت تضيء أملاً جميلاً، باستعادة تلك اللغة
وأن باللهجة الكرمانجية. فأضفت سبندار إلى المفردات
التي تعلمتها أو تذكرته مثل؛ [ تورداس،
ﭼﻗﻞ،
ﭼﻠو،
روبار، ﮔﻠﻲ، دشت، تو كي، هافال، نافي شفي...(2) ].
استمرت أعمالنا وارتفع البناء. وكنا نتلهف إلى مهمة
الربيئة للاستراحة من البناء أو قطع الأشجار. ليس هناك
سوى المراقبة والطبخ والحراسة الليلية.. والخطر.
أخذ البناء يرتفع ببطء، وصحتنا تهبط ببطء أيضاً. ست
ساعات أو أكثر من العمل المرهق، وُقوتُنا صحن من حساء
العدس، يتحّلق حوله ثلاثة أنصار جياع. كانت حصة النصير
نصف رغيف خبز في اليوم، يقدم فترة الغداء. والطبيب حين
يزورنا يحذرنا متوسلاً:
-
رفاق! أرجوكم! أجِّلوا المرض! ما عندنا حتى حبة
أسبرين!
ربما كان محقاً، فلا وقت لدينا للمرض. تذكرت مشهداً من
فلم " أنشودة جندي". سأل الجندي السائقة المتطوعة من
قريته عن أحوال أهله فأجابته، أنهم جميعاً بخير. ولما
سألها:"هل مرضت أمي، أو أبي؟" ضحكت حتى اهتز جسدها
البدين خلف مقود الشاحنة وردت:"وهل عندنا وقت للمرض؟"
كلما ارتفع البناء بدا لنا الحجر أثقل من وزنه
الحقيقي.
وكلما ارتفع البناء بدا لنا أكبر حجماً.
كل الأشياء تتغير، ما عدا السمر بعد العشاء؛ مزاح
وغناء.
أيام في يك ماله
( 2 – 2 )
علي محمد ( أبو سعد)
§
المطرة الأولى
حذرونا من المطرة الأولى، حتى بتنا نتوجس منها. بلغ
البناء حده النهائي وما زلنا لم نستكمل مستلزمات السقف
من جذوع وأغصان و"ﭼﻠو".
ولما طلبنا مساعدة من المقر اعتذروا بحجة عدم وجود
فائض من الأنصار. ولكن، حين نذهب إلى هناك بمهمة
تستوجب المبيت، يقولون؛ ليس لديهم مكان للنوم، لكثرة
العدد.
ظل شبح المطرة الأولى يهددنا، وليس لدينا غطاء نايلون
للبناء. فلو أمطرت سيضيع منا جهد الشهور، ونضطر إلى
ترك موقعنا المتقدم.فالشتاء لا يرحم.
بعد إلحاح أسعفونا بسبعة رفاق، لكن العمل المتواصل
أجهدهم فعادوا أدراجهم بسرعة.
لم ننتقل إلى موقع البناء إلا بعد أن وصلت مواد
تموينية كثيرة يصعب إيصالها إلى المقر، فوضعناها في
إحدى الغرف لنحميها من الحيوانات والشمس، وسكنا قربها.
ذهب أبو كريّم إلى المقر فجر الجمعة، فهو يوم
استراحتنا المقرر منذ شهر.
بعد ساعات هبت من الوادي ريح باردة. نظرنا صوب الغرب
فكانت الرياح تسوق صوبنا غيمات صغيرة ومع مضي الوقت
كانت تلك الغيمات تكبر وتزداد قتامة والريح تشتد. وبعد
ساعات هبت ريح باردة رطبة تحمل رائحة المطر. عيوننا
تلوب بين الغرب والبناء. وما أن حلّ الضحى، حتى بدأ
النثيث.
-
يا الله، نعمل السقف! هذي هي المطرة الأولى!
صاح ضياء. فقلت:
-
ننتظر أبو كريّم. يرجع اليوم.
-
وإذا ما رجع؟
-
أكيد يرجع. هو مثلنا يشوف الغيم والنثيث.
-
وإذا ما رجع؟
-
ضروري ننتظره.
فأضاف آمر المجموعة:
-
ما نعرف ننصب السقف. السقف عمل صعب يحتاج خبرة.
-
يا عزيزي! هو ناطحة سحاب، لو برج إيفل؟ مجرد سقف غرفة
قروية، وعندنا كل المواد. لا تعقدون المسألة!
رد عليه آمر المجموعة:
-
يا عزيزي ضياء، المواد وحدها ما تكفي.
تطور الجدال. انقسمنا فريقين. كلنا يخشى المطرة
الأولى، لكن بعضنا يريد التعجيل بالسقف، والآخرون
يريدون انتظار بنّاء مجموعتنا "أبو كريّم". وأخيراً
قال ضياء بنفاذ صبر:
-
أنا أعرف. تعلمت من تسقيف قاعة الإدارة. قضية سهلة.
ساعدوني ونكمل الشغلة قبل المغرب.
وسرعان ما انتصب فوق الحائط، وأخذ مؤيدوه يناولونه
الجذوع والأغصان. أُسقط بيد الآخرين فانخرطوا في
العمل. استمر النثيث المتقطع حتى الظهر. ثم أطلت الشمس
بعد أن أزاحت بقايا الغيم. استمر عملنا بلا انقطاع.
ومع غروب الشمس أكملنا فرش التراب فوق واحدة من الغرف
والمدخل.
رجع أبو كريّم في صباح اليوم التالي. وحال وصوله دار
حول الغرفة.. صعد إلى السطح.. سار عليه طولاً وعرضاً
وتقاطعاً.. ثم نزل منفعلاً وهو يخاطب آمر المجموعة:
-
رفيق أبو عماد! استعجلتم بالتسقيف!
-
خفنا من المطر!
-
لكن المطر كان خفيفاً وتوقف!
-
قلنا نكمله أحسن.
-
لابد من هدم السقف!
-
لكن وين الخلل؟ نصلحه!
-
كله خطأ! خطأ في خطأ. والله راح يقع فوق رؤوسنا بعد
أول مطرة.
وحين لم تجد محاولات أبو كريّم في إقناع المجموعة التي
أيدت إقامة السقف، قال متوعداً:
-
والله، إذا انهدم ، ما أمد إيدي بالبناء! لا تلوموني!
مرت ثلاثة أيام ونحن فرحون بالغرفة.. بالدفء..
بالعطلة.. طبخ وخبز وحراسة فقط! وأبو كريّم قد كف عن
المطالبة بهدم السقف وإعادة بسطه. ولكن، في داخله، كان
شيئاً يلوب.
صباح اليوم الرابع هطل المطر. خرجنا ننظر إلى السماء.
كانت بلا ريب تنبئ بالمطرة الموعودة! شعرنا بثقل الغيم
الداكن على صدورنا. وبعد أن ابتل السطح أخذ الماء
يتسرب من المواضع الرخوة. استعرنا حادلة من الحزب
الديمقراطي الكردستاني، وبدأنا ندحرجها على السطح
طولاً وعرضاً. فظهرت منخفضات عالجناها بمزيد من التراب
ودحرجنا الحادلة عليها. أخذت الغرفة تقطر ماءً موحلاً
من عدة مواضع. انهمكنا بمعالجة السقف طيلة يومين.
تناوبنا العمل على السطح. لم يتوقف المطر إلاّ ثلاث
مرات، ولفترات قصيرة.
وفي اليوم التالي اعتقدت أن ماء السحاب قد نفذ، لأنه
لم يرشنا إلاّ بزخات خفيفة لم تستوجب دحرجة الحادلة.
صار سطح القاعة مستوياً، لكن جدار القاعة الثانية ابتل
بشكل مخيف، فلم تحمه طبقات النايلون التي حصلنا عليها
لحفظ المؤن، لأنها مثقبة.
القلق ما زال يمور داخلنا، فالسحاب ظل مخيماً فوق
الوادي. ومع غروب الشمس، عاد المطر. عاد يهطل وكأنه لم
يهطل طول عمره. كانت شآبيبه خيوطاً طويلة بدفقات سريعة
تلمع تحت البرق، فراحت تحفر السطح، مثل مناقير غربان
جشعة لجوجة. استأنفنا دحرجة الحادلة وكأننا نخوض بركة.
وقبيل منتصف الليل، هدّنا التعب والبرد، ولم تبق لدينا
قطعة ملابس غير مبتلّة. وظل الموقد ينفث علينا دخاناً
ثقيلاً رطباً. استسلمنا لنوم عميق، وكف الماء عن
التسرب. ولكن، في الواحدة بعد منتصف الليل بدأ المطر
يقطر على الحائط الأمامي واستمر حتى سال ليبل أكثر من
حجر قرب السقف. زاد القطر حتى صار خيطاً رفيعا أذاب
الطين، فانزلق حجر صغير عن مكانه. وحين دخل الحارس
ليذكي النار ويتدفأ قليلاً، أذهله الخطر، فأيقظ آمر
المجموعة:
-
رفيق أبو عماد! رفيق! الماء يسيل على الحائط!
آمر المجموعة لم يستطع فتح جفنيه من شدة النعاس. ربما
شاهد الموضع الذي أشار الحارس إليه، أو لم يره، لكنه
فكر أنه لا يستطيع النهوض من فراشه، ولا حتى فتح
جفنيه، فكيف يمكنه دحرجة الحادلة تحت المطر وعظامه لا
زالت باردة. فقال له:
-
رفيق! انتظر. كلنا تعبانين. ربما ينقطع المطر أو تسرب
الماء. تقدر أنت...؟
-
صعدت على السطح، لكن الرؤية مستحيلة. خفت من الوقوع،
أو سقوط الحادلة. أريد رفيق واحد معه (لايت). رفيق !
رفيق! انهض!
-
ها! ها!
-
رفيق! شوف هناك! الحائط ينهدم إذا لم نتحرك.
-
كم الساعة؟
وراح آمر المجموعة يفرك جفنيه ليتسنى له فتحهما.
-
اثنين إلاّ ربع.
صعدا إلى السطح يهتديان بالمصباح. كان موضع التسرب
منخفضاً. دحرجا الحادلة فوقه فانخفض تحتها كقطعة
إسفنج.ذهبا ليجلبا تراباً، وحين عادا كان قد صار
وحلاً. وضعاه فوق الموضع وأخذا يدحرجان الحادلة عليه.
زاد فعلهما من تسرب الماء على الحائط، فسقط منه حجر
صغير على أحد النائمين، فنهض فزعاً. وحين عرف السبب
أخذ ينادي:
-
رفاق! رفاق! قوموا! القاعة تنهار!
قفز الجميع من فراشهم الدافئ بارتباك. خرجوا يتدافعون،
وعيونهم نصف مغمضة، وكأن القاعة قد بدأت فعلاً
بالانهيار.
أما أبو لينا فقد نهض من فراشه ببطء ليجلس قرب الموقد
بمواجهة الموضع المبتل. وحينما لم يسقط حجر آخر، أخذوا
يدخلون بحذر لفحص الحائط.
آمر المجموعة والحارس ظلا على السطح لا يعرفان ما يجري
داخل القاعة، فهما منشغلان بدحرجة الحادلة ووضع التراب
على المنخفضات التي تظهر على السطح. ولكن الماء كان
يتسرب تحت بعض الأغصان الصغيرة البارزة من السطح.
تزحزح حجر آخر من مكانه ببطء ثم سقط.
علق أحد الأنصار مازحاً:
-
الحمد لله، يا أبو لينا تزحزحت من فراشك، وسلم راسك من
الحجر.
لم يضحك أحد. بانت فجوة صغيرة. وصل البلل إلى أرض
الغرفة. تزحزح حجر آخر. ركض عماد إلى آمر المجموعة
ورجع به. وحين شاهد الفجوة وميلان أحجار أخرى، نظر إلى
الجميع يريد رأياً. فقال سعد:
-
يجيء معي رفيق حتى نطلب من (حدك) قاعتهم الجديدة. ما
زالت فارغة.
وفي انتظار سعد ووسام، بدأ الجميع بلف الأفرشة المؤلفة
من أنتين وعشرين بطانية فقط.
أما أبو لينا فلم يتحرك، وكأن الأمر لا يعنيه.
ظل مقرفصاً عند الموقد ينظر إلى الفجوة ويدخن من
غليونه الطويل المصنوع من خشب ( الكبوت). فقد نحته
بنفسه على شكل طائرة مقاتلة، ربما ليرمز إلى صنفه
السابق في مقاومة الطائرات، عندما كان في " الجبهة
الشعبية لتحرير فلسطين".
سقط حجر آخر. اشتد زخ المطر. وحين سقط جزء من حائط
القاعة الأخرى، اندفع الجميع إلى داخل القاعة، إذ
فاجأهم دوي الانهيار.
عاد سعد ووسام بموافقة (حدك)، فتم نقل المؤن والسلاح
والعتاد بسرعة. أما أبو لينا فظل مقرفصاً عند الموقد
وهو يدخن وعيناه لا تفارقان الحائط. بعد إخلاء القاعة
نادى أبو ريتا:
-
رفيق أبو لينا! نقلنا كل شيء.يا الله، نروح لقاعة
(حدك). هذي القاعة راح تنهار.
لم يرد عليه. حاول مرة أخرى وثالثة.. وجاء آخر، فلم
يفلح أيضاً. ثم جاءه مسؤول المجموعة وبدأ يلح عليه
بالخروج. وأخيراً نفذ صبر أبو لينا، فصاح ملوحاً بيده،
وكأنه يطرد الجميع:
-
ما أطلع من القاعة!
-
راح تنهدم عليك، يا عزيزي!
-
خليها تنهدم! أتركوني!
-
تخبلت !؟
فصرخ أبو لينا وعضلات وجهه ترتعش:
-
أتركوني! خليها تنهدم على راسي .. ما أطلع من القاعة
أبداً!
كان سقف القاعة التي انتقلنا إليها يقطر باستثناء
زاوية بمساحة مترين مربعين، فكومنا بها البطانيات، ثم
وزعنا المؤن والسلاح والعتاد على المواضع الجافة. كان
الحائط جافاً. حشرنا أجسادنا في تلك الزاوية الضيقة.
كان أبو كريّم في ذروة الانفعال. صارت سحنته بيضاء
مصفرة وعضلات وجهه ترتعش وهو يجول بعينيه في وجوهنا؛
شاكر، عماد، ضياء، أبو انجيلة، أبو ريتا، وسام، أبو
عماد، أبو سلام، أبو كاظم وأنا.. كان يلوم الجميع
بنظراته، وعيوننا شاخصة إليه. أخيراً لم يتمالك
مشاعره، فسالت دمعتان كبيرتان على خديه. ربما انساب
الدمع من عيون أخرى. لم أستطع النظر إليه. اشتهيت
البكاء، ولكن قلبي المنقبض حبس الدمع.
في الفجر حاولت التحرك، فلم أستطع. كنت مكبلاً. لم يكن
بوسعي تحريك أي جزء من جسدي، عدا رأسي. بذلت جهداً
جديداً فسحبت إحدى يديّ. أسندتها إلى الأرض ورفعت جسمي
لأتبين المشهد. كنا نائمين بتداخل عجيب.. أحد عشر
نصيراً في تلك البقعة الضيقة! تساءلت:" كيف كان يخرج
الحارس إلى نوبته.. ربما يسحبه الحارس الآخر من تحت
الأيدي والأرجل ورؤوس الآخرين بصعوبة بالغة؟!" بعدها،
عرفت أن أبو ريتا وأبو عماد قد تناوبا الحراسة حتى
الصباح. كان المطر قد كفّ في الرابعة. نهضنا جميعاً
بلا تحية:" صباح الخير!" وسرنا تلقائياً إلى قاعتنا..
صامتين، لنشاهد أنقاضها، ربما لنذرف الدمع على
أطلالها! وجدنا الحائط قد صمد ولم يسقط، إلاّ مثلث
ضلعه متران، وأبو لينا في ذات جلسته عند الموقد يشرب
الشاي ويدخن من غليونه الطريف.
§
الحمام
في شهر آب، كنا نلقي في الجدول البارد أجسادنا الساخنة
من العمل المجهد تحت أشعة الشمس اللاهبة، فتهزنا
الرعشة الأولى. ولا ندري هل يزيل "صابون الشحم" طبقة
الملح والدهن من أجسادنا، أم أن مستحلب رغوة الصابون
هو الذي يطفو فوق الماء الجاري! غير أننا كنا نفرح،
شاعرين بنظافة الشعر والجلد وانفتاح المسامات.
وبعد الأيام الأولى من أيلول، ما عادت أجسادنا تتحمل
برد الماء، فتضل ترتجف حتى بعد أن نقف تحت أشعة
الشمس، وقد تنتاب أجساد بعضنا الحمى عند المساء.
إذاً، لا بد من تدبير " تنكة" (3) فارغة لتسخين
الماء.
ذهب أحد الرفاق إلى إدارة المقر لجلب واحدة، أو
اثنتين، إن استطاع، لكنه عاد أدراجه وهو يلعن نفسه
لأنه تطوع لهذه المهمة!
في اليوم التالي ذهب المسؤولان العسكري والسياسي،
فاصطدما بجدار الإدارة الصلد:
-
ما عندنا تنكات. نحتاجها أكثر منكم. أصبروا.
رد عليه مسؤولنا العسكري:
-
يا رفيقي العزيز! صار لنا أكثر من 10 أيام بدون حمام.
لا نقدر تحمل الماء البارد. راح نمرض كلنا. الشغل كثير
والعرق كثير..
فقاطعه الإداري:
-
شغلنا وعرقنا كثير أيضاً!
-
ولكن عندكم ماء ساخن حتى بشهر تموز!
-
نفهم وضعكم. ولكن ما عندنا تنكة زائدة. أصبروا علينا.
فرد عليه المسؤول الحزبي بحدة:
-
أعطونا التنكات الموجودة بحمامكم واصبروا أنتم. أنتم
أحسن منا؟! وين شغلكم الذي تقول أنكم تعرقون بسببه؟
غاب الدم من وجه الإداري وانفعل. حاول أن يبدو هادئاً:
-
رفيق! لا تحقق معي. هذا ما من حقك! ما عندنا تنكات
فارغة. وأعتقد يكفي نقاش.
ذهبا يشكوان الحال إلى قيادة المقر. وبعد أخذ وردّ،
حصلت قناعة بمطلبنا. أستدعي الإداري، ولكنه أكد مرة
أخرى بأن ليس لديهم صفيحة زائدة. وبعد نقاش طويل وعدهم
بواحدة في القريب. فعاد الرفيقان بلا " خفي حنين" حتى!
ومرت الأيام ولم يصلنا خبر التنكة الموعودة. شغلتنا
هذه المسألة حتى حرمتنا، في إحدى الأماسي من الغناء
والضحك. وبعد مناقشة مستفيضة قررنا إحراجهم. سنوقف
العمل في البناء، ونرسل إليهم أبو كريّم. وذهاب أبو
كريّم يعني الكثير؛ أولاً سيتوقف العمل في البناء،
وثانياً، لأبي كريّم علاقات واسعة وقدرة على الإقناع
وإصرار لا ينضب، وثالثاً، والأهم من ذلك كله، تعليقاته
اللاذعة، التي يخشى الكثيرون إن وجهها نحوهم، من
ذيوعها بين الأنصار فتلتصق بهم، لأنها مسبوكة من
الحقيقة المرّة والخيال الساخر.
قلنا له، إذا وصلت الأمور إلى الطريق المسدود، فليطلب
منهم استبدالنا بمجموعة أخرى. وهكذا جعلنا من التنكة
قضية مصيرية. وزاد عدد الشاكين من حموضة المعدة، بسبب
الانفعال، ونمنا مبكرين، لكن الأرق زار بعضنا حتى آخر
الليل.
في الصباح جرى كالعادة، توزيع أعمال قطع الأشجار وجمع
الحجر وتهيئة الطين قرب موقع البناء. لكننا طلبنا من
أبو كريّم أن يخبرهم بأننا مضربون عن العمل، لأن
جلودنا لا تطيق طبقة جديدة من التراب والعرق.
وحينما غادر شيعناه بعبارات التشجيع المناسبة:
-
أبو كريّم، إذا رفضوا، بالمخزن تنكة حمص، اسرقها مع
الحمص. عيني، عصفورين بحجر!
-
أبو كريّم، البطل، أخويه لا ترجع إذا ما دبرتها!
-
أبو كريّم، لا ترجع إلا إذا التنكة بيمينك!
-
أبو كريّم، خلينا نحتفل الليلة بالتنكة!
-
أبو كريّم، التنكة أو الشهادة!
وأخيراً رفع أبو كريّم (4) يده اليمنى راسماً بإصبعيه
شارة النصر وهو يهتف:
-
تنكة.. تنكة حتى النصر! تنكة.. تنكة حتى النصر!
v
نشرت هذه المادة في الثقافة الجديدة، عدد 231 آذار
1991
(1)
حدك:
الحزب الديمقراطي الكردستاني.
(2)
تورداس: أداة قطع الأغصان.
ﭼﻗﻞ:
أغصان رفيعة طويلة.
ﭼﻠﻮ:
أغصان صغيرة مورقة. روبار : نهر .ﮔﻠﻲ: وادي. دشت :
سهل. تو كي ؟ من أنت؟ هافال: رفيق. نافي شفي : سر
الليل.
(3)
تنكة : صفيحة معدنية .
(4)
أبو كريّم: الشهيد البطل أيو كريم
|