|
تحية للذي هتف وهو يواجه الموت
محمد خلف مجيد ( ابو شروق )
قبل أكثر من ربع قرن والزمان شتاء وكردستان العراق هي
المكان لهذه الواقعة الحقيقية بأستثناء أسم الشخصية
الرئيسية لهذه الحكاية .
كنا واقفين قبالة النهر الصغير الذي اعتدنا خريره
وضجيجه خاصة في مثل هذا الوقت من السنة حيث الشتاء
الكردستاني بمايعني من مطر وثلج وبرودة تصل حد العظم ,
عندما اقبل علينا مسلحيّن من بيشمركة الحزب الديمقراطي
الكردستاني ومعهم شاب تبدوا على ملامحه آثار تعب وهموم
، كان صامتا عندما أبلغونا أنه جاء مع اثنين من
الأكراد قادما من إيران عبر منطقة سوران وطلب منهم
تسليمه الى مقرات الحزب الشيوعي . وها نحن نسلمه لكم
بناء على طلبه ، طلبنا منهم الأنتظار قليلا ريثما نبلغ
قيادة الحزب في القاعدة . وبالفعل أخبرت القيادة بذلك
وكان حينها الرفيق توما توماس مسؤلا عسكريا والرفيق
أبويوسف مسؤلا سياسيا للقاعدة ، فطلبو مني استلامه مع
تشديد الحراسة وابلاغ الرفاق في لجنة التحقيق بعقد
اجتماع بعد ساعة مع القيادة ، اتخذنا الأجراءات
اللازمة وبلغت الرفيقين أبومحمود وأبوهندرين وهماعضوي
لجنة التحقيق باالأضافة لي ، أبلغتهم بتوجيهات قيادة
الحزب ،
كان المساء قد حلّ عندما دخلنا مقر القيادة ، حيث بادر
الرفيق أبو يوسف الحديث :
- رفاق هناك معلومات من أن النظام الديكتاتوري قد أرسل
مجموعة من أعوانه مهمتهم رسم طبوغرافيا المنطقة وتحديد
أماكن تواجد مقراتنا ومقرات الأحزاب الكردستانية
الحليفة بغية ضربها وتدميرها لذلك عليكم اليقظة والدقة
في قبول الملتحقين الجدد ،
وأضاف الرفيق توما توماس : وللعلم فأن الحزب
الديمقراطي الكردستاني ابلغنا بأن الملتحقين الأكراد
الذين جاءا مع الملتحق الذي أستلمتوه قد أعترفا بأنهم
مندسيّن وهما في السجن الآن ، لذا اقترح أن تحققوا مع
هذا الملتحق الآن ،
توجهنا مباشرة لغرفة التحقيق ، وطلبنا أحضار الملتحق
مع مجموعة من الرفاق للحراسة ( وحين أذكر كل هذه
الأجراءات فان التجربة علمتنا أن نحسب لكل شيْء حسابه
بعد أن وقعنا بأخطاء سابقة كادت أن تكون مميتة ويروح
ضحيتها العديد من الرفاق ، لذلك جرى أتباع اسلوب
التحقيق مع كل ملتحق لم يزكى من منظمة تابعة للحزب ) –
كان في الثلاثين من العمر ان لم يكن اقل بقليل منها
ولنسميه ( سالم ) حنطي الوجه بلحية خفيفه وجسم رياضي
ممشوق ، دخل علينا مؤديا تحية المساء مرتبكا حين طلبنا
اليه الجلوس قبالتنا ،كنا نفترش الأرض على بساط خفيف
يتوسطنا فانوس في غرفة من الطين لها باب واحد وشباك
واحد بنتها سواعد الرفاق الأنصار لتكون عيادة طبية
لرفاقنا ومقاتلي الاحزاب الحليفة ولمواطني القرى
القريبة ، نستخدمها للتحقيق مع الملتحقين الجدد احيانآ
، كنت أدّون محضر التحقيق حتى يحين دوري بطرح أى سؤال
، وقد بدأنا التحقيق فور دخولنا الغرفه ، لذلك أدون
ماجاء بافادته :
أنا ( سالم ) من مدينة البصرة ، تركت أهلي ومدينتي
لأني انسان ماركسي ، وأتجهت مع أبن عمي( *** ) الى
شمال العراق ومن ثم الى قاعدة الحزب في ( ناوزنك ) و
جرى التحقيق معنا حيث قبل ابن عمي هناك أما أنا فطلبت
منهم الذهاب الى أيران وبالفعل اتجهت الى إيران لكن
مقاتلي الاتحاد الوطني الكردستاني ألقوا القبض علي
وسلموني لقوات الحرس الأسلامي التي أودعتني السجن ومن
ثم اطلق سراحي لأجد نفسي في المجمعات التي يعيش فيها
العراقيين داخل إيران وبمساعدة صديقين من جماعة الحزب
الديمقراطي الكردستاني كنت قد تعرفت عليهم في السجن
واصلنا المسيرة حتى وصلنا مقرات الحزب هنا ،
*** من الذي حقق معك في ناوزنك ؟
اعتقد بأنه ( صادق جعفر الفلاحي )
*** لم تذكر لنا مهنتك أو عملك ؟
انا رسام ، حيث أرسم كمهنة وكهواية .
لم يكد ينهي كلامه وينطق بكلمة رسام حتى لاحظت بريق في
عيني الرفيق أبو محمود وكأنه وجد مايبحث عنه .
*** من تعرف من الرفاق في مدينة البصرة .
-
*** لقداخبرتكم بأني أنسان ماركسي ولم أنتمي لأي حزب ،
لكني لاأرضى بالظلم والقهر والتسلط الذي يمارسه النظام
وبصراحه لاأعرف غير أبن عمي ( *** ) الذي شجعني
للألتحاق معه .
*** أنت كاذب ( قالها الرفيق ابومحمود بعصبيه ) وانت
عميل للنظام أرسلوك لللأندساس في صفوف الحزب .
تغيرت الملامح ، ورد بصوت متقطع باهت – صدقوني بأن كل
ما ذكرته هو الحقيقه وليست لي أية صلة بالنظام .
*** سألته أن كان مدفوعا نتيجة الضغط من قبل النظام أو
مغررا به أو أنه من أحزاب المعارضة الأخرى لأن كل هذه
الأمور ستكون لصالحه .
وللمرة الثانية كرر ماقاله في بداية التحقيق معه . حتى
وصلنا معه في السؤال عن اشهر الرسامين ولوحاتهم وعن
أمكانياته في الرسم وبالفعل كان رساما بارعا رسم ملامح
وجهي خلال لحظات .
قبل منتصف الليل بقليل انهينا التحقيق مع سالم وقرأنا
على مسامعه ماجاء بأفادته ووقع على أقواله ، وسلّم
لآمر مجموعة الحراسة التي كانت من خمسة رفاق أحاطو
بغرفة التحقيق من كل الجوانب ، وطلبنا منهم ايداعه
السجن ( والسجن عبارة عن غرفة ملحقة بفصيل الحراسة
اقتضت الضرورة بنائها بعد أن تم الكشف عن عدة حالات
تسلل واختراق داخل صفوفنا )
وحتى ساعة متأخرة من الليل استمر نقاشنا في لجنة
التحقيق للوصول الى قرار يقدم للقيادة بخصوص سالم ،
حيث يرى الرفاق ابوهندرين وأبو محمود بأنه مندس ويستحق
اقصى العقوبات وهي الأعدام ، اما أنا فكنت على الضد
منهم اذ وجدت بأنه برىء وبنيت تصوري على متابعتي
لطريقة كلامه وهدوئه وروح المغامرة التي قادته الى
مقراتنا في ناوزنك حيث اصطدم بالأنضباط الصارم لذلك
طلب الذهاب الى ايران بكل ماتعنيه في مخيلته من مدينة
كبيره لكنه اصطدم ثانية بواقع السجن والتشرد لذلك سار
بدون هدف حتى وصل لمقراتنا . لكن الرفاق لم يقتنعو بما
طرحت فالرفيق أبوهندرين دكتوراه في القانون الدولي
والرفيق أبو محمود عسكري سابق ثم انهم اشاروا لما ورد
في افادته من أن ( صادق جعفر الفلاحي ) حقق معه والرجل
لايزال في بغداد ، لذلك رفع التقرير للقيادة وفيه
صوتان باالأدانة ضد صوت بالبراءه .
كل الظروف كانت بغير صالحه . فلا الرفاق الأنصار من
مدينة البصرة تعرفوا عليه وكان لدينا اكثر من عشرين
رفيق . وأجهزة الأتصال مع قاعدة الحزب في ناوزنك عاطلة
، حتى أننا وضعنا أحد رفاقنا مع السجناء بحجة أنه
ملتحق جديد مشكوك بأمره ولثلآثة أيام كان الرفيق يوصل
لنا اخباره حيث لاحظ بانه منطو على نفسه ولايخالط
الآخرين و لا يبدو عليه أي شيء وقليل الكلام .
عاودنا التحقيق معه مرات ومرات ولا شيء جديد سوى انه
طلب لقاء القياده وعندما سألناه السبب قال لأقناعهم
ببرائتي فأوضحنا له أن كل مايدور هنا ينقل للقيادة
مكتوبا وحرفيا وهم على أطلاع بأدق الأمور .
بعد أسبوعين طلب منا الرفاق في القيادة ان نحسم موضوع
سالم . لذلك عقدنا اجتماعا للجّنة حاصرني فيه الرفاق
بأن أقنعهم بوجهة نظري أوأقتنع بوجهة نظرهم وبعد
مناقشات لساعات قلت لهم لدي الحل فأما أثبت لكم براءته
أو اقتنع بأدانته وشرحت لهم مايجب عمله بعد أن أخذت
موافقتهم بأن يصبروا علي للنهاية .
كان الليل قبيل منتصفه حين استدعيناه من جديد ، في
الغرفة ذاتها ، ونفس مجموعة الحراسة من الرفاق تحيط
الغرفة الصغيرة ، شاحبا كان وجهه . صامتا . لااعرف
ماكان يدور بذهنه .عندها بدأ الرفيق ابو هندرين الحديث
.
*** اكتب رساله لاهلك لانه تقرر اعدامك الليلة لانك
مندس .
تيبست حتى حركته وهو يسمع هذا القرار الذي سينهي حياته
وبعار الخيانة والاندساس.
اعطيناه ورقة وقلم على امل ان يكتب لكنه امسك بالورقة
متأ ملا فيها وعلى ضوء الفانوس الذى يتوسط الغرفه
انسابت من عينيه دمعتان استقرتا فوق الورقه وكانها
ايقضته
*** انا برىء قالها مع نشيج بكاؤه الخافت .
*** عندما ينتصر الحزب سنسمي شارعا من شوارع البصرة
باسمك ان كنت بريئا ( قالها الرفيق ابوهندرين )
*** ساكتب رساله للحزب قالها بعد ان استعاد رباطة جأشه
.
*** أكتب ما شئت . ابو هندرين معلقا .
بدا الكتابة والدموع لازالت تنهمر وسلمنا الورقة التي
كتب فيها ( اليوم سيراق دم انسان شيوعي بريء آمن
بالماركسية )
لملمنا اوراقنا وغادرنا غرفة التحقيق متجهين الى ضفاف
الخابور القريب منا على ضوء الفانوس والجميع صامتون
حتى رفاق الحراسة الذين لايعرفون شيئا عن مسار التحقيق
. الجو باردا جدا لكن السماء مجردة من الغيوم والقمر
بدرا من خلال ضياءه نرى الطريق بوضوح وكأنها بعد
المساء رغم اننا تجاوزنا منتصف الليل
توقفنا امام صخرة كبيره وطلبنا من الرفاق ان يعصبوا
عينيه ومنه طلبنا ان يخلع المعطف الذي يرتديه ليستفيد
منه سجين آخر . امتثل للأمر اوقفناه لصيقا للصخرة
الكبيره معصوب العينين منهار الجسم . مجموعة الحراسة
حائره لكن بنادقهم جاهزه .واحدا واحدا همست باذنهم ان
يفرغوا البنادق من العتاد وبهدوء . والرفاق ابو هندرين
وابو محمود ينتظرون نهاية ما اتفقنا عليه .
*** يا سالم بأسم الطبقة العامله وحزبها الشيوعي
العراقي ننفذ فيك الاعدام رميا لخيانتك .فهل لديك شيئا
لتقوله ( قلت له ذلك ) .
استقام الجسم المنهار. عدّل وقفته . واذا به يقول :
أموت أموت وتحيا الماركسيه .
بنادق الرفاق انخفضت لااراديا ونحن ساد علينا الصمت
لهذه الجرأه .
*** احتراما للمباديء سنعيد التحقيق معك ( قالها
الرفيق ابو هندرين ) . رفعت عنه عصابة العين اعيد له
معطفه واستلمه رفاق الحراسه وعادو به للسجن .
واجتمعنا من جديد واتفقنا على انه بريء وحررنا محضرا
لقيادة الحزب . وفي اليوم التالي جاء التوجيه من
القياده بان نخلي سبيله ونعطيه ملابس جديده ومبلغا من
المال لسد احتياجاته من الدخان مع الحذر . وطاب مني أن
التقيه وابلغه بذلك مع سماع رغبته ان كان يريد السفر
الى سوريا او ارساله للداخل ثانية .
حين التقيته وقد عادت له حيويته وبدى بوجه آخر فقد حلق
ذقنه ولبس الملابس الكردية الجديده كأي نصير لكن بدون
سلاح . عندما اخبرته بما طلب الحزب قال بالحرف الواحد
( لا رفيق. حزب فيه مثل هذا التدقيق والضبط لايمكن ان
اعوفه )
مرت اشهرا عده . انتقلت الى قاطع اربيل والتقيت ابن
عمه هناك . وكانت اخباره مفرحه فقد انتسب للحزب واصبح
نصيرا ضمن سرية مقاتله وحديث كثير عن بطولته وجرأته .
لقد باعدتنا السنين لكنني اقول تحية للذى هتف وهو
يواجه الموت .
|