|
محمد ياس خضير.. ارتوى من ماء الفرات وارتوت منه جبال
كردستان
انتصار
السعداوي
قد
لا استطيع تغيير قدري... ولكني على الأقل استطيع
اختيار طريقي إليه
)كربلاء
.(كان
هذا اخر ماقاله محمد وهو يحزم حقائبه ويودعني وكان قد
استغرق وقتاً طويلاًً وصعباً وحزيناً لاقناع امه
البطلة والتي فارقت ابنتين لها في نفس الطريق وقد حمل
محمد الرقم 3 لمفارقي العائلة. وفي هذا اليوم
3/11/1986 اختار محمد أن يكون شيوعياً ولم يكمل
العشرين من عمره وبعد ايام قليلة إلتحق بفصائل الأنصار
في كردستان مع قوات الفوج الرابع في قرى تازة شار وشيخ
حميد التابعة لمنطقة قادر كرم.
كان
شغوفاً بقراءة الروايات الثورية.. قرأ رواية إلام
لمكسيم غوركي ثلاث مرات بين 14-17 سنة من عمره وإثناء
القراءة كان يشرح لامه المناضلة عن الفصول المؤثرة
ليواسيها ويقوي عزيمتها لفراق أختيه الكبيرتين. أحب
الشعر الشعبي كتابة وحفظاً وتحليلاً.
ويروي
لي رفيقه في القتال إسماعيل صابر انه كان يقرأ لنا
الشعر الشعبي العراقي وعندما يقرأ في وجوهنا علامات
الاستفهام يشرح لنا بعض المفردات بفصاحة فتعلمنا منه
بعض المفردات العربية (الحسجة) كما كان يسميها وصرنا
نرددها أحيانا مثل مفردة (ميلن) بفتح الميم في بيت شعر
لمظفر النواب (ميلن لاتنكطن كحل فوك الدم) ومن شدة حبه
لعريان كان يقول انه اذا سقط الطاغية سأطلب من رئيس
الجمهورية ان يؤسس وزارة للشعر الشعبي ويكون وزيرها
عريان السيد خلف وكان يوزع الوزارات بيننا ثقافة
وتربية وكهرباء كل حسب اهتماماته وميوله. وفي أيام
الجولات الاستطلاعية كنا نجلس تحت جسر في الاستراحة
وبينما كان الكرد يدندنون الأغاني الكردية كان محمد
يغني أغنية (ياحريمة) لحسين نعمة أو أغنية (إعزاز)
لياس خضر وكان صوته الشجي يجعلنا في النهاية ننضم
لكورال البطل (قيس عرب) وهو الاسم الحركي للشهيد محمد.
كان محمد شغوفاً بمدينته (الهندية) كثير الحديث عنها
ووصفها (الحديث لازال للرفيق إسماعيل صابر) وصف لنا
موقع المدينة الجغرافي بين الحلة وكربلاء. وعندما كنا
نفاخر بجبال كردستان كان يفاخر هو بنخيل مدينته ويصف
لنا تعرج نهر الهندية بيديه قائلاً: هكذا هو نهر
الهندية متموج مثل ضفيرة فتاة عراقية.
سبعة
أشهر مع محمد كانت عمراً نضالياً خصباً، حقيقياً، رغم
قصره. قاتل ببطولة في عدة معارك وهجومات على العدو وفي
يوم 27 نيسان سنة 87 وصلتنا معلومات غير اكيدة عن نية
العدو للهجوم على قوات الفوج الرابع في قرية شيخ حميد
وتازة شار والقرى الملحقة بقادر كرم. ويوم 28 نيسان
كنا مستعدين لصد تلك الهجومات مما ادى الى انسحاب مؤقت
لعساكر صدام ولكن القصف استمر بالمدفع النمساوي على
المنطقة بكاملها وقد اسفر القصف الهمجي عن استشهاد
الرفيق (قيس عرب) اقصد محمد والرفيق هيوه قرة لفتي آغا
والرفيق حميد حسن من قرية شيخ حميد واستشهاد عبد الله
محمد علي وجرح رفاق اخرين كان بينهم الرفيق كفاح من
بغداد.
كنت
حينها في اجازة لزيارة عائلتي بعيداً عن مقر الفوج
لكني عدت بسرعة لمقر الفوج حال سماعي صوت القصف وعلى
بعد شاهدت الرفيق محمد قد جرح بشظية اخترقت خاصرته
وقطعت كليته حملناه الى مكان قريب وتم اجراء الاسعافات
الاولية ولكن جرحه كان بليغاً والنزف مستمرا. وعندما
قررنا ايصاله الى مستشفى الحزب في قرة داغ، واجراء
عملية له.. لم يكمل نصف الطريق. كان محمد يتحدث معنا
لاخر لحظة رغم النزف. يسأل عن مصير بقية الرفاق
ويوصينا بهم. استشهد ودفن في نفس القرية في 28 نيسان
1987 وبعد السقوط مباشرة نقلت رفاته الى مدينة كربلاء
مسقط رأسه وملعب صباه.
|