عدت بذاكرتي إلى الوراء... إلى اللقاء الأول يوم كنا
طالبين في الثانوية.
كان طالبا هادئا، متواضعا، تواقا لاغتراف المعرفة،
لطيف المعشر محبا للدعابة
المهذبة، دمثا ورقيقا في تعامله مع الآخرين وفي الوقت
نفسه صريحا ويعترف بالخطأ
مهما كان ضئيلا، لا يعرف الإسراف و لا يحب الثرثرة ولا
يقرب المشروبات الكحولية
مهما كان نوعها. مولعا في اقتناء الكتب ولا يبخل على
الدوام في شرائها. أبدا لا
يجلس متكاسلا و لا يتباهى، يحب الإصغاء للآخرين، حريصا
على خدمة الناس و مسارعا إلى
مساعدة من هم بحاجة إلى مساعدته.
كان يستقبل مرضاه بصدر رحب، وفي بعض
الأحيان لا يكتب أبو ظفر وصفة لمريضه بل بالكلام
اللطيف والمزاح، أحيانا يقنع
المريض بأنه غير مريض، ألا يقال إن العلاقة الحميمة
بين الطبيب و مريضه هي نصف
العلاج وأحيانا كله.؟
أبو ظفر مثال للوطنية الأصيلة، وهب حياته في سبيل
انتصار قضية شعبنا ضد الدكتاتورية، وشهدت له جبال و
وديان كردستان بالجرأة
والانضباط العالي و الطيبة الإنسانية الكبيرة.
في إحدى رسائله من كردستان
كتب يقول:
"
لقد تجاوزت مرحلة التجذر في حياتي الجديدة الصعبة،
وبدأت أغصان
وثمار الوعي الجديد تتكاثر وتشتد خضرة وحيوية. فقد
تعلمت أشياء كثيرة... حبا أكبر
لشعبي، إصرارا أكبر على النضال في سبيل قضيته في
الكرامة والحرية، التصاقا أكبر
بمبادئي، ورغم صعوبة العيش هنا وديمومة العذاب و
المعاناة، جاهدت أن لا افقد ذاتي
إن لم ارتق بها. كان وعي رائعا في رقابته على دو اخل
نفسي، فلم افقد الطيبة والضحكة
وبساطة العيش، تعلمت أشياء كثيرة... أن يكون غذائي
خبزا وشايا لأيام... أن أشعل
نارا رائعة حتى وإن كان الخشب مغطى بالثلج وبدون نفط،
أن لا استحم لثلاثة أسابيع أو
أكثر.. أن أتوسد الصخور و الإعشاب في نومي.. أن يكون
ليلي نهارا ونهاري ليلا.. أن
أعود لأيام العجائز وأنا احمل حقيبتي الظهرية "
العليجة" أحفظ فيها معداتي وأدويتي
في لفات " صرر"، أن أسير وسط الثلوج حيث تنغرز رجلاي
حتى الحزام...أن أتلقى المطر
الغزير يتساقط على رأسي كالهراوات ويبللني حتى الجلد و
لساعات..أن أكظم غيضي و أنا
أقطع الجبال الشاهقة صعودا أو نزولا.. أن أنام في
المغارات لأيام.. أن احبس الدموع
أن لا تنطلق وقد عصرها البرد اللئيم في المآقي.. أن
أعطش حتى يلتهب الفم... أن لا
أخاف... أن اعشق بندقيتي... أن أسيطر على حزني وأنا
أعلن استشهاد رفيق بعد أن تحسست
جروحه المميتة... كبرت في عيني صور الشهداء... أن أحقد
على عدوي تعلمت كيف أشد
"
البشتين" حول وسطي.. كيف أرتب شروالي.. تعلمت أن لا
تقتلني الصعاب.. تعلمت
وتعلمت...... أن أحبك، أن اشتاق إليك أكثر.
".
لا لم نفترق يا أبا ظفر..أنت
في الذاكرة حيث صدى روحي، تمحى الصور و الأشياء وتبقى
أنت بنفس الاشراقة، تشحن
خاطري بحب الحياة وحنين جارف إلى ماض من العشق يقطر
عسلا وروعة.
سيبقى أسمك
يتلألأ في سماء الوطن وأن الدم الذي سال من جسدك
سيتفتح مع تفتح أزهار العراق ونخله
وتربته المعطاء.