|
عفاروف
السيد
-
ذكريات أنصارية..
عبد الباسط الجابر(
أبوعليوي)
بشت
آشان قطعةً سقطت، في غفلة من الملائكةِ، من جنةِ
السماء، أحالتها المعاركُ إلى جحيم. حينَ عُدنا، كانَ
الحزنُ يَسكبُ روحهُ فينا والصمتُ يغلف الألسُن.
فالكلامُ فيما جَرى يُفسدُ حزنَ المشهد، والضيقُ بما
حدث وحدهُ راح يَرسِمُ شكل الآهات. جنونُ المعاركِ
شلَ موازينَ التفكير بالآتي. كلُ شيء كانَ يرتدي لباس
اللامعقول.. الكلُ كان مدعواً لحفلةِ دم..!! صور
الرفاق الذين كنا وكانوا يشاركوننا ذلك الحفلُ
المجنون، تتخاطف أمامَ عيوننا معلقةً في السماءِ
كأنها بقايا خرافةٌ قديمة. آه.. ما ألعنَ الليل
والسكون فكلاهما توأمان للألم..!! لو تسنى لنا
التشبثَ بأذيالِ الشمس المتوارية بعيداً في الأفقِ
المتهدل بسوادهِ، لخففَ
فضاءُ النور من وخزِ الألمِ، فالليلُ كانَ لهُ طعمٌُ
مر. قبلَ وصولِنا لموقِعنا بِساعات، أُوعز لنا
باستراحة، أُريدَ منها، أو هكذا تناهى إلى مسامِعنا،
أو لنقل هكذا خُيلَ لنا، أن نمسحَ ما طُبع على قسماتِ
الوجوه، ونُخفي حِمَمَ البُركان التي تثيرهُ في
الرأسِ حزمة أسئلة تشبهُ أسياخَ الجحيم.. رحتُ أفترشُ
الأرضَ، ملتصقاً بصخرةٍ
ملساء مشقوقةٍ من الظهرِ، واضعاً العفاروف أمامي.
صَفنتُ طويلاً وأنا أنظرُ إلى هذا الجاثمِ أمامي مثلَ
حشرةٍ خرافيةً (كُنا نشبهُ سلاح العفاروف بتلك الحشرة
الوديعة والرقيقة، " فرس النبي" لشبهها الشديد به).
ثمةَ عيونٍ
أخرى كانت تُركزُ
في نفسِ الوقتِ
وفي
ذاتِ الاتجاه بـ( فرس النبي). لم تكنْ عيوناً غريبة،
بل أجزمُ أنها لم تكنْ غريبة عني. شيء ما كانَ يَجعلها
تَبدو لي أليفة. حينَ تحركنا، سارعَ صاحبُ تلك العيون
الأليفةِ بحملِ العفاروف بدلاً عني، ودونَ أن يشفع
فعلهُ بكلام.. لم أكترث للأمر، وحسبته من بابِ العون.
كنا نسير بِذاتَ الصمتِ، سير الصمت الجبلي وأنتَ
تجاهدُ الصخور والنتوءات والطرق الضيقة الملتوية
صعوداً كأنها تُريد الوصول إلى السماءِ. كلُ كلامك وما
تريدُ قوله من لعناتِ وغير اللعناتِ تَمتصُها أنفاسكَ
المتقطعة كما الاسفنجةُ الجافة..لا شيء سوى صوتِ
لهاث أنفاسكَ وطيفُ أماني وتهيؤات بقربِ الوصول من
عناءِ المسير. كنتُ أسيرُ خلفَ الفتى الذي حملَ
العفاروف وأتابعه. لقد أدخلَ إلى نفسي شيئاً من
الفضولِ، فقد كانَ يحملُُ العفاروف بطريقة غريبة هي
أقربُ إلى حملِ طفلٍ أو معانقةِ فتاة، ثمَ راحَ فضولي
ينمو حينَ أخذَ يقبلهُ بحنينية ويحاكيه بدفء مثل بكاء
مكتوم. قصةَ هذا الفتى ذي العيونِ الأليفةِ راحت
تَسرقُ مني الهمَ الذي تَلبسني. نَطت من عيني الدهشةُ،
وتدافعت في رأسي تفسيراتٌ عدة، رحتُ أداولها كي أجدَ
تفسيراً مقنعاً يُسكن جوعَ فضولي، ويبدد تلكَ الدهشة
المنتصبة بعيوني. في لحظة شبيهة بحلم اليقظة .. راحت
كَفٌاي تلطم كلاً منهما الأخرى..!! يا الهي..الآن
تذكرت..!! هذا ليسَ عفاروفي..!! هذا هو عفاروف الشهيد
سيد نهاد*!
1-9-1984-كردستان
.......................
*العفاروف:
سلاح
متوسط، استخدم في الحرب العالمية الثانية من قبل
الأنصار السوفييت، وكان الأنصار الشيوعيون يستخدمونه
في كردستان وبهم كان يعرف.
*الشهيد سيد نهاد:
أحد أنصار الحزب الشيوعي العراقي،
استشهد في معارك بشت آشان وهو من بازي إحدى قرى
برواري.
*الفتى الذي حمل العفاروف بدلاً عني، هو جعفر الأخ
الأصغر للشهيد سيد نهاد.
·
الصورة(1) وقوف من اليمين:أم طريق،أبو
طريق،أبو إيفان، ابو عراق،الشهيد أبو خلود،أبو
كريم،الشعيد دلبرين
·
جلوس:...،أبو عليوي،أبو فهد،الشهيد سيد
نهاد آراس،...

الصورة(2)
هم، الواقفون من جهة اليمين: الشهيد الدكتور عادل،
النصيرة أم طريق، أبو عراق، أبو فهد، الشهيد سيد نهاد
المعني بهذه الذكريات ويظهر في الصورة وهو يشرب الماء
من الزمزمية..رفيق كردي لا أتذكر أسمه، آراس، أبو
أوراس، دارا.
الجالسون من
جهة اليمين:الشهيد دلبرين، أبوعليوي

|