|
أوراق أنصارية
مذكرات الفقيد النصير سلام الحيدر ( د. أبو تانيـا )
فصيل الأعلام المركزي
الحلقة التاسعة عشرة والأخيرة
إعداد فائز الحيدر
قصف قاطع بهدينان بالسلاح الكيمياوي
أما الشهيد الثاني بالأسلحة الكمياوية فقد كان ( ريبار عجيل
محمود ) أبو رزكار وهو من مدينة زاخو ، ففي بداية الثمانينات
ترك عائلته في ( كييف ) عاصمة أوكرانيا وألتحق بالأنصار ، كان
أبو رزكار مثالا" للمناضل الشيوعي حيث كان كل تفكيره منصبا" في
كيفية تطوير العمل الأنصاري وتوسيع قواعد الحزب .
أثناء الهجوم الكيميائي سقط صاروخ بالقرب منه فأستنشق كمية
كبيرة ومركزة من الغازات السامة فلازمه السعال الشديد ورفض
العلاج في البداية لفسح المجال للأطباء لرعاية المصابين الأكثر
خطورة ولكن ساءت حالته الصحية تدريجيا" ، وبعد ثلاثة أيام ساد
حزن مطبق في المقر فلقد غادرنا أبو رزكار ، وتبعه ( أبو
الوسن) صاحب الصوت الجنوبي الحزين الذي يتحفنا بأغانيه الشجية
وقت الفراغ ، كما توفي الرفيق ( سعد ) وهو خريج الأتحاد
السوفيتي وكذلك النصير( جواد ) وهو ملتحق جديد بالحركة
الأنصارية . كما جرح عدد من الرفاق بشظايا الصواريخ وقد عانى
الجرحى من آلام شديده نظرا" لتلوث الجروح بالمواد الكيميائية
كما أصيب أكثر من 150 نصيرا" أصابات مختلفة الشدة ظهرت أعراضها
بعد ساعات ، وعانى المصابون خلالها من عمى مؤقت دام ثلاثة أيام
مع أنقطاع الصوت والغثيان وصداع متواصل ولحسن الحظ لم يصب
الرفاق( توما توماس ) مسؤول القاطع وسكرتير الحزب ( حميد مجيد
موسى ) والموجودين في المقر حينها ، ولقد بذل الرفاق الأطباء
( أم هندرين وأبو تضامن وأبو الياس ودكتور باسل ) جهود كبيرة
لأسعاف المصابين والجرحى .
كان بعض الأنصار يتوقعون وقوع ضربة كيمياوية نتيجة لمعرفتهم
بوحشية عدوهم أضافة لكثرة الحديث حول أستخدام السلاح
الكيمياوي في الحرب مع أيران إلا أنه لم تتخذ أحتياطات معينة
ليس عندنا فقط بل حتى عند الأحزاب الاخرى وأثناء حدوث الهجوم
الكيميائي لم يكن لدينا أية وسيلة للتعرف على نوع الهجوم هل هو
كيميائي أم لا ؟ وقد أستشعر بعض الرفاق روائح غير طبيعية إلا
أن الرفيق توما توماس وهو مسؤول قاطع بهدينان حينها لم يرغب في
تهويل الأمر وخلق جو من الهلع الى أن ظهرت الأعراض جلية وتاكد
لنا استخدام مادة الخردل في قصف مقرنا .
وبعد الهجوم الكيمياوي وأستتباب الأوضاع في المقر وأستعادة
الرفاق لصحتهم أتخذت بعض الأجراءات لتفادي هجوم أخر ونقل المقر
الى مكان آخر حيث تم بناء مقر جديد في جبل ( كارة ومتين ) وهو
جبل يمكن أعتبارة حصين جدا" ، وبعد أكثر من سنة وقبل هجوم
الأنفال 1988 تعرض المقر القديم أيضا" الى قصف كيمياوي آخر
بقذائف الكاتيوشة المعبأة بمادة عامل الاعصاب ( السارين أو
VX
) وكان في ذلك المقر أثناء القصف خمسة من الأنصار كانوا
يتابعون مزرعة خاصة بالحزب أستشهد ثلاثة منهم وأصيب الاثنين
الآخرين .

الشهيد أبو رزكار
بعد اصابته بالسلاح الكيمياوي
مغـادرة كردستــان
بعد القصف الكيمياوي للقاطع صدرت الأوامر للأنصار
بالأنسحاب ، قسم منهم وعوائل عديدة توجهوا الى المناطق القريبة
من أيران على أمل أن يخرجوا بوجبات وبشكل سري حيث رتب لهم
الحزب الديمقراطي الكردستاني أوراق العبور بأعتبارهم من
مقاتليه . الرفاق ( أبو زينب وسالم المخابر وأبو عسكر ) توجهوا
من قاطع بهدينان الى سوران لغرض الخروج عن طريق أيران
والأنظمام الى عائلة ( أبو شهلة وعائلة أبو آذار وأبو هشام ) ،
وأثناء تبادل الحديث مع حرس الحدود الأيرانيين باللغة الكردية
لم يستطيعوا الأجابة بلغة كردية واضحة فتم حجزهم وكان يخشى
عليهم ولربما تلجأ السلطات الأيرانية لتسليمهم الى السلطات
العراقية ولكن بجهود كبيرة بذلها الحزب مع الحزب الديمقراطي
الكردستاني تم أطلاق سراحهم وعادوا الى قاطع بهدينان ، وأخرج
الآخرون وهم أبو شهلة وعائلته وأبو آذار وعائلته وأبو هشام
ووصلوا الى سوريا ، أما القسم الآخر وبمساعدة الحزب الديمقراطي
الكردستاني أيضا" توجه الى تركيا بمساعدة الصليب الأحمر الدولي
. في بداية الأمر قامت الحكومة التركية بوضع عراقيل عديدة أمام
النازحين ولكن بعد أيام خففت من أجراءاتها تلك بعد ضغظ
المنظمات الدولية .
جرت عملية تخفيف العوائل من قاطع بهدينان بأستمرار وخرجت (أم
دنيا وأبو دنيا وكذلك أبو هندرين وأم هندرين وأبنتهم نادية )
ورفاق آخرين على شكل مجاميع صغيرة وفترات متباعدة .
من جانب أخر أستشهد الرفيق ( أبو كرّيم ) صاحب الصوت الجنوبي
الجميل والنكتة العذبة في شهر آذار في عملية لأقتحام مطار
بامرني في العمادية بعد أن أصيب بجرح كبير في بطنه وجرح الرفيق
أبو نصار في ساقه اليمنى ولم تساعده الأسعافات وتم بتر ساقه
أضافة الى عدد آخر من الشهداء .
على العموم إن حركت الأنصار قد تقلصت وبقيت مجاميع من الأنصار
المقاتلين الشباب ، وصدر قرار بخروج الرفاق كبار السن والذين
قضوا فترة طويلة في كردستان وبقي منهم أثنان فقط في مكان أمين
. ورغم قلة عدد الأنصارالموجودين على الساحة فقد جرت معارك
كبيرة مع القوات الحكومية وتم تكبيدهم خسائر كبيرة ولكن الضغط
الكبير للقوات الحكومية وعدم تكافؤا القوى العسكرية دفع
بالأنصار الى الأنسحاب الى مواقع جديدة .

سلام من الرفيق ابو صبا في فترة الأستراحة من
الواجبات
أما بالنسبة لي فقد بلغت من قبل المنظمة الحزبية بقرار المكتب
السياسي لغرض التوجه الى الأتحاد السوفياتي لأكمال دراستي
الطبية في جامعة موسكو بعد أن قطعتها لغرض الأنظمام لحركة
الأنصار ورغم رفضي لذلك فقد أصر المكتب السياسي على رأيه وخاصة
الرفيق ( فخري كريم ) أبو نبيل ولكن عليّ أن أنتظر لحين توفر
الأمكانية لغرض السفر.
في شهر تموز شنت القوات الحكومية هجوما" واسعا" ومفاجئا" على
الشريط الحدودي لغرض احتلاله مستخدمة كل أنواع الأسلحة
الهجومية بما فيها الكيمياوية وبما إن عدد الأنصار كان قليلا"
وتواجد العديد من قيادي الحزب الأمر الذي ضاعف من عملنا اليومي
الشاق فلا تتوفر مواد غذائية كافية ولا وقت للراحة والنوم وكان
عملنا يتوزع بين القتال والعمل ولغاية شهر تشرين الأول حيث
إنتقلنا الى مواقع أبعد من مواقعنا القديمة وقد تم أتلاف
الوثائق المهمة ودفن ما يمكن الأستفادة منه مستقبلا" وثم
مساعدة الرفيقات وبعض الرفاق في القيادة على الخروج وبقي البعض
لتمشية الأمور .
التوجه نحو الأتحاد السوفياتي
من تلك المواقع الجديدة أخذ المكتب السياسي يشرف على خروج
الرفاق الذين لديهم قرار بالخروج من كردستان سواء للدراسة أو
أجازة أو للعلاج ، وقد خرج الكثير من الرفاق ، خرجت الرفيقة (
ليلى ) الى سوريا على أمل أن يلتحق بها الرفيق ( أبو زويا )
لاحقا" كذلك خرج الرفاق ( د. زكي وأبو حيدر وأبو برافدا وأبو
نيسان وأبو محمد يماني وحسام وأبو هشام ) من أعلام بهدنان أما
أنا فبقيت مع الرفاق في القيادة حتى يوم 29 /9 حيث بلغت من قبل
الرفيق (عمر الشيخ ) أبو فاروق بالخروج مع الرفاق ( أبو نورس ،
أبو مكسيم ، أبو صبا ) .
كان الخروج يجري بشكل سري للغاية وعلى مجاميع قليلة عن طريق
أيران . خرجنا نحن الأربعة بوثائق مزورة في سيارة لم نعتد أن
نركب مثلها منذ ثمان سنوات إذ كانت وسيلة السفر الوحيدة هي
البغال ، وخلال يومين وصلنا الى العاصمة الأيرانية طهران هذه
المدينة العصرية التي أفتقدنا مثلها من سنوات بدون أن تصادفنا
أي مشكلة وسكنا في أحد البيوت الحزبية لمدة عشرة أيام وكأننا
في سجن حيث تعودنا على الطبيعة الجبلية المفتوحة الواسعة
الحركة والحياة البسيطة والواجبات اليومية لكل نصير . فلا
مراسلة أو أتصال تلفوني أو خروج من البيت .
تم سفرنا بعد هذه الأستراحة القصيرة في طهران الى مدينة ( مشهد
) الأيرانية في أحدى سيارات الرفاق بدون أت نعلم وجهتنا
التالية ، في الساعة الثالثة عصرا" أبلغنا الرفيق المرافق
بأننا سنعبر الى الأتحاد السوفيتي بينما كان تفكيرنا يركز على
عبورنا الى أفغانستان ، وفي الساعة الثامنة مساءا" وبعد حلول
الظلام وصلنا الحدود السوفياتية وأخبرنا الرفيق المرافق
بالتوجه الى الأمام وعبور الأسلاك الشائكة التي لم يتجاوز
أرتفاعها ثمانون سنتمترا" وودعنا عائدا" بعد دقائق من عبورنا
الأسلاك . بعد مسيرة لا تتجاوز عشرون دقيقة أحطنا بقوات من
الجيش والكلاب البوليسية ونقلنا الى أحدى معسكرات حرس الحدود
حيث كانت هناك شفرة خاصة متفق عليها لعبور الحدود السوفياتية
وهم على علم بوقت العبور ولذلك كانوا بأنتظارنا .
قدم حرس الحدود كل الخدمات الأزمة لراحتنا ولكوني أجيد اللغة
الروسية جيدا" فقد تم تذليل كل الأمور التي نحتاجها ، دامت هذة
الضيافة على الحدود لمدة أسبوع كامل ومن ثم أرسلونا بالطائرة
الى موسكو ومن مطارها الى فندق الحزب في موسكو بسيارة خاصة
عادة لا يركبها إلا كبار المسؤولين الحكوميين في الدولة وكل
منا لا يصدق ما يجري حوله ، اذن ها هي موسكو الحبيبة من جديد
التي وصلتها عام 1970 وتركتها في عام 1979 للألتحاق بالأنصار
وأعود لها الأن بعد تسع سنوات اخرى فلي ذكريات لاتنسى ولي
أحباب فارقتهم أستشهد البعض منهم وعاد أليها آخرون .... ترى
ماهو مستقبلنا فيها ولغاية متى ؟
بجهود الرفاق في المنظمة عدت والرفيق ( أبو مكسيم ) الى مقاعد
الدراسة من جديد وبعد تركها لمدة تزيد عن عشر سنوات ، هناك
فارق كبير في عمر الطلبة الجدد وبيني وعلى كل حال فقد بذلت
جهود كبيرة لأكمال ما تبقى لي من سنوات في ظروف صعبة ومعقدة
يمر بها الأتحاد السوفياتي .
أتصل الرفيق ( أبو صبا ) بزوجته تلفونيا" في هنكاريا وقد
فارقها لسنوات طويلة وأنقطعت سبل الأتصال بينهم وأخبرها بوصوله
الى موسكو فلم تصدق الخبر وكذلك من شخصيته فطلبت منه للتأكد
ذكر تأريخ زواجهم لتطمئن وسط نحيب الطرفين وكالعادة يخفف أبو
صبا بكائها بكلامه الذي طالما يردده مع رفاقه وهو مزيج بين
اللهجة اليمانية والسورية ( يا حنينه يا حبابة أيش مالك )،
وبعد فترة قصيرة سافر ( أبو صبا وأبو نورس ) الى هنكاريا للقاء
عوائلهم بعد فراق سنوات .
النهاية
ملاحظة من المعد
ــــ لم يتمكن الفقيد النصير سلام
الحيدر ( أبو تانيا ) من أكمال مذكراته بسبب تدهور حالته
الصحية وحتى وفاته في 22 / 1 / 2004 في مدينة هلمشتات
الألمانية .
|