من نحن مواقع للإتصال بنا الأرشيف مكتبة الموقع ملف الانصار الرئيسية

أهلا بكم في موقع ينابيع العراق... موقع الانصار الشيوعيين العراقيين  .... موقع علماني ... ديمقراطي ... يساري ... تقدمي... والمقالات فيه تعبر عن آراء أصحابها... والموقع لا يتحمل أيّة مسؤوليّة عن ماينشر بأسم الكُتّاب ...  ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم

 
 

       
Print Article    

09-02-2012

 

   

 

الشهيدة سحر أمين منشد

نجمة براقة في سماء العراق

 

إعداد وتقديم

خالد حسين سلطان

 

دار الخالدي للطباعة والنشر

بغداد / العراق

الطبعة الأولى / 2009

الشهيدة

سحر أمين منشد

نجمة براقة في سماء العراق

 

إعداد وتقديم

خالد حسين سلطان

دار الخالدي للطباعة والنشر

العراق / بغداد

الطبعة الأولى / 2009

1000 نسخة

حقوق الطبع محفوظة للسيد : خالد حسين سلطان

Email : kh_sultan2007@yahoo.com

Mob : 07901264059

 

 

 

الشهيدة البطلة سحر أمين منشد

1964 ــ 1985

 

 

 

الإهداء

الى روح رفيقتي الصغيرة سحر

إنها صغيرة بعمرها حين عرفتها

صغيرة بعمرها الحزبي حين إستشهادها

ولكنها كبيرة بصمودها

كبيرة باستشهادها البطولي

 

خالد حسين

 

 

 

 

المقدمة

كان الحزب الشيوعي العراقي وخلال مسيرته النضالية الطويلة يتلقى العديد من الدعوات للمشاركة في المؤتمرات والمهرجانات والاجتماعات والمخيمات الكشفية وغالبيتها من منظومة الدول الاشتراكية السابقة وخصوصاً في مرحلة ما يسمى بالعمل الجبهوي ( 73 ــ 78 ). ومن تلك الدعوات كانت في صيف عام 1976 من جمهورية ألمانيا الديمقراطية للمشاركة في مخيم دولي للطلائع والفتوة يقام في غابة على أطراف مدينة برلين الشرقية، ولكون الحزب ليس لديه منظمة طلائع فعلية وخصوصاً بعد حل أو تجميد منظمات الحزب الجماهيرية بسبب ضغوطات حزب البعث الحاكم، لذلك تقرر اختيار خمسة أفراد من أبناء العوائل الشيوعية لتمثيل الحزب في هذا المخيم بالإضافة الى رفيقة مشرفة على الوفد وكان الاختيار بالشكل التالي :

1ــ منيرة وهي ابنة الفقيد فاضل الساعدي احد العاملين في مقر اللجنة المركزية .

2ــ سحر وهي من عائلة أمين منشد الشيوعية المعروفة في مدينة الناصرية .

3ــ أشجان وهي من مدينة كربلاء واعتقد إنها ابنة المناضل الشهيد علي نوري ( وكانت أصغرنا عمراً ) .

4ــ وحيد وهو ابن المناضل الفقيد أسعد خضر أربيلي عضو اللجنة المركزية للحزب .

5ــ خالد ( كاتب هذه السطور ) وهو ابن المناضل الفقيد حسين سلطان صُبّي عضو اللجنة المركزية للحزب .

بالإضافة الى الرفيقة المشــــرفة على الوفد وكانت تدعى سوسن أو

7

( وسن ) ولم أحفظ اسمها بشكل جيد لكونها كانت تكتب أسماء مختلفة في سجل الزيارات للوفود المشاركة وذلك من باب الصيانة، في حين لم نلتزم نحن الصغار بتلك الوصايا .

المهم في موضوعنا هذا هو استشهاد عضوين من أعضاء هذا الوفد خلال مسيرتهم اللاحقة وهما الشهيدة سحر أمين منشد والتي أعدمت على يد النظام السابق في عام 1985 والثاني هو الشهيد وحيد أسعد خضر ( جبار ) والذي استشهد في كردستان العراق عام 1984 على أيدي رفاق السلاح من الاتحاد الوطني الكردستاني على سفح جبل  سفين وبدم بارد إكمالاً لمجزرة بشت آشان الرهيبة .

سوف أكتب بعض ما أتذكرة عن الشهيدة سحر وفاءاً لها ولتلك الرفقة القصيرة وأترك الكتابة عن الشهيد وحيد حتى إشعار آخر لأن الملوك لا يسألون عما يفعلون من أعمال شائنة وكما تعودنا .

التقيت بسحر في يوم السفر في بداية تموز وكانت فرحة جداً وكثيرة المزاح وذلك من الصفات الملازمة لها وكما عرفت ذلك في أيام المخيم حيث لا يعرف اليأس والتشاؤم طريقاً الى عقلها وقلبها، وبعد الوصول الى برلين ثم الى المخيم شاركت سحر في كل الفعاليات والنشاطات وبحماس وجدية وفي أوقات الفراغ وعند الحنين الى الأهل وحي الإسكان والناصرية كانت تردد عبارة ( آه يا ريحة هلي ) وتغني لنا ما تحفظ من أغاني الجنوب والذي كانت تجيده وخصوصاً أغنية الفنان قحطان العطار ( لو غيمت دنياي ) وكانت تؤديها بشكل رائع حتى إن السيدة الألمانية المرافقة للوفد حفظت بعض كلمات الأغنية وترددها معنا وبإعجاب وتقول بعد ذلك ( زين سخر ،  زين سخر )، وعند النزول الى برلين أو المدن

8

الصغيرة القريبة للنزهة أو التسوق كان همها وشاغلها الأول والأخير هو اختيار هدية مناسبة للوليد القادم للعائلة وهو ابن أحد أشقائها أو شقيقاتها وقد أوجعت رؤوسنا حول ذلك وكنا كثيراً ما نستغل هذا الموضوع أنا والشهيد وحيد لمشاكستها فنعرض عليها هدايا غريبة عجيبة ولا تلائم الحالة وكانت ترفض كل العروض ومن الجميع بسبب حبها وتعلقها بالوليد القادم، وأخيراً وقبل العودة بأيام اقتنعت بشراء عدة طبية صغيرة من البلاستك كهدية على أمل أن يصبح الضيف القادم طبيباً في المستقبل ومع هذا لم تتخلص من مشاكسات وحيد الذي كان أقربنا لها عمراً وبالتالي أكثرنا مشاكسةً ومزاحاً معها فكان يطلب منها فحص نبضات قلبه أو درجة حرارته ومستوى ضغط الدم وكانت تتقبل ذلك بروح رياضية وتصف له حالته الصحية وكأنها بأسوأ حال وانه قد لا يصل الى بغداد سالماً ويضحك الجميع بعدها .

بعد العودة الى بغداد ليلاً وفي المطار لم يحضر أحد من ذوي سحر لاستقبالها وذلك لعدم علمهم بموعد القدوم فحلت سحر على عائلتنا ضيفة عزيزة مكرمة وقضت ليلتها مع بنات الدار وعلى السطح تتحدث لهم عن ما شاهدته في ألمانيا والفرق بينها وبين الناصرية وعرضت عليهم هديتها للمولود القادم في مزيج من المزاح والفرح وحتى الفجر، وفي الصباح غادرت سحر الدار مع والدي مودعة بالحفاوة الى مقر اللجنة المركزية للحزب حيث حضر احد ذويها واصطحبها الى الناصرية ولم التقي بسحر بعد ذلك اليوم ولكن ظل ذكرها مستمراً في الدار على أثر ليلتها تلك معنا .

لم أعلم باستشهاد سحر على يد أوغاد النظام السابق إلا بعد احتلال العراق وسقوط النظام الســــــــــــــابق وذلك عبر ما كتب عنها من

9

خلال الانترنيت، وقد إغرورقت عيناي دمعاً وانأ اقرأ وأشاهد الحلم الذي كتبه عنها شقيقها السيد داود أمين منشد :

احلمت  مرهْ

بسحر  تضحكْ

وعلى  خدها  الحلو

رصعاتْ

كمت  أطحن  حزنْ

وأسحكْ

وأمسحْ  بيدي

أثرْ  دمعاتْ

لن  عيني  إلمحتْ

ركبه  طويلةْ

وحس  حبلْ

يخنكْ

وشبحْ  رجلينْ

يتلو لحنْ

ماكو  ثباتْ !

وقرأت رسالتها من المعتقل الى عمها حول البحث عن وليدها الذي أودعه الأوغاد في مأوى للأيتام ليطمئن قلبها عليه وهي تستقبل الموت بكل شجاعة فكتبت تقول : ( .  .  . يجب أن تسرعوا لأن الأيام قليلة بالنسبة لي فلذلك أريد إن اطمئن عليه قبل أن تسرع الأيام .   .   . ) .

إطمئني يا سيدتي فقد كبر وليدك وأصبح أباً، وكثيراً ما غيمت دنيانا في العراق ولكنها بلا مطر حقيقي، ويبدو إن حديثنا ونقاشـــنا

10

مع الوفود المشاركة في المخيم حول النضال ضد الاستعمار والامبريالية كان وهماً أو ضحكاً على الذقون، وجيفارا كان مهووساً آو مجنوناً، وإنجيلا ديفز كانت ساحرة ماكرة، والطفل الفيتنامي الذي استقبلناه بحفاوة وتكريم وتنافسنا على تقبيله والتقاط الصور معه لكونه قد ساعد الثوار الفيتناميين في نقل البريد ومراقبة تحركات القوات الأمريكية كان إرهابياً ودربه شيخ الإرهاب هوشي منه. فقد أصبحت أمريكا وأذنابها رمزاً للعدالة والديمقراطية ومعيناً لتحرير الشعوب رغم إنها ازدادت تكالباً ووحشية بعد انفرادها بالساحة، لذلك انتقل شيوخنا من المنطقة الحمراء الى المنطقة الخضراء وبلا محطات وسطية مخلفين ورائهم الملايين من الفقراء والكادحين لتسحقهم جرافات العدالة والديمقراطية الأمريكية، وزمر وطبل لهذا الانتقال الكثير من رفاق الأمس ومن يخالف ذلك فهو يمينياً أو شيوعياً متحجراً وموتوراًً ومنشقاً، وعلى كل حال فان كل تلك التسميات قد تكون مقبولة ومعقولة الى حد ما ولكن الويل وكل الويل لخونة الحزب والشعب والوطن .

هذا هو حالنا اليوم يا سيدتي .            

المجد والخلود للشهيدة سحر أمين منشد

 

خالد حسين سلطان

بغداد / أيلول 2009

 

 

 

11

أكان عرساً.. أم موتاً .. ؟؟

د. جمانة القروي

على أطلال المدينة السومرية أور، مهد الحضارات الإنسانية العريقة الأولى ..شيدت مدينة الناصرية.. تلك المدينة الجنوبية التي ورثت الإهمال والتهميش منذ تأسيسها، ومن قبل جميع الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق ..                                     .
في دماء وعروق أبناء هذه المدينة، تجسدت معاني الشموخ والإباء..الحب والرومانسيــــة.. الحنان والوفاء ..التضحيــة والعطاء..الشجاعة والصمود.. فقد حبت الطبيعة أبناء تلك الأرض الكثير من الصبر والصلابة.. فعندما كانوا يواجهون ظلم وقسوة الطبيعة حينما تجرف مياه الفيضانات محاصيلهم التي شـــارفت على الحصاد.. يقفون مكتوفي الأيدي وأحلامهم تضيع.. ويتبدد جهدهم وعرقهم.. ليذهب أدراج الرياح أمام ناظرهم...لكنهم يتحملون المصائب والنكبات بهامات مرفوعــة..                    .
من طينة تلك الأرض جبل مئات الأبطال من شهداء العراق ..    .  وبالأخص شهداء الحزب الشيوعي العراقي ..                      .
في يوم قائض شديد الحرارة مغبر حيث الهواء المعبأ برمال الصحراء الحمراء من شهر آب عام 1964 وفي أحدى المناطق الشعبية بمدينة الناصرية " حي الإسكان " أحست الأم بآلام الطلق، فاستعدت لاستقبال القادم الجديد الذي سيكون ترتيبه الثامن في العائلة، كانت تذرع حديقة الدار ذهاباً وإياباً، مستعينة بذلك على تحمل آلام المخاض ..                                                 .
في بيت يتميز بالحب والطيبة حيث لا وجود للحقد أو الضـغينة بين

12

ساكنيه ولدت ســحر التي كانت آخر العنقود وأحلاه .. تميزت بعينين سوداوين كبيرتــين .. ووجه مدور وبشرة بيضاء، تزين الوجه الجميل غمازتان تضيفان لجمال الطفلة الوليدة جمالاً أكثر..  نشأت سحر وترعرعت في أجواء الحب والعاطفة والحنو والصداقة من قبل أخواتها، وإخوانها بالرغم من الفارق العمري بينهم..
لم تتمتع سحر بطفولتها كباقي الأطفال مع إنها شاركتهم ألعابهم، فبلوغها وهي لم تتجاوز العاشرة بعد، جعلها تشعر بأنها أكبر من أقرانها سناً..                                                           .
منذ سنوات طفولتها الأولى تميزت بحيويتها ونشاطها ومرحها، وحب المزاح وسرعة البديهية.. أحبت الرقص والغناء، وكان لصوتها عذوبة خاصــــة.. انتمت إلى فرقة الطلائع ( التابعة للحزب الشيوعي العراقي ) في مدينة الناصرية وواظبت على التدريبات التي كانت تقام في مقر الحزب الشيوعي ولم يكن عمرها، آنذاك سوى تسعة أعوام.. عن طفولتها وذكرياته معها يحدثنا شقيقها أمير الذي كان اقرب الجميع إليها رغم السنوات العشر التي تفصلهما فيقول : دخلت سحر المدرسة وهي في سن السادسة لان أختنا الأكبر " موناليزا " (1) كانت حينها معلمة في ناحية " البطحاء " (2) فكانت ترافقها للمدرسة لتغيبا أسبوعاً كاملاً، وما أن تعود حتى تقص علينا كل صغيرة وكبيرة مرت بها.. كان يشوب وجنتيها الاحمرار ما أن تسمع مديحا من أحد ما، لم تكن تحب مدح نفسها وتردد دائما مقولة " من مدح نفسه فقد ذمها .. حسب قول أخي أمير "...!! من أمتع أوقاتها وأسعدها حينما ترافق والدتنا لزيارة العتبات المقدســـــــة لم يكن الدين هو ما يعنيها، إنما

13

السفر وصحبة النساء وسماع أحاديثهن .. في ذات الوقت شغفت بسماع قصص عن بطولات ومآثر الشيوعييــن ، فكثيراً ما تسال عن استشهاد فهد وسلام عادل وعن أسماء رؤساء الأحزاب الشيوعيــة .. وتكتب أسماءهم على أبواب البيت لكي تحفظها.."
اما أخوها سمير فيحدثنا عن فترة أخرى من حياة سحر عاصرها هو.. فيقول : " تركت بيت الأهل في الناصرية، حينما كان عمر أختي سحر 14 عاما، أتذكر ملامحها الجميلة المميزة، سيما عينيها السوداوين وحاجبيها اللذين كثيرا ما سببا لها مشاكل في المدرسة مع مدرساتها.. كانت متعددة المواهب فبالإضافة إلى عذوبة صوتها، حفظت العديد من أبيات الشعر الشعبي والعمودي، وأحيانا كانت ترتجله.. امتازت أيضا بجرأة غريبة، واستقلالية الرأي والكيان..." ست سنوات ما يفصل بين سحر وأخوها الرابع جمال، عن طفولتها يقول" أتذكر تماماً، حينما كانت لا تزال رضيعة في المهد وتبكي .. فأسرع إلى والدتي مشفقاً، وخائفاً عليها من كثرة البكاء، وكثيرا ما بكيت على بكاءها.. الحقيقة لم تكن طفولتها تختلف عن أي طفلة أخرى تعيش في منطقة جنوبية..

فكانت مع بنات المحلة وأحياناً الأولاد تمارس الألعاب المتعارف عليها آنذاك،ربما الشيء الوحيد الذي ميزها عن بقية الفتيات ذهابها إلى مدرسة بعيدة بالقطار، وغيابها عنا أسبوع أو أسبوعين مع اختنا موناليزا، قضت حوالي أربع سنوات هناك... عادت بعد ذلك إلى الناصرية والتحقت بمدرسة قريبة من بيتنا اســـمها على مــــا اذكر" ابتدائية حطين " .. بالرغم من وجود مدارس قريبة من بيتنا، لكن موناليزا أخذت سحر معها إلى مدرستها، " لماذا سحر بالذات دون أخواتها الأخريات ؟؟ لا أعرف وكأن القدر رســـــــم، وخطط

14

لكلاهما الاستشهاد والموت ببطولة .. " !!                          .
نشأت سحر وتربت على مبادئ الحزب الشيوعي والفكر الماركسي.. وقد تعزز إيمانها بهما، بعد سفرها صيف 1976 إلى ألمانيا الديمقراطية للمشاركة في مهرجان طلائعي عالمي, وقد اختيرت ضمن أربعة أطفال ليمثلوا العراق.. آنذاك لم يتجاوز عمرها الثانية عشر.. بعد عودتها من المهرجان، أصبحت إنسانة ناضجة، وكأن الفتاة الصغيرة التي سافرت قبل شهر واحد، كبرت فجأةً.. صقلت هذه التجربة شخصيتها تماماً، وأخذت منحى آخر أكثر جدية ومسؤولية.. يقول جمال عن هذا الحدث " تغيرت أختي خلال تلك الثلاثين يوما بشكل أذهلنا جميعاً، أضفت تجربة حضور المهرجان، على شخصيتها طابع مميز اتسمت به.. كما أثرت على تكوينها ووعيها السياسي لاحقاً، وبدا ذلك جليا بزيادة قراءتها، واهتمامها بالجانب السياسي ثم انضمامها للحلقات الماركسية الصغيرة والتي أهلتها للدخول في صفوف اتحاد الطلبة، والعمل الحزبي لاحقا "..                                                      .
في منتصف عام 1978.. نزع وحش النظام، قناعه المزيف، ليكشر عن أنيابه المسمومة ليفترس، ويسحق دون رحمة كل من يخالف أفكاره ومعتقداتـــــه، ولم يكن يعنيــــه من هو خصمه رجلاً كان أو امرأة أو حتى طــــفلاً..!! اضطرت سحر وأخواتها الأكبر منها ترك مقاعد الدراسة لأنهن رفضن الانتماء للاتحاد الوطني لطلبة السلطة .. ومع ازدياد وحشية وبطش السلطة وخروج معظم إخوانها من العراق عام 1979 .. رحل أفراد العائلة المتبقية إلى بغداد في نهاية عام 1980 تاركين ورائهم، كل شيء، حتى ذكرياتهم.. إلا أن ســــــــــــحر أبت اللحاق بهم واختارت البقاء في

15

الناصرية.. ومن هناك واصلت السير في الدرب الذي اختطته لنفسها...
لم تبالِ بما قد يؤول إليه مصيرها، وما مدى الوحشية والقسوة والتعذيب الذي قد يطالها لو وقعت يوماً بأيديهم.. وأبدت استعدادها من اجل التضحية في سبيل ذلك... فقد آمنت سحر منذ طفولتها وتفتح أولى براعم شبابها بالأفكار الثورية والتقدمية، ولم يثنها الإرهاب، ولا كسرت شوكتها الملاحقة لعائلتها، آو أثـــر طردها وأخواتها من المدرسة على إيمانها بالمبدأ الذي شبت عليه .. بل على العكس عمق في نفسها التحدي..يقول أخوها جمال " على الرغم من صغر سنها إلا إنها كانت ذات إدراك كبير، و تميزت بذاكرة قوية ومتوقدة، بالإضافة إلى إنها كتومة جداً... لذلك اعتمد عليها الحزب في الكثير من الأمور.. إن إصرارها على الصمود، كان ناتج عن ثقتها التامة بهذا الطريق.. ربما لم تكن سحر قد استوعبت المبدأ بكل حيثياته وأبعاده ، لكن دافعها الوحيد هو حبها الفطري للحزب.. ليس إلا..!!"                                       .
عاشت في أحدى البيوت الحزبية السرية بضواحي مدينتها ومكثت هناك أكثر من عام مع مجموعة من الفتيات بسنها أو اكبر منها بقليل، حيث كن ينقلن البريد الحزبي.... كان أخوها جمال يتابع أخبارها من خلال صــــاحب هذا البيت.. انتقلت إلى بيت آخر في " الحي العسكري "(3) عاشت في هذا البيت فترة اختفاءها في الناصرية، وفيه أيضاً تعرفت على زوجها الشــــــهيد صباح طارش (4)..                                                           .
كان الحنين إلى والدتها والارتماء في أحضانها الدافئة..يشدها لزيارتهم بين حين وآخر.. فتأتي إلى بغداد .. لم تكن ســـــحر تتخلَ

16

عن نضالها حتى في تلك الأيام ، فخلال وجودها في بغداد حاولت الاتصال بالعديد من الرفاق والرفيقات ، الذين تواروا عن الأعين، لإعادة صلتهم الحزبية .. كما كانت تنقل البريد الحزبي من محافظتها الى العاصمة وبالعكس..                                   .
مابين عامي 1981- 1982 القي القبض على سكرتير الحزب بمحافظة الناصرية الشهيد " علي جبار " (5)، تسلم بعده صباح طارش، مسؤولية أدارة التنظيم ...يقول جمال اخو الشهيدة ســحر والذي عاصر سنوات نضالهـــــا " ازدهر، وأينع الحب في قلب سحر وصباح .. ولابد من ان يتوج هذا الحب بالزواج ... وبتكتم تام جاء طالباً سحر.. باركت هذا الزواج.. وقد أسعدتهم موافقتي كثيرأ، إلا إني لم احضر عقد قرانهما الذي تم بتكتم تام عام 1983عند احد سادة المدينة وذلك لظروفهما الخاصة والصعبة في آن.. كان عمرها آنذاك 19 عاما.."                                  .
في احد تلك البيوت المتفرقة هنا وهناك بحي سومر.. والبعيدة والمستترة عن أعين السلطة وكلابها..عاشت سحر وزوجها، كان اختيارهم لهذه المنطقة موفقاً جداً حيث توفرت لهم التغطية الكاملة للعمل السياسي والسري وقد جعلوا منه بيتاً فيه كافة مستلزمات البيوت الحزبية،..واستطاعوا لفترة طويلة، الاختفاء فيه، لولا وشاية خائن ..                                                         .
لا تزال أسرار عميلة اقتحام بيتهم غامضة لليوم، ولا يعرف بالضبط كيف رصدت عيون الأمن ذلك البيت الصغير المنعزل، إلا ان المرجح هو ان اختراقات حصلت في تلك الفترة للتنظيم ، مما أدى للكشف عنهم والإيقاع بهم..                                      .
بعد انتصاف النهار بنحو قليل في يوم قائض من شـــــهر تموز عام

17

http://www.al-nnas.com/ARTICLE/JKurawi/ss12.PNG

قرار الإعدام الصادر بحق الشهيدة سحر

18

http://www.al-nnas.com/ARTICLE/JKurawi/ss11.PNG

رسالة الشهيدة سحر الى أهل زوجها للبحث عن طفلها محمد

 

19

http://www.al-nnas.com/ARTICLE/JKurawi/sahar2.PNG

الشهيدة سحر أمين منشد    و    الشهيدة موناليزا أمين منشد

 

 

1984 طوقت الحي السكني والبيت بشكل خاص.. مفرزة مكونة من ثلاث ضباط وحوالي عشرين من منتسبي الأمن، حاملين مختلف الأسلحة الخفيفة والمتوسطة.. وتعالت أصواتهم مطالبة سكنة الدار تسليم أنفسهم .. إلا ان صباح لم يستسلم ، وقاوم ببسالة، فقتل منهم ثلاثة، احدهم برتبة ضابط..

في هذا الجو المفعم .. بالموت، ورائحة البارود وصوت أزيز الرصاص لم تفقد سحر شجاعتها ورباطة جأشها حيث قامت بإحراق وإتلاف كل ما يتعلق بأسرار الحزب من أسماء وعناوين، وأساسيات التحرك الحزبي،هي والرفيق " مهدي النجار "(6) حتى لا يقع في أيدي السلطة ما قد يؤدي بحياة أو أمن الآخرين .. استمرت المواجهة العنيفة أكثر من ساعتين ولم تستطع المفرزة اقتحام البيت، فتصوروا ان أكثر من واحد يقاومهم..ولم يتمكنوا من دخول البيت إلا حين وجه صباح الطلقة الأخيرة من مسدسه لتستقر بصدغه..!! كما حاولت سحر قطع لسانها حتى لا تضعف، أو تخونها شجاعتها وتشي بما تعرف .. لم تكن قد تجاوزت العشرين ربيعاً، إلا إنها كانت واسعة الإدراك لخطورة الموقف الذي تجابهه.. فحبيبها وزوجها بين الحياة والموت.. ورفيقها مهدي يضرب ويهان بوحشية أمامها.. والدماء التي تسيل من فمها بعد محاولة انتحارها، والطفل الذي في بطنها، حينها كانت في الشهر الثامن من الحمل.... اقتيدت سحر إلى مستشفى الناصرية وتحت حراسة مشددة، منعت عنها الزيارة وأوقف بباب غرفتها حارس على مدار الساعة.. حاولوا انقاذ حياتها بشتى الطرق، ليس عطفاً، أو إنسانية منهم إنما لانتزاع معلومات و لمعرفة هوية من معها.. لكنها لم تنطق بحرف واحد.. ولم تذكر حتى اســـــــــم زوجها؟ فقد

21

حيرهم من يكون هذا الذي انتحر بآخر طلقة من مسدسه.. سيما وان ملامحه قد تغيرت نتيجة إصابته بالرأس.. عثروا بحوزته على عدد من الهويات وبأسماء مستعارة .. فلجؤا إلى عملائهم من الأمن والمخابرات في كل منطقة من الناصرية لكي يتسنى لهم التعرف على شخصيته من خلالهم.. وبهذه الطريقة توصلوا إلى حقيقة شخصيته.. بعد اقل من يومين فارق الحياة.. ثم سلموا جثته إلى أهله ومنعوا مراسيم العزاء ..تعرضت سحر لشتى أنواع القسوة والإرهاب ومورست ضدها أبشع أساليب التعذيب للحصول على معلومات سريعة.. إلا إنها ظلت صامتة لم تنبس بنبت شفة.. ولم يتمكنوا من كشف أي بيت من البيوت الحزبية التي كانت على صلة بهم..

في دجن الليالي، والأيام وانينها الصامت .. وبين هاوية الموت وأمل الحياة، ابتسم لها محمد (7)، فرحت سحر بوليدها، وثمرة حبها، كأي أم .. على الرغم من المحنة التي تمر بها، وقساوة ووحشية مَن حولها، وقصر الوقت وسرعته، فلم تكن سوى دقائق قليلة تلك التي رأته فيها ، وضمته الى صدرها.. إلا إنها استطاعت تحديد ملامحــــه قبل انتزاعه عنوة منها ، ليترك في ملجأ للأيتام، يواجه مصيره..                                                        .
في غضون أسابيع تماثلت سحر للشفاء لتنقل إلى مديرية أمن الناصرية..ثم إلى أقبية أمن بغداد.. تحدث أحد شهود العيان إلى أخيها الكبير ، عن بطولاتها ، دون ان يعرف إنها أخته.. فقال" لم أرى شابة بهذه الجرأة..وهذا المراس .. شديدة الإباء.. تمشي للتحقيق شامخة وبثقة عالية بمبدئها ونفسها... كانت تقول لنا ارفعوا رؤوسكم.. ولا تطأطئوها أبداً .. نحن لســـــــنا مجرمين.. إنما نحن

22

مناضلين.."!!                                                         .
مكثت سحر في سجن الرشاد للنساء فترة انتظارها لتنفيذ حكم الإعدام بعد ان حكمت محكمة " الثورة " بتاريخ 31/12/1984.. عليها بذلك..ومن هناك بعثت رسالتها الأولى والأخيرة إلى أهل زوجها ترجوهم البحث عن طفلها وتربيته، والعناية به ..          .
منتصف شهر نيسان من عام 1985 أزف وقت رحيل سحر، لتلحق بمن أحبت.. فتقدمت مرفوعة الهامة .. كشجرة نخيل لتعتلي المشنقة.. وما ان طوق الحبل رقبتها حتى أطلقت الزغاريد .. لتذهل وترعب قاتليها.. ولترسم إحدى أجمل صور البطولة والشموخ، بريشة الإيمان الثابت والعميق، بان ليل الظلم والقمع والإرهاب.. لابد ان تشرق بعده شمس الحرية (8)...

_________________________________________

(1) موناليزا " الشقيقة الكبرى لسحر، كانت تعمل ضمن فصائل الأنصار.. استشهدت يوم 7 / 9 / 1986 برصاص الجندرمة الأتراك..
(2) ناحية البطحاء : احدي نواحي مدينة الناصرية والتي لا تبعد عن مركزها سوى 20 كلم ..                                         .
(3) حي العسكري : احد الأحياء الجديدة في الناصرية آنذاك حيث شيدت بيوت حديثة للعسكريين ..                                     .
(4) صباح طارش كان من منطقة الإسكان، ومن عائلة شيوعية أعطت أربع شهداء .. كانت تربطه بأهل الشهيدة سحر علاقات عائلية .. وقد تزوجا قبل استشهاده بفترة وجيزة..                   .
(5) الشهيد علي جبار: اعدم بعد ذلك في سجن أبو غريب سيء الصيت .                                                               .

23

(6) مهدي النجار .. حكم واعدم بنفس اليوم الذي أعدمت فيه سحر، وكان وجوده معهم في البيت بالصدفة .                      .
(7) ولد محمد في 16/تموز/ 1984 قبل أوانه " خدج " ونتيجة لذلك كان عليلاً وضعيف البنية ، مما أدى إلى إصابته بالعديد من الأمراض سيما بعدما ترك في الملجأ ، وكاد شبح الموت أن يخطفه هو الآخر ..لولا ان احدهم اتصل بأهله لأبيه، وطلب منهم ان يستلموه.. فقامت أحدى عماته على تربيته.. وأوقفت حياتها من اجله.. والآن هو شاب يافع ومتزوج ويعيش في الناصرية ..
(8) لم يعلم أهلها بإعدامها إلا عام 1986 .. وقد نشرت جريدة طريق الشعب نعي للأختين الشهيدتين " موناليزا " ( المعروفة في كردستان باسم أنسام ) وسحر..

 

 

24

نص رسالة الشهيدة سحر الى عمها من داخل

سجن الرشاد في بغداد

الى عمي العزيز ابو عادل :

تحية طيبة أبعثها لك من سجن الرشاد الواقع في مدينة بغداد وبعد :

ها أنا ذا اكتب أليك يا عزيزي بعد تفكير طويل بشأن مصير حفيدك الجديد الذي لا اعرف عن مصيره شيء والذي ولدته قبل موعد الولادة وأودعوه في المستشفى حيث ولدت هناك في قسم الخدّج في الناصرية وولدت بعد القبض عليَّّ بفترة قصيرة وبعدها أخرجوني من المستشفى وبقى أبني في قسم الخدج والذي علمته بعد ذلك بأنه قد خرجوه من هناك وأودعوه في رعاية الايتام الواقع في مدينة الثورة في الناصرية فلذلك أرجوا ان تبحث عن حفيدك ولا تجعله يعيش في اجواء الحرمان من حنانكم عليه وأن لا تخشوا شيئا وأن حصلتم على معلومات عنه أو استلمتموه فارجوا ان تخبروني بشانه وترسلوا لي رسالة عن طريق السجن الذي أنا فيه وساعطيكم العنوان فيما بعد ويجب ان تسرعوا لان الايام قليلة بالنسبة لي فلذلك أريد ان اطمئن عليه قبل ان تسرع الأيام. واذا أردتم المجيء لي وهذه آخر امنية اتمناها فبأمكانكم ان ترونني مرة واحدة فقط وسأفهمك بها اكثر على مصير ابني أو ان عثرتم عليه تجلبونه لي لكي آراه ان حصلت هذه المعجزة وتعالوا على عنوان السجن ولا تخشو شيئا لان المسألة طبيعية جداً وهناك الكثير من الأهالي يجلبون المواد لذويهم والمسالة طبيعية جداً وستحسونها عند المجيء فأرجو أن تلبوا طلبي وكذلك أن تخبروا خالي عبد الله بما جرى لي وأن أراد رؤيتي فليأتي معكم ولتجعلوه يطمئن عن مسالة

25

المجيء لي لأن ليس ثمة خطر ولو كان ثمة خطر لقلت لكم لا تأتوا لي .   .   .

وأن اردتم ان تتعرفوا على ابني فهو يشبه بعض ملامح جده او بالأحرى أبوه . . . . . . . .  فأرجوا لكم الصبر على ما تواجهونه من مصاعب الايام مثلما أنا صابرة الآن .  . وأكرر أخيراً وأقول لا تجعلوا ثمرتنا نحن الأثنين تسقط هكذا وعليكم المحافظة عليها .   .   . وأرجوكم ان ترجعوا ولو جواب على هذه الرسالة عن طريق السجن أو برقية مثلاً لتجعلوني أطمئن وعسى ان تطمئن قلوبكم بالصبر والسلوان .   .   . وأؤكد عن مسألة اخبار ( خوالي ) بمصيري وليفعلوا شيئاً من أجل أبني وليس من أجلي ومع جزيل الشكر .

ملاحظة : ان أردتم المجيء فتعالوا بأسرع وقت ممكن أو في المواجهة العادية كل 12 بالشهر أي 12 / 3 ، 12 / 4 وهكذا والدوام صباحاً في الثامنة .  . أما عنوان السجن .  .  . فهو كالآتي .  .  . مدينة الرشاد .  .  . دائرة قسم اصلاح النساء

أما يوم الولادة فهو 16 / 7 / 84 ولدت في مستشفى الناصرية

                                                      المرسلة

زوجة ابنكم سحر أمين منشد

 

 

 

26

الشهيدة سحر أمين منشد التي زغردت عالياً في سماء العراق

زهير كاظم عبود

هل يكفي  ان ننحني تحت جنازتك المهيبة فنحملك فوق الرؤوس ؟  نلامس حرارة هتافك الذي رددته قاعة السجن  معك، فصار هتافات  وشعارات !!  كيف لنا أن نستحضر تلك الساعات التي قلما كررها التاريخ في فرح الأنسان وهو يتقدم بخطى ثابتة وقامة منتصبة وزغاريد تهتف للشعب وللحزب بالنصر القادم  والخلاص من الطغاة ؟

 نمد الأيادي نلمس كفيك ونقرأ بعض الكتابات المنقوشة على باطن الكف !! الحرارة التي بقيت في الجسد حرارة الفرح الطاغي على وجهك الجميل ، فأنت تعرفين حقا انك ترحلين داخل الخلايا الحزبية وفي نشرات المراسلات  والبيوت السرية ووسط فتلات الجريدة المركزية ، فيصير اسمك  تارة (( سحر منشد ))  ومرة ((  ابنة الناصرية )) وتارة (( ميسون  )) ،  ومرات عروس الناصرية  ومرات الهامة التي يفتخر بها حزب الفقراء  .

مابين التاسع من آب 1964 وبين الخامس عشر من حزيران عام 1985 زمن عراقي مرير، غير انك مرقت فيه كالسهم لتصلي الى اعلى ما تصله الروح، مابين الولادة والرحيل اختزل الزمن حروفه في اسمك الصغير .

ومن حي الإسكان بالناصرية الى سماوات العراق، تحملين بيرق النصر وتقسمين لنا نحن المذهولين نراقب الهـلاهل، بأن النصر قادم وأن الشعب لابد أن ينتصر، يقيناً أن الشعب ينتصر مهما كانت

27

جسامة التضحيات، وأن الطغاة الى مزابل التاريخ .

ومن بيوت الحزب السرية حتى زنزانات أمن الناصرية والأمن العام، حتى صدور الحكم من قبل الجلاد عواد البندر رئيس ما يسمى بمحكمة الثورة .

ما جعلتك الطلقات الجبانة التي أطلقها ضابط الأمن تبدين وجعاً أو تنازلاً ، زادك الالم قوة وصلابة، من أي حليب رضعتك أمك ايتها الطاهرة ؟ وكيف تعلمت كل هذا الشموخ الذي يعيد لنا قصص  تاريخنا  ونضالنا .

ليس غريباً منك وأنت تتعلمين من أمك التي تخبي بريد الحزب الشيوعي  في ثنايا الجرغد وتعبر به محطات عديدة حتى يصل أميناً سليماً، وتحرص على تسليمه مع ضحكة وثبات،  وليس غريبا وأنت تتعلمين من داود وأمير وموناليزا كل هذا الإصرار والثبات على المبادئ، فقد كان الحزب معكم في رغيف الخبز وفي ضحكة الأطفال وحزن الفقراء والحلم المشترك .

وتحفرين أسمك وتاريخك فوق جدران الزنزانة بأظافرك الجميلة،  ثم تنزعين عن جيدك القلادة وترميها نحو زنزانات المناضلين، وتتقدمين بشموخ الفرسان وبزهو المنتصر وأبتسامة الفخر تملأ وجهك الجميل،  فلم تنكسري يا سحر ولم ترهبك  قرارات عواد البندر ولا أسياده ، فقد كنت المنتصرة عليهم، فيما هم يركسون بظلامهم .

وقبل أن تكملي عيدك الحادي والعشرين تصرين على ان تكوني بين الخالدات .

ثم تطلقين زغرودتك الكبيرة ابتهاجاً بالشــــــــــهادة، وتعتلين منصة

الإعدام وتدفعين الجلاد بيدك، حتى لا يضع الحبل فوق هذه الرقبة،

28

أنت من يضع الحبل حين ترمقين الجلادين بنظراتك الثاقبة فتطأطئ دوما  ثم ترحلين الى الخلود .

لن نسير بجنازتك فقد نقش  الحزب عمرك  في تاريخه المجيد، وباتت الضمائر كلها تقرأ لك سـورة الخلود، وتمنحك الجرائد السرية كلها .

 

 

29

الشهيدان الخالدان سحر أمين منشد وصباح طارش

 ( ثائر ) . نجمان عليا في سماء الوطن

أحمد الناصري

دم وأجداث وحزن عميم، وبيوت مخربة، ومدن ذاهلة مليئة بالأوحال والرماد، وأوطان محتلة ومنسية وجائعة، وخراب شامل، هذا ما تخلفه الفاشية عندما تضرب أرض ما وزمن ما، فهي طاعون حقيقي وطوفان جامح يأتي على كل شيء خيّر وجميل .                                                       .
واليوم ونحن نجلو الذاكرة، ونعيد تجميع شظاياها التي تطايرت مع الأعوام، ونستنطق خزينها، كي تقول شهادة الحق، وقول الحق، في محراب الشهداء، لنتذكر قوافلهم الجليلة وأطيافهم وأحلامهم التي طوحت بها الفاشية وطحنتها فوق تراب الوطن فاختلطت به، وصارت منه وله، الوطن الذي جمعها بيديه وحماها، فأصبحت غالية وعالية لا يطولها أحد .               .
سحر أمين منشد، تلك الصبية الجميلة والرقيقة و( النادرة حسب تعبير مشترك عامي وفصيح. وهما قريبان في المعنى، لكني أريد العامي لأنه أعمق وأكثر شيوعا وأقرب إلى ما أريد )، تلك الصبية الصلبة، التي تّربت في عائلة شيوعية مثقفة ومتعلمة وكادحة، في مدينه مثقفة وكادحة بل معدمة هي مدينة الناصرية،  عائلة تسربلت وتعمدت وتشبعت بالعمل السياسي والثقافي والحزبي، وقد تربى الجميع على يد أمهم المناضلة الشعبية الكبيرة ( أم داود ) ومنها خرجت وتخرجت أختها الشهيدة الغالية موناليزا أمين منشد ( أنسام ) التي كان يختصر أسـمها في الناصرية إلى

30

( منى ) شهيدة العمل المسلح في كردستان، وشهيدة الوطن والناصرية. ومنها خرج بالسلاح ثلاثة من أخوتها على السلطة الظالمة وحاكمها الدكتاتور الظالم، في بيت لا تتوقف فيه الاجتماعات والنشاطات الحزبية والمهنية ، حيث يصعب أن يخلو يوم واحد من اجتماعات اللجان والخلايا الحزبية، ولجان الاختصاص، إلى جانب الحلقات الطلابية والشبابية والنسوية، وتستمر الاجتماعات ساعات طويلة، بينما تنتظر في الصالة لجان وهيئات وحلقات أخرى، بعدها تطعم يد ( أم داود ) الكريمة الجميع بسخاء وود عجيبين !! في هذه الأجواء تربت سحر، لذلك كانت تمتلك قناعة حقيقية وثابتة، تحولت مع التجربة القاسية إلى إرادة صلبة، فرغم أنها كانت في بداية حياتها القصيرة، طالبة في الدراسة المتوسطة، فقد تركت الدراسة ورفضت وتحدت عمليات التبعيث، وانتقلت إلى العمل السري الخطير في تنظيم بغداد في نهاية عام 79 على أثر الحملة الفاشية الإرهابية .               .                                                     .فبعد انفلات الحملة الفاشية الإرهابية المنظمة عام 78 ، وانهيار التحالف الخاطئ ( الذي لم يكن لنا نحن الجيل الجديد فيه لا ناقة ولا جمل ولا حتى حمار، ولم نطل على كواليسه الكثيرة !! ) وتوسع حملات الاعتقال والتعذيب، وعمليات التبعيث سيئة الصيت الشاملة والعامة، والتي شملت الجميع وركزت على التعليم بجميع مراحله عدا المرحلة الابتدائية، ولما كانت عائلة الشهيدة سحر أمين من العوائل ( المكشوفة ) والمعروفة الانتماء، وقد هرب واختفى جميع أخوتها بعد أن تعرضوا للملاحقة والإعتقال، لذلك أزداد الضغط على الشهيدة سحر وشقيقتها انتصار في المدرسة من أجل الانتماء إلى إتحاد السـلطة الطلابي، أو مواجهة عقوبة

31

الطرد من المدرسة والملاحقة والاعتقال، وهكذا اختارت سحر الخيار الصعب والقاسي، وهو ترك الدراسة وما يعنيه هذا القرار من مواجهة وتحدي للسلطة، وضياع للمستقبل، وقد انتقلت المضايقات إلى البيت والمحلة والشارع، عندها قررت سحر وشقيقتها انتصار الانتقال إلى بغداد والالتحاق ببقايا التنظيم السري في بغداد، وقد اتصلت ببغداد وأجرينا ترتيبات وإجراءات نقلتهما إلى بغداد، وقد أشرف على العملية الشهيد البطل صاحب ناصر (أبو جميل)، وقد أوصلتهما إليه، ونقلهما إلى مكان آمن، وبقيت أتابع أخبارهما من بعيد حتى انتقالي إلى كردستان .            .
الحكاية هنا تستمر معي وتترابط بمحض الصدفة العجيبة، وكيف ستتابعد بنا الأيام والأمكنة، ثم تعود وتلتقي في مشهد بدايته جميلة ورومانسية ونهايته مفجعة ودموية، واليكم الحكاية العجيبة التي أشرفت على جزء من فصولها، فبعد انهيار الجبهة المشؤومة، وانطلاق الحملة الإرهابية بشكل علني عام 78 ( لأن الإرهاب موجود منذ عام 68 ) حاولنا نحن الشباب إن نتمسك بالحلم وندافع عنه في المعتقلات والسجون وبقايا العمل التنظيمي وخطوطه التائه وخيوطه المتقطعة، لذلك عملنا ليل نهار ومن دون توجيهات عليا ( فقد سمح للقيادة والكادر المتقدم بالهروب والمغادرة الرسمية حسب اتفاق مسبق !! ) ومن دون إمكانيات حقيقية، وسط هزيمة وانهيار شاملين، أن نعمل ونصمد، وأن نتحدى فرق الموت !! لذلك قررت مع البقية الباقية من التنظيمات، أن نعمل ( وهذه حكاية طويلة لابد من سردها في يوم من الأيام ) ونبحث عن المنقطعين تنظيمياً، هنا التقيت واستلمت الشهيد البطل صـباح طارش في بغداد، وهو في عداد مجموعتين

32

كلفت بنقلها إلى كردستان مع بداية تكون القواعد الأنصارية في الجبال القصية. وقد وصلت المجموعتان بسلام إلى القواعد الجديدة عبر مدينة السليمانية، مروراً بمدينة حلبجة، وأقمنا في قاعدة ( هيرتا ) التي كان يقودها عسكرياً الصديق ملا علي وعدد من الكادر السياسي، والتي تطورت فيما بعد لتصبح قاطع السليمانية .                                                     .
في قاعدة (هيرتا ) الواقعة في الأراضي الإيرانية المقابلة لجبال هورمان ومناطق طويله وبياره ومدينة حلبجة الشهيرة وقرية عنب، والتي يفصلنا عنها نهر سيروان، وتقع مقابل جبل بيفره ميري الشاهق، بدا لنا كل شيء صعب وغريب وجديد، وبدت الأشياء والمدن بعيدة وقصية، والظروف المعيشية والجوية صعبة ولا تطاق والتعامل الاجتماعي غريب بعض الشيء ولا يتوافق مع صفات ومميزات سكان المدن أو القرى الفاضلة!! وهذا ما انعكس بصورة مباشرة وجلية على وضع الشهيد صباح طارش(*) الذي أصبح أسمه الحركي الجديد ( ثائر )، وبدأ الخلاف مع المحيط القاسي الجديد يظهر ويتعمق، والذي كان يعترض ويسخر من كل الأشياء، بما فيها حلاقة الشارب أو تنظيف الأسنان بالفرشاة بعد الأكل أو قبل النوم، ربما لاعتقاد البعض من هؤلاء الخلق بأن هذه العادة انتقلت لنا من البرجوازية الرخوة!!        .
باختصار شديد فقد أصطدم الرفيق ثائر بهذا الوضع وأختلف معه، ومع كل التفاصيل الجديدة القائمة هناك في معزلنا الغرائبي الذي كنا نطل من خلاله على العالم، وأتخذ قراره الخطير بالعودة إلى تنظيمات الداخل، وهنا دخل في مشاكل جديدة وخلاف جديد، فهل يعود بشكل شخصي، أم يعود مع الحزب؟؟ وقد سمع كلاماً كثيراً

33

وقاسياً، لكنه لم يتنازل أو يتراجع في مطلبه بالعودة، لشعوره بعدم فائدة وعدم جدوى البقاء، وهكذا عاد في النهاية بعد صراع طويل، وقد أرسلت معه رسائل طويلة خاصة إلى الناصرية، ويبدو أنه ومن سياق الأحداث التالية عثر على التنظيم الحزبي، والتقى بالشهيدة سحر من خلال الشــهيد الجميل صاحب ناصر (أبو جميل) ثم تزوج من سحر التي كان يعرفها، وتربطيهما علاقة عائلية قوية جداً، فصباح كان واحد من أعضاء الخلايا واللجان والحلقات الطلابية التي تجتمع في بيت سحر، وهو صديق جميع أخوة سحر، وهما يسكنان في محلة واحدة وهي محلة الإسكان في الناصرية، ومن هنا تجمعت خيوط الحكاية الرومانسية الحزينة، ويبدو أنهما عادا إلى الناصرية بشكل سري، وكونا بيتاً للزوجية وللعمل الحزبي، واقتحما مكامن الخطر، ومارسا العمل والنشاط في الخطوط الأمامية كما يوصف هذا العمل البطولي الجريء. ويبدو كذلك أن كلاب السلطة وجواسيسها وصلوا إلى ذلك البيت، من خلال عنصر تافه يعرفهم ووشى بهم تلك الوشاية القاتلة، وجاءت القوات الحكومية وطوقت البيت وطالبت سحر وصباح بالاستسلام، لكنهما كانا قد اتخذا القرار الصعب بالمقاومة حتى النهاية، وعدم الاستسلام الذي ستكون نهايته بشعة ومأساوية كذلك، ودخلا في مواجهة عسكرية بطولية مع أوغاد وكلاب السلطة، انتهت باستشهاد صباح واعتقال سحر التي كانت حاملاً، ونقلها إلى معتقلات الفاشية السوداء، وتعرضا الى صنوف العذاب والانتقام الوحشية، ثم محاكمتها في محاكمهم الخاصة وإصدار حكم الإعدام الظالم بحقها، وانتظار موعد ولادتها، وبعد الولادة نفذ حكم الإعدام بالصــبية الجميلة

34

والصلبة ســحر أمين منشد في سجن أبو غريب الرهيب، لتقوم دورة الحياة بميلاد الطفل الذي ربما أسموه على أسم أبيه صباح، وتكتب الحياة صيرورتها ومشيئتها الخاصة التي تعاند وتتجاوز أعدائها دائماً!!                                                  .
مثلما كانت سحر صبية جميلة وبريئة وصلبة وقوية، كان صباح طارش شاباً وسيماً، فارع القامة وقوي البنية مليء بالحيوية، ومؤدباً أدباً جماً وعالياً، لذلك قتلتهما الفاشية القذرة، لأنها ببساطة تكره الجمال والحياة، لكن على الفاشية أن تدفع الثمن في القصاص الوطني العادل لكل من قاد ونفذ وشارك في هذه الجرائم البشعة، والتي لا تنسى مهما طال الزمن !!                     .
سحر أمين منشد وصباح طارش ( ثائر ). نجمان عليا في سماء الوطن .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* علقت السيدة آمنة وبلقب ( شقيقة الشهيدين )  في احد مواقع الانترنيت حول عدم ذكر الشهداء الآخرين من أشقاء صباح  فكتبت ما يأتي وهي على حق ( خالد حسين ) :

في البداية أود ان أشكر كل من ساهم بشكل جدي في ذكر الشهيد صباح طارش والشهيدة سحر وأرجو إن تذكر التضحيات اللاحقة لعائلة الشهداء وهذا هو التعبير الصحيح حيث استشهدوا أشقاء صباح طارش على أيدي جلاوزة النظام السابق بطرق متعددة حيث تم استشهاد شقيقه محمد رسول طارش بتارخ 15/6/1985 بالإعدام شنقاً حتى الموت واستشهد شقيقه عادل طارش في تصفية جسدية بتاريخ 11/1/1986 في البصرة واستشهد شقيقه مرتضى طارش بتاريخ 23/3/1988 في حلبجة وأخيراً استشهد شقيقه رياض طارش بعد اعتقاله بتاريخ 5/12/1985 بعد الحــــــــــادث

35

مباشرة وتم زرقه  بمواد كيماوية سامة وتســـريحه من المعتقل مما

أدى الى وفاته ومدة الحكم الى شقيقه الأصغر بخمس سنوات (علي طارش ) وتم ملاحقة النظام وأزلامه لعائلة الشهداء لغاية 17/3/2003 أي قبل سقوط النظام بأيام معدودة، نود أن نذكر إن ابن الشهيدين اسمه محمد صباح طارش وحاليا متزوج ولديه طفل بعمر عامين اسمه فهد وتم تربية ابن الشهيدين من قبل عمته نود نشر هذه المعلومات الحقيقية والآلام التي ألحقت بهذه العائلة والتي لم تنصف حقوق أبناءها .

مع أطيب أمنياتي لكم

 

آمنه شقيقة الشهيدين

 

 

36

عندما يعتلي الجبل المشنقة

سعد عباس حمادي

فراشة تحلق حول الضوء
خجل الضوء من نورها
فأطفأ روحه فكانت هي الضوء
فراشة اسمها ( سحر )*
تغفو نغم بأوتار ضفائر شعرها
فتعزف لحناً على ضفاف فرات مدينتي ذي قار
للعاشقين
للحب
للثائرين
للزغاريد على مشانق الطغاة
حيث يموت الموت مرارا ومرارا
ويهرب خوفا من أوتار اللحن
لحن يصرخ بوجه الجلادين
ويوزع للشهداء شموعاً وقلائد
نظر الجلاد لقوامها
ارتجف
تعتع
هوى وتلاشى
( سحر(
جبل يرعد
أرعبهم

37

ارهبهم
زلزل
زغرد
هتف
وهتفت معه قضبان السجن وحيطان السجان
الموت للطغاة
الموت للمرتزقة
يحيا فقراء العالم
ارتجف الحبل ومات الحبل شنقا
وبقيت فوق الحبل زغاريد وأهازيج
( سحر )
برعم اخضر صلى للشهداء ركعتين
انحنت له الريح
فكبر حتى غدت الريح برعما
اخذ الخوف رجولتنا
اخذ الموت أنوثتها
فأصبحنا إناث رجال
وأصبحت رجال إناثا

( سحر )
عقال عربي وحجاب امرأة بدوية
ومتاريس للثوار
حتى إذا نفد العتاد كانت هي النظرية
قري عيناً يا مشعلاً ينير المشاعل
تلاشى الأوباش الجبناء

38

هربوا لجحوٍر مهجورة
مات الفئران والجرذ الأكبر
واصبغوا وجوههم
بسخام العار
شبلك أصبح أشبالاً
وعناوينٌ للأجيال
قري عيناً يا ناراً في وسط الماء
قري عيناً يا مزار الشهداء


 

*سحر / مناضلة من مناضلات العراق ومن مدينة الناصرية ولدت في ربيع عام 1964 من عائلة معروفة بشهامتها ودفاعها عن المظلومين وحبها للشعب والكادحين، داهم رجال الأمن عام 1984 دار زوجها البطل الشهيد صباح طارش فشاغلهم وقتل منهم ثلاثة بينما انشغلت سحر بإحراق الوثائق والأسماء التي تخص التنظيم المناهض للنظام وكل ما يفيد رجال الأمن وبعد ما عرفت أن زوجها قد سقط شهيدا قامت بقطع قطعة من لسانها بخنجر كانت تحملة وكانت حامل في شهرها السابع اخرجوا جنينها قسراً ووضعوه في الخدج ثم نقل فيما بعد الى دار الأيتام في مدينة الناصرية ونقلوها إلى سجن الرشاد في بغداد ومارسوا معها أنواع التعذيب وبعد أن عجزوا قدمت إلى حبل المشنقة وهي تزغرد وتهتف باسم الكادحين والفقراء مما أرعبت الطغاة فكانت رمزاً للصمود وكان ذلك في المنتصف من نيسان عام 1985 .

 

 

39

ما الفارق بين إعدام أختي سحر
وإعدام صدام حسين !؟

أمير أمين

كانت أختي الصغرى ( سحر ) تعيش في بيت حزبي صغير في الناصرية, مع زوجها ( صباح طارش ) ورفيق آخر حينما داهمتهم بغتة شلة من عناصر النظام المقبور ( حينها كانت سحر حاملاً في شهرها السابع ) وبدأت الشلة بإطلاق النار على البيت قبل اقتحامه! وقاومهم الرفيق ( صباح ) بشجاعة نادرة من خلال مسدسه الشخصي, الذي كان يحتفظ به لمثل هذه الحالات للدفاع عن النفس, وإستشهد في الحادثة مع رفيقه ألآخر, وجُرحت أختي سحر واقتيدت عنوة من قبل الشلة المجرمة الى مديرية أمن ذي قار, ثم الى مستشفى الناصرية, حيث ولدت في قسم الخدج قبل الأوان المقرر, ثم رحلت الى بغداد بعد أن قاموا بسحب وليدها من صدرها, ولم تتمكن من إرضاعه ورموه في مكان آخر لا تعلمه في أحد المستشفيات, وأودعوها سجن الرشاد للنساء ببغداد, ثم سيقت لاحقاً الى حبل المشنقة, وأبت أن تضع الكيس الأسود على رأسها, وكانت لها أمنية وحيدة هي أن ترى إبنها لآخر مرة قبل التنفيذ, وأسمت هذه الأمنية بالمعجزة التي لم تتحقق مطلقاً, والتي عُرفت من خلال تسريب رسالة كتبتها من السجن على عجالة, الى والد زوجها, حيث طلبت منه ومن أخوالها زيارتها قبل تنفيذ الإعدام, لكي تطمئن من خلالهم على مصير وليدها, ولكن وللأسف, لم يتجرأ أحد لتحقيق ذلك, وجرى تنفيذ الجريمة البشعة بحقها, بعد أن أكملت عامها العشرين, ورميت جثتها مع أشرف أبناء وبنات شعبنا

40

العراقي في مقبرة ( محمد السكران ) في بغداد, وقد إطلعنا ( نحن عائلتها ) , بعد سقوط النظام على إسمها الثلاثي , الذي يشير لدفنها في المقبرة المذكورة, دون أن نعرف في أي قبر ترقد! فاختلطت عظامها مع عظام بقية الضحايا الأبرياء! ولم ترتكب أختي سحر أية جريمة سوى كونها وزوجها أعضاء في الحزب الشيوعي العراقي, علماً أنه لا توجد مادة في القانون العراقي حينذاك تحكم على المنضوين تحت لواء هذا الحزب بالإعدام, حيث كان الحزب الشيوعي العراقي في تحالف جبهوي مع حزب البعث الذي كان يقود السلطة, وحينما إنفرط التحالف لم يتضمن الدستور المؤقت المعمول به حينذاك أية فقرة صريحة تحكم على الشيوعيين بالإعدام! ولكن القوانين العراقية ( هي ورقة صغيرة يكتب فوقها صدام حسين ما يشاء فتصبح قانوناً! ) كما كان يؤكد صدام علناً ولأكثر من مرة! وقد عاش العراق في تلك الفترة المظلمة بدون قوانين, إذ حتى لو وجدت القوانين فلا أحد من السلطة مستعد للالتزام بها وتنفيذها !                                                 .
ولم تستطع أختي سحر أن توكل محامياً ليدافع عنها, ولم ترَ أية محكمة طيلة الفترة التي سبقت شنقها, وقد شوهدت, قبل موعد إعدامها, من قبل البعض وهي تنتقل ما بين السجن والمستشفى وبحراسة ثلة من المجرمين, وعندما وضعوا حبل المشنقة حول رقبتها هتفت بحياة الشعب العراقي والحزب الشيوعي العراقي وزغردت بشجاعة أرعبت الجلادين وأثارت دهشتهم! ونالت شرف الشهادة دفاعاً عن المبادئ التي اختارتها والطريق الذي سلكته .   .    
أما بخصوص تنفيذ حكم الإعدام بالطاغية صدام حسين فالكل رأى المحاكمة والشهود والمحامين, وعُرضت عشـــــــرات الوثائق التي

41

تدينه شخصياً وتدين نظامه, والكل عرف كيف كان صدام يعيش في سجنه الرغيد قبل المحاكمة وأثنائها وبعد إدانته, وقد إطلع العالم أجمعه كيف غُسل جسد صدام وكيف كُفن وجرت الصلاة عليه قبل أن يدفن في مسقط رأسه! وكيف أقيمت مراســـــيم الحزن والعزاء ( لفقدانه! ) في أكثر من مكان, ومن قبل أكثر من مجموعة! رغم إنني لا أرى أن موعد إعدامه كان مناسباً, كما أعتقد أن الإجراءات التي رافقت عملية التنفيذ قد شابتها بعض النواقص غير المقبولة للعراق الديمقراطي الجديد الذي ننشده جميعاً !                      .
ومن المفارقات الأليمة هي أن أختي سحر لم يُنشر خبر إعدامها من قبل أية صحيفة, ولم تُصوَر جريمة إعدامها من قبل إعلام النظام المقبور, ولم يسلم جسدها الطاهر الى ذويها, ولم يتم تغسيلها ودفنها حسب التقاليد والأصول الشرعية والإنسانية, ولم تُكفن ولا يوجد لها قبر معروف, ولم تتحدث عنها أية فضائية عربية أو غير عربية, سواء كانت من الفضائيات الشريفة أو تلك التي تفوح منها رائحة كوبونات البترول! ولم يحزن عليها الشعب اليمني أو الليبي أو غيره, ولم يأسف عليها حسني مبارك ولا علي عبد الله صالح, ولم تُنكس الأعلام الليبية لإعدامها, ولم يُصدر العقيد القذافي مرسوماً جماهيرياً بإقامة تمثال لها يوضع قريباً من تمثال عمر المختار أو غيره! ولم يعلن الشيخ القرضاوي أنها ستدخل الجنة كما أعلن عن دخول صدام! باعتبار نطقه للشهادتين قد مسحتا جميع جرائمه وأدخلتاه الجنة! والغريب ان لا أحد من العرب قد نعى أختي ســـــــــــــحر, إذ لم ينعها النظام القطري, ولم تذكرها قناته ( المجاهدة! ) بكلمة, ولو قصيرة! ولم يبكِ عليها المحامون المصــــــريون أو الأردنيون أو المحامي الأمريكي ( على الاقل! )

42

بل لم تعتبرها حماس شهيدة! ولم يتألم لإعدامها ( عبد الباري عطوان ) ولا ( الفنانة رغدة ) ولا ( مصطفى بكري ) وبقية مرتزقة وأيتام صدام حسين, ولم نسمع نحن أفراد أسرتها أية عبارة من عبارات الشجب والاستنكار من أية منظمة عربية أو دولية! ناهيكم عن السكوت المطبق, على جريمة إعدامها, من قبل جميع الأنظمة العربية, التي قال فيها الشاعر العراقي الكبير ( مظفر النواب ) قولته الشهيرة عندما وصفهم ( بأولاد .... ) دون أن يستثني أحداً منهم! كما لم يتطوع الصليب الأحمر أو حتى الهلال الأحمر العراقي بنقل رسائل سحر لنا, ولم تتكرم المحامية اللبنانية ( بشرى ) للدفاع عنها ( طوعاً كما فعلت مع صدام! ) الذي منحها وسام الماجدة الذي يزين جدار صالتها والذي تفخر به بمناسبة وبدون مناسبة !                                                        .
وأخيراً أقول إنهم إذا اعتبروا سحر مجرمة وصدام شهيد, فستبقى سحر الحبيبة شهيدة الشعب العراقي, ستبقى وردة حمراء متألقة في حدائق الناصرية وبغداد وكل مدن العراق, وستظل مفخرة لعائلتها ولحزبها ولشعبها الأبي والعريق. أما التأريخ فسيلعن في سود صفحاته المجرم صدام حسين وجميع المجرمين من أعوانه وأقطاب نظامه المقبور, وسيلعن أيضاً جميع أؤلئك المرتزقة من العرب وغير العرب الذين وقفوا ولا زالوا الى جانب نظام صدام وبرروا له جرائمه وفظاعاته ضد الشعب العراقي وشعوب جيرانه.

المجد للشهيدة الباسلة سحر ولكل شهداء شعبنا الميامين

والخزي والعار للقتلة الجلادين !

 

 

43

إلى الشهيدة البطلة الخالدة : سحر أمين منشد

أم ندى  / انتصار أمين

لأجلك يا سحر

كل لحظة أتذكرها , كانت في التاسعة عشر من ربيعها  .  .  .  .

عند النوم استيقظ على صوتها ......

منتظرة مني جواباً لسؤال راودها

هل محمداً كبر لأجلها ؟

يا لرهبة جمالها  ......

واقفة كالطود شامخ . . . . .

وهي تنظر لزوجها المصروع أمامها .   .    .    .   .   .

كان هذا قبل أعوام تضاهي أعوام عمرها

وكانت حاملاً بابنها

بسوط جلاديها أنجبت في سجنها ...............

تلقت أنواع التعذيب وتكتم الحسرة في قلبها لا لأجلها .....

وتبحث عن شيء عزيز ضاع منها ....

وبرغم كل هذا كتبت رسالة من هناك تناجي عمها أن ينقذ صغيرها وتستعجله أن لا يضيع ثمرتها .

الوقت داهمها والأيام معدودة عندها  ....

وبعدها سيقت للمشنقة وحاول الجلاد أن يغطي رأسها

أبت بكل عنفوان ووضعت الحبل بنفسها وخلال لحظات تذكرت ومدت يدها الى رقبتها وقطعت القلادة وهي تزغرد وبسرعة رمتها للذين ينتظرون  مثلها . 

 

44

إلى روح المناضلة الشهيدة الخالدة  سحر أمين منشد

 ((بنت الحزب )) والتي اِستشهدت في دهاليز وأقبية مديرية أمن الناصرية سيئة الصيت في ثمانينيات القرن العشرين بعد أن أنجبت طفلها الوحيد (محمد)

حسين جهيد الحافظ

من ضحكة طفل

حاضن صدر أمه

محنه اِمن الصدر ثوبة

حلم عاشگ نذر عمره

يتاني اِبلهفه محبوبة

من نگلة جدم ملهوف لدروبة

من نايل عشگ صوت الربابة

الغسلت اِذنوبة

من عشگ الجرف للماي

من حوبة يتيم اِتعثر الحوبة

على الحيطان رسمت حب

راية اِبچف مناضل شايل أفكاره

عاش اِمن الزغر بأحلام جيفارة

45

سفينه والشراع آمال

واِعيون الزلم للموت عبارة

فكر ما خالطاه الخوف

مرة ولاذ بكتارة

( سحر ) طير الحباري

التعب الصياد

سحر بحر الصمود العشگ تيارة

ملح ذي قار كله ونار من كركوك

نخل طيب الجنوب وهور العمارة

اِحديثة اِمدلـلة ومفطومة عالحب دوم

عاشگهة الدلال وشالهة اِبشارة

على گاع السجن ... طبعت حزنهة آمال

رغم دمع الحزن عالوجن يتجارة

سحر ... !

بت الحزب والحزب رباهة

وصارت للوفة نبراس

كبرت بيه على الطيبة

على التضحية وحب الناس

46

ديدنهة المحبة والأمل سولة

وصار الهه الفخر

وبك فخر عنوان

سحر ..!

رمز الصمود الزعل السجان

سحر .. !

بحر النضال ومشعل اِدروبة

سحر .. !

ضحكة طفل حاضن صدر أمه

وصاغ اِمن الصدر ثوبة

سحر ... !

حوبه وتعثر - عثرت فعلاً -

سحر حوبة ... سحر حوبة

 

 

47

سحر

سامي عبد المنعم

الى الشهيدة المناضلة سحر أمين منشد

سولتنه إنريد الناس أحباب
ونهوة الورد والألوان والليل
أهل طيبة وصدگ ما بينه چذاب
ولا نرضه إبجدم يتعمد الميل
لآجل حب الوطن والناس والگاع
صبرنه إتحملينه الآه والويل
زرعنه الطيب بدروب العذابات
إبصبر وإحبالهم چانت مراجيح
غنينة إبنشيد الموت مرات
وتلگينة الشهادة إبغير تصريح
لا وينه الرياح إبعزم سفان
السفن ماهي سفن لوما تلاوي الريح
وأبد ما نرهم أوية الكان ما كان
القفل چذاب لو رهمن عليه كل المفاتيح
وحگ رگبة { سحر }
وعيون الأطفال

إيطيح الكون كله وأبد ما انطيح

 

 

 

48

حي الإسكان في الناصرية

إبراهيم عبد الحسن

أنشيء حي الإسكان في الناصرية كواحد من انجازات ثورة تموز 1958 المجيدة، أسوة بالأحياء التي أنشأت في العراق وحملت نفس الاسم، وقد نال الفقراء والعمال ومراتب الجيش والشرطة قسطهم من هذا الانجاز وبهذا ترسخت الهوية الطبقية لهذه الأحياء منذ الإنشاء وبالتالي فلا غرابة أن تكون بيوتات هذا الحي في صف القوى التقدمية عامة والحزب الشيوعي العراقي خاصة، وقد ظل هذا الانجاز محط افتخار مؤسس هذا الحي الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم، ففي ساعاته الأخيرة من ظهر يوم 9 شباط الأسود عام 1963 اثر انقلاب 8 شباط 1963 الذي أقدم علية البعث الفاشي، وخلال استجوابه من قبل قادة الانقلاب مع بعض من معاونيه الشجعان في إحدى قاعات مبنى الإذاعة والتلفزيون في الصالحية ببغداد، أشار الزعيم الشهيد في معرض دفاعه : إنني بنيت المساكن للفقراء والعمال وهو بالتأكيد كان يعني أحياء الإسكان في العراق ومنها حي الإسكان في الناصرية .

يقع الحي جنوب الناصرية في صوب الشامية أو ما نطلق عليه الصوب الثاني قريباً من حامية الناصرية، التي كانت تضم مقرات وحدات الجيش العراقي في الناصرية ومنها مقر لواء المشاة 14، ومن المفارقات إن الزعيم الراحل كان آمراً لأحد أفواج هذا اللواء قبل ثورة تموز ولربما اطلع على حالة المشروع أيام الحكم المباد ورسم بذهنه فكرة إنشاء هذه الأحياء كما رسـم في ذهنه فكرة الثورة .يتكون التصميم الأســـاسي لحي الإسكان من وحدات سكنية

49

يفصلها شارع عريض خصص لإنشاء المرافق الصحية والخدمية منها مركز صحي ودائرة للبريد وحوانيت عدد 12 للتسوق ومرافق صحية تتخلل هذه المرافق كلها ساحات لعب الأطفال وحدائق إضافة الى الحديقة الخاصة بكل وحدة سكنية!!، وكذلك شبكة للماء الصالح للشرب مع خزان ماء خاص للحي كان يعلو في الجانب الغربي من الحي قبل أن تبيعه حكومة صدام وفق ( قانون 32 لسنة 1986 ) الخاص ببيع وإيجار أموال الدولة خلال سني الحصار، وبهذا زال معلم جميل وخدمي من معالم الحي، هذا إضافة الى شبكة أنابيب لصرف المياه الصحية التي تعطلت اليوم بالكامل نتيجة الخراب والإهمال .

خصصت الوحدات السكنية في شمال الحي والتي تتكون من غرفتين وهول ومرافق صحية لإسكان أفراد الشرطة، فيما خصصت بعض الوحدات السكنية في جنوب الحي والتي تتكون من غرفة واحدة وصالة ومرافق صحية، الى مراتب الجيش، كما انه منحت دوائر الدولة حصة لترشيح منتسبيها للسكن في الحي .

اشرف على تنفيذ المشروع المهندس حسين الدجيلي واشرف على البناء المرحوم حمودي الحاج طالب ومثلما اشرنا سابقا الى الهوية الطبقية لساكني هذا الحي، فقد استثمرها نشاط الشيوعيين فكانت جل البيوت من تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي ونادراً أو قد لا تجد بيتاً واحداً يخلو من الانتماء الشيوعي أو على الأقل من الانتماء الى اتحاد الطلبة العام، حيث كان الحزب الشيوعي العراقي ولازال المدافع والمعبر الحقيقي عن تطلعات وأماني جماهير الشعب، وبهذا نال الحي من الدمار والإهمال والخراب والمطاردة على مر عقود الزمن المر، فقد اســتبد الطغاة فأعدم وغيب وطورد

50

وهاجر العديد من أبناء هذا الحي عقاباً لهويتهم الوطنية الصادقة. وقد شهدت اغلب بيوتات هذا الحي تلك الأمسيات التي عشناها في أوائل سبعينيات القرن الماضي ونحن نحتفل بمناسبة حزبية أو وطنية منها 14 نيسان مولد اتحاد الطلبة و31 آذار مولد الحزب الشيوعي العراقي، حيث كان هذا اليوم مشهوداً في حي الإسكان رغم عيون أزلام النظام البائد التي تضيف التحرشات والترصد الأمني حلاوة للتحدي في إحياء احتفالية مولد الحزب، لذا كانت خطواتنا تتردد على حي الإسكان ولنساء هذا الحي طقوس جميلة لازال الجيل الماضي يتذكرها وهي افتراشهن الأرض عصر كل يوم وبمجموعات متفرقة أمام بيوتهن ليدور الحديث في شؤون الساعة!!، وبالتأكيد تأخذ السياسة حيزاً من تلك الأحاديث التي تمتد الى خيوط الأصيل الأولى قبل أن يتغير حديثهن أيام حكم البعث الفاشي نحو أزمة السكن والنقل والبيض والمعجون وكثير من الأزمات التي كان يفتعلها النظام يوم ذاك، وقد اختفت تلك الطقوس تماما في ثمانينيات القرن الماضي لا لسبب إلا خوف أولئك النسوة من سوقهن الى مسيرة أو اجتماع جبري لاتحاد النساء سيء الصيت .

وحينما كنا نمر من أمام تلك النسوة وهن يعرفن بالتأكيد مغزى قدومنا : أما لاحتفال وطني أو حزبي أو لاجتماع حزبي لذا تقابل تحياتنا لهن بالود والمحبة والدعاء تعبيراً عن حبهن الصادق لمهمتنا .

سكنت هذا الحي ولازالت عوائل فيما هاجرت أخرى نتيجة الاضطهاد والمطاردة إلا إن مآثرها لازالت تطرز تاريخ الحي الوطني واخص بالذكر العائلة الشـيوعية المعروفة في حي الاسكان

51

عائلة ( أمين منشد وأبنائها البررة الشهيدة الموناليزا والشهيدة سحر أمين والأستاذ داوود أمين وسمير وأمير وجمال ) .

خرج من معطف الإسكان العديد من السياسيين والشهداء والأدباء والفنانين والرياضيين نذكر منهم عائلة الشهيد الشيوعي صباح طارش زوج الشهيدة سحر أمين وسعد عبد الله وعائلة المهوال غزاي وأولاده سامس وطالب وغالب وعائلة المرحوم صبر سالم ومنها الأستاذ خالد وضياء وعادل وعجة ثامر وأولاده جمال وكمال ومحمد والمرحوم سعيد ذياب وولده علوان سعيد والحاج حسين رويضي وأولاده ناصر وجليل ومحمد والشهيد فريد ماضي وشقيقه وليد ماضي وسعد ناجي واحمد جادر واشقائة صادق وعادل والفنان حميد كاظم وعلي بصيص وثائر خضير وفاطمة منخي وعدوية منخي وإيمان منخي والمرحوم فؤاد جهاد وأياد جهاد ومحمد وحسن عبد علوان وصلاح عبد الرحمن وجاسم بريسم والشهيد أياد خالد والشهيد هاني ناجي وسعد ناجي وعائلة عبد الجليل منهم الشهيد وائل عبد الجليل ورياض ووليد إنها قائمة تطول معذرة للأسماء الأخرى  .

شهد الإسكان العديد من حالات التصادم بين الشيوعيين وأزلام النظام المقبور ولازالت ذاكرة الجيل تتذكر عصابات الاتحاد الوطني وهي تعترض أبناء الحي وطلابه من طلبة إعدادية الناصرية معقل اتحاد الطلبة العام رغم انف السلطة، وكذلك حادثة التصادم بين الشهيد الشيوعي البطل صباح طارش وتصديه البطولي لأزلام النظام يوم وقفت والدته وهي تشد أزر أولادها بعد أن شدت هي أزرها وهي تحمل ( العمود ) وتتصدى معهم !!!

مرحى وألف مرحى للمرأة التي أنجبت مثل صباح طارش .

52

هكذا مسيرة وتاريخ حي طبقي .. نقف في خاتمة مقالنا هذا مع نادرة طريفة .. حيث تقع حامية الناصرية وبعض قطاعات الجيش العراقي ومنها لواء المشاة 14 محاذية لبيوت حي الإسكان وبهذا شهد الحي استعراضات الجيش وتوزيع الحلوى والصمون طيب الطعم آنذاك بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش العراقي في 6 كانون الثاني، فقد كان ينهض الحي على وقع بوق النهوض الذي يدوي في الحي وينام الجميع على وقع بوق النوم وحدهم الشيوعيون كانوا يسهرون لإكمال محاضر اجتماعاتهم !

تحية حب وإجلال لكل أبناء الحي وشهدائه البررة وأبطاله الميامين.

 

 

53

الناصرية ملهمتي

رحيم الحلي

طريقنا كان محفوف بالمتاعب أما طريقهم مملوء بالرياحين، وعطر الفنادق الراقية، مسائنا كان جوع وأحزان وخوف، أما مسائهم كان عامراً بالولائم، والبيوت الآمنة المحروسة بجنود الأسياد .

أتحدث اليوم إلى الأخ أمير أمين منشد الذي كتب عن أسرته النبيلة وعن مدينته الحبيبة الناصرية، منذ علمت أن هذه المدينة تأسس فيها الحزب الشيوعي، وعاش فيها الشهيد الخالد فهد، فأنها تسربت إلى قلبي كتسرب الماء البارد في أخاديد الأرض المتيبسة عطشاً، كنت أظنها إحدى قلاع اليسار، حيث امتازت بانتشار الفكر اليساري بين أبنائها، وانتشار الثقافة والأدب، حتى يمكن تسميتها مدينة الثقافة أو مدينة اليسار، وللفن في هذه المدينة مكانة عزيزة في قلوب أبنائها، ولا أنسى سِحْرَ هذه المدينة حين عشت فيها بضعة أشهر أثناء خدمتي العسكرية، مشيت في شوارعها وحاراتها التي لبست ثياب الفقر والحزن، كنت أنظر في الوجوه وأقول أن كثير منهم رفاق الدرب، رأيت الفنان الكبير داخل حسن في إحدى مقاهيها، والفنان الكبير حسين نعمة في إحدى محلات بيع الأدوات الكهربائية يحتضن طفلة، كنت أرى صور حضيري عزيز وجبار ونيسة ترتسم على ملامح الجدران في هذه المدينة الصامتة والحبلى بالآلام والأحزان .

هذه المدينة فعلت فعلها الثوري الساحر مرة أخرى في حياتي، وحيث كنت أتمنى أن أعيش فيها بقية عمري، رغم إني من مدينة

54

أخرى هي مدينة صفي الدين الحلي، وكنت احلم أن اعمل مدرساً في مدارسها، حيث تعرضت هذه المـــدينة لكرهٍ وظلمٍ شديد على يد العفالقة حيث تحملت أزراً كبيراً بسبب تأسيس الحزب الشيوعي العراقي فيها، وفي إحدى سنوات غربتي التي استمرت ثلاثة وعشرين عاماً حتى سقوط الديكتاتورية نفضت هذه المدينة مني غبار الغربة، فذات يوم من أيام الغربة المؤلمة، حيث كنت منشغلاً في عملي في منطقة بعيدة عن العاصمة دمشق، حيث اعمل في مجال بيع أشرطة الكاسيت، واعمل بهمة عالية لنشر الأغاني التي منعتها سلطة صدام، فمرة أقدم لجمهور الأغنية شريط منوعات فيه أغاني الشهيد صباح السهل وأنوار عبد الوهاب أو فؤاد سالم معطرة بأشعار مظفر النواب، ومرةُ أخرى شريط لإحياء ذكرى رحيل الفنان الملحن كمال السيد ابن مدينة الناصرية، وأنا على هذه الحال منشغلاً معزولاً ومنعزلاً بل ومنطوياً على ذاتي، أعيش حالة انكسار كبيرة، أعيش حالة محزنة من الإحباط واليأس لا تخلو من خيط رفيع من الأمل، وذات مرة وكعادتي كنت أذهب إلى مكتب الحزب في دمشق، كي استلم صحيفة طريق الشعب ومجلة رسالة العراق التي يصدرها إعلام الخارج في الحزب الشيوعي، كان في أحد الأعداد موضوعاً عن الشهيدة سحر أمين منشد قرأته وأنا في طريق العودة فبكيت حزناً وربما خجلاً، لقد ترك في نفسي أثراً عظيماً، حيث وجدت نفسي رغم غربتي ومعاناتي مقصراً، أمام معاناة هذه الفتاة وهي تحاول إعادة بناء التنظيم في الناصرية متحدية السلطة الديكتاتورية، مع زوجها الشهيد البطل صباح طارش، كيف ودعت طفلها قبل ذهابها إلى المشنقة، لقد شــــعرت بالخجل

55

وانتفضت على حزني ويأسي، واغتسَلتْ روحي بماء بطولتها وانطلقت روحي في عنفوان كفاح جديد تلبس رداءاً جديداً من الشجاعة سيحتمل سنوات أخرى، أصبحتُ مثل عداء نهض بعزيمةٍ عظيمة بعد وقوعه مغشياً من التعب، سلاماً لك يا سحر ولأختك الشهيدة أنسام ولوالدك أمين منشد ولأمك التي كتب عنها شقيقك العزيز أمير، أن مدينة فيها مثلكم لن تنام رغم انتشار أفكار التخلف والظلام بين أبنائها الطيبين، ضحايا الفقر والظلم وبسبب غياب حمائم اليسار من أشجارها وأزقتها، حيث كانت القوى الظلامية تتلقى الدعم بسخاء من بعض الدول المجاورة، فلعبت هذه الأموال لعبتها في أجواء الفقر وانحسار الثقافة واستغلت قوى الظلام مشاعر الناس الدينية المكبوتة بعد أن داس نظام صدام على مشاعر الناس وحياتهم وخبزتهم فاصطادت هذه القوى في الماء العكر، فكما للظلام زمانه، فللنهار أوانه، ولابد أن تشرق الشمس وتغني البلابل .

 أحزنني شقيقك أمير حين تحدث عن بيتكم يا سحر وكيف لم يعد إليه أهلك، يا أمير هذا قدر الأحرار في كل العصور، يا أمير أنا لازلت أعيش بعيداً عن وطني رغم مرور خمس سنوات على سقوط الطاغية، فمن يحكمنا يا أخي بعيدُ عنا، لقد عرفتهم في الغربة، لم يكن ولائهم للعراق، رغم الادعاء، لقد ملئوا جيوبهم من أموال الدول المتدخلة، أكلوا من طعام الغرباء، وعاشوا على موائدهم، رغم أنهم شاركونا معارضة سلطة صدام، ولكن لم نكن بذات الطريق، طريقنا كان مليء بالمصاعب والجوع والبطالة، أما طريقهم كان سفرات وفنادق وشقق فارهة، وولائم باذخة، لذا نسونا حيث لم نكن همهم، فهم مشغولون كعادتهم في ملء بطونهم

56

وجيوبهم وشراء الشقق الباذخة، ونحن لازلنا مشغولون بأحزان الفقراء، لازلت أنت ترى بيت اهلك ولا تقدر أن تدخله، وأنا انظر إلى وطني وليس عندي بيت أو أهل فيه، انشغل أياد علاوي وغيره بإعادة أنصار صدام إلى مراكزهم، أما نحن ضحايا صدام لازلنا نجوع ومشردين، فضباط الأمن والمخابرات وغيرهم من أعوان صدام وأتباعه وأنصاره ممن ساعدوه في تدمير وطننا وذبح شرفاءه، يستلمون رواتبهم التقاعدية كل شهر، ونحن مــعارضو صدام من أحرار العراق لازلنا نعيش ذات المرارة من والعوز والبطالة، وها هو العام الثامن والعشرين لرحلة الغربة والأحزان سينقضي بالنسبة لي بعد فترة قصيرة ولازلت منفياً، لكن لازالت أسرتك تمدني بالصبر والعزيمة، لازلت احلم أن أعود إلى وطني الذي لازال يبدد حكامه المليارات على السلاح والأعوان وتختفي مليارات أخرى في جيوب اللصوص والمفسدين، وأتحسر هنا في غربتي على رغيف الخبز، فأين حقوقنا؟، وهل حقاً رحل الديكتاتور؟، فالمحتلون أزاحوا ديكتاتوراً مستهلكاً، لا يمكن لشجرة الوطن أن تعطي ثماراً طيبة، واللصوص لازالوا يجلسون على سيقانها، لا يمكن لبستاننا أن يزدهر واللصوص والشقاوات يسرحون ويعربدون، يشعلون نيران الفتن ويطفئوا أنوار الحياة، وينبشوا قبور الأموات لا يمكن لشعبنا أن يكون سعيداً دون أن يكون وطننا حراً .

سلاماً للناصرية ملهمتي وكل مدن العراق فيها أحبتي، وسلاما لك يا أمير أمين منشد حين تحدثت عن مدرسة البطولة أسرتك الغالية لا زلت أتزود منكم دروس الشجاعة، فهل أرى مدينة الناصرية مرة أخرى تصدح فيها أغاني داخل حسن وحضيري وستار جبار

57

وصباح السهل وهل سترفرف فيها الحمامات البيضاء والحمراء، أم سيرتفع صوت السيوف والسلاسل واللطم ويستمر ليل الأحزان والآلام، للظلمة ألوان عدة، وان اختلفت الأزمان .

ما يأتي مع الليل

سوى الموتى. فمن ذا يرجع الغائب للأهل

إذا ما سدت الظلماء

دروباً أثمرت بالبيت بعد تطاول المحن ؟

وأن الليل ترجف أكبد الأطفال من أشباحه السوداء

 

 

58

الفهرس

صورة الشهيدة   ..................................................   3

الإهداء   ...........................................................   5

المقدمة   ...........................................................   7

أكان عرساً .. أم موتاً .. ؟     د.جمانة القروي   .............   12

نص رسالة الشهيدة سحر الى عمها من داخل

سجن الرشاد في بغداد   ........................................   25

الشهيدة سحر أمين منشد التي زغردت عالياً

في سماء العراق    زهير كاظم عبود   .......................   27

الشهيدان الخالدان سحر أمين منشد وصباح طارش ( ثائر )

نجمان عليا في سماء الوطن   أحمد الناصري   ..............   30  

عندما يعتلي الجبل المشنقة ( شعر )   سعد عباس حمادي ...   37

ما الفرق بين إعدام أختي سحر وإعدام صدام حسين

أمير أمين   ......................................................   40

لأجلك يا سحر    أم ندى / انتصار أمين   ....................   44

الى المناضلة الشهيدة الخالدة سحر أمين منشد

( بنت الحزب )/  شعر شعبي/  حسين جهيد حافظ   .........   45 

سحر  /  شعر شعبي  /   سامي عبد المنعم   .................   48

حي الإسكان في الناصرية   إبراهيم عبد الحسن   ...........   49

الناصرية ملهمتي   رحيم الحلي   .............................   54

الفهرس   ........................................................   59

رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد ( 1871 ) لسنة 2009

 

59