من نحن مواقع للإتصال بنا الأرشيف مكتبة الموقع ملف الانصار الرئيسية

أهلا بكم في موقع ينابيع العراق... موقع الانصار الشيوعيين العراقيين  .... موقع علماني ... ديمقراطي ... يساري ... تقدمي... والمقالات فيه تعبر عن آراء أصحابها... والموقع لا يتحمل أيّة مسؤوليّة عن ماينشر بأسم الكُتّاب ...  ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم

 
 

       
Print Article    

13-02-2012

 

   

 

   

شهود: انقلاب 8 شباط نقطة سوداء في تاريخ العراق

فراس سعدون

يستذكر مؤلف كتاب "مائتان وثمانون يوما وأسرار انقلاب 8 شباط 1963" كيف أن البعثيين اعتقلوه في 9 شباط بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي، لينقل من مقر الأمن في خان الهنود الى سجن الحلة، ومنه الى سرداب مديرية الشرطة فيها، ثم الى محكمة أمن الدولة في معسكر الرشيد، وما رافق هذه الرحلة التي امتدت 6 اشهر من تعذيب وسط أجواء جعلته يسمي الجزء الاخير من كتابه "ذكريات سجين".
وفي حديث لـ"الصباح" يصف (منذر جواد مرزه) الباحث والمؤرخ 8 شباط 1963، يوم الانقلاب الذي نفذه البعثيون على نظام عبد الكريم قاسم، بأنه "ذكرى حزينة لما جرّته على الشعب من ويلات ما زالت باقية في أذهان من عاشوا في تلك الفترة".
وطبقا للمصادر التاريخية فان تلك الحقبة كانت مليئة بالتقلبات والتحولات السياسية والفكرية، وقد افادت البعثيين كثيرا.


ويعد ضياء الشكرجي، عضو المكتب التنفيذي للتيار الديموقراطي، احد الذين تحولوا الى اكثر من توجه آنذاك ولاحقا، وفي حديث لـ"الصباح" عن تلك المرحلة يقول "كنت بعثيا وقتها وعشت ازمة بين القناعة التي كنت مخدوعا بها، ومفادها ان حزب البعث هو اشتراكي وتقدمي ويريد ان يحقق للأمة العربية امجادها ويحررها من الاستعمار والصهيونية، وبين علاقات الجيرة والزمالة مع الشيوعيين الذين يعتقلون". ويتابع "كان عندي صديق صوّر لي البعث بأنه اتجاه صحيح عروبي اقرب الى اليسار، فانخدعنا به، وابعدنا عن ميادين التعذيب وما نسمعه عنها من انباء كان مسؤولنا الحزبي يكذبها".
ولم تستمر حكاية الشكرجي مع البعث، إذ يقول "بفضل والدي الذي كان يعشق قاسم ويجد مشكلة كبيرة في ان يكون إبنه بعثيا سرعان ما غادرت الى المانيا للدراسة.. وبعد أن تأكدت من جرائم البعثيين نفرت منهم، ولكن لم يتركنا مسؤولنا الحزبي اذ تواصل معنا لاحقا طالبا ان نعود وننضم للحزب من جديد.. قيل لي انه كان احد الذين يغتصبون الشيوعيات في المعتقلات".
ويؤكد الشيوعيون انهم كانوا اول المستهدفين بانقلاب 8 شباط، لكنهم لا يقصرون هدف الانقلاب على استهدافهم.
ويقول مفيد الجزائري، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، في حديث لـ"الصباح" إن "الذين يعتقدون ان الانقلاب استهدف الشيوعيين
فقط على غلط.. الانقلاب استهدف الاجهاز على المشروع الوطني لتحديث العراق وتمكينه من اللحاق بركب التطور في العالم، المشروع الذي بدأته ثورة 14 تموز وتجلت ثماره في الاصلاح الزراعي والصناعي والنفطي، وثقافيا في نصب 14 تموز لجواد سليم، واجتماعيا بصدور قانون الاحوال المدنية".
ويصف الجزائري انقلاب 8 شباط بأنه "بداية الكارثة والهجوم البربري واحباط آمال الوطنيين.. بداية مرحلة تدمير العراق بدءا بمحاولة ابادة قواه الوطنية الساعية الى الاستقلال السياسي والاقتصادي والحرية والديموقراطية، والهجوم على ثورة 14 تموز بغض النظر عن الملاحظات المسجلة عليها.. وكان مسعى لوأد الجهد الوطني واعادة ما سمته الصحف البريطانية الحصان العراقي الجامح الى الحظيرة الاستعمارية بعد ان اخرجته منها الثورة".
وفيما يصف الشكرجي الانقلاب بأنه "نقطة سوداء في تاريخ العراق جاءت بالبعث" ينقل أنه "مرة كنت اكتب سيرتي وتوقفت عند محطتين ادنت نفسي فيهما كمجرم، الاولى عند قتل العائلة الملكية مع اني ضد جميع الملكيات في العالم حتى الدستورية منها، والثانية عند قتل قاسم مع انه لم يكن ديموقراطيا لكنه كان وطنيا.. اشعر بمرارة عندما استذكر هذه اللحظات".
وعلى الرغم من ان حزب الدعوة لم يكن مستهدفا في 8 شباط بقدر الحزب الشيوعي، فانه نال من البعثيين لاحقا القسط الاوفر من القمع، وهذا ما جعل وليد الحلي عضو المكتب السياسي لحزب الدعوة الاسلامية يصف ذلك اليوم بأنه "بداية الواقع المؤلم لتاريخ أسود في العراق، وهو يذكرني بجميع الشهداء من السيد محمد باقر الصدر الى من وقعوا في ساحات الاعدام والمقابر الجماعية.. يذكرني بما يعانيه العراق اليوم، بتصفية العراقيين، ومحاربة الجيران".
ومع أنهم لم يكونوا الابرز في الساحة في ظل وجود الشيوعيين على الأقل إلا أن البعثيين تمكنوا من تنفيذ انقلابهم بنجاح وأمسكوا بالسلطة. ويقول مرزه عن العوامل التي كانت وراء نجاح انقلاب 8 شباط "في غفلة من الزمن صعدوا الى الحكم بسبب سياسة اللين المتبعة آنذاك ولجوئهم الى القوة، والحيلة ايضا اذ رفعوا صور قاسم على الدبابات وهتفوا باسمه".
ويتفق الجزائري جزئيا مع مرزه لكنه يزيد عليه بان البعثيين "حظوا بدعم الغرب وشركات النفط التي لم تغفر لقاسم تأميمه لـ 99% من الاراضي بموجب القرار 80.. هذه الشركات أسهمت معها الـ CIA ومصر وسوريا وايران وغيرها بالتكالب على العراق". ويستدرك "لكن أسهم في نجاحهم ايضا تراجع سياسة قاسم امام ضغوطهم وتهديداتهم.. لما هاجموا الدفاع وقاسم نفسه وقتلوه كانوا في الجيش والسلطة، وكان يمتلك معلومات كافية عنهم لكنه كان يستهين بهم ويعتقد أنهم اذا تمردوا عليه فسيمسح بهم الأرض.. حساباته لم تكن دقيقة".
ويشخص النائب السابق سببا آخر يعتقد أنه لا يقل أهمية عن الأسباب السابقة، هو أن "القوى السياسية الوطنية في ظل الظروف المعقدة داخليا واقليميا آنذاك كانت محدودة الخبرة السياسية، ما حال دون تمكنها من العثور على ما يجمعها لتثبيت وتطوير المشروع الوطني في العراق، وصد الهجوم المعادي للثورة ومشروع الحداثة، والنهوض الى مستوى المخاطر المحيطة بالبلد".
وبشأن الدعم الغربي للبعثيين ينقل الحلي "تحدثت الى قياداتهم مثل هاني الفكيكي فأخبروني، وكما هو مكتوب في وثائقهم، ان حزب البعث جاء بقطارين: انكليزي في 1963، واميركي في 1968، ويذكرون ان القطار يمر عليهم وفي منتصف المسافة يجدون انفسهم وسط شبكة من العملاء".
ويرى مرزه ان البعثيين وليضمنوا البقاء في السلطة لأطول زمن "وضعوا عبد السلام عارف واجهة لهم، لأنه قومي عروبي وله رصيد عند جمال عبد الناصر وفي الجيش". ويتابع "استطاع صدام بعد ان اعتقله عارف أن يهرب من السجن الى سوريا ولبنان حيث نظم البعثيون حزبهم واستغلوا في 1968 ضعف عبد الرحمن عارف لتنفيذ انقلاب آخر".
وفي هذا السياق يذكر الشكرجي أن "البيئة العراقية ما كانت متعرفة على البعثيين"، ويستغرب "كيف عادوا في 1968 بعد ان جرّبهم الناس؟" لكنه يفسر ذلك في الوقت نفسه بأن "المجتمع العراقي تعب من تكرار الانقلابات فأصبح لسان حاله يقول اروح وارجع بدربي.. المجتمع يتحمل جزءا كبيرا من الكارثة.. لا أدين الشعب، لكن ثقافة (آني شعليه.. واذا ضغطوا عليّ أسجل بعثي حتى تمشي الامور) كانت سائدة ومكنت البعث بالتدريج من السيطرة لدرجة أن حتى اللامبالي أصبح مهددا". ويعقب "كما أن التضحيات كانت قليلة ولا يقدمها الا الاستثنائي في القدرة على التضحية، لانهم ينتهكون الاعراض امام أعين المطلوبين لهم".
ويذكر الحلي هنا أن "أدبيات حزب الدعوة تقول ان البعث عندما جاء في 8 شباط لم يعلن نفسه بل تستر بشخصيات اخرى، وعندما بدأ الحرس القومي والارهاب والعصابات، عرفت الناس الحقيقة".
ولكن معرفة الناس هذه لم تغير في الواقع كثيرا، إذ استمر البعثيون في السلطة وأوغلوا في قمع واضطهاد كل مناوئ تطاله أيديهم.
ويؤكد مرزه أن "الفاشيين يستخدمون مختلف الأساليب التي تجعلهم يعضون على الدولة بأنيابهم"، ويروي "بعد مرور 6 أشهر على 8 شباط بدأوا بمطاردة الناس وسجنها وتعذيبها واعدامها في قصر النهاية.. ارهبوا الناس والمعارضة، ثم لجأوا الى الحيلة عبر الحديث عن الجبهتين الوطنية والكردية، حتى انقلاب صدام على البكر واعدام زملائه في القيادة القطرية بحجة المؤامرة.. وامساكه الحكم بالرعب والترهيب لدرجة ان الشخص لم يعد يأمن نفسه، او اقرب الناس اليه من تقرير يودي بحياته".
ويبدو ان البعثيين ضغطوا على الزناد قبل غيرهم وباغتوا الجميع، في وقت كانت الأطراف الأخرى ضعيفة أو تراهن على قاعدتها الجماهيرية.
وفي الاطار هذا يقول الشكرجي: "من عنده جماهير لا يحتاج الى القوة، لكن الذي ليس لديه جماهير فانه يعوضها باستخدام العنف المفرط"، فيما يفسر الجزائري ايغال البعثيين بالعنف "بأنهم لم يكن بمستطاعهم أن يكسبوا تأييد الشعب بالاقناع، فلجأوا للقوة الغاشمة والحديد والنار والارهاب"، ويسأل "من يلجأ الى القوة سوى الضعيف؟".
ومع جميع الجرائم التي ارتكبها البعثيون في العراق على مدار 4 عقود فان الغرب ظل ساكتا عنها حتى 2003.
وبهذا الخصوص يقول الحلي "عندما تصدينا للبعث لم يسمعنا العالم.. انتقلنا في كل مكان على الارض من دون جدوى". ويروي "في 8/3/1990 عقد اكبر مؤتمر عن العراق حتى الآن في لندن، كان بدعم من صدام ورعاية من معهد الخارجية البريطانية الملكي، وطلبت بصفتي ناشطا مدنيا في حقوق الانسان واستاذا زائرا في لندن ان احضر المؤتمر فوافقوا.. وحاولت بكل جهدي ان اوزع ملزمة عن جرائم صدام لكني لم اتمكن.. كانوا يقولون ان صدام عظيم وسيجعل العراق بلدا ينافس العالم.. وتصادمت في 9/3/1990 مع رئيس تحرير جريدة الاوبزرفر الأسبوعية لأنه رفض ان ينشر لي تقريرا عن جرائم صدام وقلت له اننا ننزف في العراق وانتم لا تكترثون". ويتابع "بعد 6 ايام اتصل بي رئيس تحرير الاوبزرفر وابدى أسفه، وأخبرني ان صدام أعدم اليوم مراسلهم في بغداد، واسمه بازوفت وهو من اصل ايراني، بتهمة انه جاسوس.. وقال لي انا مستعد لنشر آلاف الصفحات عن جرائم صدام.. وفعلا نشرت الجريدة 6 صفحات عن جرائمه في الاحد اللاحق". ويبدو ان قصة البعثيين لم تنته على الرغم من الاطاحة بنظامهم في 2003 "فهم من قدم كل الذرائع للغزو الاميركي وهم أبطال كل الدمار الذي خلفه حتى الآن.. حتى القاعدة احتضنوها وتعاونوا معها في الارهاب والتدمير" بحسب الجزائري، كما أن القصة لم تنته مع تشكيل هيئة وطنية لاجتثاثهم او مساءلتهم بعد 2003 "فما زلنا نعاني من القاعدة الملتصقة بالبعث، ومن البعثيين في دوائر الدولة والاجهزة الامنية" بحسب الحلي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فراس سعدون
جريدة "الصباح"


الحزب الشيوعي العراقي مركز الإتصالات الإعلامية ( ماتع )