|

مكتب الغسق للطباعة والنشر
المقدمة
كثيرون مروا في طريق النضال الطويل،وسطروا صفحات
بيضاء في تاريخ الحزب والوطن،ومضات المسيرة حافلة
بمئات الأسماء التي تستحق أن يكون لها مكانها في
هذا السفر الطويل،فقد أفنوا زهرة شبابهم في دروب
النضال الوطني لا طمعا بمكسب أو جاه،ولا رجاء
لمنفعة أو ربح أو مديح،بل أيمان راسخ بسموا
المبادئ التي آمنوا بها وضحوا في سبيلها،فاستحقوا
الحمد والثناء على جميل ما أدوا وقدموا لشعبهم
وحزبهم المجيد،وحق لهم أن تخلد أسمائهم في استذكار
لمواقفهم،وإشارة لمحطات حياتهم الحافلة بالمآثر
والأمجاد.
والحلة بامتدادها الجغرافي زاخرة بالعديد من
الرجال الذين اعتلوا صهوات المجد،وناضلوا بثبات
وتضحية ونكران ذات،وتصدروا النضال الوطني
لعقود،وقادوا كفاح شعبهم دون أن ترهبهم سياط البغي
وزنزانات الطغاة،أو إرهاب السلطات الدكتاتورية
المتعاقبة،فكانوا مثالا يحتذي للأجيال
اللاحقة،يترسمون خطاهم،ويتابعون أثارهم،لإكمال
المسيرة،وبناء العراق،ولا زال الكثيرون منهم،رغم
تقدم السن،ومشاغل الحياة،والأمراض التي
تناهشتهم،يؤدون دورهم على أحسن ما يكون
الأداء،ويسهمون بشكل فاعل في التوجيه
والإرشاد،والمشاركة الدءوبة في الكثير من
الفعاليات والنشاطات النضالية،رغم تغير العهود
والأزمان.
لذلك رأيت من الواجب،والعرفان بالجميل،أن أتناول
في عجالة شذرات مضيئة وومضات لامعة،من هذا السفر
النضالي المجيد،وأذكر بعضا مما لا زال حيا في
ذاكرة من عاصرهم أو عمل معهم من رفاق الدرب،أسهاما
في كتابة تاريخ الحزب الشيوعي العراقي،الذي يحتاج
إلى الكثير من التحقيق والتنقيب،بسبب الظروف
الشاذة التي عصفت بالعراق،وفقد خلالها الكثير من
الوثائق التي تؤرخ تلك الفترة،ورحيل الكثيرين ممن
أسهموا في تسطير التاريخ الشيوعي الناصع،وكان على
قيادة الحزب الاستفادة من الرعيل الأول وقدامى
المناضلين الذين واكبوا مسيرة الحزب وأسهموا في
النضال الوطني،لوضع أرشيف متكامل للأحداث العاصفة
ومراحل المسيرة الشيوعية،الا أنهم ولأسباب ذاتية
وموضوعية تجاهلوا هذا الجانب،فذهب الكثير مع ذهاب
هؤلاء،وأصبح من العسير الإلمام بالجوانب المضيئة
للسفر الشيوعي،ورغم أن الحزب الشيوعي شكل لجان عدة
من داخل اللجنة المركزية لجمع الوثائق وأعداد
مسودة تطرح للمناقشة من قبل الباحثين إلا أن
الموضوع تلكأ بسبب اعتماد الحزب على عناصر غير
مؤهلة أساسا للقيام بمثل هذا العمل الخطير رغم
توفر الظروف الميسرة لانجازه ،وتوفر الإمكانية
لإكماله بسبب الظروف السابقة المعروفة وما كان
للحزب من إمكانيات خارجية تجعل هذا الأمر على أسهل
ما يكون،وبسبب البيروقراطية التي عليها الرفاق
المكلفين بهذا الأمر فقد ذهبت تلك الجهود هباء
وفقدت آلاف الوثائق بعد انهيار الاتحاد السوفيتي
،والتي كانت محفوظة على ما قيل في مبنى مجلة
الوقت،وكذلك ما ذكر عدة مرات عن تشكيل لجنة لكتابي
سجل الشهداء ،حيث أخرجت اللجنة النائمة كتيبا
صغيرا جمعت فيه ما نشر عن بعض الشهداء مما كتبه
رفاق من خارج اللجنة،أما اللجنة المحترمة فلا تزال
نائمة تغط بالشخير رغم أن الرفيق جاسم هداد قد أخذ
على نفسه العهد بإنجاز هذه المهمة،ولكنه ذهب بسبات
عميق لن يفيق منه إلا في اليوم الموعود!!، وكان
الجهد المشكور للرفيق عزيز سباهي في كتابة تاريخ
الحزب الشيوعي ما يستحق الإشادة رغم ما أعتوره من
نقص لأسباب بعيدة عن عمل المؤلف الفاضل ،والتي
ظهرت ملاحظات عنها فيما كتبه الرفيق جاسم
الحلوائي،وقد تناول التاريخ العام للحزب فيما تيسر
له من وثائق دون الدخول في التفاصيل الثانوية التي
نحاول استجلائها فيما نكتب عن رفاق كانت لهم بصمات
واضحة في مسيرة الحزب،وفيما يكتبه بعض الرفاق من
ذكريات أو مذكرات عن دورهم في نضال الحزب ،فجاءت
ذكرياتهم ومذكراتهم إكمال للكمال فقد حوت الكثير
من التفاصيل عن دقائق المسيرة الشيوعية الظافرة
،وهذه قد تعين مستقبلا في استكمال التاريخ الشيوعي
بجزئياته المختلفة ومحطاته الكثير
والمفيد في هذه الكتابات أنها تسجل مراحل مهمة من
النضال الفردي الذي هو الأساس في النضال الجمعي
للحزب ،فلا قيادة بدون قواعد وكوادر تتحمل أعباء
العمل ،ويقع على عاتقها الجزء الأكبر من العمل
الميداني المشوب بالكثير من المشاكل والصعاب
والأخطار التي تحيط بالعمل السري وما يتطلب من
قدرات ومناورات وقابليات،وتستلهم منها الأجيال
القادمة أساليب النضال والكفاح،ويكون درسا مفيدا
للعاملين في الأوساط الجماهيرية،يستمدون منه
العبرة والفائدة،ويحفظ أسناء كانت لها أثارها
الواضحة في تاريخ الحزب،مما يشكل دفعا للآخرين
ليحذوا حذوهم،ويسيروا على هديهم،بالاستفادة من
تجاربهم وخبراتهم العملية في النضال،ويكونوا مثالا
للآتين في عظيم تضحيتهم وما أبدوا من ضروب البسالة
والأقدام .
ولا أدعي الإحاطة بكل ما يستحق التسجيل
والتنويه،ولكنها شذرات تتبعها صفحات أخرى لازالت
قيد الدرس والأعداد،قد تجد طريقها للنشر بعد أن
تستكمل مادتها،وتتوفر المعلومات الكاملة عنها.
ولا يسعني في الختام إلا إزجاء الشكر لجميع الرفاق
والأصدقاء الذين قدموا المساعدة في أعداد هذا
الكتاب،وزودوني بالمعلومات المهمة والنافعة التي
أعانتني في رسم الصورة الكاملة للشهداء والمضحين
ورجال العمل الشيوعي الأبطال،الذين قدموا دروسا
رائعة تستهدي بها الأجيال القادمة ليكونوا منارا
في طريقها النضالي الطويل.
28/3/2008
محطات من حياة المناضل معن جواد
كثيرون هم الذين شكلوا علامات بارزة في مسيرة
الحزب الشيوعي العراقي،والكثير منهم طواهم
النسيان،وتجاهلهم الرفاق،رغم أنهم علامات مضيئة في
تاريخ الحزب،وقدموا الكثير،وناضلوا في صفوفه عقود
من السنين،لم تثنيهم الصعاب ولم تعيقهم
المشاكل،وظلوا سائرين في ذات الدرب،رغم ما رافق
مسيرتهم من عثرات وكبوات ندر أن يخلوا منها مجتمع
أو فرد،لذلك أرى أن لهؤلاء حقهم عن تضحياتهم
وجهودهم،وأن يكونوا محل استذكار أو تقدير،رغم أن
الأعراف السائدة أن تسلط الأضواء على من أوتوا من
الحظ شيئا،وتنسموا مراكز قيادية،ويترك الآخرين
ليطويهم النسيان ويلفهم الصمت كما كان الحال في
حياتهم التي لم يروا فيها ساعة من ساعات الهناء بل
كانت نضال متواصل لا يعرف مرارته إلا من عانى وسار
في دروبه المليئة بالأشواك والعقبات.
ومن هؤلاء شيوعي بارز،كان له أثره في مسيرة الحزب
الشيوعي العراقي،وأدوار مؤثرة في الكثير من
المنعطفات التاريخية المهمة،وصورة مشرقة لا يمكن
نكرانها أو تجاوزها إلا لمن أصيب بمرض الجحود،فقد
عمل في صفوف الحزب في سن مبكرة،ونذر نفسه للعمل
الحزبي،وناء بأعباء المهام والواجبات التي كلف
بها،وظل حتى ساعاته الأخيرة وفيا لحزبه
وشعبه،مشاركا في النشاطات الجماهيرية والاجتماعية
رغم مرضه وتقدمه في السن،وما عومل به من إهمال شبه
متعمد،ولكنه ظل على نقائه وأيمانه بالمبادئ التي
ضحى من أجلها بأحلى سنوات عمره ،فلم يعرف فتوة أو
شبابا،وينصرف لما ينصرف إليه من هم في هذي السن،بل
سخر جهده ووقته لخدمة شعبه،وشارك في النضال وعمره
لا يزيد عن ألأربعة عشر عاما، وظل تحت خيمة الحزب
حتى كلل شعره البياض وجاوز السبعين.
أنه المناضل الذي يعرفه الكثيرون (معن جواد
العامري) أبو حاتم،شمس الفرات الأوسط،والناشط
المندفع عبر عقود،وما أكتبه هنا استخلصته من
مذكراته المطبوعة على الآلة الطابعة،وهي ما احتفظت
بها أسرته له،وما أعرفه أو سمعته من رفاق
آخرين،وتجنبت أيراد الأمور الجانبية التي لا تخدم
مسيرة الحزب في هذه الفترة،وما فيها من أمور قد
تثير الكثير من المواجع،أثرت أن أتركها،لأن الفقيد
العزيز لو ظل إلى هذه الأيام لما فعل أكثر مما
فعلت،لما جبل عليه من تضحية وإخلاص وتفان ونكران
ذات،وحرص على سلامة الحزب وبنائه.
ولد الفقيد كأغلب العراقيين في 1/7/1934 ،وقد يزيد
أو ينقص قليلا،فكان العراقيون في السابق لا يسجلون
أبنائهم في سجلات النفوس لأسباب عديدة ليس هنا
مجال ذكرها،فكانت الأعمار تقدر من قبل الأسرة
والموظف المختص،استنادا لبنيته،والعلامات الدالة
على حدوث حادث ما في سنة ولادته،فيقال فلان ولد في
"دكة عاكف" أو سنة التموين،أو معركة سن
الذبان،وهكذا يتم اختيار السنة لأن الأسر العراقية
لم تكن مهتمة بتسجيل ولاداتها أو العناية
بتاريخها،لكنه على كل حال ولد مع ولادة الحزب
الشيوعي العراقي،لذلك كان الاحتفال بعيد الميلاد
الميمون بمثابة احتفال بمولده،ولعل للأقدار أثرها
في هذا التوارد فقد كان الراحل من الأوفياء
النجباء لحزبهم وشعبهم،لقد ولد في أسرة فلاحيه،كان
والده يمتلك أرضا في قرية "البو مصطفى" ويعمل في
مهن مختلفة فهو القصاب والنجار،ويمتلك محالات توفي
باحتياجات القرية،وكان يعتبر ميسور الحال في تلك
الفترة قياسا إلى الآخرين،لذلك أهتم بتربية أبنائه
وإرسالهم إلى المدارس،حيث أنشأت مدرسة في القرية
بجهود مختارها،وكان يرعى الفقراء والمعوزين،فتكونت
له مكانة اجتماعية خاصة ،فكان يحضا باحترام
الناس،لما عرف عنه من التعامل الإنساني،وأثر بشكل
أو آخر في أبنه الذي أخذ بعض شمائله فكانت خير عون
له في محطات حياته المختلفة وهو ما سنشير إليه في
محله من هذه المقالات.
دخل المدرسة الابتدائية سنة 1941 وكان معلمي
القرية من الحلة والنجف والمسيب والهندية،وكان
أكثر المعلمين في تلك الفترة من حاملي الفكر
الوطني اليساري والديمقراطي،فكان تأثيرهم واضحا
على طلابهم بما يطرحون من آراء تتناسب ومستوى
تفكيرهم،فيها الكثير من الأيحاآت الداعية لحب
الوطن والشعب ،وما كانوا ينشدون من أناشيد وطنية
تذكي في نفوس الطلاب معاني الوطنية،وتلهمهم الكثير
مما ظهر تأثيره في الأجيال اللاحقة التي تربت على
أيدي هؤلاء، والتعليم في الصغر كالنقش في
الحجر،لذلك كان للأفكار أن ترسخ في نفوسهم،فقد
حدثت في تلك السنة حركة مايس،وما رافقها من تحركات
عسكرية جلبت أنظار الأطفال ودفعتهم للاستفسار
،فكان معلميهم يسترسلون في شرح ملابساتها،وكان
الاستعمار والوطن والتحرر،كلمات تتهادى على الشفاه
لتأخذ طريقها إلى عقول الطلاب،وأكمل دراسته ودخل
امتحان البكالوريا سنة 1947،فكان الأول في
المحاويل،فأنتقل إلى دار المعلمين الريفية في
المحاويل،وأكمل دراسته فيها.
كان الحزب نشطا في تلك الفترة وله مرتكزاته في
الأوساط الطلابية،فكان قطب الرحى في المظاهرات
والمسيرات والإضرابات،وفي أحدى الإضرابات تساءل
والده عن أسباب الإضراب،فقال له أحد الطلاب من
رفاق معن،نريد السيادة للشعب والحرية
والعدالة،فكانت هذه الكلمات تأخذ طريقها إلى
تفكيره،وقد فصل شقيقه الأكبر سنة 1948 بسبب نشاطه
الشيوعي ومشاركته في الوثبة المجيدة،فكان ينظر إلى
أخيه نظرة تحمل الكثير من الإعجاب ومحاولة السير
على خطاه،لذلك كانت له علاقاته الجانبية بالحزب
وأن لم ترقى إلى مستوى التنظيم لفارق العمر
والصفات المطلوبة في الشيوعي تلك الأيام،وبعد
أكماله الدراسة في الدار،انتقل إلى إعدادية الحلة
المركزية،فكان صدى المظاهرات والإضرابات
والمصادمات مع الشرطة تدفعه للمشاركة فيها،فأرتبط
بصلة مع أحد الطلبة الناشطين في الاتحاد،،وفي عام
1950 توطدت علاقته بابن قريته(وجيه عبد الله) الذي
كان يزوده ببيانات الحزب ومنشوراته،وكان في قرية
الصباغية صديقه مجيد الطعمة وهو على صلة
بالحزب،وفي القرية مجموعة من الرفاق الذين تأثروا
بشهيد الحزب(أحمد حسون)من أهالي المسيب،وقد أستشهد
في مجزرة سجن الكوت،ومن خلال هذه العلاقة نظمت له
صلة بالحزب.
وفي عام 1952 حدث انشقاق جماعة راية الشغيلة،فكان
معن ضد هذا الانشقاق،رغم عدم معرفته بدواعيه
وأسبابه،فكان مع زملائه الطلبة كثيرا ما اصطدموا
بأنصار راية الشغيلة،وتحدث بينهم بعض المشادات
التي تتحول إلى السب والشتم وليس الحوار
والنقاش،وعندما تخرج في العام الدراسي1952- 1953
قدم طلبا للتعين معلم مستخدم براتب
قدره(17)دينار،وعين في مدرسة البو مصطفى التي كان
طالبا فيها،فكان مضطرا للعمل في العطلة الصيفية في
أعمال مختلفة لانقطاع راتبه لكونه مستخدم وليس على
الملاك الدائم،وظل معلما في هذه المدرسة وسجل
طالبا في معهد المعلمين في الحلة،فكان يزاوج بين
الدراسة والتعليم،وبعد أكماله المعهد ثبت على
الملاك الدائم.
شارك في انتخابات عام 1954 إلى جانب قائمة الجبهة
الوطنية ومرشحها الشيخ عبد الكريم الماشطة،مما سبب
لهم مشاكل في القرية التي توالي نوري السعيد وصالح
جبر،مما أضطر عائلته لترك القرية والانتقال إلى
أراضيهم القريبة من المحاويل،وقد تطورت علاقته
بالحزب عند دراسته في معهد المعلمين،وأصبح صديقا
ثابتا للحزب،وانتقلت علاقته من مجيد الطعمة إلى
الرفيق عزيز عبد اللطيف،فكان يقوم بنقل البريد
الحزبي من الحلة إلى المحاويل رغم أنه لا يزال
صديقا للحزب،وقد ترشح للحزب عام 1955 ،والتقى به
أحد الرفاق وأبلغه بذلك،وكان الرفيق يرتدي زيا
ريفيا عرف فيما بعد أنه الراحل صالح ألرازقي،وأعطي
الاسم الحركي "مسرور"،فأزداد نشاطه في تلك
الفترة،وكان يقوم بنقل الرفاق على دراجته إلى
القرى والأرياف لمتابعة أمور التنظيم،وقد أطلق
سراح أبن عمته(حسن علوان) في تلك السنة،وكان
معتقلا في سجن بعقوبة،فأخبره ذات يوم بأن أحد
الرفاق سيزوره في منزله،وأعلمه بكلمة السر وأعطاه
أوصافه،وفعلا زاره الرفيق المذكور وقدم نفسه "أبو
عباس" وأبلغه بإقرار عضويته في الحزب،وقد عرف فيما
بعد أن أبو عباس هو الرفيق باقر إبراهيم الذي كان
وقتها عضو لجنة الفرات الأوسط،ومسئول محلية
بابل،وكان يزورهم في البيت ويحضا باحترام العائلة
وتقديرها،فكلفه إضافة لنقل البريد مسئولية
المحاويل،وكانت في وقتها تتكون من خلية في
المحاويل وأخرى في الصباغية وثالثة في قرية
الأمام،ورفاق في الريف،فقام بالمهمة خير قيام،وثمن
عمله من قبل المشرف الفقيد صالح ألرازقي الذي زار
الخلايا وأطلع على سير عملها،وفي عام 1956 شكلت
منظمة حزبية لقيادة المحمودية التي كانت تابعة
لبغداد أداريا وللواء الحلة حزبيا، والمسيب وسدة
الهندية والمحاويل ،تولى مسئوليتها الرفيق صاحب
الحميري وأشرف عليها تنظيميا الرفيق باقر
إبراهيم،وفي هذه السنة تمت وحدة الحزب بعودة
المنظمات المنشقة إليه،وصدرت جريدته المركزية
اتحاد الشعب،فجاء الرفيق الموسوي لزيارته ومعه
أعداد من الجريدة لتوزيعها على المنظمات،وكانوا
جالسين في المضيف فجاء أخوه الأكبر وأخبرهم أن
البيت مطوق،فطلب منه منعهم من الدخول إلا بعد جلب
المختار،فأخبره أنهم أحضروا معهم مختار
المحاويل،فطلب منه أخبارهم بأنه يرتبطون بمختار
البو مصطفى وليس مختار المحاويل،ولكن مختار
المحاويل قال لهم أن المسألة بسيطة فقد سرق منزل
مدير الناحية من قبل الحارس،ويخشون أن السارق أودع
المسروقات في قلعتهم بدون علمهم،عندها سمح لهم
بالدخول بعد أن وزع أعداد الجريدة على النساء
لإخفائها،ودثر الرفيق الموسوي بأيزار حتى لا
يروه،وفعلا قاموا بالتفتيش بشكل سريع وخرجوا دون
أن يعثروا على شيء،وقام بعدها بتوزيع الجريدة حسب
الأصول.
وبعد انعقاد الكونفرنس الثاني سنة 1956 الذي أوصى
بتنشيط العمل الديمقراطي،وبدء العمل في الجيش،فكان
أن تحرك الرفاق لبناء المنظمات الجماهيرية،فشكلت
جمعية الملاكين الأحرار،وقد تولى قيادتها الرفيق
المناضل خليف العبد علي شيخ عشيرة البو
طيف،والطالب في كلية الحقوق آنذاك،وبدء بتشكيل
الجمعيات الفلاحية ،فيما قام الرفيق أبو حاتم
بتشكيل فرق رياضية للشباب تولى مسئولية فريق
النجدة عبد الرزاق جاسم الخفاجي،وشكل فريق آخر
باسم الطليعة،ولكن الضغوط المتواصلة التي استعملت
من قبل الأمن على اللاعبين جعلت الكثيرين ينسحبون
منها بسبب الحشية من اجراآت الدولة التي أخذت
بتحذير أهالي اللاعبين من مغبة اشتراك أبناءهم في
هذه الفرق.
وفي سنة 1957 كبس بيت المطبعة،والقي القبض على
الرفاق باقر إبراهيم الموسوي عدنان عباس ومحمد
الحياوي وعبد الرزاق حياوي بوشاية أحد الرفاق الذي
أنهار أثناء التعذيب،ثم القي القبض على الراحل
صالح ألرازقي،والفقيد حسين سلطان الذي علم بالأمر
وحاول السفر إلى النجف فعرفه أحد رجال الأمن وهو
في باص المصلحة والقي القبض عليه،وقد أصيب والد
ألراحل معن بجلطة دماغية في ذلك اليوم لذلك عندما
جاءه الرفاق وأخبروه بما حدث وضرورة أبلاغ الرفاق
الآخرين بالحادث أضطر لترك والده وهو في هذه
الحالة والذهاب لإكمال المهمة،وفعلا أكملها بنجاح
،وأخبر الجميع حتى لا يقعوا في الكمين الذي نصبه
رجال الأمن للقبض على الآخرين عند حضورهم إلى دار
المطبعة.
وفي يوم 12 تموز 1958 صدر بحقه أمر إلقاء
القبض،فأضطر للابتعاد عن الأنظار،فذهب إلى قرية
البو مصطفى،ومن جميل الصدف أن يكون في القرية ذلك
اليوم حفل زفاف أبن مختار القرية،فكان ذهابه
بمثابة مشاركة في الحفل لأنه معروف لديهم،وكان
بينه وبين المختار علاقة قوية ومزاح فقال له
المختار مازحا(أين تذهبون أنتم الشيوعيون سنسحلكم
قريبا) فرد عليه ضاحكا (ولماذا تسحلونا نحن أخوان،
والأمور في تغير مستمر ولا شيء ثابت)،ونام هناك
تلك الليلة،وفي صباح اليوم التالي(14 تموز)جاءه
المختار مسرعا وأخبره بنشوب الثورة فقال له أبو
حاتم مازحا(ها هسه ياهو اليسحل صاحبه)وكان المختار
يعتقد أن أبو حاتم على علم بالثورة،وفعلا كان
الحزب على علم بها ويتوقع التغيير بين يوم وآخر.
عندما سمع بنشوب الثورة توجه من القرية إلى مركز
المحاويل سيرا على الأقدام بين ماشيا ومهرولا لعدم
توفر السيارات حينها ،وكانت تبعد بحدود 8كم عن
المدينة،وعند وصوله أجتمع بالرفاق،وقرروا إسناد
الثورة ،وقاموا بلصق الشعارات المؤيدة لها ورفعت
اللافتات على واجهات المباني والدوائر،وفي اليوم
الثاني قاموا بالتحشيد لمظاهرة كبرى شاركت فيها
الجماهير المؤيدة للثورة ،جابت شوارع المدينة
معلنة عن فرحتها الكبرى بالخلاص من الحكم الملكي
المباد،فكانت مواكب العمال والفلاحين ومختلف
الشرائح تهزج بأهازيجها الداعية إلى دعم الثورة
وإسنادها والوقوف بوجه المعادين لها،وبعد انتهاء
المظاهرة توجه إلى مركز الحلة والتقى بالرفاق في
بابل،وخرجت الحلة عن بكرة أبيها للمشاركة في
المظاهرة الجماهيرية الكبرى ابتهاجا بالثورة
وإسناد لها،وتصدرت المظاهرة فنانة الشعب(زينب)
التي كانت في الحلة وقتذاك،وكانت الشعارات
المركزية للمتظاهرين تعبر خير تعبير عن تطلعات
المواطنين في التحرر والحياة الكريمة والدعوة إلى
الوحدة الوطنية ومواجهة العناصر المعادية للثورة
التي أخذت تلملم صفوفها في محاولة لإفشال
الثورة،مما جعل العناصر الرجعية والموالية للحكم
المباد تنزوي في جحورها خائفة من يوم الحساب
العسير.
وفي اليوم التالي قام بالتنسيق مع مسئول معسكر
المحاويل،وتنظيم العلاقة معهم،لأن التنظيم العسكري
كانت له ركائزه المهمة في القوات المسلحة ،وقد
قامت هذه الركائز بالسيطرة على وحداتها،ومنع
التحركات المريبة للقوى المعادية للثورة،كما حدث
في الديوانية عندما حاول قائد الفرقة مع بعض
الضباط بمحاولة التحرك بقطاعاتهم لإجهاض الثورة
إلا أن اليقظة الثورية لرفاقنا تمكنت من احتواء
الأمر وإلقاء القبض على المتمردين وإفشال الزحف
المقرر إلى بغداد،لذلك كان للتنظيم العسكري أثره
الكبير في نجاح الثورة ومنع التحركات المعادية
للعملاء والمأجورين،وقامت المنظمة بفتح مقر للحزب
في مدينة المحاويل،وربط التنظيمات الريفية
بالمدينة،واختير لقيادتها،وأصبح مرتبطا بمحلية
بابل مباشرة.
بعد دمج المدينة مع الريف،تحرك الرفاق لتشكيل
الجمعيات الفلاحية الفتية،وكان لنشاطهم المحموم
أثره في حشد أعداد هائلة من الفلاحين،مما جعل
الحزب المهيمن على الشارع العراقي وأرعب القوى
الموتورة التي لم تجد لها مكانا بين الجماهير،من
سياسيي الصالونات والأحزاب البرجوازية التي لا
تملك امتدادات مؤثرة في الشارع العراقي،ولنشاطه
وتاريخه السابق تقرر تنسيبه عضو في محلية
بابل،فحاول الاعتذار بقلة خبرته،وحداثة عمله
بالتنظيم،إلا أن الإصرار المفعم بالأمر الصارم
بضرورة الموافقة ونصيحة الرفيق الموسوي بأن العمل
التنظيمي هو الذي يصقل المناضلين،جعله يتحمل
المسئولية فأداها على أحسن ما يكون الأداء،وقام
بمسؤوليته خير قيام،وكان أن أتجه الحزب لتفعيل
دوره في أوساط الفلاحين وتشكيل الجمعيات الفلاحية
ونقابات العمال العلنية والمنظمات الديمقراطية
الأخرى فزج الحزب بخيرة كوادره للعمل الديمقراطي
فكانت النتائج مذهلة لما رافقها من حسن التخطيط
وجدية المتابعة،فأنصرف الفقيد للعمل في الجمعيات
الفلاحية مع نخبة رائعة من الرفاق الجيدين يتقدمهم
الشهيد البطل كاظم الجاسم الكادر والخبير في العمل
بين الفلاحين،لما يتمتع به من ديناميكية
عالية،واحترام في الأوساط الشعبية كافة،وتم تشكيل
اتحاد الجمعيات الفلاحية في الحلة،وفتح مقره في
منطقة(الحشاشة)،وتولى مسؤولية الاتحاد خالد الذكر
أبو قيود كاظم الجاسم،الذي كان عضوا في اللجنة
التنفيذية لاتحاد الجمعيات الفلاحية في العراق،
فكان أن أخذت الجمعيات دورها في المجتمع
الفلاحي،وتولت حل مشاكل الفلاحين بما فيها الخاصة
بعد أن أنحسر دور الإقطاع وشيوخ العشائر،فكان
الاتحاد يقوم بفض المنازعات الناشبة بينهم في مجال
الأرض والعمل الزراعي،ومن النوادر التي أشار إليها
في مذكراته،أنه حدث خلاف بين أحد الملاكين
والفلاحين ،فأرادوا الشكوى في مركز الشرطة ولكن
المالك قال لهم (لنذهب إلى حكومة الحشاشة لحل
النزاع) وفعلا قام الاتحاد بحل الخلاف بما يرضي
جميع الأطراف.
وكان لنشاطه الدائب أثر في تنسمه للعديد من
المسؤوليات الحزبية والديمقراطية،وقد تقرر أن
يتولى مسؤولية تحشد الفلاحين للزيارة المرتقبة
لعبد السلام عارف إلى المحافظة،وقد لعب إلى جانبه
دورا مؤثرا الشهيد كاظم الجاسم،وتمكنوا من أشراك
آلاف الفلاحين والعمال والطلبة وسائر الفئات
الاجتماعية،فيما حاول البعث وبعض العناصر الموتورة
عرقلة هذه التحشدات،لوجود ارتباطات مشبوهة مع
عارف،لكن الحزب تمكن من حشد جماهيره وأنصاره
ومؤازريه،ورفعت اللافتات التي تتضمن الشعارات
الوطنية الداعية لوحدة الشعب،وركز الحزب على شعاره
الوحدوي( الاتحاد الفدرالي)بدلا من الوحدة الفورية
الساذجة التي تطالب بها الأحزاب القومية ولم تتمكن
من تحقيقها طيلة نصف قرن من الحكم القومي في
البلدان العربية،فكان شعار(اتحاد فدرالي صداقة
سوفيتية)طاغيا على الشعارات الأخرى،وعندما وصل عبد
السلام عارف استقبلته الجماهير بالهتافات
والأهازيج التي لا توائم ما يريد،وكان عريف الحفل
الشخصية الوطنية(خليف العبد علي) شيخ البو
طيف،وكان خطيبا مفوها فألهب الجماهير بكلماته
الثورية الوطنية،وردد الشعارات المتفق عليها في
المحلية،وكان إلى جواره عضو أنصار السلام صاحب
حمادي الحسين وبيده حمامة بيضاء،وعند وصول عبد
السلام عارف إلى المنصة أطلقت الحمامة العراقية
المسالمة،وتعالى الهتاف والتصفيق مما أزعج عبد
السلام عارف،لأن الهتافات لا تتفق والخطة التي
أنتهجها في جولته بين الألوية العراقية،التي حاول
من خلالها كسب الرأي العام لصالحه في صراعه مع
الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم،فكانت خيبة أمله
واضحة بما بان على وجهه من علائم الذل
والانكسار،مما جعله يختصر الزيارة ويعود خالي
الوفاض.
وفي مسيرة السلام التي نظمتها محلية بابل،كان لأبي
حاتم أثره الفاعل في تحشد الجماهير للمساهمة في
المسيرة،التي شاركت فيها محافظات الفرات
الأوسط،وتصدرتها المناضلة الباسلة أم موسى من
محافظة المثنى،فيما كان في الشرفة الرفاق باقر
إبراهيم الموسوي،ومحمد حسين أبو العيس إلى جانب
كبار الموظفين،وكانت شعارات المسيرة تدعوا للسلام
والمحبة بين الشعوب،وانتهاج سياسة معادية
للاستعمار،وكانت أغلب الشعارات من قبيل(عيني كريم
للأمام ،ديمقراطية وسلام)وحدث أن أطلق شعار لم يكن
ضمن ما أتفق عليه في المحلية،فقد ردد البعض(جبهة
جبهة وطنية،لا تجميد ولا رجعية)فكان الشعار الطاغي
على المسيرة،وقد حضي هذا الشعار على ما يبدو
بإعجاب الرفيق أبو العيس،رغم أنه يعارض ما أتفق
عليه،في محاولة التقارب مع الوطني الديمقراطي،الذي
دعا لتجميد نشاطه الجماهيري في محاولة لإحراج
الحزب وحسر نفوذه عن الساحة العراقية،وهو ما أشار
إليه الشعار(لا تجميد)وكان المفروض أن يقوم الرفيق
أبو العيس بإيقاف ترديده،لا سيما وأنا ندعو إلى
جبهة وطنية تضم الأطراف الفاعلة في الساحة
العراقية،والوطني الديمقراطي من الأحزاب التي تمثل
البرجوازية الوطنية،وكان الشعار يساري وانعزالي
وسبب الكثير من الإشكالات مع ممثل الوطني
الديمقراطي في بابل،ومن المفارقات المضحكة تصور
بعض الفلاحين بأن الشعار يدعوا لإلغاء التجنيد
الإجباري فكانوا يرددون لا( تجنيد) ولا رجعية،وقد
بذلت جهود لتصحيح الشعار من تجنيد إلى تجميد.
وفي 1 أيار 1959 تقرر أجراء مسيرة حاشدة لهذه
المناسبة الخالدة،فكلف أبو حاتم إلى جانب الشهيد
كاظم الجاسم بحشد الفلاحين،فكانت المشاركة رائعة
وكبيرة،أرعبت القوى الرجعية التي هالها النفوذ
الواسع للحزب في أوساط الجماهير،يقول"ومن الطرائف
توجد نقابة للكيل والحمالة في بابل،والجدير بالذكر
أن جميع القيادات النقابية العمالية على نطاق
العراق باستثناء نقابة الكيل والحمل مقرها في
بابل،وفي المسيرة يكون موقع النقابة باعتبارهم
عمال قبل الفلاحين الذين كانوا بقيادة الشهيد أبو
قيود،أنتفض الفلاحون وصرخوا بصوت عال(أبو قيود نحن
يجب أن يكون موقعنا قبل عمال الكيل
والحمالة،)وفعلا فعلوا ذلك رغم ما بذلنا من جهود
لتهدئتهم،وعملوا فوضى في المسيرة،التقيت يبعضهم
بعد انتهاء المسيرة،قالوا لي أبو حاتم(الله يرضى
يوميا نعطيهم بخشيش)وموقعهم في المسيرة قبلنا،في
الحقيقة هذه لقطة تدل على بساطة الوعي وعفوية
التصرف)ص11 .
وكانت له أدوار رائعة في متابعة النشاط الديمقراطي
في المحافظة،فهو من الناشطين البارزين في نقابة
المعلمين قبل الثورة وبعدها،وفي الانتخابات التي
جرت بعد الثورة كان رئيس الهيئة الإدارية بدر كاظم
الحبيب والآن دكتور في أحد البلدان،وكان معن عضو
الهيئة الإدارية،وأنتخب عضوا في السنة
التالية،وبعد النكسة حدث ما حدث من تزوير
للانتخابات وهيمنة عليها القوى الرجعية،وقد صدرت
بحقه في 11 تموز/1959 مذكرة إلقاء قبض بسبب نشاطه
وتنقله من مدينة إلى أخرى،وعلاقاته المتميزة مع
الناس فأضطر للاختباء في دار أحد الأصدقاء،وبعد
أيام نقل إلى بيت آخر كان غير مكتمل البناء ويقع
في أحد الأحياء الحديثة،وزود بعدة الطبخ وفانوس
للإضاءة،ومارس نشاطه التنظيمي من تلك الدار ،وكانت
هناك طريقة متفق عليها لطرق الباب،وذات يوم أخبره
صديقه أن صاحب الدار سيزوره ،واتفقوا على طريقة
لطرق الباب زيادة في الحذر،وعندما جاء صاحب الدار
سلم عليه فكان أحد معلميه الذين كان يشاكسهم أيام
الدراسة،وعندما رآه معلمه السابق قال الحمد لله
أستطاع الحزب أن يجعل منك شخصا آخر بعد أن كنت من
الطلبة المشاغبين،حيث أنهم قالوا لي أن في بيتك
أحد الرفاق الجيدين الأعزاء علينا، وظل في ذلك
البيت عدة أسابيع صدرها بعدها ما يشبه العفو عن
المطلوبين السياسيين،فطلب منه الحزب أن يسلم
نفسه،فذهب إلى الشرطة وسلم نفسه حيث أودع التوقيف
مع السجناء العاديين،وعندما أعترض قيل له أن مدير
الأمن الجديد قد وصل وهو يقرر مصيرك،وكان مدير
الأمن الجديد وجيه عبد الله صديق له وأبن
قريته،وسبق أن زوده بأدبيات الحزب،وعندما جاء مدير
الأمن الجديد طلب إحضاره أمامه وعندما شاهده عانقه
عناقا أخويا وقدم له الشاي وأخذ يتجاذب معه أطراف
الحديث،ثم أحال قضيته إلى أحد معاونيه،لأنه لا
يستطيع التحقيق معه بحكم الصداقة،وفعلا حقق معه
بصورة شكلية،ثم أعيد إلى الموقف وبقي أكثر من
شهر،ثم أرسل إلى حامية الديوانية حيث مقر الفرقة
الأولى بطلب من قائد الفرقة حميد الحصونة بتهمة
العمل في القوات المسلحة،وسفر إلى
الديوانية،وعندما عرف الرفاق في الديوانية بخبر
وصوله إلى هناك،أرسلوا له ما يحتاجه واعتنوا به
عناية فائقة،وبعد أيام مثل أمام المجرم حميد
الحصونة قائد الفرقة الأولى المعروف بعدائه
للشيوعية والشيوعيين وارتباطاته المشبوهة بالسفارة
البريطانية،وعلاقاته مع حثالات العهد
المباد،ومواقفه غير الوطنية المعادية لطموحات
الشعب العراقي،فأستقبله بكلمات بذيئة سوقية لا
يتلفظ بها إلا أبناء الشوارع ومن ساءت تربيتهم
وعاشوا في المجتمعات الفاسدة،وقال له(كنت أ تـصورك
هرقل،أذهب وأهتم بطلابك)وأمر بإطلاق سراحه،ولكن
القوانين السائدة تحتم أعادته إلى الحلة ليتم
أطلاق سراحه من هناك،وعند وصوله إلى الحلة وعرض
أوراقه على القاضي رفض أطلاق سراحه لأن المادة
القانونية التي أحيل بموجبها غير قابلة لإطلاق
السراح،وظل في المعتقل أربعة أشهر أخرى وكان
الفقيد عامر عبد الله مدعو لحفل مع الحاكم العسكري
العام أحمد صالح ألعبدي،فطلب منه التدخل لتغيير
المادة القانونية بمادة تبيح أطلاق سراحه،وقبل أن
يطلق سراحه أخبره عريف المركز الذي تربطه به علاقة
قوية،بأن الشرطة ألقت القبض على مسئول الحلة،وبعد
ساعة جيء بالمسئول الجديد،فكان الرفيق جاسم
الحلوائي(أبو شروق) فلم يسلم أحدهما على الآخر
للتعمية على علاقتهما،وبعد أن نام الموقفين همس
الحلوائي في أذنه(لقد أدعيت أني تاجر حبوب جئت من
كربلاء لشراء بقاله)وكان سبب إلقاء القبض
عليه،وجوده مع شهاب أحمد المعروف بنشاطه الشيوعي
والمكشوف من قبل الأمن،والقي القبض عليه لتواجده
معه ،وكان المفروض أن لا يسير مع شخص مكشوف،ولكن
عدم الحذر كان وراء ما حدث،وبحكم العلاقة التي
تربط معن بالشرطة تمكن من أٌقناعهم بتسفيره إلى
كربلاء بسيارة خاصة لأنه أبن عمه،ولهم هدية خاصة
وفعلا سفر الحلوائي إلى كربلاء،وأطلق سراحه من
هناك.
وبعد أيام أطلق سراح معن من السجن فذهب لرؤية
عائلته في المحاويل،وزاره الرفاق هناك لتكليفه
بمهام جديدة.
بعد أطلاق سراحه من سجن الحلة سنة 1959 ،زاره
الرفيق محمد حسن مبارك(أبو هشام) مسئول محلية بابل
الجديد،وأبلغه بضرورة العودة إلى العمل في
المحلية،لأن السياقات الثابتة في العمل السري
الشيوعي أن يجمد نشاط الشيوعي الذي يطلق سراحه من
السجن ويبقى تحت المراقبة خوفا من تورطه في العمل
مع العناصر الأمنية،ولكن أبو حاتم المعروف
بمبدئيته وجرأته وصموده استثناء من هذه
الأمور،ويحضا بالثقة الكاملة،وباشر عمله بجها ديته
الرائعة وصلابته المنقطعة النظير،واندفاعه المعروف
في العمل الحزبي،وبدء بإعادة توزيع المهام الحزبية
بين الرفاق،ومتابعة التنظيم لوجود تلكؤ خلال
الفترة المنصرمة في المتابعة والأشراف،وجرى في تلك
الفترة تغيير مسئولي الأقضية والنواحي المتلكئين
بأعمالهم والمقصرين في واجباتهم،وترشيح عناصر أكثر
حيوية لقيادة الأقضية،ونسب أبو حاتم لقيادة لجنة
الأطراف لمدينة الحلة،والأشراف على المحاويل
والمسيب،وفي هذه الأيام أصدر قائد الفرقة الأولى
المجرم حميد الحصونة تعليماته القاضية بمنع توزيع
جريدة اتحاد الشعب،الجريدة المركزية للحزب،في
الألوية التي ضمن قاطع الفرقة الأولى آنذاك،وإغلاق
المقرات الحزبية والمكتبات العائدة
للشيوعيين،ولمعالجة الحالة جرى الاتفاق على أن
يكون مركز توزيع الجريدة خارج مدينة الحلة،فاتفق
على المكان المحدد ليتم توزيعها على المنظمات بعد
إيصالها من قبل أحد السواق العاملين في خط حله-
بغداد،وأتفق على المكان المذكور وكانت الرفيقة أم
انتشال قد هيأت احد الدور لتكون محلا لتوزيعها في
الداخل وكلفت بعض النساء بتوزيعها على الرفاق:
ولسه جن بعيوني أشوفج من توزعين الجريدة
لا مطر كانون لابرد الشته يردج ولا ردج رعيده
وأبد لا خفتي الدروب الوحشة لا كلتي السجج صارت
بعيدة
رابطيه وهذا أذار الفرح ها الهل علينه أهلال عيده
وقد خصص تنكر لنقل الجريدة من خارج الحلة إلى داخل
داخلها وهو يعود للمناضل الشيوعي البطل سامي عبد
الرزاق،الشيوعي الأصيل الذي كان من رموز الحزب
ومموله الرئيسي وصاحب المواقف الرائعة الذي سيكون
له نصيبه فيما سنتطرق إليه من أخبار الشيوعيين
الأبطال في حلقات قادمة،ممن تناساهم التاريخ
المدون للحزب فكانوا جنودا مجهولين في مسيرته خلال
سبعة عقود ونيف.
وظل الفقيد الراحل يمارس عمله التنظيمي باندفاع
عجيب مما جعله عرضة للاعتقال والحبس لعدة
مرات،وكانت موقوفياته لفترات قصيرة خلال
السنوات59/60/61 ونقل من مدرسة البو مصطفى الخليل
إلى ريف الكفل مع توصية إلى مختار المنطقة
بمراقبته وإحصاء حركاته وسكناته وأخبار الجهات
الأمنية عنها،إلا انه أستطاع كسب المختار إلى
جانبه بما جبل عليه من روح مرحة ونفس كبيرة وقدرة
على توطيد العلاقات وما تحلى به من روح
إنسانية،وقام باستئجار دار في الحلة ليتمكن من
القيام بواجبه الوظيفي ومهماته التنظيمية،وجرت له
في تلك الفترة خطوب وخطوب،وعندما جرت انتخابات
نقابة المعلمين في المحافظة كانت القائمة المهنية
للمعلمين التقدميين،وقائمة الجبهة القومية تخوضان
صراعا صامتا ،ضمت الأولى الشيوعيين والديمقراطيين
والوطنيين الشرفاء المخلصين،وضمت الثانية البعثيين
والقوميين والمتأسلمين والرجعيين،ومن يلوذ بهم من
أطراف معادية أخرى،وكانت السلطة القاسمية إلى جانب
فوز القائمة القومية،وكان نشاط القائمة المهنية
جيدا،وقد أقيمت حواريات وندوات واجتماعات أدارها
الرفاق محمد الخضري ومتي الشيخ،وشكلت لجنة
للمتابعة أشرف عليها حسين سلطان،وكان أبو حاتم عضو
الهيئة الإدارية للنقابة،وخاض الحزب نضالا عنيفا
من أجل الفوز في الانتخابات،لذلك كلف من قبل أبو
هشام وحسين سلطان بضرورة المشاركة بها مهما كانت
النتائج،يقول"ذهبت باتجاه قاعة الانتخابات،شاهدت
من بدء الطريق إلى المركز الانتخابي من الجانبين
معبأ بالشرطة والأمن والانضباط العسكري والبلطجيه
من قوميين وبعثيين ورجعية وإسلاميين من غير
المعلمين،مررت باتجاه المركز وعبرت أول نقطة
والثانية فمنعوني من الدخول تناقشت معهم ولكنهم
أصروا ورافقني الانضباط إلى بداية المدخل،بعد عشر
دقائق أعدت الكرة منعت في النقطة والأولى ورافقني
أحد أفراد الأمن إلى خارج المركز،وفي الثالثة منعت
من أول نقطة مع الاعتداء،شاهدت مأمور المركز عائدا
قلت له لماذا تمنعون المعلمين من الانتخاب،قال لي
أذهب إلى بيتك أفضل لك،هذا بالنسبة لي وأنا عضو في
الهيئة ومن المعلمين المعروفين ولي علاقات واسعة
مع مختلف الأوساط فكيف للآخرين،ذهبت وأخبرت أبي
هشام وحسين سلطان،اتخذا قرارا بأن نحشد المعلمين
والكسبة والعمال وبعض الفلاحين المتواجدين بالقرب
من المدينة،ونهجم على صناديق الاقتراع،عبرت عن عدم
قناعتي بهذا القرار،ولكني قلت لهم سأنفذه،ذهبت
واتصلت بالمسئولين عن المعلمين وقطاع التربية وتم
التحشد وسرنا باتجاه المركز الانتخابي،وكنت أنا
وسامي عبد الرزاق وجبار معروف وآخرين في
المقدمة،والآخرين في المسيرة وعندما اقتربنا من
المركز الانتخابي أطلق المأمور ثلاث صليات رشاش
،انكسرت المظاهرة،وأستمرينا مجموعة وضربت بطابوقة
على راسي ووجهي وعيناي،واشتبكنا مع البلطجية،ومن
ثم طوقنا أنا ومجموعة معي،وأخذونا إلى مركز شرطة
الحلة،وأنهالو علينا بالضرب المبرح وخاصة بالنسبة
لي،حتى ورم رأسي ووجهي وعيناي،طلبت من جماعتي أن
نلح عليهم بأخذنا إلى المركز الانتخابي حتى ندلي
بأصواتنا،وفعلا تم ذلك وكانت ملابسي ملطخة بالدماء
من شدة الضرب،أدلينا بأصواتنا ورجعنا الى مركز
الشرطة حتى السابعة مساء حيث أطلق سراحنا،ذهبت الى
بيتي في المدينة ولم يعرفني الرفاق الذين سكنوا
معي في البيت وثلاثتهم من الفلاحين،وأعضاء اللجنة
التي تقود الريف المجاور" .
كلف من قبل محلية بابل بالأشراف على التنظيم
العسكري في معسكر المحاويل،وكانت الوحدات العاملة
آنذاك 11 كتيبة مدفعية،وأصبحت صلته الحزبية
بالرفيق عطشان ضيئول مرشح لجنة مركزية آنذاك،وكان
الرفيق المذكور متعجلا ولديه بعض التطرف اليساري
المغامر فكان يحاول أشراك العسكريين في المظاهرات
والمسيرات متناسيا ضرورات الصيانة والعمل
بهدوء،فأضطر لأخبار الحزب عن تصرفاته وصعوبة العمل
معه،فارتأى الحزب أن يتصل بالرفيق (أبو حسان)ثابت
حبيب العاني،فشرح له الأمر وضرورة الحذر في
التنظيم العسكري،وخطورة تصرفات الرفيق
المذكور،فكانت صلته برفيق جديد(أبو مخلص)وسار
العمل بشكل جيد رافقته بعض العثرات،حيث كانت
التعليمات أن يتولى مسئولية الخلايا المدنيين،فطلب
من الحزب التراجع عن هذا القرار وتنسيب مسئولين
للخلايا من تشكيلاتهم ووحداتهم لأنهم قد يكلفون
بواجبات خارج قواطعهم الحالية فتكون هناك مصاعب
جمة في الاتصال بهم،إلا أن رأيه لم يؤخذ به،وشارك
في الاجتماع الموسع لمناقشة التنظيم العسكري في
مقر اللجنة المركزية،حضره أبو حسان واشرف عليه
الشهيد سلام عادل وأداره هادي هاشم ألأعظمي الذي
كان مسئول الخط العسكري في ذلك الوقت،وكان يرى
ضرورة حل التنظيم،وأتخذ قرارات منفردة بدون علم
اللجنة المركزية أدت إلى بلبلة العمل في القوات
المسلحة،وأثرت على قرارات الحزب السياسية بشكل
كبير،وكان لأبي حاتم موقفه المريب منه،وقد صدق
حدسه بعد انقلاب شباط الأسود،عندما أنهار
الاعظمي،وأستخدم دليلا للأمن في مداهمة الأوكار
الحزبية،وأماكن اختفاء الرفاق،ودليل للتعرف على
الكوادر الحزبية،وأدى إلى كوارث بحق الحزب لا يمكن
نسيانها أو تجاوزها،وقد أدى الخلل في التنظيم
العسكري إلى تجميده ،فعاد إلى التنظيم المدني ونسب
إلى محلية بابل،وفي أحد اجتماعات المحلية التي
أشرف عليها الفقيد حسين سلطان سكرتير لجنة منطقة
الفرات الأوسط،وأدارها الفقيد أبو هاشم رأت اللجنة
توزيع المسئوليات بين أعضاء المحلية اللذين ليس
لديهم أي واجب معروف،وتحمل أبو حاتم للكثير من
المسئوليات،وارتأى أبو هشام ترشيحه للسفر إلى
الخارج لأغراض الراحة والاستجمام فحضي الاقتراح
بموافقة الجميع،إلا أن الفقيد حسين سلطان أعترض
على الترشيح لعدم وجود من يحل محله فيما أنتدب
إليه من مهام،وقال له(أرتاح في ريف الطهمازية)وهي
قرية قريبة من الحلة ورشح في وقتها مسئول لجنة
المثقفين،مما دفع الرفيق معن بعد أيام إلى الطلب
بإعفائه من مهامه الأخرى وتسليمها إلى آخرين
وتكليفه بمهمة محددة،وفعلا نسب للأشراف على
التنظيم ألفلاحي في الفرات الأوسط وقام بزيارة
المنظمات والخلايا في جولة استمرت أكثر من شهر جاب
خلالها الريف الفراتي سيرا على الأقدام متخذا من
بيوت الرفاق في القرى مكانا للمبيت،وكانت جولة
حافلة بالكثير من المواقف التي سنشير إليها في آخر
الحلقات، وبعد انتهاء هذه المهمة والأشراف على
جميع الخلايا قدم تقريره عن الزيارة الذي تضمن سير
العمل ومعوقاته والأساليب الكفيلة بمعالجته.
وكان يسكن في بيت حزبي في الحلة ومعه الفقيدة
الباسلة أم كاظم الجاسم،فطلب منه الرفيق أبو هشام
أن يسكن معه ثلاثة رفاق من ريف المحافظة منهم
الفقيد لطيف عبد هويش والرفيق فاهم،فطلب منه
الأخير أن يجد عملا لأخيه العاطل،الذي أخترق
تعليمات الصيانة والتقى به في الدار الحزبية،فسعى
لإيجاد عمل له وأخذه معه إلى أحد المقاولين
لتشغيله وطلب منه ان يسير بعيدا عنه لأنه معروف من
الأمن ،وفعلا أنجزت المهمة،ووجد له العمل المناسب
وعند عودته أوقفه أحد أفراد الأمن وطلب منه هوية
التعريف،ولعدم وجودها لديه اعتقله وأرسله إلى
الأمن،وعندما علم معن بالأمر ذهب إلى الدار وطلب
من الرفاق وأم كاظم مغادرتها،ووضع العلامة المتفق
عليها عند حدوث طارئ حتى ينتبه الرفاق لما
حدث،وفعلا داهمت قوة من الأمن الدار لاعتراف
المذكور بوجود بعض الشيوعيين فيها،وعندما عرفوا من
صاحب الدار أنه المستأجر صدر أمر بإلقاء القبض
عليه،فأضطر للاختفاء في بيت أحد الرفاق،وطلب منه
الحزب الانتقال للنجف والعمل في محليتها،وترحيل
الرفاق الآخرين إلى مناطق أخرى،وفي 1/5/1961 بلغ
من قبل مدرسته باستدعاء من شرطة المحاويل،بحجة
قيامه بالتنظيم داخل المعسكر،وعند ذهابه إلى
هناك،أرسل محفورا إلى المعسكر،وهناك أستقبله مدير
الاستخبارات بما يليق بمثل هذه المناسبة من كلمات
جارحه لا تصدر من إنسان شريف،وواجهه بمسؤوليته عن
المعسكر واتصاله برئيس عرفاء محمود الذي قام
بتوزيع الأسلحة على المدنيين،وفعلا كان محمود من
العناصر الحزبية النشيطة وكان ضمن مسؤوليته،فأنكر
علاقته بذلك وعندما أستدعي الرفيق محمود أنكر أي
علاقة بالرفيق معن أو معرفة به،ثم طلب منه الدخول
إلى أحدى الغرف ،في مؤامرة خبيثة لأغراء بعض
الجنود بالاعتراف عليه،إلا أن الجنود أنكروا
معرفتهم به،أو وجود علاقة معه رغم أنهم من أصدقائه
ورفاقه المرتبطين به،ثم أرسل وراء منتسبي المعسكر
للحضور وسألهم عن معرفتهم بالرفيق معن فأنكروا أي
علاقة به،وتقرر تسفيره إلى المسيب،ورافقه أحد ضباط
الصف من أهالي الخالص،وفي الطريق قام بفتح
أغلاله،وقال له لقد طلبوا مني أن أؤذيك ولكني
سأساعدك لما علمته من أخلاقك العالية ومواقفك
النبيلة من خلال أحاديث الجنود،وعند وصولهم سدة
الهندية أراد إيداعه في مركز الشرطة تمهيدا
لتسفيره إلى المسيب في اليوم التالي،فطلب منه أن
يتناول الطعام معه في أحد المطاعم وعند دخوله
المطعم تمكن من الاتصال بالرفاق في المسيب الذين
يعرف أكثرهم وطلب منهم ألذهاب إلى منزله في
المحاويل لتنظيفه،لوجود الكثير من الأدبيات
الشيوعية خشية قيام الأمن بالتحري عنها هناك،وفعلا
قام أحد الرفاق باستئجار سيارة لهذا الغرض وأخبر
العائلة بالأمر،وفي اليوم التالي سفر إلى المسيب
وبقي في سجنها ثلاثة أيام،أعيد بعدها إلى قاضي
التحقيق في السدة،الذي أستجوبه وأمر بإطلاق سراحه
بكفالة،وعند خروجه للبحث عن كفيل،التقى بأحد وكلاء
آل مرجان،وهو يكره الشيوعيين ،إلا أنه يحتفظ معه
بعلاقة حسنة،فسأله أن كان محتاجا إلى شيء فأخبره
بالأمر،فتطوع لكفالته وأطلق سراحه.
ذهب بعدها إلى النجف لكونه منسب هناك،ولم يعثر على
الرفيق المطلوب الاتصال به في المكان المتفق
عليه،فأضطر للمبيت في المقابر،وفي صباح اليوم
التالي ذهب إلى نفس المكان فلم يجده أيضا،وعندما
دخل إلى أحد المطاعم التقى بالرفيق أب عبيس- من
أهالي الحلة ويعمل في النجف ،وقد أصبح فيما بعد
سكرتير محلية بابل في أيام الجبهة،وقد أستشهد
أواسط الثمانينيات في مواجهة مع الأمن عندما
حاولوا إلقاء القبض عليه بعد نفاذ عتاده --
فأستقبله بالأحضان وذهب معه إلى البيت،ومن خلاله
تمكن من الاتصال بالرفاق في النجف،وسكن في البداية
في بيت أحد الرفاق ،ثم أنتقل إلى آخر،والتقى
بالفقيد صالح ألرازقي الذي بلغه بترشيحه إلى عضوية
لجنة منطقة الفرات الأوسط،وإناطة مسؤولية لجنة
قضائي الشامية وأبو صخير،وأسكن في مدينة
الكوفة،وعند وصوله إلى الكوفة اسٍتلم المنظمة التي
كانت بمستوى محلية،وعقد أول اجتماع لها،استعرض فيه
الوضع التنظيمي،وتحديد المسئوليات ومواعيد
الاجتماعات،ووضع جدول للأشراف الميداني على مستوى
الخلايا،وقام بزيارة المناطق التي فيها
الخلايا،طبر سيد جواد/العوابد/ أبو جفوف/الصلاحية/
الطحينية/عكر/الشامية/المهناوية/آل
بدير/غضيب/السريع/بور سعيد/ وهذه ظمن تنظيمات
الشامية،ثم توجه الى مناطق أبو
صخير/الحيرة/الجبور/البو كريوه/جحات/القادسية/سوق
دوهان/الشنافية/وقد استمرت الجولة 25 يوما بلا
استراحة،وبعد ذلك قام بإعداد خطة لأشراف
جديد،لزيادة فعالية التنظيم،وعقد اجتماع لهذا
الغرض في دار الرفيق البطل(أبو علي) عضو مكتب
اللجنة،ومن شيوخ آل فتلة الذي أصبح فيما بعد مرشح
لجنة منطقة الفرات الأوسط،وكانت له أدوار رائعة
بعد انقلاب شباط الأسود.
وقد نسب الرفيق (أبو قاعدة)كاظم فرهود،عضو مكتب
الفرات الأوسط آنذاك ثم تدرج ليكون عضو مكتب سياسي
،وكان رئيس ألاتحاد العام للجمعيات الفلاحية في
العراق،للأشراف على التنظيمات،فكانت لهم جولة
طويلة في ريف الشامية وأبو صخير،عقدت فيها
اجتماعات للجان الفرعية والقاعدية،تحدث فيها عن
ضرورة المطالبة بتطبيق البيان(3) الخاص بقسمة
الحاصلات،والنضال من أجل إشاعة الديمقراطية،ونشاط
القوى الرجعية المحموم لوأد الثورة،وتراجع عبد
الكريم قاسم أمام ضغوطها،بإحالته العناصر الوطنية
الشريفة في القوات المسلحة على التقاعد،وتنصيب
ضباط رجعيين وعملاء لتولي المناصب القيادية في
الجيش،وقد أبدى الفلاحون تفهمهم للأمور ،وإصرارهم
على مواصلة النضال للحصول على حقوقهم المشروعة
التي أقرتها الثورة بعد انبثاقها،وكان أكثر
العسكريين يطالبون بأجراء التغيير والقيام بعمل
حاسم لاستلام السلطة،ولكن ما يحدث داخل القيادة من
صراعات كان وراء التذبذب في المواقف،وعدم اتخاذ
القرارات الحاسمة في السيطرة على الأوضاع،والقضاء
على النفوذ الرجعي الذي أخذ امتداداته المعروفة في
الحكومة العراقية،بسبب مواقف جماعة الأربعة
اليمينية الانتهازية التي أدت إلى تفويت الفرص
الكثيرة التي كان يمكن لها أن تغير وجه
التاريخ،وتعيد لثورة تموز وجهها الوطني الناصع،بعد
التنازلات المذلة لقيادة السلطة في العراق،وأبعاد
سكرتير الحزب إلى موسكو بحجة الدراسة،وما أتخذه
خلفائه من قرارات انتهازية منحرفة أساءت للحزب
ومسيرته وتاريخه الخالي من الشوائب والطعون،ومهدت
لمجيء البعث إلى السلطة في شباط المشئوم.
في بداية عام 1962 صدر قرار بترحيله للعمل في
بابل،لقيادة محليتها،لما تتمتع به المحافظة من
أهمية بالغة في تأريخ الحزب،وما لها من تأثير شعبي
واسع،ووجود طبقة مثقفة ذات توجهات يسارية،وما يحضا
به الحزب من جماهيرية تفوق ما له في المحافظات
الأخرى،ولأنه معروف في المحافظة ومطلوب من قبل
السلطة،ووجود عضو منطقة الفرات الأوسط على رأس
المحلية وهو الشهيد كاظم الجاسم،فقد حاول الاعتذار
عن المسؤولية،إلا أن مسئول منطقة الفرات الأوسط
أخبره أن الرفيق كاظم يتفهم الأمر ورحب بتوليه
المسؤولية،مما جعله يرضخ للأمر رغم مخالفة ذلك
لضوابط العمل التنظيمي،وكان في عضوية مكتب المحلية
الشهيدين كاظم الجاسم ومحمد موسى،وتدارس معهم وضع
المنظمة وطبيعة العمل،وفي الاجتماع التالي طرح
موضوع التهيئة لانتخابات نقابة المعلمين،وشكلت
لجنة لمتابعة العملية الانتخابية،والاتصال بالرفاق
والأصدقاء والموآزرين ،للتحرك ضمن الرقعة
الجغرافية للمحافظة،وتحشيد المعلمين للمشاركة فيها
لصالح قائمتنا.
وقد أسكن في دار حزبية تقع في منطقة حي نادر
الأولى،وبعد أيام عند خروجه في مهمة إلى الريف،مر
بأحد المحلات لشراء بعض الحاجيات،وإذا بصاحب المحل
من معارفه،وسلم عليه بحرارة وسأله عن محل
سكنه،فأخبره أنه يسكن خارج الحلة،وكان في زيارة
لأحد الأصدقاء وفي المساء أخبر الرفيق أبو قيود
بذلك،وطلب منه تهيئة دار أخرى،وتوجه إلى الريف تلك
الليلة،وطلب من العائلة التفتيش عن دار أخرى،على
أن يلتقي بهم بعد أسبوع لمعرفة المكان الجديد.
وفي شباط من نفس العام بدأت التهيئة لانتخابات
نقابة المعلمين،وكان التنافس على أشده بين
قائمتين،القائمة المهنية،وقائمة الجبهة التعليمية
الموحدة،شكلت لهذا الغرض لجنة كلف بالأشراف
عليها،وارتأت اللجنة تشكيل فرق من العمال والطلبة
وشرائح أخرى لحراسة المعلمين حسب تعليمات لجنة
المنطقة والتوجيهات المركزية الصادرة من قيادة
الحزب بهذا الخصوص،وقد حضر من بغداد الشهيد متي
الشيخ وهو من الناشطين في العمل النقابي،والرفاق
المعروفين،وعقد اجتماعات موسعة للمعلمين في النجف
وكربلاء والحلة،وكانت المعنويات لا بأس بها
بالنسبة للمعلمين،والتحضيرات الجارية أفضل من
العام الماضي.
وفي يوم الانتخابات كان المكان أشبه بساحة
المعركة،فقد أنتشر رجال الأمن والشرطة والانضباط
العسكري قرب المركز الانتخابي،ولإصرار المعلمين
على أجراء الانتخابات وممارسة حقهم فيها،فقد حدثت
صدامات مع القوات المنتشرة و(بلطجية) الجبهة
التعليمة الموحدة،وقد شارك المعلمون باندفاع وحماس
عجيبين رغم الممارسات القمعية والأعتداآت التي
مورست ضدهم من الحكومة والعصابات القومية والبعثية
والإسلامية والرجعية،وتعرض بعضهم للضرب والاعتقال
التعسفي،بسبب المعركة مع الجبهة التعليمية،ومورست
معهم أبشع عمليات التعذيب والضرب في المعتقلات،وقد
كتب إلى الحزب كل من المعلم الشيوعي حسن ألبياتي
والمعلم الشيوعي وهاب القاضي ،حول التعذيب البشع
الذي تعرضوا له ،وضرورة تغيير سياسة الحزب اتجاه
عبد الكريم قاسم،وكذلك تعرض الشيوعي الجريء سامي
عبد الرزاق إلى ضربة على رأسه أفقدته
الوعي،وأرقدته في الفراش لأسابيع،وبسبب هذه
التجاوزات وما حدث من تزوير،وإصرار السلطة على فوز
الجبهة التعليمية التي كان الكثير من رموزها من
العناصر القومية والرجعية،وبعضهم من المعروفين
بارتباطاتهم الخارجية،وكانت النتيجة واحدة في جميع
المحافظات،رغم التهيئة الواسعة،والتحشيد الرائع
والعمل المنظم،إلا إن هذه العوامل لم تجدي نفعا
إزاء ما ذكر أعلاه،وهذه المواقف المهادنة من الحزب
اتجاه عبد الكريم قاسم جعلته يسير أكثر بالاتجاه
اليميني،ويرتمي أكثر في ألأحضان الدافئة للرجعية
والقوميين والعناصر ذات المصالح الضيقة،التي تحاول
استلاب الثورة والقضاء عليها،وهذه الأخطاء المميتة
كانت السبب في إسقاط السلطة وقتل زعيمها في 8 شباط
الأسود،لأنه هيئ الأرضية المناسبة لأن يتولى
مقاليد الأمور في البلاد حفنة من المغامرين
والرجعيين،بسبب مواقفه المتذبذبة،وعدم وضوح الرؤيا
في تفكيره،واستحواذ الشك والريبة على الكثير من
تصرفاته،بعد أن تخلا وحارب القوى الوطنية
الحقيقية،التي كانت وراء ثورة تموز ونجاحها،
وافتقاره للعقلية السياسية الناضجة القادرة على
أدارة أمور البلاد،رغم ما يحمله من وطنية صادقة
ونزاهة منقطعة النظير.
وفي منتصف عام 1962 وردت تعليمات من لجنة الفرات
الأوسط بترحيله إلى النجف لاستلام محليتها،وتسليم
محلية بابل إلى الرفيق كاظم الجاسم،وعقد اجتماع
لمحلية بابل وسلمت المسؤولية إلى الرفيق
المذكور،وتوجه إلى النجف لاستلام مهمته
الجديدة،وهناك التقى بالرفيق صالح ألرازقي مسئول
لجنة الفرات الأوسط،وأبلغه بترشيحه للسفر إلى
الاتحاد السوفيتي للدراسة هناك،وأعطاه مبلغا من
المال لشراء ما يلزم لسفره وضرورة التوجه إلى
بغداد لإكمال الأجراآت اللازمة للسفر،وفي بغداد
سلم الصور إلى الرفيق ستار معروف لعمل
الجواز،والتقى بالرفيق الشهيد جورج تلو الذي زوده
ببعض التوجيهات النافعة في دراسته هناك،وأخبره أن
أحد الرفاق سيزوره ويسلمه الجواز والفيزة
والتعليمات الأخرى،وفعلا زاره الرفيق أبو خولة بعد
أربعة أيام وأخبره بإلغاء سفره،وعليه التوجه إلى
منطقة الفرات الوسط،لأن أبو خولة سيتولى
مسؤوليتها،وأعطاه مبلغا من المال وبعض التوجيهات
وتوجه إلى النجف،دون أن يسأل عن أسباب إلغاء
سفره،وفي تلك الفترة وبعد عودة الشهيد سلام عادل
سكرتير الحزب من موسكو نحي الرفاق زكي خيري وبهاء
الدين نوري وعامر عبد الله،ومحمد حسين أبو
العيس،عن عضوية المكتب السياسي ورحل الأول إلى
الفرات الأوسط بعقوبة تأديبية،وبعد وصوله النجف
بأيام عقد اجتماع للجنة المنطقة جرى فيه توزيع
المسؤوليات على الكادر حسب الخطة التنظيمية
الجديدة.
في هذه الفترة أقرت عضويته في لجنة منطقة الفرات
الأوسط،ونسب لقيادة محلية كربلاء،ثم أنتخب لعضوية
مكتب المنطقة،وكان يسكن في دار الرفيق أبو خولة
لحين تهيئة دار في النجف لتكون مقرا لمحلية
كربلاء،وقد نسب الفقيد ناظم كاظم عضو لجنة الفرات
الأوسط لمسؤولية محلية بابل،ورحل الشهيد محمد موسى
من بابل إلى عضوية محلية كربلاء،وقد تم عقد اجتماع
للمحلية نوقش فيه الوضع التنظيمي،ومعالجة الخلافات
الشخصية بين أعضاء اللجنة،وتقرر القيام بأشراف
عليها وعلى اللجان المتفرعة عنها ومنظمات المدن
والريف لمعالجة الخلل التنظيمي فيها،وتم معالجة
الكثير من الثغرات وإعادة لملمة التنظيم وتنشيط
عمله،لما يملك من خبرات متراكمة في العمل
التنظيمي،وخصوصا في الأرياف التي تحمل مزايا خاصة
لا يمكن معالجتها بدون معرفة طبيعة المجتمع
وعلاقاته وعاداته وتقاليده،لاختلاف العمل الريفي
كليا عن العمل داخل المدن،لما يتطلب من حركة دائبة
واتصال دائم بالخلايا الموزعة على مساحات
شاسعة،مما يتطلب التفرغ لأيام وأسابيع وقدرات
بدنية على التحمل والسير ومواجهة المشاكل التي
تكثر في هذه المجتمعات،وما يرافق ذلك من نوادر
ولقطات ظريفة،لا يمكن حدوثها في المدينة،ومن
المفارقات التي ذكرها في مذكراته بإسهاب والتي
سنشير إلى بعضها باختصار،في زيارة للخلايا في
منطقة الحسينية ،زار خلية أنيط مسؤوليتها لأبن شيخ
عشيرة المسعود الذي كان يعتقد أن قيادة الخلية لا
تختلف عن قيادة القبيلة،وكانت معاملته بعيدة عن
الروح الرفاقية التي نتوخاها في العمل
التنظيمي،فانتحى به جانبا ونبهه إلى خطأ
تصرفاته،وضرورة التعامل بروح رفاقية مع
الآخرين،فرد عليه بلهجته الريفية(رفيق الفلاح عقله
عقل الجاموسة ،لازم أتراويه العين الحمرة) حاول
إفهامه بضرورة نبذ الروح القبلية والتعامل بروحية
بعيدة عن التسلط والإمرة ، وعند اجتماع خليته وكان
من الحاضرين الرفيق (أبو سويلم) من الرفاق الشجعان
الجريئين والمطلوبين للسلطة،لقتله خمسة أفراد من
الشرطة والعناصر الرجعية في مصادمات لإلقاء القبض
عليه أو قتله،وهو يحمل سلاحه بصورة دائمة،ومهيأ
للمعركة في أي لحظة،وقد تحدث الرفيق معن عن طبيعة
التعامل الرفاقية،وضرورة التعامل بأخلاقية عالية
بين الرفاق،لأن ما يجمعهم من أهداف مشتركة يجعلهم
أكثر من الأشقاء،ووجوب أن يكون المسئول مثلا أعلا
لخليته في حسن التعامل مع الآخرين،فتململ أبو
سويلم وقال(رفيق أن مسئول الخلية غير جدير
بقيادتها،ويعتبر نفسه شيخ في الخلية وليس رفيقا
لنا،ويستخدم كلمات غير لائقة،وإذا أستمر بوضعه هذا
فمصيره مصير الخمسة – يقصد الذين قتلهم – حدث توتر
في الجو،فتدخل لتهدئة الموقف،وقال للمسئول ان
الرفيق أبو سويلم يمزح معك،وهو من الرفاق الجيدين
الذين يعتمد عليهم الحزب،إلى غير ذلك من الكلمات
التي تهدئ الأمور وتلطف الأجواء،وبعد أيام انتحى
بالمسئول جانبا وطلب منه تسليم الخلية إلى آخر لأن
علاقته أصبحت بمركز المحافظة مباشرة،وقد أرتاح
للأمر وأن صلته في كربلاء تعني الكثير له،وأنه
أصبح بمقام أعلا من مقامه السابق،وبعد عقد اجتماع
للخلية اختير أبو سويلم لقيادتها،فأرتاح لذلك جميع
الرفاق،ثم تحول إلى منطقة أخرى لزيارة الخلايا
الأخرى رافقه في جولته الرفيق أبو سويلم،وكانت
الخلية يقودها مهدي النشمي من رجال الليل
المعروفين قبل أن يكون شيوعيا،ثم ترك اللصوصية بعد
انتمائه للحزب،وأثناء الاجتماع نام بعض الفلاحين
لأنهم متعبين بسبب موسم زراعة الشلب،وقد يستغرب
البعض ممن يعملون في منظمات المدن هذه
الحالات،ولكنها واردة في الريف وتتطلب التعامل
بديناميكية،وسياسة خاصة وأجراآت تنظيمية خارج
السياقات الاعتيادية،بسبب الطبيعة الخاصة لسكان
الريف.
في صبيحة 8 شباط المشئوم /1963 كان الرفيق أبو
حاتم في منزل الرفيق محمد الحكيم عضو محلية
النجف،مسئول الكوفة،وإذا بطرق على الباب،ودخل
الفقيد صالح ألرازقي وهو يصيح بصوت مرتفع "انقلاب
فاشي وعلينا التهيئة لمواجهة الانقلابيين"،خرج
والرفيق معن بصحبته وأتصل بالرفاق في منظمة
النجف،وأرسل موفد إلى الكوفة،وأتصل بالرفيق علي
النوري مسئول كربلاء وعضو محليتها،وأتصل بالمدن
الأخرى بواسطة الهاتف برموز متفق عليها،وبدء
بالتحشيد لمظاهرة كبرى أضطلع الرفيق الشهيد البطل
محمد موسى بقيادتها وهيأ لها وبذل جهدا استثنائيا
في تحشيد المتظاهرين للسير باتجاه ساحة الميدان في
النجف،وكانت الهتافات المدوية تركز على الموت
للانقلابين والاندحار للانقلاب الفاشي،والتركيز
على كذب أدعاتهم بمقتل عبد الكريم قاسم من
قبيل(زعيمنا سلامات موتوا يبعثية)أو (موتوا
يرجعية)وكانت المظاهرة سلمية لم يعبأ لها الإسناد
المسلح،وهذا من الأخطاء الفادحة التي أرتكبها
الحزب في تلك الفترة،بعدم التهيئة لتكوين فصائل
مسلحة تأخذ على عاتقها مواجهة التطورات المحتملة
في العمل السياسي،لأن لكل ظرف طبيعته وآلية
التعامل معه،والعمل وفق الظرف الطارئ،وهذه الأخطاء
المميتة وراء النكبة التي أحاقت بالحزب بعد
الانقلاب،إذ انتشرت عصابات الحرس القومي،التي رغم
ضآلتها العددية إلا أنها تحمل الأسلحة الرشاشة
وتحضا بدعم بعض الأوساط الرجعية والدينية التي
منحتها الشرعية باستباحة المناوئين لهم،وما جرى من
أعمال جبانة وقتل وانتهاكات،وقد أحكمت هذه
العصابات سيطرتها لعدم وجود القوى المسلحة القادرة
على إيقافها،رغم الكثرة العددية للمناوئين
للانقلاب،بسبب ضعف القيادات المكلفة بالعمل
العسكري،وتكليف الجبناء بقيادتها أمثال هادي هاشم
ألأعظمي،الذي أستسلم وأنهار ووشى برفاقه وأرشد
الأمن والحرس القومي إلى الأوكار الحزبية ومخابئ
الرفاق ودور الطباعة،وهذا ما حذر بعض الرفاق
منه،وطالبوا بالعمل الحاسم وضرورة انتهاج سياسة
جديدة تلاءم المرحلة بسبب تراجع عبد الكريم قاسم
وارتمائه في أحضان الرجعيين وميله إليهم لأسباب
عديدة ليس هذا محل تناولها،ولكن ما جرى قد جرى
،ويجب تلافي الأخطاء والعمل للخروج من هذه الكارثة
بأقل الخسائر،لذلك جرى التشاور لتشكيل فرق صغيرة
للقيام بأعمال المقاومة،وفي اليوم التالي وردت
الأخبار من قيادة المنطقة بوجود تحرك عسكري في
الديوانية،،فتهيأ الرفاق لتنفيذ الخطط المتفق
عليها،وعند التحرك الفعلي تلكأ الرفاق العسكريين
بالتحرك وأخذت الأوضاع تزداد سوءا في اليوم الثالث
،وانتشرت عصابات الحرس القومي في المدينة،والقي
القبض على الرفيق محمد موسى بوشاية من خالته التي
تعرف مخبأه ،وقد قاومهم بضراوة الثوري البطل إلا
أن الكثرة تغلب الشجاعة،فالقي القبض عليه وعذب
تعذيبا وحشيا،فقد وضع رأسه في (المنكنة) وقام
البعثيين الأوباش بدق مسمار في رأسه حتى لفظ
أنفاسه الأخيرة وهو يلعن البعث ويهتف بحياة حزبه
المجيد وشعبه البطل،وكان استشهاده البطولي مبعث
عزم للآخرين للمقاومة الباسلة حتى النهاية.
وقد أعطى الشيوعيين الأبطال دروس رائعة في الشجاعة
والتضحية والأقدام ومقاومة الجلادين،وقتل المئات
منهم تحت التعذيب البشع لأزلام البعث في قصر
النهاية والمعتقلات الأخرى،وقدموا دروسا رائعة في
الصمود والمبدئية العالية لا تمحوها الأيام ولا
زالت ماثلة في أذهان الشعب العراقي،الذي خبر البعث
ومن سانده،وعرف مواقفهم الجبانة وأعمالهم
الإجرامية التي يندى لها الجبين،وما قاموا به من
أفعال لا تنسجم مع القيم الشريفة،رغم مساندتهم من
أطراف تدعي الإنسانية والدين،وكان الموقف البطولي
لقيادة الحزب وسكرتيره العام سلام عادل،وصموده
البطولي في قصر النهاية وما قام به الجلاد محسن
الشيخ راضي ألبعثي القذر من أعمال بشعة،جعلت
الشيوعيين الآخرين يندفعون أكثر في المقاومة وعدم
الاستسلام،والصمود حتى النهاية،وتشكيل الفصائل
المسلحة التي أخذت على عاتقها القيام بأعمال
بطولية في قتل عناصر الحرس القومي ومهاجمة
المقرات.
في ظل هذا الوضع،واشتداد المطاردة،وعنف البعث
وجلاوزته،أضطر للتنقل من مكان إلى آخر لضرورات
الصيانة،وما يتطلبه العمل السري من يقظة
وحذر،وتمكن من الاتصال برفاق كربلاء والكوفة
بواسطة أحدى الرفيقات،التي قامت بالمهمة خير
قيام،لما تتحلى به من الشجاعة والبسالة والاستعداد
للتضحية والبذل،ومن خلالها تمكن من أعادة الصلة
ببعض الرفاق في النجف،وقررت لجنة المنطقة في وقتها
ذهاب الرفاق صالح ألرازقي وزكي خيري إلى أبو صخير
بالتنسيق مع منظمة الريف،والتقى بالرفيق باقر
إبراهيم والرفيق عدنان عباس عضو منطقة الفرات
الأوسط آنذاك،وطلب منه البقاء في النجف لإعادة
الصلات التنظيمية بالرفاق والخلايا المبعثرة،فقام
بالمهمة خير قيام رغم صعوبات العمل في تلك الفترة
بسبب الأوضاع الأمنية المضطربة،وبعد فترة ورده أمر
من الرفيق أبو خولة بالتوجه إلى الريف وتسليم
منظمة النجف،فتوجه إلى ريف الشامية بدلالة الرفيق
عبد العظيم عضو هيئة قضاء الشامية،وواصلو مسيرهم
باتجاه منطقة الحفر،وعند وصولهم إلى المكان المثبت
في الرسالة،رفض صاحب الدار استقبالهم،أو تقديم
المساعدة لهم،فطلب منه إحضار شخص أسمه(علوان)وأسمه
الحزبي فيصل وهو عضو لجنة قاعدية،وعندما جاء علوان
أستقبله بحرارة فأخبره بالأمر،فرتب له الانتقال
إلى بيت سيد جعفر الذي يرتبط بمعن بعلاقة
قديمة،وهناك وجد الرفيق عدنان عباس،فأخبره بما جرى
في الحفر،ثم تناولوا ما تيسر من طعام،وأنتقل ليلا
مع أبو تانيا رغم برودة الجو وهم حفاة إلى منطقة
(الجدية)التابعة لقضاء الكوفة،وظل في تلك المنطقة
يومان،ثم أنتقل مع الرفيق حسين أبو خبط مرشح منطقة
آنذاك،بواسطة مشحوف عبروا به شط الشامية،وأنتقل
إلى منطقة(غضيب) في منزل السيد عبد زيد عضو لجنة
الشامية – أبو صخير،وهناك تناهى إلى أسماعه خبر
المعركة التي خاضها الشيوعي البطل(عباس أبو
اللول)مع مسئول الحرس القومي المجرم محمد رضا
الشيخ راضي،شقيق المجرم محسن الشيخ راضي،وكان أبو
اللول يحمل بندقية صيد فأطلق عليه محمد الشيخ راضي
النار وجرحه جرحا بليغا،فما كان من الشهيد عباس
إلا أن وجه إليه بندقيته وأطلق عليه النار فأرداه
قتيلا غير مأسوف عليه،وأخلي أبو اللول إلى
المستشفى وقتل هناك بعد أن رفض الإرشاد على مخابئ
الرفاق،أو الإدلاء بأي معلومات تعيين الأجلاف في
الانتقام من الشيوعيين،وكانت خسارة الحزب كبيرة
باستشهاد الرفيق البطل المعروف ببسالته وإخلاصه
وتفانيه في الدفاع عن المبادئ الشيوعية النبيلة.
كان في بيت السيد عبد زيد الرفاق باقر إبراهيم
وصالح ألرازقي وعدنان عباس،فعقدوا اجتماعا تدارسوا
فيه الموقف وكيفية أعادة الارتباط بالمركز،وتوزيع
العمل التنظيمي،وتقرر حينها ذهابه مع صالح ألرازقي
إلى بابل،والاتصال بالرفاق هناك،وكان أبو حاتم غير
مقتنع بذهابه للعمل في تنظيمات بابل لكونه معروفا
في المنطقة ومطلوبا من قبل السلطة،وكذلك كان رأي
الرفيق أبو تانيا،ولكن لم يجد بدا من تنفيذ الأمر
رغم عدم قناعته به،وتوجه مع صالح ألرازقي بدلالة
أحد رفاق الشامية،وبعد مسيرة طويلة وصلوا إلى بيت
أحد الرفاق وناموا لديه تلك الليلة،وفي الصباح طلب
منهم مغادرة البيت لخوفه من انتقام السلطة،وعندها
توجهوا بواسطة المشحوف إلى بيت الرفيق سلمان الذي
أستقبلهم بحرارة بالغة ،وهيأ لهم وجبة عشاء دسمة
بعد يومين من الجوع،وطلبوا منه الاتصال بالرفيق
(محسن البديري) المعروف في المنطقة بوصفه من رجال
الليل المشهورين،وعندما جاء سلم عليهم وسلموه
رسالة أبو تانيا التي يطلب فيها مساعدتهم في
الوصول إلى قرية البو شناوة(قرية كاظم الجاسم)وفي
الصباح انتقلوا إلى الصوب الثاني من
الهور(الصليجية) وبعد أن استقروا لساعات ركبوا
المشحوف ثانية وتوجهوا إلى ريف القاسم،وناموا في
أحد البيوت،ومنه إلى قرية البو شناوة ووصلوها
مساءا فترك رفاقه في البستان وذهب لأخبار أبو قيود
فوجد زوجته ووالدته وهو معروف لديهم،فطلبت منه
الذهاب إلى البستان،وأنتظار ه هناك،وبعد ساعة
جاءهم فذهبوا إلى حيث اختبأ الرفاق في المخابئ
والتقوا بالرفاق ناظم كاظم وآخرين،وباتوا تلك
الليلة في المخابئ التي أعدها الرفيق أبو قيود
لإخفاء المطلوبين،وفي صباح اليوم التالي عقد
اجتماع للموجودين أداره الرفيق صالح ألرازقي،جرى
خلاله توزيع العمل بين الرفاق،فأنيط مسؤولية ريف
الكفل بالرفيق أبو قيود،وإسكان الرفيق صالح
ألرازقي في بيت أبو حسين في منطقة البو طيف،ومعن
وناظم يتوجهون إلى ريف المدحتية والهاشمية والقاسم
ومشروع المسيب،ولعدم أمكانية الرفيق ناظم على
الحركة في الأرياف لأنه من أبناء المدن الذين لم
يعتادوا حياة الريف وما فيها من مشاكل،أستقر في
بيت أحد الرفاق،والتقى أبو حاتم بالرفيق (حسين أبو
جمهورية) وطلب منه مرافقته لكونه من المعروفين في
المنطقة،ويحضا باحترام أهاليها،وأتصل بالرفاق في
الكصيرات وعقد اجتماع لهم وزع بموجبه العمل بينهم
وضرورة تشكيل فرق لشن هجمات على مقرات الحرس
القومي،والعناصر الرجعية التي كانت تساعد البعثيين
بإرشادهم إلى مخابئ الرفاق،وقام بزيارة عدة مناطق
لتوزيع الأعمال وتحديد الواجبات،وتمكن من أعادة
الصلة بقيادة الحزب في بغداد التي كانت بقيادة
الرفاق جمال الحيدري وأبو سعيد وصالح العبلي،وبعد
توطيد الصلة أستلم رسالة من الرفيق أبو خولة
بالذهاب لاستقبال الرفاق الثلاثة،وتم تشخيص قوة
مسلحة لاستصحاب الرفاق في المكان والموعد المحدد،
وتأمين الحماية لهم ،وسمعوا من الراديو خبر إلقاء
القبض عليهم،في الوقت الذي كانوا يعولون كثيرا
عليهم في أعادة بناء الحزب،والعمل ضد
الانقلابيين،وتنشيط الحركة المسلحة لما تتطلبه
الظروف من عمل بعيد عن السياقات التقليدية للعمل
السياسي،وكانت ضربة موجعة للحزب،على أثر الضربة
الكبرى باعتقال قيادته السابقة وتصفيتها،ومداهمة
أوكاره السرية ومراكز الطباعة،ولكن الحزب لا
يموت،فسرعان ما تبرز قيادات جديدة تتولى المهمة
وتعيد البناء،ليعود الحزب كما كان قويا يهزأ
بعاصفات الرياح.
بعد ذلك بأيام تمكنت لجنة الفرات الأوسط من أعادة
الصلة بالمنطقة الجنوبية عن طريق منظمة الناصرية
والكوت ومعسكر أبي غريب،ونظمت المراسلة معهم
وتمحورت مواضيع الاجتماعات على دراسة وأعداد الخطط
الكفيلة بمحاربة الانقلابيين،ودراسة قصيدة
ألجواهري التي أذيعت من براغ،وما فيها من أفكار
ثورية تدعوا للنهوض ومواجهة الانقلاب الفاشي
وجماعات البعث وحرسه القذر.
وأخذ العمل التنظيمي مجراه الطبيعي رغم قيام الحرس
القومي والأمن بتضييق الخناق على تحركات
الشيوعيين،والقيام بمداهمات كثيرة لأصدقائهم بحثا
عن المطلوبين وإلقاء القبض عليهم والتنكيل بهم
وإسقاطهم سياسيا أو تصفيتهم جسديا،وفي أحدى جولاته
في ريف القاسم وكان يرافقه حسين أبو جمهورية،وقد
شعرا بالتعب وأمض بهم الجوع،وكان الناس تلك الأيام
يعملون بفطرتهم ويتمسكون بعاداتهم وتقاليدهم ،فليس
غريبا أن تدخل أي بيت لتناول الطعام دون معرفة
مسبقة،لذلك دخلوا إلى أحد البيوت،وسلموا على
صاحبه،وقدم لهم ما تيسر من طعام،وسألهم عن أصلهم
كما هي العادة الجارية للتعرف على الآخرين من خلال
عشائرهم،فأخبره حسين أنهم من (البو سلطان)وبعد أن
ارتاحوا قليلا جاء شخص إلى المضيف وسأل صاحب
الدار،هل اليوم حراسة فلان وفلان،يعني الحرس
القومي،فأشار إلى أبو جمهورية بضرورة
الخروج،فاستأذنوا منه وخرجوا بكل هدوء،وبعد
ابتعادهم غيروا مسارهم إلى جهة أخرى خشية تعقب
أثارهم وعدم الاستدلال إليهم،وعندما وصلوا إلى
المكان المقصود لعقد اجتماع مع خلية هناك،طلب منهم
صاحب الدار التريث لحين تبليغ الآخرين
بالاجتماع،وبعد ساعتين طوق البيت من الحرس القومي
والقي القبض عليهم بوشاية رخيصة من أهل القرية،وقد
عومل بقسوة من قبل الحرس القومي الذين يعرفونه
وغطت الدماء رأسه ووجهه وسائر بدنه وسيق مخفورا
إلى مقر الحرس القومي في الحلة
بتاريخ18/9/1963،وهناك جرى له استقبال حافل مورست
فيه أبشع أنواع التعذيب وأغمي عليه،وظل تحت
التعذيب لمدة أسبوعين حتى تحول إلى جثة
هامدة،وعندما جاء وفد سوري لزيارة المقر قال لهم
المجرم المقبور(حبيب الأسود) هذا من أنشط
الشيوعيين في المحافظة وقد القينا القبض عليه قبل
أسبوعين،وعندما تردت صحته أكثر طلبوا من الدكتور
طارق الحلي زيارته،وكان من الشخصيات
الديمقراطية،وعندما شاهده قال لهم لا فائدة من
علاجه أنه شبه ميت،وقد أشيع نبأ موته وتداوله
الناس على أنه حقيقة مسلم بها،إلى أن واجهه أهله
بعد أسبوعين،ثم نقل إلى سجن آخر،وبعد أن تماثل
للشفاء أرسل محفورا إلى بغداد لمحاكمته من قبل
محكمة البعث الفاشي،وأودع في مركز شرطة الفضل مع
المعتقلين،وفي صباح اليوم التالي 18/ت2/1963 سمع
أصوات القذائف والأطلاقات النارية،وإذا بأفراد
الحرس القومي يهربون كالجرذان المذعورة بعد أن
القوا بأسلحتهم ونزعوا ملابسهم الخاكية،وذلك بعد
انقلاب عبد السلام عارف على حلفائه البعثيين،وقام
الشرطة باعتقال قسم منهم وفر الباقون،ومن محاسن
الصدف أن يكون ضابط المركز من معارفه وكان يعمل في
شرطة المحاويل سابقا،فأرسل وراءه وجلب له الفطور
والشاي وأعاده إلى السجن،وقد تقرر تسفيره إلى سجن
خلف السدة،وتشاء الصدف أن يكون بين المفوضين شاب
من أهالي الإسكندرية له به معرفة وعلاقة
سابقة،وعندما شاهد ملابسه الرثة المغطاة بالدماء
ذهب وأحضر له ملابس جديدة،وعند وصوله إلى سجن خلف
السدة التقى هناك بالكثير من الرفاق الذين عمل
معهم سابقا والمعروف بينهم بكنيته(أبو حاتم) ولا
يعرفون أسمه الحقيقي.
عند إرساله إلى سجن خلف السدة بعد انقلاب
تشرين،أودع في القاعة رقم(5) وفي السجن شكلت هيئة
للإدارة أنيط به مسئوليتها،وقد صدرت بحقه ثلاثة
أحكام غيابية،ولأنه غير معروف باسمه الحقيقي الذي
صدرت به الأحكام،فقد ظل الأمر سرا إلى أن جاء في
بداية شباط 1964 شخص يعرف أسمه الحقيقي فأبلغ
الشرطة بوجوده في السجن ،فأستدعي من قبل المجلس
العرفي،وهناك التقى بالرفيق نعيم بدوي،وآخر أسمه
محمود السامرائي من البعث،حكم على بدوي بالسجن عشر
سنوات وستة أِشهر بتهمة استيراد سكر أحمر من
كوبا!!! لأنه كان مديرا للتجارة العامة،والتهمة
الأخرى توقيعه على مذكرة تطالب بالسلم في كردستان
والديمقراطية للعراق،وحكم على ألبعثي بسبع سنوات
لإطلاقه النار على أحد الشرطة وأصابته في ساقه
عندما حاولوا إلقاء القبض عليه!!!،وحكم على معن
بالسجن عشرة سنوات وستة أشهر،مع اعتداء بالضرب
والركل من العيار الثقيل من قبل الانضباط
العسكري،ومن هناك رحل إلى سجن الحلة،حيث أمضى هناك
خمسة أيام نقل بعدها إلى سجن الديوانية لإرساله من
هناك إلى سجن نقرة السلمان،ثم سفر إلى السماوة
ومنها إلى سجن النقرة،ومن المفارقات أنه التقى في
سجن الديوانية بمأمور المركز،وكان أحد
طلابه،وعندما رآه جلب له الطعام والشاي وأكل معه
في غرفته،فطلب منه أخبار أهله بتسفيره إلى نقرة
السلمان،وعند وصولهم إلى معتقل نكرة السلمان
الصحراوي ،أودع مع رفاقه الشيوعيين فيما أعيد
السجين ألبعثي لإرساله إلى سجن بعقوبة مع
البعثيين.
في نقرة السلمان كان على علاقة سابقة بغالبية
السجناء لأنهم "أبناء صنف" وسبق أن عمل مع أكثرهم
في سنين سابقة،وفي السجن أتصل به سامي أحمد بوصفه
الرجل الثاني في السجن وأخبره بوصول ترحيله إلى
السجن،وأصبح مسئول للفلاحين البالغ عددهم 45
سجينا،وكلف بعضوية تحرير نشرة السجن،وهناك طلب منه
أعداد دراسة عن ثورة العشرين،فاستعان بالرفاق عبد
الواحد كرم وطعمه مرداس وعبد القادر إسماعيل وعزيز
الشيخ ومكرم الطالباني وفلاحين آخرين لديهم خزين
من الوقائع الميدانية للثورة بما سمعوا عنه أو
شاركوا فيه،ونالت الدراسة بعد أكمالها استحسان
الجميع.
وكان سجن السلمان مدرسة للمناضلين،وقد جرى أعداده
من قبل الرفاق الشيوعيين لتخريج الكوادر الحزبية
المسلحة بالثقافة الثورية ،والمؤهلة لقيادة
التنظيم والإبداع في العمل السري الذي يتطلب طرق
فنية ومبتكرة في التنكر والتخفي والتخلص من
المطاردة والرقابة،وكانت دروس محو الأمية لمن لا
يجيدون القراءة والكتابة،والدورات التثقيفية التي
أشرف عليها كوادر متقدمة في الحزب لها الإلمام
الكافي بشتى فنون المعرفة،كالاقتصاد السياسي
،وتاريخ الحزب في الاتحاد السوفيتي،ورأس
المال،والمادية التاريخية والمادية
الديالكتيكية،بموجب برامج مكثفة أعدت من اللجنة
الثقافية،وشكلت لجان مختلفة لإدارة السجن،ولجنة
الألعاب،وأخرى للأدب والفنون،وأسست فرق رياضية
للفلاحين والعمال والطلبة،وكانت تقدم بعض
المسرحيات،وتقام الاحتفالات في المناسبات الوطنية
والأممية،وكان للشعراء موقعهم في النشاط ألسجني
فقد كان النواب ينشد ويغني،وفائز الزبيدي يحي
الأمسيات الشعرية،وكان الشاعر والفنان سعدي
ألحديثي يحي حفلاته الغنائية الرائعة يشاركه فيها
شاعر العراق الكبير مظفر النواب،وفي السجن أعدت
دورات لتعليم اللغات وتدريس الفيزياء والكيمياء
والرياضيات،وتوجد عيادة طبية وغرفة للحلاقة،وأخرى
للخياطة،وحانوت لبيع المواد،تكون أرباحه ضمن مالية
اللجنة،تستخدم لإقامة الاحتفاليات ومساعدة
المحتاجين من الرفاق،وكانت الحياة بفضل الإدارة
الشيوعية الواعية أكثر من طبيعية في السجن،وتفوق
في تنظيمها ما تستطيع الدولة تقديمه.
وفي عام 1965 بدء بنقل السجناء على شكل وجبات من
سجن السلمان إلى سجن الحلة،وكان معن ضمن الوجبة
الأولى،فقام بتسليم ما بعهدته إلى اللجنة
الجديدة،وبعد وصوله سجن الحلة بشهرين جرى اختيار
لجنة لإدارة السجن فأنتخب في عضويتها،إلى جانب
عدنان الدوري وجميل منير ونصيف الحجاج ،وأنتخب
الأخير رئيسا لها،وقد أوجدوا صلة مع منظمة الفرات
الأوسط،وأنتخب الرفيق شاطي عودة ممثلا
للسجناء،وتقرر إصدار نشرة يومية كلف
بإدارتها،وعندما جاء حسين سلطان إلى السجن وكان
عضو لجنة مركزية،أستلم مسئولية اللجنة،وفي هذه
الفترة نظمت عملية هروب حامد مكصود الضابط المهدد
بالحكم بالإعدام،وبعده عملية هروب الضابط الطيار
عبد النبي جميل،وعملية الهروب الكبرى التي تمت بعد
نقله من السجن.
في آذار 1968 أطلق سراحه بكفالة،وبعد ذلك بعشرة
أسام جاءه الشهيد محمد حسين أبو العيس وهنئه
بخروجه من السجن،وأخبره أن أحد الرفاق سيلتقي به
في ريف الكفل وعين له المكان والزمان،وذهب إلى
هناك في الموعد المحدد والتقى بالرفيق أبو شروق
جاسم الحلوائي بعد عشر سنوات من الفراق،وكان وقتها
عضو لجنة مركزية،وسكرتير لجنة منطقة الفرات
الوسط،وأخبره بقرار الحزب بتكليفه لقيادة محلية
النجف لخبرته وعمله فيها سابقا،وتكون صلته بمسئول
المنطقة أو لجنة الفرات الأوسط مباشرة،لما لمحلية
النجف من أهمية ولوجود خلل في عملها،سافر إلى
النجف والتقى بأحد الرفاق الذين يعرفهم هناك وطلب
منه تبليغ الرفاق لحضور اجتماع المحلية،وتدارسوا
في الاجتماع أسلوب العمل وإعادة الاتصال
بالمنقطعين،وتقرر عقد اجتماع أخر بعد أسبوع من
تاريخه وطرح فيه برنامج عمل المنظمة ونوقش مناقشة
جادة من قبل الرفاق،وبدء العمل بهدوء،والاتصال
بالرفاق القدامى وأصدقاء الحزب لإعادة التنظيم
وبناءه على أسس متينة،وبعد ثلاثة أشهر من العمل
الجاد المتواصل أخبره مسئول المنطقة بالتهيوء
للسفر إلى كردستان بمهمة حزبية،وزوده برسالة إلى
مكتب في راوندوز وزوده بمبلغ من المال،،وعند وصوله
إلى هناك نام في أحد الفنادق،وذهب صباحا للقاء حسب
العنوان المتفق عليه،وسلمهم الرسالة ثم أستقل
سيارة لنقله إلى (برسلين) حيث مقر الرفاق،وعند
وصوله سلمهم الرسالة وظل في القاعدة للتدريب على
استعمال الأسلحة،وبعد عشرة أيام نقل إلى معمل
تصليح الأسلحة وصناعة القنابل والألغام،وجرى
تدريبه على استعمال مختلف أنواع الأسلحة،واستمرت
الدورة ثلاثة أشهر،وعند عودته إلى بغداد التقى
بالرفيق جاسم الحلوائي،فأخبره بوجوب تدريب الرفاق
على استعمال الأسلحة في منطقة الفرات الوسط،وتم
تهيئة الأعداد حسب المنظمات،وفعلا وصل ريف الشامية
وبدء بتدريب الرفاق،وبعد عشرون يوما من التدريب
المتواصل،وصلت التعليمات بإنهاء التدريب والعودة
للنجف،وفي النجف بلغه الرفيق بقرار اللجنة
المركزية بإيقاف الكفاح المسلح لوجود حوار مع
البعث.
بعد ذلك طلب منه الرفيق تقديم طلب للعودة إلى
الوظيفة،وقدم الطلب فعلا وتقرر أعادته إلى التعليم
واحتساب الفترة السابقة خدمة لأغراض التقاعد،ونسب
للعمل في قرية من قرى كركوك،وفي أواسط سنة 1970
القي القبض عليه عند زيارته عائلته في
المحاويل،لاتهامه بالعمل في الكفاح المسلح،وبسرعة
فائقة أتصل الرفيقين عامر عبد الله ومكرم
الطالباني ،بالسلطة وبقي أسبوعين أطلق سراحه
بكفالة بعدها،وأتصل به في حينها الرفيق عدنان عباس
عضو اللجنة المركزية،وطلب منه الذهاب إلى كردستان
لقيام السلطة باعتقال الرفيق توفيق أحمد مسئول
منطقة بغداد واعترافه على العديد من
الكوادر،والتقى بالرفيق الحلوائي وسلمه
الرسالة،وبقي في بيته ثلاثة أيام،ونسب إلى أحد
الفصائل،وعقد آنذاك اجتماع اللجنة المركزية لتدارس
الحوار مع البعث وأتخذ قرار بهذا الخصوص،وبعد شهر
بلغه الرفيق الحلوائي بالعودة إلى بغداد والاتصال
بالرفيق مكرم الطالباني،وبعد لقائه به طلب منه
الذهاب إلى الحلة والالتقاء بالرفاق هناك،وعند
وصوله الحلة توجه لعائلته فوجد أبنه البكر حاتما
يزحف وكان غريبا عليه لأنه لم يراه منذ شهور،وبعد
ذلك أنس به وأنسجم معه،وفي شباط 1971 بدأت التهيئة
لانتخابات نقابة المعلمين على أساس جبهوي،فتقرر أن
يمثل المنظمة إلى جانب حسين الأعرجي،وانتخبت
الهيئة الإدارية،جرى بعد ذلك تبديل الاعرجي
بالرفيق الشهيد مهدي كامل،ثم كلف بتمثيل المنظمة
للتنسيق مع البعث،ونسب ممثلا للحزب في لجنة الصمود
والتصدي لدعم قرار تأميم النفط،والتقى بالرفيق
عدنان عباس لوضع خطة لإعادة لملمة الصفوف بعد
الضربات المتلاحقة الموجهة للحزب،وجرى تشكيل لجنة
لجرد العناصر الديمقراطية في المركز والأقضية
والنواحي،تكونت من الشهيد فاضل وتوت،وحسين
الاعرجي،وقاسم سلمان،وتقسيم العمل بينهم في صفوف
الطلبة والشباب والمعلمين وتشكلت حلقات لإعادة
علاقات الصداقة مع الكسبة وفئات الشعب
الأخرى،وباشرت اللجنة أعمالها ،وكانت النتائج
جيدة،وزار اللجنة الرفاق باقر إبراهيم وماجد عبد
الرضا،وأطلعا على أعمالها وعلق الرفيق باقر بضرورة
تعميم هذه التجربة على المحافظات الأخرى،وفعلا
نشرت في مناضل الحزب دون الإشارة إلى المحافظة
لأسباب أمنية.
ومن خلال النشاط الدائب للرفيق قاسم سلمان في
المجال الشبابي والطلابي عقد كونفرنس للطلبة
والشباب حضره ممثلون عن محافظات الفرات الأوسط،كان
بينهم الرفيق كاظم حبيب ومحمد حسين مبارك،وخرج
الكونفرنس بنتائج طيبة وتقرر تشكيل اتحاد للشبيبة
في الفرات الأوسط تولى مسئوليته الرفيق
قاسم،واتحاد الطلبة تولى مسئوليته حسن رفيق،وتمكن
الرفاق من التغلغل في دور الثقافة الجماهيرية رغم
تولي مسئوليتها من قبل البعثيين،وكانت نشاطاتها
ذات نكهة شيوعية خالصة،فكان جل الأدباء والشعراء
والفنانين المشاركين في أحياء أماسيها من
الشيوعيين أو أصدقائهم لافتقار البعثيين إلى
الطبقة المثقفة القادرة على أنجاح أي مشروع أدبي
أو ثقافي.
بعد ورود الموافقة على فتح مقر للحزب الشيوعي
العراقي في الحلة،وهو أول مقر حصلت الموافقة على
افتتاحه في عموم العراق،كلف بالبحث عن بناية تصلح
أن تكون مقر يراعى فيها الموقع والأهلية،فاستعان
ببعض الرفاق لصعوبة الحصول على مقر بسبب الممارسات
الأمنية للسلطة،وخشية الناس من تأجيره،وما روجت له
بعض العناصر الرجعية من أباطيل بحق الشيوعيين،وبعد
البحث والتقصي وجد مكان واسع ومهجور بحاجة إلى
الترميم والإصلاح،ويمتلكه شخص من المعروفين
بمناوئتهم للشيوعيين،والحاقدين على الحزب،فتوجه مع
الفقيد عباس البياتي(حمال الصداقة)لزيارته في
داره،وبعد تبادل عبارات المجاملة المألوفة فوتح
بالأمر بأسلوب دبلوماسي جميل ومؤثر،فقال لهم كيف
أؤجركم داري وأنتم تعرفون عدائي لكم،فقال له أن
العداء شيء،والتعامل شيء آخر،وهي منفعة متبادلة
بين طرفين،أنت تنتفع منها ونحن نستفد أيضا،وبعد
محاورات ومداورات ومناورات،ولتأثير أبنائه الذين
هم أصدقاء للحزب ومتعاطفين معه،وكذلك الأغراء
بترميمه على نفقة الحزب دون استقطاع المصاريف،وبعد
اللتيا والتي وافق على أجاره على أن ندفع بدل قدره
عشرة دنانير شهريا،وتم تنظيم العقد وتوقيعه في ذات
الوقت خوفا من النكول،في حالة تعرضه للوم،وفي
اليوم التالي علم الأمن والمعادين للحزب
بالاتفاق،واستغربوا قيام (أبو ضياء) بتأجير دار
للشيوعيين،وحاولوا الضغط عليه،إلا أنه لم يرضخ
لضغوطهم،وتمسك بكلمة الشرف التي أعطاها،وأصر على
موقفه بدفع من أبناءه،وكانت للحزب علاقته الجيدة
ببعض المقاولين،فطلب منهم تهيئة المواد اللازمة
لإعادة الأعمار،فجلبوا الاسمنت والجص والحصى
والرمل والطابوق،وتبرع الرفاق من العمال والبنائين
والنجارين بإكمال متطلباته،وسار العمل بسرعة
قياسية،وكان العمل يجري بأشرافه وبعض الرفاق الذين
تفرغوا لقضاء أشغال الحزب،وقام الرفيق فلاح خوجه
نعمة بصبغ الأبواب والشبابيك وعمل واجهته من
الكاشي الكربلائي،وبعد ألانتهاء من أعمال
الترميم،قام الرفاق بحملة عمل شعبي لتنظيفه
وتجهيزه باللوازم المطلوبة،وزارهم صاحب البيت ورأي
ما آل إليه ملكه المتهدم وكيف أصبح زينة
للناظرين،وما بذل من مال لترميمه،فتبرع بإيجار شهر
واحد،وكانت داره بجانب المقر،وبعد تهيئة المقر جاء
الرفيق عدنان عباس مسئول منطقة الفرات
الأوسط،والراحل محمد حسن مبارك (أبو هشام)عضو
المنطقة وسكرتير محلية بابل،فأبدوا إعجابهم بالمقر
والجهود المبذولة لأعماره،وبعد التشاور معهم حدد
يوم لافتتاحه،وجرى التحضير ليوم الافتتاح
الكبير،وفي اليوم المحدد توافدت الوفود من بغداد
والمحافظات،واختير الرفيق جعفر هجول عريفا
للحفل،وقد وصل الرفاق كريم أحمد وعبد الرزاق
الصافي وعبد الوهاب طاهر وفقيد الحزب والصحافة
العراقية شمران الياسري (أبو كاطع)وحضر مسئول مكتب
الفرات الأوسط لحزب البعث عبد الحسين الرفيعي،وعدد
كبير من رفاق الحزب ومسئولي المحافظات
الوسطى،وكانت احتفالية رائعة وكبيرة حيث غصت
القاعة بالحضور بشكل ملفت للنظر،والقي أبو حاتم
كلمة محلية بابل للحزب الشيوعي العراقي،ثم تلاه
الرفيق كريم أحمد الداوود وألقى كلمة اللجنة
المركزية للحزب،ثم ألقى عبد الحسين الرفيعي كلمة
البعث،وبعد انتهاء الاحتفالية دعي المشاركون
لزيارة مقر حزب البعث الكائن على ضفاف شط
الحلة،وهو بناية كبيرة تعج بالحراس المدججين
بالأسلحة والسيارات،وكانت لأبي كاطع مداخلاته
وتعليقاته المثيرة التي تضحك الآخرين،وعندما دخلوا
إلى أحدى قاعات الحزب،نظر أبو كاطع الى ديكورها
الذي يشبه (الدونكيات)وهي من أدوات التعذيب،ضحك
أبو كاطع ملء قلبه،وعندما سأله عبد الحسين
الرفيعي(شتريد تعلق) قال ابو كاطع(هذا ديكور
بنايتكم كله دونكيات الله اليستر) فضحك الجميع.
قررت محلية بابل أن يتواجد بشكل علني كل من الراحل
محمد حسن مبارك (أبو هشام)مسئول المحلية،والشهيد
كاظم عبيد (أبو رهيب)وجبار(أبو عبيس) وقاسم سلمان
إضافة للراحل معن،وكانت الوفود تتوافد لزيارة
المقر لتقديم التهاني من جميع المحافظات،وذات يوم
جاء وفد كبير من مدينة النجف الأشرف فيه بعض رجال
الدين المعممين،وعتما رآهم صاحب الدار،تساءل عن
الأمر وماذا يريد رجال الدين من دخولهم المقر،فقال
له أبو حاتم أنهم يباركون للحزب مقره الجديد،فهز
رأسه متعجبا وقال(حتى بين أهل العمايم ألكم
ربع)وكان أبو حاتم من أكثر الرفاق تواجدا في المقر
لكثرة مسؤولياته،ولكونه ممثل الحزب في لجنة
الجبهة،لذلك كان دائم التواجد،وقد شكل مكتب صحفي
من الرفاق رضا الظاهر وقاسم حمزة وأمين قاسم
خليل،وكان مسئول اللجنة والمشرف عليها الراحل أبو
هشام،ثم أنتخب الرفيق رضا الظاهر مسئولا للمكتب
الصحفي،وكان لهم نشاط متواصل في رفد صحيفة الحزب
بالمقالات حتى أصبح للمكتب الصحفي في بابل اثر
كبير في إعلام الحزب لما توفر له من إمكانيات
وقدرات خلاقة،وعناصر قادرة على أداء عملها الصحفي
بكفاءة واقتدار،ثم شكل المكتب العمالي الذي ضم
أعضاء من محافظات الفرات الأوسط،وأنيط مسؤوليته
بالرفيق أبو هشام،وشكلت لجنة التوجيه ألفلاحي تولى
مسؤوليتها الشهيد أبو رهيب،وعضوية كاظم الغدير
وتركي الهاشم وأبو زهرة وغيرهم،وكانت نشاطات
المكاتب على قدم وساق،وقدموا أعمال باهرة كانت
مثار أعجاب وتثمين قيادة الحزب.
وعند إعلان الجبهة،حشد الحزب جماهيره في احتفالية
كبرى ألقى فيها كلمة محلية بابل،وعبد الحسين
الرفيعي ممثل البعث،وأبو كاوه ممثل الحزب
الديمقراطي الكردستاني،وكان حضور الشيوعيين مكثفا
ومتميزا نوعا وكما،مما دفع نائب المحافظ
للقول(يقول مدير الأمن أنهينا الشيوعيين في
المحافظة،فمن أين أتى هؤلاء،هل جاؤوا من تحت
الأرض)!!!!!
ولضرورات العمل الجبهوى ارتأت محلية بابل تنسيب
ممثلين للحزب في لجنة الجبهة،فاختير معن جواد
والشهيد فاضل وتوت،واتسم العمل بالصعوبة بسبب
التعامل السيئ لممثلي البعث،وكان ممثلي الحزب
يبذلون الجهد الكبير في التهيئة للاجتماعات
،وتدارس المواضيع التي يتم طرحها للنقاش،ومن أكثر
الصعوبات التي واجهها ممثلي الحزب استمرار البعث
في التضييق على الشيوعيين، وإلقاء القبض عليهم
لأسباب مفتعلة،وتشديد الضغط على العاملين في
الدوائر المختلفة،ما يعني أن التحالف منذ أيامه
الأولى أخذ طريقه المعروف للانهيار لعدم التكافؤ
بين الطرفين،واعتماد البعثيين على إفشاله ووضع
العراقيل بوجهه لوجود نوايا مبيته كان يعرفها
الأبعدين بله الأقربين،وكان ممثلي الحزب يعانون
الأمرين في التوفيق بين طلبات الرفاق وما يتطلبه
العمل مع البعث،حيث يتصور البعض أن قيام الجبهة
يعني العمل الواضح بين الطرفين،ولكن البعثيين
كانوا يعملون منذ اليوم الأول لإفشال التجربة
والتهيؤ للانقضاض على الحزب،لافتقارهم للنية
الحسنة،والغريب أن البعث بعد توقيع ميثاق الجبهة
بدء العمل جديا لإنهاء الشيوعيين وقمعهم،لعدم وجود
أيمان حقيقي بالتحالف وبروز النزعة الدكتاتورية
المقيتة لدى القيادات البعثية،وما توجد من تراكمات
سابقة لن تمحوها الأيام،ومحاولتهم التفرد
بالسلطة،وما جبل عليه البعث من خسة ودناءة وعداء
في اتفاقاته مع كل الأطراف،لذلك كان ممثلي الحزب
في الجبهة،في وضع لا يحسدون عليه،فالرفاق في الحزب
ممن نالهم تعسف الجهات الأمنية وتجاوزاتهم يطالبون
الحزب بالتحرك لإيقافها،في الوقت الذي تمعن السلطة
بزيادة الضغط،وعدم سماع الشكاوى المقدمة في
الاجتماعات لسماع هذه التجاوزات.
بعد توسع العمل التنظيمي وامتداد العمل في
المجالات كافة،انتقلت المنظمة إلى بناية
جديدة،اتخذ طابق منها للجنة الفرات الأوسط،والآخر
للجنة محلية بابل،وشكلت مكاتب مهنية وأخرى
للعلاقات الوطنية على مستوى المنطقة والمحافظة
والاقضية والنواحي،وأنيطت مسؤولية المكتب بالفقيد
أبو حاتم وعضوية الرفاق رضا الظاهر وفاضل وتوت
ومهدي كامل،ويتمحور عمل المكتب في متابعة أعمال
الجبهة في محافظات الفرات،ولجدية العمل في المكتب
وما توفر له من قدرات،وتحقيقه لانجازات عديدة ،كلف
بالأشراف على أعمال مكاتب الألوية في عموم الفرات
الأوسط،إضافة لأشرافه على لجنة السماوة(المثني).
وبذلت جهود مكثفة للعمل على إنشاء مكاتب للجبهة في
الأقضية والنواحي،وقد قبل الحليف الأمر على
مضض،وشكلت هذه المكاتب في محاولة لجعل الجبهة
وسيلة لتمتين العلائق بين المتحالفين،وكانت
الزيارات بين الطرفين على قدم وساق رغم ما أعتور
العمل من مصاعب ومشاكل،جرى تجاوزها من أجل أنجاح
التجربة والسير بها إلى أمام.
زار مقر الحزب في بابل وفود عديدة ،كان الفقيد
يستقبلها ويؤمن لها زيارة المواقع الأثرية أو
العتبات المقدسة،فقد زار المقر الرفيق خالد بكداش
وزوجته ورافقهم في تلك الزيارة سكرتير الحزب آنذاك
عزيز محمد،واطلعوا على نشاطات المنظمة،وما تبذله ن
جهود لإشاعة الثقافة بين الرفاق،وجاءت وفود من
ألمانيا وهنكاريا والاتحاد السوفيتي،وكانت هناك
زيارات لبعض الرفاق من خارج العراق،فقد زار المقر
الرفيق يوسف فيصل عضو المكتب السياسي للحزب
الشيوعي السوري وزوجته،والرفيق محمود الأطرش من
مؤسسي الحزب الشيوعي الفلسطيني وبعدها عضو اللجنة
المركزية للحزب الشيوعي الجزائري،وكان يعد بحثا عن
ثورة العشرين،وشملت زيارته محافظات الفرات الأوسط
والتقى ببعض المشاركين في الثورة،،وكان النشاط
متواصلا والرفاق يعملون كخلية نحل رغم المعوقات
الكثيرة التي واجهت الحزب،وذات يوم طلب منه نقل
رونيو وآلة طباعة غير مجازة من بغداد،وعليه تدبير
أمر نقلها،فاصطحب معه أحد أصدقاء الحزب وجلبوا
الرونيو والطابعة بسيارته وأوصلها إلى الحلة بدون
مشاكل،وذات يوم أبلغ بالذهاب إلى اللجنة المركزية
في بغداد،وعند وصوله إلى هناك أبلغوه بضرورة نقل
أسلحة وتوزيعها على منظمات الفرات الأوسط،لانتهاء
فترة الترخيص نهاية هذا اليوم،وكان يقود سيارة
الحزب الرفيق أبو عادل،وكانت سرعته بين 100-120كم
في الساعة لإنهاء المهمة قبل انتهاء فترة
الترخيص،وفعلا توجه والى المثنى ثم الديوانية
ومنها إلى النجف وكربلاء ثم بابل،وكان يرافق
الوفود التي تمثل اللجنة المركزية عند افتتاح
مقرات المحافظات،منهم الرفيق جاسم الحلوائي عند
افتتاح مقر كربلاء،وماجد عبد الرضا عند افتتاح مقر
الديوانية،وصادق جعفر الفلاحي لافتتاح مقر المثنى.
ولعمل الفقيد الدائب في لجنة الجبهة،فقد كان
ممثلها في ألاجتماعات الدورية التي تعقد لممثلي
المحافظات،وكان الممثل عن محافظات الفرات الأوسط
في الاجتماعات التي تعقد على مستوى المناطق –
الفرات الجنوبية-بغداد-الوسطى- الموصل – وكانت
السياقات المتبعة إن يجري الاجتماع مع ممثلي
المحافظات ودراسة مطالبيهم تمهيدا لتوحيدها وطرحها
في الاجتماعات الإقليمية،ونتيجة العمل الكثير حدثت
خلافات بينه وبين الشهيد فاضل وتوت من جهة وعبد
الحسين مسلم ممثل البعث من جهة أخرى،وأشتد الخلاف
لإصرار الطرف الثاني على أخطاءه،مما أدى إلى طرح
الموضوع في سكرتارية الجبهة،وعقد اجتماع لمناقشة
الخلافات في بغداد بحضور نعيم حداد والطرفين
المتخالفين وأدلى كل بوجهة نظره،فوجه حداد اللوم
إلى ممثل البعث،ولكن دون أن يكون هناك أجراء رادع
لإيقاف مثل هذه التجاوزات،مما يعني أن هناك أمور
خاصة متفق عليها بين البعثيين في التشديد من
ممارسة الضغوط،وإثارة الخلافات ،والقيام بتجاوزات
ضارة،عن نوايا مبيتة لا تخفى على الأطفال.
في بداية 1978 بدء البعث بالمضي قدما في التضييق
على الشيوعيين واستفزازهم،واعتقال العناصر الناشطة
منهم،وقد أعتقل في تلك الفترة مجموعة من فلاح
الكفل مورست معهم أبشع أشكال التعذيب ،وبعد إطلاق
سراحهم جرى أخبار قيادة الحزب بما جرى على
هؤلاء،فتقرر أقامة دعوى قضائية على مدير الأمن
وشكلت لجنة برئاسة نعيم حداد سكرتير الجبهة
الوطنية والرفيق مكرم الطالباني وزير الري،ومحمد
عايش أمين سر فرع الفرات الأوسط للبعث، والرفيق
عدنان عباس مسئول لجنة منطقة الفرات الأوسط للحزب
الشيوعي العراقي، وأحضر الفلاحين الذين عذبوا إلى
مقر البعث في بغداد،وأجري التحقيق معهم،وقد أبدى
نعيم حداد امتعاضه من تصرفات مدير الأمن ونعته
بالحقير،وتقرر استدعائه،ولكن ظهر أن القضية مفبركة
وهناك توجيه من قيادة حزب البعث بمثل هذه
التصرفات،وتقرر أحالتهم إلى لجنة طبية لإثبات
واقعة التعذيب،وذلك لتمييع القضية،وفعلا لم يتخذ
أي أجراء بحق مدير الأمن،لتواطيء اللجنة الطبية
معه،وتزويد الهيئة التحقيقية بتقرير ينفي حدوث
التعذيب،وقامت السلطة بشن حملة اعتقالات واسعة
طالت مئات الشيوعيين،وجرى إسقاط الكثيرين منهم
سياسيا بعد إجبارهم على التوقيع على استمارة تتضمن
عدم الانتماء للحزب الشيوعي وهي صيغة مطورة
للبراءة سيئة الصيت،مما دفع محلية بابل لتبليغ
الرفاق بعدم الحضور للمقر أو مراجعته،وظل الراحل
معن على ديدنه السابق في الدوام يوميا في المقر،ثم
الذهاب لمقر الجبهة،وبعدها العودة الى البيت،دون
أن يكون هناك أي نشاط معلوم وظاهر للشيوعيين بسبب
هذه الممارسات،وقد ترك العمل في المقر حتى الحراس
والسائق بسبب تهديدات الأمن والبعثيين
الشرفاء،وعندما أتصل بقيادة الحزب وأخبرهم بما
يجري طلبوا منه البقاء في المقر والدوام كالمعتاد
لحين وصول أوامر جديدة،وكان يرافقه احد منتسبي
الأمن في ذهابه وإيابه إلى المحاويل،ويراقبه
مراقبة تامة،وفي أحدى المرات دفع الراحل أجرة
السيارة ليعرف انه يعلم به،وقد غادر الكثير من
أعضاء اللجنة المركزية العراق،ولم يبق إلا عدد
قليل لتمشية الأمور وتصفية المتعلقات بانتظار
الأوامر للاختفاء والعمل السري،وكان آخر الراحلين
عن العراق الرفيق أبو شروق جاسم الحلوائي،الذي ظل
حتى اللحظات الأخيرة يمزج بين العلنية والسرية،حتى
غادر البلد بعد أن أنهى تصفية جميع المتعلقات.
بعد أن بدأت الأوضاع السياسية تسير بطريق
اللاعودة،أصدرت القيادة تعليماتها بضرورة ترك
المقرات والانصراف للعمل السري،على أن يتواجد رفيق
أو أكثر في المقر،،وبقي معن لأنه من
المكشوفين،فأخذ بالتعاون مع الرفيق سامي عبد
الرزاق ببيع سيارات المقر وتسليم أثمانها للرفيق
جاسم الحلوائي،وقامت السلطة باعتقال الرفاق مهدي
كامل عضو لجنة الجبهة الموقرة،وفاضل وتوت عضو
الهيئة الإدارية لنقابة المعلمين،وقامت السلطة
بتعذيبهم حتى استشهدوا دون أن يرضخوا لما يطلبه
السفلة،وسافر معن إلى بغداد والتقى بالرفيق
الحلوائي وطلب منه الانتقال إلى محافظة أخرى
والعودة للعمل السري لأن الأوضاع أخذت بالتردي
وأنه مهدد بالاعتقال بين لحظة وأخرى،فطلب منه
الرفيق الحلوائي التريث لحين أخذ موافقة القيادة
الحزبية،وبعد خروجه من مقر اللجنة المركزية ذهب
لزيارة أحد الرفاق في حي العامل،وبعد أن أستقر
قليلا ،داهمت مفرزة أمنية الدار والقوا القبض
عليه،وعندما أخبرهم أنه من بابل،أرسل محفورا إلى
مديرية أمن بابل،وهناك التقى بمدير الأمن مسئول
الجبهة في بابل،فاستنكر هذا العمل فكان عذرهم أقبح
من فعلهم،حيث أخبروه أنهم تصوروا أنه قد اختفى لأن
مقر الحزب في بابل مغلق،ولم يحضر لمقر الجبهة منذ
أيام،وأستمر في الحضور إلى مقر الحزب ومقر لجنة
الجبهة رغم صعوبة الوضع وتعقيداته،ولكن أوامر
الحزب كانت مشددة بضرورة التواجد في المقر بشكل
اعتيادي،إلا أنه تصرف دون علم الحزب وقام بتسديد
أجور الماء والكهرباء والهاتف دون أن يشعر
الأمن،وبعد أن رتب الأمور مع عائلته قام بمناورة
للتخلص من رقابة الأمن،فعندما ركب في السيارة
المتوجهة إلى المحاويل ترجل منها منتصف الطريق
وركب أحدى السيارات الذاهبة إلى المحمودية،حيث بات
تلك الليلة لدى أحد أقاربه،ثم سافر صباحا إلى
بغداد والتقى بالرفيق جاسم الحلوائي وشرح له الوضع
في بابل وأنه صفا أمور المقر وليس في نيته العودة
إلى هناك،فأخبره أن الرفاق لم يوافقوا على نقله
إلى محافظة أخرى،وحدد له موعد للقاء به في اليوم
التالي لأخذ رأي الحزب النهائي،فنام في مقر الحزب
تلك الليلة،وفي اليوم التالي أخبره الرفيق أبو
شروق بالتوجه إلى اليمن عن طريق الكويت،ومنها
يتوجه للدراسة في أحدى الدول الاشتراكية،وسلمه
مبلغا قدره(150)دينار لمصاريف الطريق.
الشهيد أبو رهيب...الرهيب
قد يعتقد القارئ للوهلة الأولى أن مقالي هذا عن
إرهابي قتل الآمنين،أو تلطخت يداه بدماء
العراقيين،أو يتصور أنها قصة تحاكي القصة الروسية
أيفان الرهيب،ولكن مقالي ليس عن هذا أو ذاك،وإنما
هو ومضات من سيرة الشهيد الشيوعي البطل كاظم عبيد
(أبو رهيب) وكان رهيبا فعلا في أقدامه وتضحيته
وبسالته وشجاعته وتضحيته النادرة المثال،فقد حاكى
الرعيل الأول في الصمود والفداء وكتب بدمه الطاهر
سطور ناصعة في السفر الشيوعي تستحق الإشادة
والتبجيل،ورغم أني لم أرتبط معه بعلاقة قوية أو
صلة تنظيمية،إلا أني عرفته من خلال عمله في محلية
بابل أيام الجبهة الوطنية في سبعينيات القرن
الماضي،فوجدت فيه الكثير من الخصال
الرائعة،والصفات الشيوعية الأصيلة،والمبدئية
النادرة المثال،فهو من الشغيلة الكادحة والطبقات
الشعبية الفقيرة،ذاق اليتم والفقر والعوز
والحرمان،وشعر بعمق المعانات التي تواجه هذه
الطبقة التي لا تفقد غير قيودها كما قال الخالد
ماركس،في مواجهتها للرأسمالية المتغطرسة،وكان
لانحداره الطبقي أثره في صدق انتمائه،ونبل دفاعه
عن طبقته،وشعوره بمشاعرها وما تعانيه من قهر وظلم
ومهانة،وهو يختلف عن القيادات البرجوازية
بتقسيماتها المتعددة التي تسنى لها أن تكون في
القيادات الحزبية المتقدمة،وتتنسم مسئوليات معينة
في قمة الهرم،فكان لانتمائها الطبقي أثره في
تذبذبها،وهشاشة مواقفها،فظهر معدنها الحقيقي في
المواجهات الكبرى،والظروف الحاسمة،أو أيام المحن
والصعاب،لتعود لطبيعتها القلقة ومؤثراتها
الطبقية،وتكون وبالا على الحزب بمواقفها المخزية
في المهادنة والتراجع والانهزامية،وتاريخ الحزب
حافل بالكثير من هذه الشخصيات التي كان انحدارها
البرجوازي وراء الضعف والتخاذل الذي ظهر منها في
المواقف الحاسمة،أو تركوا ساحة المنازلة واللجوء
إلى حواضن توفر لهم الحماية والأمان،فيما يكون
الصمود علامة فارقة لأصحاب المبادئ الراسخة،الذين
يواجهون الموت بصلابة ورباطة جأش تذهل
جلاديهم،وتجعلهم شاءوا أم أبو يحترمون هذا الصمود
الرائع،وتاريخ الحزب الشيوعي مليء بالكثير من هذه
الجهة أو تلك،ومنها شهيدنا البطل كاظم عبيد (أبو
رهيب).
انحدر الشهيد من أسرة فقيرة الحال،وعاش بين
الطبقات الشعبية يعاني معاناتها ويشعر بآلامها،ومن
ركامها برز بعنفوان ليكون علامة بارزة بين
المناضلين،وانتمي للحزب لشيوعي في سن مبكرة،عن
أيمان راسخ بالمبادئ الشيوعية،فكان أبن بار
لها،خاض غمار النضال غير هياب ولا وجل،وواجه
الصعاب بالروح الشيوعية الوثابة،وكان شعلة من
النشاط والحيوية والسعي لبناء التنظيمات الشيوعية
لتؤدي دورها على أحسن ما يكون الأداء،ونال نصيبه
من السجن والتعذيب والتشريد في حياته النضالية
الزاخرة بالأمجاد والبطولات،وظل حتى لحظاته
الأخيرة رافعا راية النضال،لم يعلن استسلامه حتى
خر صريعا برصاص البغي والنذالة.
نشط للنضال في صفوف الحزب بعد ثورة تموز
الظافرة،وظهرت قدراته في المجالات المهنية،وبعد
تراجع الثورة وانحراف مسيرتها كان عرضة للاعتقال
والتعذيب،دون أن يفت ذلك في عضده فواصل مسيرته
الكفاحية،ليكون الانقلاب الفاشي في 8 شباط 1963
بداية لمسيرة طويلة من الألم والمعانات فيلقى
القبض عليه من قبل جلاوزة السلطة والحرس القومي في
منطقة مشروع المسيب،وحكمت عليه المحكمة العرفية
بالسجن ليخرج منه أواخر 1966،فنسب للعمل في قضاء
الهاشمية التي شكلت لجنتها حديثا،ولنشاطه اختير
عضوا فيها،ولكونه معروفا فقد ارتأت اللجنة أن
يرتدي الزي ألفلاحي،فكان يجد صعوبة في ارتدائه
لعدم تعوده عليه،وكانت محلية بابل في تلك الفترة
تتكون من الشهيد كاظم الجاسم (أبو قيود) سكرتير
المحلية وعضوية (أبو عباس) تركي الهاشم ومحمد حبيب
وعبد زيد نصار،ولنشاطه وقدرته على التحرك نسب
للعمل في محلية بابل أواخر 1967،وبعد انقلاب تموز
1968 وحدوث شيء من الانفراج في العلاقات مارس عمله
السري عضوا في المحلية،وعندما قررت السلطة أعادة
المفصولين السياسيين عاد للتعليم معلما في مدارس
كركوك،وكان معه الراحل معن جواد وقد تزوج في تلك
الفترة وولد أبنه البكر(رهيب)في كركوك،وعاد إلى
الحلة عام 1972،ليصبح مسئول لجنة التوجيه ألفلاحي
حتى سنة 1975 حيث أرسل بدورة دراسية في تموز من
نفس العام،ومكث ثلاثة أشهر هناك عاد بعدها لتسلم
مسئوليته في المكتب ذاته،إضافة لمسئولياته الحزبية
الأخرى.
بعد انهيار التجربة الجبهوية،وتصفية القواعد
والقيادات الحزبية التي أضطر بعضها إلى الهجرة
خارج البلاد،أو اللجوء الى كردستان العراق
للانضواء في فصائل الأنصار الباسلة،أو التخلي عن
العمل السياسي والانصراف للحياة العادية،أو السير
في ركاب السلطة البعثية الجائرة والعمل تحت
أوامرها، أو ممارسة العمل السري،فكان أبو رهيب من
هذا النوع الرافض للمسايرة والخنوع أو مغادرة
الوطن،فقد اقتحمت مفرزة من الأمن والشرطة
والبعثيين المدرسة التي يعمل فيها لإلقاء القبض
عليه فتمكن من الإفلات بعد أن قفز من سياجها
الخارجي،وواصل النضال بما عرف عنه من بسالة
واقتدار وحيوية على العمل في أشد الظروف
حراجة،فأضطر للاختفاء ومواصلة العمل السري،وإعادة
بناء التنظيمات الحزبية في أشد الظروف حراجة
وقسوة،بإصرار على مواصلة المسيرة حتى الرمق الأخير
رغم القمع الفاشستي،والأساليب السلطوية المتطورة
في مكافحة أي نشاط سري بما لسلطة البعث من
إمكانيات وقدرات،وما أحاطت به نفسها من أجهزة
أمنية متشعبة تغلغلت حتى داخل العائلة نفسها،بحيث
يصعب على الأسرة تداول أي حديث يتجاوز المحظورات
خوفا من وصوله إلى الجهات الأمنية،فالتجأ إلى
منطقة(عون) في ريف المدحتية،وكان يزور قرية تركي
الهاشم،وقرية عون الذي كان سدنته من رفاقنا
المخلصين،ويرافقه في هذه الزيارات الشهيد
البطل(أبو عبيس)وبعد استشهاده كان يزورها أبو رهيب
منفردا،وقد شكلت محلية ميدانية تلك الفترة من
الرفيقين أبو رهيب وجبار جاسم عبد(أبو عبيس) وقد
حدثني تركي الهاشم أنه في تموز 1979 ،جاءني
الرفيقين أبو عبيس وأبو رهيب وطلبوا مني السفر الى
خارج العراق،فقلت لهم إذا سافرت فسوف لا
أعود،فقالو لا عليك العودة فور أكمال المهمة،حيث
ستحمل رسالة الى المدرسة الحزبية في صوفيا ،وهناك
تطلب مقابلة الرفيق حميد البياتي ،وإذا تعذر وجوده
الالتقاء بأي طالب عراقي فيها وتسلمه
الرسالة،وسلمني رسالة ملفوفة على شكل زبانه قمت
بوضعها في الطية السفلى للبنطلون الذي أرتدي ووصلت
صوفيا يوم 30 تموز1979 وعندما وصلت المدرسة سألت
عن الرفيق حميد فلم أجده عند ذلك طلبت مواجهة إي
طالب عراقي،وفعلا التقيت بطالب لم اعرف اسمه وطلبت
منه تسليمها إلى الرفيق حميد،ثم عدت الى
العراق،وعلى أثر ذلك تم ربط التنظيم بمركز
الحزب،وعندما القي القبض على أبو عبيس طلبت من أبو
رهيب البقاء في قريتنا إلا انه رفض ذلك حيث كان
دائب التنقل بين المدن الفراتية ومتابعة التنظيم
ومواصلة الاختفاء،وكان آخر لقاء معه سنة 1983 في
قرية عون.
وكانت له القدرة الفائقة على التنكر وارتداء مختلف
الأزياء فقد جاء إلى ناحية القاسم ذات مرة مرتديا
الملابس الريفية وكأنه شيخ من شيوخ الأعراب،وكان
وصوله في يوم الجمعة حيث تزدحم المدينة بالوافدين
من الريف ،وكان حضوره مفاجئا لأقرب المقربين إليه
بهذا الشكل السافر،إلا أن روح الأقدام التي جبل
عليها جعلته يتحدى السلطة العاتية ويتحرك بين
المدن المتباعدة ليعيد الصلات الحزبية التي أخذت
بالتلاشي والانقطاع،بسبب الممارسات القمعية للسلطة
العفلقية الغاشمة،وبعد أكمال مهمته عاد من حيث أتى
ليعود بعد شهور في جمعة أخرى وهو يرتدي الملابس
الزيتونية واضعا مسدسه في مكان بارز وكأنه احد
مسئولي البعث الكبار الذين عرفوا بهذا الزى ،الذي
جعله بنظر الآخرين بعيدا عن المسائلة والشك،وتمكن
بهذه الطريقة من إيصال البريد الحزبي والالتقاء
بالرفاق الذين كانوا يمارسون التنظيم الفردي
الخيطي لتجنب انكشاف أمرهم من قبل السلطة التي
كانت تحصي على الناس حركاتها وسكناتها.
وقد حدثني الرفيق فلاح أمين الرهيمي أنه كان ذات
يوم مكلف بواجب الكشف على الدور المشيدة حديثا
لإكمال معاملة تسليفها بوصفه رئيس لجنة
الكشف،وعندما نزل من السيارة بعد تعذر دخولها الى
الدار المطلوبة بسبب الحفر الموجودة،شاهد شخص
يرتدي الكوفية والعقال يومئ له،وعندما أقترب منه
سلم عليه دون أن يعرفه،وعندها أخبره أنه أبو
رهيب،فدخلت معه الى أحد الدور غير الجاهزة،وسألته
عن أخباره ،وبعدها قدمت له مبلغا من المال فرفض
استلامه فقلت له انه اشتراكي عن سنوات الانقطاع
،ثم أعطيته عنوان منزلي في القاضية،وعندما عدت
سألني الموظف الذي يرافقني في لجنة الكشف فأخبرته
انه لديه دار يحاول إجراء الكشف عليها فطلبت منه
مراجعة الدائرة بعد أيام لإكمال معاملته.
وبعد فترة طرقت باب الدار فخرج احد أبنائي لفتحها
وعاد ليخبرني إن شخصا يرتدي ملابس ريفية يريد
مقابلتي فخرجت إليه فشاهدت شخصا يرتدي دشداشة
متهرئة وقد تمنطق بحزام علقت فيه سكينة تكريب
النخيل وقد لبس الكوفية على رأسه ،وأخبرني أنه أبو
رهيب بعد أن أزاح الكوفية عن وجهه قليلا فدعوته
للدخول حيث قدمت له ما تيسر من طعام ،ثم قام
بتكريب النخيلات الموجودة في الدار وتحدثت معه عن
الوضع وأموره فشكا لي المرض والجهد والمعانات التي
يعانيها جراء الاختفاء،وبعد أن أكمل تكريب النخل
أعطيته مبلغا من المال رفض استلامه فقلت له أنه
اشتراكي المقرر للفترة القادمة ،وبعدها غابت عني
أثاره الى أن علمت أنه القي القبض عليه وأعدم من
قبل السلطة.
هكذا كان الشهيد يواصل نضاله والتحرك ضمن المجالات
المتاحة دون أن يعطي الفرصة لرجال الأمن الذين
يتعقبون آثاره للامساك به ولكن لكل جواد كبوة فقد
كان ذات يوم على موعد مع شقيقة زوجته التي كانت
تعمل مراسلة له في منطقة النزيزة بالقرب من دائرة
الإطفاء ،وكان الأمن قد وضعها تحت مراقبته ورصد
تحركاتها فنصب له كمين في تلك المنطقة وتمكن من
إلقاء القبض عليه سنة 1984،وكانت فرحة كبيرة لرجال
الأمن والبعثيين بهذا الصيد الثمين فأودع في
مديرية آمن بابل في زنزانة صغيرة وربط بوثاق متين
إلي أنبوب الماء المار بها،وقد حدثني الرفيق (أبو
غسان) أنه بتاريخ 11/3/1986 كان معتقلا في زنزانة
رقم (2) في مديرية أمن بابل وقد ربط الى أنبوب
الماء الكائن في جدار الزنزانة،فسمع صوت يسأله من
وراء الجدار من أنت ومن أين فقلت له باسمي وأني من
أهالي القاسم،فأخبرني أنه من منطقة(الفياضية)
ومتهم بالانتماء لحزب الدعوة وأن أسمه(هور)،وكان
قد عمل فتحة صغيرة الى جوار الفتحة التي يمر منها
الأنبوب نتكلم من خلالها،فأخبرته أني موقوف لوشاية
لأني لم أثق به وخشية أن يكون من رجال الأمن
المندسين،وكنت في كل مساء يأخذني الأمن إلى غرفة
التعذيب،ويمارسون معي مختلف أنواع التعذيب دون أن
أعترف بما نسب لي رغم وجود شهود،وأعاد الى
الزنزانة بعد أن يغمى علي،،وبعد ثلاثة أيام أرسل
هور إلى المحكمة وبرئت ساحته على ما علمت بعد
فترة،وحدث تبديل في الزنزانات،فجيء بشخص جديد الى
الزنزانة التي بجانب زنزانتي فناداني الضيف الجديد
سائلا عن أسمي بعد أن أخبرني أنه كاظم عبيد أبو
رهيب وكنت على معرفة وثيقة به فأخبرته بأسمى
وتعارفنا وأخذنا نستذكر الأيام السالفة وقد أخبرني
بأنه لقن هور أفادته التي يقولها في المحكمة وقد
برء من التهمة وأطلق سراحه،وأنه يتوقع أن يقوم
الحزب بمهاجمة السجن وإخراجه عنوة،خشية على
الأسرار التي يعرفها والتي لم يفشيها لحد الآن،
وذات يوم أخذوه لعدة أيام لأني افتقدته عندما أردت
مكالمته فلم يجبني فاعتقدت أنه نقل إلى سجن
آخر،وبعد أيام سمعت حركة في الزنزانة
المجاورة،وكنت أخشى مكالمة من فيها خوفا من انكشاف
أمر الفتحة أو يكون من رجال الأمن، وبعد دقائق
كلمني فإذا هو أبو رهيب وقد أخبرني أنهم مارسوا
معك مختلف أنواع التعذيب دون أن يتمكنوا من انتزاع
اعتراف منه،وقد أبقوه معلقا في المروحة السقفية
لأربعة أيام،وقد قام ملازم أول ياسين الملقب ياسين
الدوري وهو من أهالي الحلة بربط قدميه ويديه الى
كرسي حديدي بوسط الغرفة،وسكب النفط على أقدامه
وأشعل النار فيهما مما جعلها ترتفع بعد أن اشتد
ضرامها الى ركبتيه،وقد جاء مدير الأمن العام من
بغداد ليشرف على التحقيق وعندما رآني بتلك الحالة
المفجعة،أمر بخروج منتسبي الأمن وبقي لوحده معي
وقال لي أنت بطل والله (وحرامات أن يكون مثلك تحت
الأرض) ثم أمر بإعادتي إلى زنزانتي،وقد مكث معي في
الزنزانة المجاورة 78يوما نقل بعدها الى مكان
آخر،وقد سمعت من آمر حرس السجن المدعو(جبار)من
أرياف الحلة، أنه قد أرسل الى مديرية الأمن العامة
حيث مورست معه أبشع ألوان التعذيب من قبل رجال
مكتب مكافحة الشيوعية الذي يشرف عليه
(علاء)المعروف بحقارته وحقده على الشيوعيين وقد
تمرس بالتعذيب وأشرك في دورات خارج العراق لتعلم
فنونه،وأنه كان يبتدع أقذر طرق التعذيب لممارستها
مع الشيوعيين،وأن صدام حسين قد أمر بإحضار (أبو
رهيب) لمواجهته وعندما أدخل عليه كان يقرأ في
أوراق أمامه،ثم قال له بعد قليل (شسمك)فقال له
كاظم عبيد، فسأله هازئا أسمك الحركي لو أسمك
الحقيقي فأجابه أبو رهيب لا أسمي الحقيقي،فقال له
صدام إذا كنت تريد الحياة وأن تعود لعائلتك لتمارس
حياتك الطبيعة فأنا على استعداد لإصدار عفو عنك
بشرط أن تعطيني (كل مالاتك)فرد عليه الشهيد البطل
بجرأة الشيوعي الحقيقي الذي لا يعبأ بالموت في
الساعات العصيبة،لقد مارست العمل السياسي قبلي فلو
كنت في مكاني فهل تفشي أسرار حزبك وتعترف على
رفاقك،فقال له صدام (أني مالاتي عزيزات)فأجابه
الرفيق بجرأة منقطعة المثال(وأني مالاتي أعز)فصمت
صدام لحظات ثم قال له (مبروك عليك الشهادة) وأشار
لزبانيته بإخراجه،فاقتيد إلى سجن أبو غريب حيث
هيئت أوراقه على عجل وأحيل الى محكمة البندر لتصدر
حكمها الجائر بإعدامه،لينفذ الحكم وسط حفلات
الإعدام البربرية التي يحضرها رموز السلطة آنذاك
لأنها خير مكان لتسلية البعثيين المرتزقة،وتحضرها
الماجدات من رفيقات منال الآلوسي اللواتي قال فيهن
شاعر العرب الأكبر:
واضعة الله على صدرها غارقة بالدم حتى الحزام
لتزغرد لهلوبة الطرب الالوسية منال،ويقيم حفلات
الذكر عزت أبو الثلج،ويلقي المداحين من جماعة
البندر قصائدهم الفرحة بالدم المراق،وينادي
البعثيين المجتمعين بالبعث الذي تشيده الجماجم
والدم ليتهدم ذلك البناء الهاري وينهض الحزب
الشيوعي من جديد رافعا أعلام النصر خفاقة في ربوع
العراق الجديد،رغم أنف أعدائه الطبقيين الذين
كانوا يتوقعون نهاية الحزب بوسائلهم الرخيصة
تلك،ولكن الشعب الذي اوجد الخالد فهد،والنسر الأشم
سلام عادل،والبطل أبو رهيب،وأشبال الأسود أبناء
الصفار الأشاوس لن يموت وسيبقى كالطود الأشم هازئا
بالطغاة وعتاة الجلادين ليعلن بزوغ فجر
جديد،ويناضل لبناء وطن حر وشعب سعيد.
"الطالب حسن عبد علي السحيب"
حسن عبد علي السحيب،من مواليد 1961،طالب في كلية
الهندسة،قسم البناء والأنشاآت ،الجامعة
التكنولوجية،أسم بين ملايين الأسماء،ولكنه سيبقى
في ذاكرتي إلى الأبد.
ولد في أسرة شيوعية مناضلة،فوالده"أبو كاظم"من
العاملين النشطين في تنظيمات الحزب الشيوعي
العراقي،ومن الطلائع التي رفعت لواء الثورة وناضلت
نضال المستميت لإعلاء راية الحزب،ونشر مبادئه،فكان
في صدارة الناشطين بعد ثورة الرابع عشر من تموز
المجيدة،بما عرف عنه من شخصية ناضجة،تزودت
بالثقافة التقدمية،فكان محاورا بارعا،يحسب له
الحساب،ذو روح مرحة متفائلة،وسرعة بديهة،فكان يفحم
الخصم بمزحة تجعل الآخرين يبتسمون رغم جدية
النقاش،وقد ألقى هذا الوالد بظلاله على أسرته
فكانوا مثالا للعائلة الملتزمة التي أعطت الكثير
أيمانا منها بالقيم والمبادئ السامية التي يدعو
لها الحزب الشيوعي وطلائعه الذين ضحوا بكل شيء
ذيادا عن الشعب والوطن،بعيدا عن المصالح
الضيقة،فقد بذل من ماله وجهده الشيء الكثير،وظل
إلى أخريات أيامه على ما هو عليه،رغم ما أبتلي به
من مرض نفسي بسبب الضغوطات الأمنية،وقد أطلق عليه
الرصاص من شخص مجنون بحادث بدا عفويا،لم تنضج
معالمه لحد الآن،رغم ما أشيع من وجود دوافع سياسية
وراء الاغتيال،وتحريضات من رجال الأمن لهذا
المجنون،باغتيال هذا الإنسان البريء.
في هذه الأسرة الكريمة،نشأ" حسن"وتشرب بالمبادئ
الشيوعية،وانتمى لاتحاد الطلبة العام ناشطا متميزا
بين زملائه الطلبة،فكان مثالا للطالب المجد في
التحصيل العلمي،وحصل على معدل أهله لدخول كلية
الهندسة،فزاوج بين عمله الحزبي والدراسة
الجامعية،فكان متميزا في الشوطين،بما عرف عنه من
قابليات ومؤهلات في القيادة والتنظيم،فكان التنظيم
الشيوعي في كليته مثار غضب السلطة الحاكمة التي
هالها هذا الانتشار السريع،والنشاط
المكثف،فاستعملت معه مختلف الوسائل إلا أنه ظل ذلك
الذي عرفناه صلابة ومبدئية،وبعيد انفراط عقد
الجبهة،تعثرت المنظمات الحزبية،فهناك من أختار
المصانعة،ومن آثر الالتحاق بقوات الأنصار في
شمالنا الحبيب،أو سافر خارج العراق،ومنهم من اختفى
عن الأنظار،أو أنتقل إلى بلدة بعيدة،وآخرين واصلوا
العمل دون هوادة،من أجل أعادة لحمة التنظيم
وسداه،فانتشرت الخلايا الشيوعية السرية،خلايا
متناثرة لها ارتباطاتها الخيطية بمن بقي من قيادة
الحزب في الداخل،وآثر النضال حتى النفس
الأخير،وكان من هؤلاء الرفيق حسن عبد علي،الذي شكل
مع مجموعة من رفاقه خلية سميت ب(الطليعة الأدبية)
كانت تضم في صفوفها الشهيد صاحب يحيى
الموسوي،ومهدي غريب،وعامر حسين حميو،وعماد كاظم
الحسن،وجواد كاظم الحسن والشاعر عبد علي
شاكر،والشهداء فوزي هادي عطيوي،وعبد الأمير
حسن،وعبادي حسين وآخرين،وارتبطوا بتنظيم
بغداد،وكان أسمه الحركي(أحمد)وواصل العمل في صفوف
الحزب حتى اعتقاله في 11/4/1981 من قبل مديرية
الأمن العامة مع رفاقه الآخرين،ومورست ضدهم أبشع
أشكال التعذيب الوحشي،وتعرضوا للإهانات ،ومكث في
الاعتقال أكثر من خمسة أشهر. وفي أحد الأيام
اعتقلت نشطتان أسلاميتان بتهمة الانتماء لحزب
الدعوة،وكانتا جارتين لشقيقته الساكنة في
الحلة،التي كان يسكن معها سابقا بعد أن آثر
الابتعاد عن مدينته القاسم بسبب الملاحقات
الأمنية،ودفعا لاتهام معارفهن،فقد القين بالتهمة
عليه،واعترفتا بأنه المسئول في تنظيم حزب
الدعوة،وعندما أستدعي للتحقيق(وكان مودعا في موقف
المحا ويل) رفض التهمة باعتباره أحد أعضاء الحزب
الشيوعي،ولا يمكن للشيوعي أن يكون(دعوتيا) للفارق
بين توجهات الحزبين،ولكن رجال الأمن هددوه
باستعمال الوسائل غير الشريفة،البعيدة عن
الأخلاق،وكتبوا أفادته كما يريدون،وبذلك نسب إلى
حزب الدعوة خطأ،وهذه الحالة حدثت مع الكثيرين من
أعضاء الحزب الشيوعي،حيث ألصقت بهم هذه التهمة
لإعدامهم بسبب الانتماء لهذا الحزب المتهم
بالتبعية لإيران،وصدر عليه حكم الإعدام من محكمة
الثورة سيئة الصيت،ونفذ الحكم عام1984. وقد أعتقل
معه شقيقه"حسين" بذات التهمة،رغم عدم انتمائه لأي
حزب أو جهة،إلا كونه من عائلة شيوعية ذات تاريخ
مجيد في ذاكرة العراقيين.
لك المجد المؤثل أيها الراحل الكريم،وسواء أكنت
شيوعيا أو إسلاميا،فأنت شهيد الحركة الوطنية،شهيد
النضال والمبادئ الحقة،البعيدة عن دعاوى الطائفية
المقيتة،لا كما يقول بعض المرتزقة في تربية
الديوانية،بأن الشيوعيين ليسوا شهداء،وحسبك أن
تكون أسما بين الأسماء اللامعة في سفر الخالدين.
حمزة عبد الرضا الغريباي
أستطاع الحزب الشيوعي العراقي التغلغل في أعماق
الريف العراقي،والوصول إلى أقاصيه،وأنتبه إلى
المسألة الفلاحية في وقت مبكر،وشخص ما يعانيه
الفلاح العراقي من ظلم وإجحاف وهيمنة مقرفة لحفنة
من المغامرين والإقطاعيين والملاكين
والمرابين،وتلاعبهم بمقدراته،فبدء ينشط من خلال
المعلمين وموظفي الأمراض المتوطنة الذين تستدعي
طبيعة عملهم التجوال بين الأرياف العراقية،وعلاقات
الفلاحين بسكان المدن ورجال الدين المتنورين الذين
كانوا يبثون الوعي بطريقتهم المقبولة لدى
الناس،وكان لهؤلاء تأثيرهم بتبصير الفلاحين
بواقعهم وطبيعة الصراع الطبقي بأساليب بسيطة
تتلاءم ومدارك الفلاح العراقي،فكانت قسمة الحاصلات
الزراعية الطريق المناسب لتوعية الفلاح باستغلال
جهوده من قبل الآخرين.
وكانت أرياف بابل من أكثر المناطق خصبا في التنظيم
ألفلاحي،فقد تهيأ لها كادر قيادي منظم،لا يعرف
الكلل أو الملل،كان يجوب الريف ألفراتي من أقصاه
إلى أقصاه،ذلكم هو خالد الذكر شهيد الحركة
الشيوعية والفلاحية كاظم الجاسم "أبو قيود" الذي
سيكون له مكانه المناسب في ذكرياتنا عن رفاقنا
الأبطال،فكانت قرية البو شناوة الانطلاقة الأولى
للتنظيم ألفلاحي،ومنها أخذ التنظيم يتمدد
باتجاهاته الأخرى،بتأثير الرفيق المذكور،ومن أعانه
من الرفاق الآخرين،وكان لقرية الإبراهيمية"الدبلة"
أن تكون بداية الانطلاق،بحكم قربها من
قريته،والوعي الذي عليها أهلها لقربهم من مركز
الحلة.
في هذه القرية ولد الرفيق حمزة عبد الرضا الغريباي
عام 1917،فكان تزامنها مع ثورة أكتوبر الاشتراكية
العظمى فأل لما سيكون عليه،فتعلم القراءة والكتابة
في كتاب القرية الذي كان يديره الشيخ على
الغريباوي،على عادة الناس في تلك الأيام لعدم وجود
المدارس النظامية،وهذا من النوادر في قرية
كالدبلة،وبعد أن كبر ونما أنصرف للأعمال
الحرة،فأشترى سيارة كانت الوحيدة في القرية،لذلك
كان حلقة الوصل بين المدينة والريف،ولأنه من أسرة
ميسورة فقد أشترى جهاز راديو يعمل
بالبطارية،والراديو في تلك الأيام من عجائب الدنيا
السبع،لذلك أستطاع أن يكون له مكانة اجتماعية
متميزة،فكانت داره خير ما يجمع القرية تلك
الأيام،وكان الراديو الوسيلة الأكثر فعالية
للالتقاء بالناس والتأثير عليهم،وبحكم علاقته
الوثيقة بالشهيد كاظم الجاسم،فقد انتمى للحزب
الشيوعي أوائل الخمسينيات،فكان معين للرفيق في
التنقل لانجاز مهامه الحزبية،والأمر الثاني المؤثر
في هذه القرية،وجود المعلم الشيوعي المرحوم(حسن
ألبياتي)الذي أخذ على عاتقه تعليم الأميين،فأفرد
لهم صفا للتدريس المسائي مجانا،فتعلم على يديه
الكثيرون،ولا زال البقية منهم يذكرون بالخير
والثناء،ذلك المربي الجليل الذي تميز بحس
ثوري،وأيمان مطلق بالشيوعية،فقد كان يعلم الأطفال
النشيد:
يا أمي لا تبكي عليه أنا شهيد الوطنية
لأجل الشعب روحي أفديها لأجل السلم والحرية
وكان في القرية المعلم الشيوعي(عبد المولى جليل)
الذي لا يزال حيا يرزق،وكان شعلة من النشاط
والحيوية،وجذوة وطنية أنارت الطريق للكثيرين،وقد
أدى دوره الوطني على أحسن ما يكون الأداء،وأرتبط
معهم بعلاقة وثيقة،وعمل معهم في تلك الفترة الرفيق
عبد زيد نصار الذي أنتمى للحزب عام 1956 وشارك في
تكوين الخلايا والعمل التنظيمي بكل جد وصبر،وكانت
دار أبو سعد المحل المناسب للاجتماعات
الحزبية،لذلك لفت هذا النشاط الأنظار فدوهمت الدار
من قبل الشرطة السرية عام 1956،وقلبوا محتوياتها
رأسا على عقب بحثا عن منشورات أو وثائق تدين
صاحبها،فلم يتسنى لهم العثور على البريد الحزبي
الذي كان في مكان آخر،وعثروا على بعض الجرائد
والمجلات البعيدة عن اليسار أو الشيوعية،فعادوا
يجرون أذيال الخيبة والفشل، واعتقل على أثرها،ثم
أطلق سراحه، وظل مصاحبا لهذا الثلاثي الرائع،ولكن
علاقته بالرفيق أبو قيود،كانت أكثر متانة بحكم
العلائق الريفية،لذلك كانت سيارته الوسيلة الوحيدة
لنقل البريد،أو التحرك للأماكن البعيدة،فكان
للتنظيم امتداده في القرى المجاورة،ولا تخلو قرية
أو منطقة من شيوعي أو أكثر،وذلك بجهود الرفيق أبو
قيود ونشاطه الدائب الذي جعل منه علما من أعلام
الحزب في الفرات الأوسط.
وبعد انبثاق فجر الحرية في 14 تموز الخالد،انطلق
الحزب للعمل شبه العلني،وتمكن بفترة وجيزة من بناء
المنظمات الديمقراطية لحماية الثورة
ومكتسباتها،،فشكلت الخلايا في الريف والقرية،وكانت
الخلية الأساسية لقرية الدبلة تتألف من الرفاق
عباس خضير وعبد مسامح،وعبد السادة حمزة،ومجيد يونس
وعبد الحسين محمد،وهادي حسن عوده الجيلاوي،ونوري
حبيب وكاظم السيد عبد ومحمد هاشم وغيرهم من
الناشطين في التنظيم الحزبي والنشاط
الديمقراطي،وكان لهم دورهم في المشاركة بالمسيرات
الجماهيرية،والمظاهرات الثورية التي أرعبت القوى
الرجعية وجعلتها تحاول النيل من تعلق الجماهير
الشعبية بحزبها المجيد،وفي ذروة النشاط الثوري
أصيب بمرض لم يمهله طويلا،وتوفي بعد شهور من
انبثاق الثورة.
وقد تعرضت عائلته للأذى جراء ممارسات عصابات الأمن
القذرة،وكان أبناءه سعد ورياض عرضة للاعتقال
والتعذيب،فقد أعتقل سعد عدة مرات،وأودع في سجن رقم
(1) وقصر النهاية،وسجن الحلة وسجن الكسرة في بغداد
والمواقف الأخرى،فكانت أم سعد مثال للمرأة
المناضلة المضحية،تدور من سجن إلى سجن،متابعة
لأبنائها،توصل لهم ما يلزم من ملابس وطعام،وتعرضت
للكثير من الأذى جراء المعاملة اللا إنسانية
لزبانية العهد القديم،ولا زال أبنائه على طريق
والدهم،يمارسون دورهم الوطني في الدفاع عن حقوق
الكادحين.
الذكر الطيب للرفاق الراحلين،فقد صانوا
الأمانة،وأوفوا بالعهد،وبذلوا جهدهم من أجل رفعة
شعبهم ووطنهم،وعهدا أن نبقى على ذات النهج ،لا
نعرف الكلل أو الملل،وفي طليعة المناضلين من أجل
بناء العراق الجديد،وتحقيق شعارنا الخالد وطن حر
وشعب سعيد.
(الشهيد المهندس عبد الحسن هادي فرحان ألدبي"أبو
سلام")
كثيرا ما يوصم البعض من رفاقنا،من ذوي الأصول
البرجوازية أو الإقطاعية،بوصمة الانتماء
لطبقتهم،في معرض النقد والتندر،لاعتماد الحزب في
معظم منطلقاته ونظرياته جانب الطبقة
العاملة،وحليفها الطبقي الفلاح،فأذا بدر منه تصرف
خاطيء في العمل أو الحياة،كانت التهم جاهزة وتكال
لأبسط الأسباب،ورغم ذلك كان للبرجوازية الصغيرة أو
الوطنية،دورها المؤثر في مسيرة الحزب النضالية عبر
عقود من السنين،فقد أنسلخ الكثيرون عن
طبقتهم،والتزموا جانب الكادحين،وخاضوا غمرات
النضال بأقدام ونكران ذات،بعد أن رفضوا الحياة
المترفة التي يعيشها أندادهم،وانقلبوا على تلك
الطبقة التي تلعق دماء الآخرين،وتعيش على
متناقظاتهم باستغلال جهودهم،للحصول على أكبر قدر
من المغانم والمكاسب. وتاريخ الحزب حافل بالكثير
من النماذج التي تؤيد ما ذهبنا إليه في منطلقاتنا
النظرية،بضرورة تحالف القوى العاملة مع البرجوازية
الوطنية،وما يوازيها من صغار الملاكين وأصحاب
المتاجر والعقارات،ومواقف خالد الذكر(جعفر أبو
ألتمن)الركن المكين للحركة الوطنية
العراقية،والعون الكبير للقوى الديمقراطية في
العهد الملكي الغابر،خير دليل على ما نقول.
ومن هؤلاء ــ مع الفارق ــ رفيقنا الشهيد عبد
الحسن هادي فرحان ألدبي،الذي أنحدر من أسرة
أقطاعية،تبوأت زعامة عشائر الجبور في العراق،وجده
فرحان ألدبي من الرموز التي رفضت الانصياع لإرادة
الاحتلال البريطاني،برفضه السير في ركابها،والوقوف
إلى جانبها في ثورة العشرين،على عكس بعض المشايخ
الذين كانوا مع الثورة ظاهرا،وعون المحتلين
باطنا،وكانوا أداة المحتل في إجهاض الثورة وفشلها.
ولد الشهيد عام 1948 وتخرج في كلية الهندسة جامعة
البصرة عام 1970 قسم الهندسة المدنية،وعمل في
اتحاد الطلبة العام،ثم أنخرط في صفوف الحزب
الشيوعي العراقي،وبعد تخرجه عمل في شركة(سكا
بانيوس)اليونانية التي قامت بمد أكبر شبكة مبازل
في العراق،وقد أستغل عمله بين العمال ،فتحرك ضمن
هذا الإطار وتمكن من كسب الكثيرين للانحياز إلى
جانب طبقتهم والمشاركة في نضالها،وكانت سيارته ذات
الدفع الرباعي خير عون له في عمله الوظيفي
والتنظيمي،واستغلت للتحرك ضمن أوساط واسعة في
الريف ،على امتداد عمل الشركة،لذلك كان نشاطه محل
مراقبة دائبة ومستمرة من أجهزة الأمن
الصدامية،وعيون البعث المقبور وزبانيته،التي كانت
تتابع عمل النشطين،وتحاول بمختلف الطرق التأثير
عليهم بوسائل كثيرة أخرها التصفية الجسدية،وقد
تسنى لهم ما أرادوا في ليلة عيد الميلاد الميمون
30/31 ـ آذار 1980 ،ففي تلك الليلة كان معه مجموعة
من الرفاق منهم الشهداء أبو رهيب وأبو عبيس وأنور
سعود مشهد،والرفيق تركي ألهاشم،وقد أوصلهم إلى بيت
الشخصية الوطنية والعشائرية في الفرات الأوسط(سعود
المشهد)صاحب المواقف المعروفة في سنين النضال،وعند
عودته إلى منزله في الحلة الساعة السابعة والنصف
مساء،كانت مجموعة من البعثيين يستقلون ثلاث سيارات
،قد نصبوا له كمينا،حيث قام قسم منهم بالاختباء
خلف النخيل والأشجار،ووقف ثلاثة آخرون مع رجل
ألبسوه ملابس النساء،وأوقفوا سيارته بحجة إيصال
تلك المرأة الحامل،ولإنسانيته سمح لهم بالصعود إلى
السيارة،فأنقصوا عليه وأوثقوه،وعندما التحقت بهم
السيارات الأخرى،أخذوه إلى أمن الحمزة ،ومورست معه
شتى وسائل التعذيب،ولكنه تمكن من الصمود،ولم
يتمكنوا من الحصول على المعلومات التي توصلهم
لرفاقه الآخرين،وقد كسرت أسنانه وشج رأسه من جراء
التعذيب ،ثم نقلوه بسيارته إلى الطريق الموصل
لقريته،ورمي مع سيارته في أحد المبازل،وقد وجدت
جثته بعيدة عن سيارته بمسافة 150 مترا مما يدل على
افتعال الحادث،وقد فوجئنا يومها بنبأ استشهاده،في
محيط عشيرته وفي أراضيها،وقد راجت شائعات في
وقتها،بتورط بعض أهالي المنطقة،وتعاونهم مع القوى
الأمنية،وقامت الحكومة بالتلاعب بالتحقيق،وحولت
سيره،بإخفاء المعلومات واثبات وفاته غرقا،دون
الإشارة إلى آثار التعذيب الظاهرة على جسده،وسجل
الحادث قضاءأ وقدرا،رغم وجود الكثير من الدلائل
التي تشير إلى وجود أيدي قذرة خلف الحادث،وقد
تعرضت أسرته آنذاك إلى مضايقات السلطة
الصدامية،وأقدمت السلطات على اعتقال شقيقه الشهيد
عبد الحسين في 9/4/1991 لمشاركته في انتفاضة آذار
الباسلة مع زميليه الشهيدين،أنور سعود مشهد،وأركان
سعود مشهد،وغابت آثارهم لحد الآن.
لقد كان الشهيد(أبو سلام) صادق الود،عف الضمير
واللسان،لطيف العبارة،غني النفس،موفور الحس
والشعور،شديد التعلق بأصدقائه ورفاقه،كريم النفس
،يبذل ما يستطيع من أجل الآخرين،لذلك تحلق حوله
الكثيرون،وامتدت علاقاته إلى أوساط واسعة من مختلف
الشرائح الاجتماعية،عرفته عن قرب من خلال علاقته
بشقيقي الأكبر(أبو حسنين)الذي كان يرتبط معه
بعلائق قوية،كان لوحدة الانتماء،وتوافق التوجهات
،أثر في أطرادها ومتانتها،وقد بين لي الكثير من
مواقفه النضالية الرائعة،والأدوار التي لعبها
الشهيد الكريم،وقدراته التنظيمية،واندفاعه إلى حد
المغالاة،مما جعل داره،ومنطقته العشائرية،ملاذ
للكثير من المناضلين الذين قارعوا السلطة بعد
انهيار التجربة الجبهوية.
لك المجد والخلود أيها الراحل الكريم،فقد أديت ما
عليك وصنت الأمانة،وناضلت بما يليق بمن يحمل أسم
الشيوعي،وهاهي صورتك المعلقة إلى جانب صورة شقيقك
عبد الحسين في مقر الحزب الشيوعي،تثير في نفوس
رفاقك وأحبتك وأصدقائك الكثير من الذكريات،عن أيام
النضال،ومقارعة الدكتاتورية الغاشمة،فنم قرير
العين،فلا زالت الراية التي استشهدت تحت لواءها
خفاقة في سماء العراق،وهاهم رفاقك الأشاوس يناضلون
بعزم وصلابة من أجل بناء وطنهم،وإسعاد شعبهم،على
ما عهدتهم من الرجولة والأمانة والنزاهة والتضحية
ونكران ألذات،وعهدا سنكون كما كنا،أبناء بررة
لوطننا العزيز،ولن نتوانى مهما كانت الظروف عن
المسير في ذات الدرب،درب الحرية والنضال من أجل
بناء وطن حر وشعب سعيد.
شيوعي... ولكن خارج التنظيم
للأهل والأقارب والأصدقاء تأثيرهم على فكر الإنسان
وتحديد توجهاته،وهذا التأثير يتولد بدافع الإعجاب
أو المحاكاة ،لذلك يكون للأخ الأكبر تأثيره على
أخوانه،وللوالد تأثيره على أسرته،وقد يمتد هذا
التأثير ليغير الكثير من مسارات حياة
الإنسان،ويدفعه لولوج دروب لم يفكر بها في يوم من
الأيام،وعن هذا الطريق جرى كسب الكثيرين لصفوف
الحزب بتأثير من أقاربهم أو أهلهم أو زملائهم
،وخصوصا إذا كان لهؤلاء تأثيرهم الاجتماعي والفكري
،لذلك كان للرفيق مهدي صالح الزيادي تأثيره
المباشر على توجهات أبن خالته الرفيق المربي عبد
المولى جليل،فقد أتخذه مثلا أعلى في السيرة
والسلوك والمبادئ،فكان منذ نعومة أظفاره متأثرا
بالفكر الاشتراكي والشيوعي اقتداء به وتأثرا
بأفكاره،وكان لشدة اندفاعه أثره في تطلعاته
الثورية التي لا تتناسب وطالب في المرحلة
المتوسطة،فقد حاول أن يكون تنظيما وطنيا في متوسطة
الحلة يوم لم يكن بعمر يؤهله لدخول المعترك
السياسي،لكن محاولته لم يكتب لها النجاح لعدم
إلمامه بكيفية قيادة التنظيم،وما أن عرف بوجود
تنظيم شيوعي حتى أنتظم فيه وهو في الثالث
المتوسط،ولنشاطه المتميز منح شرف العضوية في العام
التالي،وفوجئ ذات يوم بخبر إلقاء القبض على مجموعة
من الرفاق في وكر حزبي في مدينة الحلة،منهم الرفيق
حسين سلطان،وأوامر بالركون إلى الهدوء،والتأني في
العمل الحزبي،والخلود إلى الراحة لحين أنجلاء
الأوضاع ومرور العاصفة،فأقترح على هيئته تشكيل
مجموعة مسلحة لمهاجمة مركز الشرطة وإنقاذ
المعتقلين،وكان اندفاعه الثوري مرفوضا في تلك
المرحلة لابتعاد الحزب عن الكفاح المسلح وانتهاجه
الطريق السلمي لتغيير الأوضاع وتحقيق مطالب
الجماهير ،رغم القسوة المفرطة التي يواجهها الحزب
من قبل السلطة الملكية العميلة،وكان ليساريته
المندفعة أثرها في بلورة أفكار لا تنسجم وسياسة
الحزب،فقد أقترح ذات يوم تشكيل مجاميع مسلحة
لإسناد الحركة الوطنية فرفض الحزب،وعرض أفكاره على
الفقيد حمزة محمد الغركان وهو من الشيوعيين
الأوائل العاملين مع الخالد فهد،فقال له"إذا طبقت
الفكرة فاعتبرني جنديا عندك" وأمام أفكاره
المتطرفة التي لا تماشي أفكار الحزب جاءه أحد
أعضاء لجنة الفرات الأوسط والتقى به في دار
المرحوم (هادي حميد طخه) في محلة المهدية،وحاول
أثناءه عن أفكاره التي لا تتلاءم وطبيعة المرحلة
الراهنة،التي تتطلب نضالا سلميا يهيئ الظروف لحركة
مسلحة تتمكن من تغيير الأوضاع،لأن الوضع الحالي لا
يحتمل وجود تنظيم مسلح،لعدم توفر الظروف الذاتية
والموضوعية لمثل هذه الأمور،وبسبب أفكاره المتطرفة
وروحه الهجومية كانت علاقاته متوترة مع مدير
الإعدادية،وأثر مشادة كلامية فصل من المدرسة
لتطاوله على مديرها،فحاول البعض التوسط له،ولكنه
رفض هذه الوساطة،وأبلغ المدير برفضه لأي وساطة لأن
التعليم حق مشروع للجميع،لذلك أضطر لترك مدينته
والذهاب إلى بغداد للبحث عن عمل بعد أن ضاقت بوجهه
المسالك،ومر بظروف صعبة وأوقات عصيبة،ولحسن حظه
التقى مصادفة برفيقه وصديقه (عزيز القيم) الذي
تمكن من أيجاد عمل له في معمل زكريا ناصر شاشا
،الإنسان الطيب الذي وفر له ما يعينه على مواجهة
أعباء الحياة،ولم ينقطع عن التنظيم في تلك الفترة
فكانت علاقته فردية،لعدم انتظامه في خلية بسبب
أفكاره المتطرفة التي لا تنسجم مع سياسة الحزب،وقد
أوقف عدة مرات،,استدعي مرات ومرات،وأهمها عندما
أعتقل مع جماعة أنصار السلام،مع الشيخ الجليل
الراحل عبد الكريم الماشطة،وحوكم أمام المحكمة
العسكرية في بغداد،وأمام حاكم الجزاء في الحلة،وله
موقف يذكر مع مدير الأمن أنور ثامر عندما هاجمه في
ساعة غضب بتهور،ولكن مدير الأمن أمتص غضبه ولم
يحاسبه على ما تفوه به من كلمات رغم وحشيته وحقده
على الشيوعيين.
وقد ذكر الدكتور عدنان الظاهر في ذكرياته عن أيام
الدراسة معه"دخلنا في عام 1948 الصف الأول في
متوسطة الحلة للبنين سوية وكان معنا ضمن مجموعة
الصف الأول(أ) المرحوم هادي حميد طخة،والمربي
والصديق فاهم حسين سرحان،الذي تفضل الأخ العزيز
ذياب آل غلام وذكره في مقالة سابقة،والطبيب نعمة
العكام ،والمحامي طارق الحلي والدبلوماسي قيس نايف
الكرخي،وغيرهم ممن مارس التعليم وكان عبد المولى
منهم،وكان معروفا بصوته الجهوري المخيف،وبعينيه
الواسعتين جدا،وشاربيه الكثين،ومتانة جسده،وقامته
المربوعة،وكان يشعر أنه ذو ميزة على باقي زملائه
في المدرسة لأن عمه مختار محلة الجامعين وربما
الطاق أيضا،وكان لمخاتير ذلك الزمان صولات على
الصعيدين الأهلي والحكومي،وكان جريئا جسورا لكنه
ما كان عدوانيا،ولم تعتد على أحد من زملائه،وكان
عبد الحميد الفلوجي هو مدير المدرسة وكان على خلاف
معه.
وعندما أكمل دراسته وقدم طلبا للتعين في السلك
التعليمي،لم يستطع الحصول على شهادة حسن
السلوك،وهي وثيقة مهمة لطالبي التعيين،وتشاء
الأقدار أن يحدث كسر في أنبوب الماء المجاور لداره
مما أدى إلى سقوطها،فضاقت في وجهه السبل وعاكسته
الأقدار،فهيأ طلبا لوزير الداخلية لإسقاط الجنسية
عنه وإخراجه من العراق،ولكن تمكن بعض الطيبين من
أكمال شهادة حسن السلوك من بغداد بدلا من مدينته
الحلة،وعين معلما في مدرسة ابتدائية،وكانت علاقته
بالتنظيم شبه مشلولة،وارتباطه فرديا،بسبب اندفاعه
وثوريته التي لا تناسب المرحلة،وبعد ثورة 14 تموز
1958 أتصل به الرفيق (حمد الله) للتداول في العمل
الحزبي في ظل التغييرات الجديدة،ولكن الانفراج
والشعبية الكاسحة للحزب الشيوعي أظهرت
العجب،فشعبية الحزب وجماهيريته أوسع من مقدرة
وكفاءة القيادة،بحيث غرقت القيادة في بحر
الجماهيرية،وأرتبك الضبط،وظهرت تصرفات لأناس
بعيدين عن الحزب سابقا،حملت في طياتها الكثير مما
يسيء للحزب،وظهرت تصرفات غير متزنة لأشخاص تسوروا
الحزب من بابه الخلفية وأصبحوا في المقدمة من
الجماهير،دون أن يكون لديهم الأهلية في السيطرة
على الوضع،بل أن هؤلاء أخذوا يسيئون للحزب
بتصرفاتهم البعيدة عن المثل الشيوعية،فكتب رسائل
عديدة لمعالجة مواطن الخلل،ولكن دون جدوى،مما جعل
صلته ضعيفة بالحزب،وانقطعت صلته التنظيمية أواخر
عام 1959 على أثر انفلات تنظيمي يتحمل
مسئوليته،دون أن يسيء للحزب بشيء وظلت علاقته
الطيبة بالحزب،ومشاركا فاعلا في النشاطات المهنية
للنقابة ،وكان من الناشطين في نقابة
المعلمين،وشارك في معاركها الانتخابية بما عرف عنه
من جرأة واندفاع،وقد ذكر الدكتور الظاهر"كلفني
الرفيق والصديق عدنان أحمد دنان الاتصال بعبد
المولى جليل للاشتراك في القائمة المهنية
المتحدة،،ذهبت إليه في محلة الجامعين حيث سكناه في
بيتهم القديم،فالتقيت به في الشارع العام هناك
مقابل مقهى الصديق"حسوني آل حجاب" أو مقهى صفي
الدين كما كانت تسمى يوم ذاك،فاتحته بالموضوع
ففوجئ ..ذهل..أغمض عينيه نصف أغماضة،شرد بعيدا عني
،وكنت أراقب بدقة حقيقة ما كان يدور في ذهنه وما
فيه من خلجات وذكريات عزيزة عليه،سألني بلطف وبصوت
جد خفيض مع شيء من الانكسار"هل صحيح أن الحزب كلفك
بمفاتحتي بهذا الأمر" ما كان ليصدق أن مكانته لم
تزل عالية في صفوف رفاق الحزب،وأن ثقة الحزب فيه
مضمونة،قال موافق سجلوني معكم،ثم أضاف هل تدري كنت
يوما مسئول لجنة مدينة الحلة الحزبية،وقد افتعلت
السلطة صيف 1961 حادثا غير مسبوق،وقامت بحملة
اعتقالات لمجموعة كبيرة من مرشحي قائمتنا وبعض
أنصارنا دون أن توجه لهم أي تهمة،فلقد كان من بين
من أتذكر منهم المدرس حميد جرس"من أهالي البصرة"
والشيوعي المقدام المعلم عبد الوهاب غني
القاضي(الصفار) والمعلم المعروف عبد المولى
جليل،والكاسب الشيوعي السيد فاضل المرعب،وبعد
أسبوعين حشر معهم المعلم الشيوعي المتفرغ للحزب
المرحوم عباس مجيد البياتي،قلت لم توجه إليهم أي
تهمة فأمضوا في معتقل مركز شرطة الحلة أكثر من
شهرين من شهور الصيف القائضة،لم يعتد عليهم
أحد،لكنهم تعرضوا جميعا لأنواع من الاستفزازات
الكلامية،طيب ولكن ما ذنب رجل كاسب وما علاقته مع
المعلمين ونقابتهم،ربما لأنه والد الشيوعي عباس
المرعب الذي كان يوم ذاك طالبا في كلية التربية
جامعة بغداد)عن مذكرات الدكتور عدنان الطاهر،
وبعد انقلاب 8 شباط 1963 الأسود أوقف أكثر من سبعة
أشهر،وسحبت يده من الوظيفة،وبعد خروجه بكفالة أعيد
لوظيفته ونقل إلى الشطرة في محافظة ذي قار،ثم نقل
إلى المدحتية،وظل محل مراقبة السلطة رغم علمها
بعدم ممارسته لأي نشاط سياسي غير المشاركة في
النشاطات المهنية للنقابة،وبعد قيام الجبهة أتصل
به الشهيد فاضل وتوت وطلب منه العودة إلى
الحزب،إلا أن معارضته للتحالف جعلته يبتعد عن
التنظيم والنشاط المهني،ولكنه ظل لصيقا بالمبادئ
التي آمن وناضل من أجلها،وظل شيوعيا وأن كان خارج
التنظيم.
مدير شرطة فهد..يتذكر...
ما أجمل أن يتذكر جيل الرواد أيام النضال
التليد،والكفاح البطولي من أجل المثل العليا
والمبادئ التي نذروا أنفسهم لها،وضحوا بالغالي
والنفيس من أجلها،ووضعوا أرواحهم على أكفهم،لم
تثنيهم السجون بأهوالها ولا المعتقلات وما يجري
فيها،أو تردعهم أقبية وزنازين الطغاة،أو ترعبهم
سياط الجلادين ووسائل تعذيبهم البشعة،فكانوا
يسيرون وأعينهم ترنوا إلى الشمس المنيرة،شمس
الشيوعية المشرقة في العراق،أملين أن لا تأفل هذه
الشمس حتى تطهر أشعتها الذهبية بلدهم من ألأدران
الخبيثة التي زرعها المستعمرون والعملاء
والرجعيون،وأن يبصروا ما ناضلوا من أجله قد تحقق
لينعم الشعب بالأمن والخير ولرفاه،ويتحرر الوطن من
أغلال الذل والاستعباد.
وفي العراق كثيرون كان لهم شرف الريادة والأسبقية
في الكفاح الوطني،ومن هؤلاء الرفيق هاشم جلاب
الغريباوي،الذي عرف عبر عمره المديد بأبي نزار
والفضلي والواسطي والحياوي واللقب الحبيب إلى نفسه
"مدير شرطة فهد "الذي أطلق عليه عندما كان في
السجن مع الرفيق الخالد فهد ملازما له،وانصرافه
لتنفيذ ما يتطلبه الموقف من مستلزمات،بما توفرت له
من قوة بدنية،وقدرة على المناورة والابتكار.
ولد الرفيق أبو نزار في ريف قضاء الحي التابع
للواء الكوت(محافظة واسط)حاليا،في أسرة
فلاحية،عانت ما عانت من ظلم الإقطاع وتسلطه
وجبروته،فكان يحمل في داخله ما يحمله للوقوف ضد
تطلعاتها،فانغرس في داخله كره الظلم
والظالمين،فكان ذلك البداية في التفكير بأساليب
الخلاص منه ومواجهته بما يحقق الغد المشرق السعيد
لملايين الحفاة الذين أضناهم العمل الشاق،دون أن
يجنوا ثمار جهودهم،بسبب الظلم الذي أحاق بهم،وجور
الملاكين ومن يلوذ بهم من الأتباع الذين تعاملوا
معهم معاملة لا إنسانية، كمعاملة الأرقاء،وكان
يشاهد بأم عينيه صور الظلم والفظائع التي تجري كل
يوم،وكيف كان للإقطاعي سجنه الخاص،وأتباعه القساة
الذين مارسوا أبشع الأساليب مع الفلاحين،ولاحظ كيف
يعمل الفلاح وعائلته طيلة العام ولا يجني من
أعماله ما يسد رمقه أو يدفع عنه غائلة الجوع
والحرمان،وتذهب جهوده إلى الجيوب التي تصرفها في
الملاهي وموائد القمار،وكان لوالده توجهاته
الوطنية،وتطلعاته لأن يكون أبنه شيئا ذو
بال،فأدخله المدرسة،فكان واحدا من الطلبة
المتميزين فيها،مما أهله للانتقال إلى
الثانوية،فكانت ثانوية العمارة خير معين له على أن
يتفوق على أنداده وزملائه،فكان رياضيا مارس
الألعاب المختلفة،وأصبح رئيسا لفريق كرة
القدم،ولاعبا في فرق السلة والطائرة،وشارك في سباق
الدراجات فكان في المقدمة منهم،وفي العاب الساحة
والميدان كان الأول في رمي الرمح،ولنشأته بين
الجداول والأنهار ومهارته في السباحة كان الأول في
مسابقتها السنوية،وبفضل الرياضة ومدرسها الأستاذ
سيد موسى محمد نور كان لقائه الأول مع الحزب الذي
سمع به فرآه متمثلا في شخص أستاذه ذي الشخصية
المتميزة الرصينة الحبيبة إلى النفوس،فكان أن
توطدت علاقته بأستاذه الجليل والطريق للدخول من
باب الحزب الكبير،وكان ذلك أواخر ثلاثينيات القرن
الماضي،وبدء يزوده بالأدبيات الشيوعية،ويحدثه عن
الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية والأممية
والبروليتاريا،وفائض القيمة والصراع الطبقي،إلى
غير ذلك من المصطلحات التي لم يسمع بها سابقا،وقد
وجدت هذه الأفكار طريقها إلى نفسه وعقله والأرض
الخصبة لنمائها وديمومتها،لما كانت تنتهجه السلطة
العميلة في تعاملها مع المواطنين،فكان الفرد
العراقي لا يجد ما يقيم أوده في الوقت الذي يهيمن
حفنة من المغامرين وقطاع الطرق على مقدرات
البلاد،ويحتجنون لأنفسهم ثرواته الطائلة لتصرف على
ملاذهم ولياليهم الحمراء الصاخبة،وكان التمايز
الطبقي حادا في تلك الفترة،لاحتكار الأراضي
الزراعية من قبل الملاكين والإقطاعيين الذين باعوا
أنفسهم للمستعمرين،وارتبطوا بصورة أو أخرى بعجلة
النظام،ينفذون أوامره ونواهيه،دون الالتفات للشعب
الذي أنهكته الأمراض وأفترسه الجهل،ودمره
التخلف،وأرهقه العوز،وذاق العنت والاضطهاد،وأخذ
بالتحرك الحذر بين زملائه يبصرهم بالواقع
المأساوي،ويدعوهم لما آمن به،فكانت الاستجابة لا
يأس بها،وتمكن في الأقل من استمالة الكثيرين منهم
إلى هذه المبادئ،ليكونوا في المستقبل نواة
التنظيمات الأولى للحزب،ويصبحوا في المقدمة من
قادته وكوادره الذين يشار لهم بالبنان.
وبعد ذلك أنتقل للعمل في مصلحة نقل الركاب بعد أن
يسر له الحزب الحصول على الوظيفة،وأصبح مفتشا
فيها،وهيأ لإضراب عام شارك فيه العاملين في
المصلحة ،مطالبين بزيادة الأجور وتقليص ساعات
العمل وإلغاء الفصل الكيفي،وقد تبنى الحزب الإضراب
وطاب منه إلقاء البيان إلا أنه تعذر عليه ذلك بسبب
الظروف السائدة آنذاك ،وكان أن أذيع البيان وأرسلت
نسخ منه إلى الصحافة المحلية،داعيا إلى تلبية
طلبات المضربين،وقد حقق الإضراب أهدافه واضطرت
الحكومة أمام الوقفة الحازمة للعمال على الرضوخ
لمطالبهم،وقد عمل في تلك الفترة في مناطق متعددة
من بغداد ،وأنيط به مسئولية الكرادة الشرقية،وقاد
تنظيمها في أواسط الأربعينيات،ومناطق البو
شجاع،رخيتة،خربنده،أبو أقلام،حسن
الحمد،الزوية،وكان يرتبط مباشرة بالرفيق زكي محمد
بسيم عضو المكتب السياسي،ويلتقي به في دائرته
الكائنة في الميدان،وقد القي القبض على مجموعة من
الرفاق في قضاء الحي وبحوزتهم جريدة القاعدة وبعض
أدبيات الحزب،وتحت التعذيب اعترفوا بارتباطهم
به،وأنه من زودهم بها،وأودع في سجن الكوت بعد أن
حكم عليه بالحبس وأبعاده إلى بدرة بعد انتهاء
محكومتيه،وعندما دخل السجن كان الرفيق فهد ضمن
السجناء،وكان على علاقة سابقة به وبالرفيق زكي
محمد بسيم،فكان خير عون لهم في تلبية
احتياجاتهم،وتنظيم مراسلاتهم مع الخارج لما يتمتع
به قدرة على التعامل مع الأمور والمتغيرات التي
تطرأ على حياة المناضلين،وكانت الرسائل تأتيهم من
الخارج،بطرق لا يستطيع الاهتداء إليها الحراس
والمكلفين بمراقبتهم،وتمكنوا من إرسال التعليمات
إلى الخارج،لقدرتهم على أبتداع الطرق وابتكار
الوسائل والتكيف مع الحياة الجديدة،وكان السجن
مدرسة للمناضلين تعلم من خلاله الكثيرون أساليب
العمل السري،وطرق التخفي وأساليب النضال والعمل
بين الجماهير حسب الظروف المتاحة،في الوقت الذي
تمكن السجناء الشيوعيين من استمالة وكسب الكثير من
السجناء العاديين،والمتهمين بجرائم جنائية،وأصبحوا
من خيرة المناضلين والناشطين في صفوف الحزب،وأصلحت
أمورهم وتركوا الكثير من العادات التي كانوا عليها
،وقد طلب الرفيق فهد تعليم الأميين منهم القراءة
والكتابة،وفتحت لذلك دروس محو الأمية،وأعطاهم
دروسا في الفلسفة الماركسية وتاريخ الحزب الشيوعي
في الاتحاد السوفيتي،إضافة لما قام به الكوادر
والمثقفين من جهود مكثفة في أخراج جيل من
المناضلين،أصبحوا فيما بعد من أشد المناضلين صلابة
وقدرة على العمل والصمود في أحلك الظروف،وقد أشترك
أبو نزار بدورة في الاقتصاد السياسي حاضر فيها
الرفيق الشهيد زكي محمد بسيم،وأشرف عليها الخالد
فهد.
وكان ضيفا على مختلف السجون العراقية ،متنقلا
بينها بسبب خشية النظام البائد من هروب السجناء
،أو اختلاطهم بالعاديين بعد أن أصبح السجن مدرسة
لتخريج الشيوعيين،لذلك نقل إلى سجن بعقوبة،ثم إلى
سجن كركوك حيث التقى هناك بالعديد من الرفاق
الكورد والتركمان وأصبحت له معهم علائق قوية،وكان
يطلق عليه لقب الواسطي لكونه من أهالي واسط،أما في
سجن العمارة فكان يطلق عليه ألفضلي نسبة إلى عشيرة
الفضول التي ينتسب لها (آل غريب)ويكنى بأبي نزار
من معارفه وأصدقائه ورفاقه،وبعد نجاح الرفاق
بالهروب من سجن بعقوبة وسجن بغداد أو أثناء
إرسالهم إلى المحاكم ،قررت السلطة العميلة إرسال
السجناء الشيوعيين إلى سجن نقرة السلمان،فكان له
شرف النقل إلى هناك مع خيرة المناضلين،وقد تعلم في
هذه السجون الكثير مما نفعه في قابل حياته،وما سمع
من تجارب الآخرين وما مر بهم في حياتهم
النضالية،وكان لسجن نقرة السلمان أثره الخاص في
تكوينه،وإنماء معارفه النظرية والعملية،فقد كان
أشبه بالمعهد أو الجامعة التي تؤهل المناضلين
وتزيد من معارفهم،فقد شارك بدورة في الفلسفة
الماركسية،وأستطاع الإلمام بها بفضل الطرق
المبتكرة في إيصال المعلومات من خلال الشواهد
الحية في حياة الإنسان،ودرس الاقتصاد السياسي وجال
في شعابه الكثيرة،فكان الصراع الطبقي وفائض القيمة
ودكتاتورية البروليتاريا والمادية الجدلية
والمادية التاريخية قريبة إلى الفهم بما تهيأ
لمدرسيها من قدرات على الإفهام والتعليم بأساليب
قريبة من فهم الإنسان متوسط الثقافة،إضافة
للاحتفالات الأدبية والفعاليات الفنية التي كان
السجناء الشيوعيين يحيونها في المناسبات الوطنية
والأممية،فكان السجن المدرسة الكبرى التي أهلته
للنهوض بالأعباء الكبيرة التي كلف بها بعد ثورة
الرابع عشر من تموز المجيدة.
وقد أبعد إلى بدرة بعد خروجه من السجن لمدة سنة
واحدة،كان عليه التوقيع صباحا ومساء في مركز
الشرطة،وتشاء الأقدار أن يحدث فيضان في المدينة
وتسقط ابنة القائمقام في الماء وكادت أن تغرق ،إلا
أنه بما جيل عليه من نخوة وحمية رمى بنفسه في
الماء لإنقاذها،وفعلا تمكن من ذلك لأجادته
السباحة،فأرسل وراءه القائمقام وقدم له الشكر
وسأله عن عشيرته فقال له أني من عشيرة الفضول وكان
القائمقام فضليا من أهالي حديثة،فقال له أنت أبن
عمي ولذلك من الآن فصاعدا أنت معفي من الحضور
للتوقيع اليومي في مركز الشرطة.
وقد أنتدبه الحزب للعمل في مدينته الحي في
الأربعينيات،فقام بما أوكل إليه خير قيام،وتمكن من
كسب الكثيرين للحزب،وشكلت الخلايا في المدينة
وأريافها،وبرز الكثير من الشيوعيين الناشطين منهم
عبد الرضا الملا هويش،وكاظم نصيف،ونجم محمد ورزاق
جمعه،وعندما صدر قرار التقسيم سنة 1948 نظمت
مظاهرة حاشدة،كان الشيوعيين وأنصارهم في
مقدمتها،والداعين إليها وقد فرقتها الشرطة بالقوة
مما يدل على التواطيء بين حكومة بغداد
والصهاينة،وكان الرفيق أبو نزار من المشاركين في
عصبة مكافحة الصهيونية التي كانت أحدى الواجهات
العلنية للحزب الشيوعي العراقي غير المجاز والذي
يمارس نشاطه السياسي سرا.
ولمتطلبات الحياة وتأمين مستلزمات المعيشة أفتتح
مقهى في مدينة الحي،أصبحت بمرور الأيام مقرا
للشيوعيين واليساريين والديمقراطيين والفئات
الوطنية الأخرى ،وكان لها أثرها في بث الوعي
الفكري بما عرف عن الشيوعيين من قدرات ثقافية
فذة،ومساهمات في نشر العلم والمعرفة بين
الجماهير،وكان روادها من خيرة مثقفي
المدينة،واستغلت هذه المقهى للنشاطات الحزبية
المختلفة،ومن خلالها يتم تحديد المواعيد للقادمين
إلى المدينة،رغم أنها كانت عرضة للمراقبة والتفتيش
من الدولة،وأفتتح مكتبة كانت الأولى بينت مكتبات
المدينة،وساهمت إلى حد كبير في نشر الثقافة
والمعرفة بين الناس وكان يعير الكتب الأدبية
والثقافية لقاء مبالغ رمزية،في الوقت الذي كان
يعير الكتب الماركسية دون مقابل أسهاما منه في نشر
الفكر الماركسي الخلاق،ولنشاطه الكبير وتأثيره
المعروف حاول الإقطاعي المعروف عبد الله
الياسين،الذي كان يحكم المدينة بيد من حديد وبلغ
من جبروته وطغيانه أن أحاطها بسور حتى لا تتوسع في
أراضيه مما أثر بشكل كبير على توسعها وحصول
المواطنين على أراضي لتشييد دور عليها،حاول
التعامل معه كما يتعامل مع فلاحيه،وأراد هدم كوخه
الذي يسكن فيه،فأرسل خلفه جلاوزته،وعندما ذهب إليه
واجهه بكبريائه الشيوعي وجرأته المعروفة،ولم يهن
أمامه أو يستخذي وإنما واجهه مواجهة الند
للند،وكانت مواجهة حامية أضطر على أثرها إلى
التراجع عن موقفه الجبان،لما للرفيق أبو نزار من
تأثير في المدينة وقدرة على تحريك الجماهير، وما
لعشيرته من سطوة يحسب لها حساب في مجتمع عشائري
يعطي لهذه الأمور مكانها الكبير في تفكيره،وكان
اتصاله المباشر بالرفيق زكي محمد بسيم كما بينا
سابقا،فكان يسافر إلى بغداد لاطلاع القيادة على
سير التنظيم،ونشاطات المنظمة،وما يستجد من
أوضاع،وتوجهات الجماهير،وما إلى ذلك مما يحتاجه
الحزب في رسم سياسته العامة.
ومن ذكرياته عن الخالد فهد عندما كان معتقلا معه
في سجن الكوت،وكان معهم الكثير من كوادر الحزب
وقياداته منهم الشاعر الفقيد زاهد محمد،الذي كان
يغني جلساتهم بالرائع من أشعاره وطرائفه،لما توفر
عليه من معلومات أدبية وثقافية،والمناضل المعروف
فوزي الأحمر،والشهيد محمد حسين أبو العيس،وعندما
قام السجناء بإضرابهم عن الطعام جاء مدير السجون
العام لإقناع السجن بإنهاء الإضراب،وهددهم
باستعمال القوة في محاولة منه لإرهابهم،وأن لا
جدوى من الإضراب عن تناول الطعام،فقال له الرفيق
فهد (سنضرب عن تناول الماء أيضا حتى تحقيق
مطالبنا) وكان الرفيق فهد يحضا باحترام مأموري
السجن ومدير السجون،وقد فرض شخصيته عليهم،بما
يمتلك من شخصية قوية حازمة وقدرة على أدارة
الحديث،وما له من شعبية وصيت طائر في العراق.
ما أن انبثقت ثورة الرابع عشر من تموز1958 المجيدة
،حتى أنطلق المارد الشيوعي من قمقمه،فها هو اليوم
الموعود،والحلم الكبير الذي تحقق للعراقيين،بفضل
النضال الجاد للطلائع العراقية الواعية من شيوعيين
وديمقراطيين وقادة عسكريين،ألهبهم الحماس الوطني
للنهوض والانقضاض على حكم العملاء والجواسيس،وكانت
القوى الوطنية قد مهدت للثورة وأعادت إلى الأذهان
قصة السجين البائس الذي التقى بالخالد فهد في
السجن،،وقال له: هل تتصور أنكم قادرين على اقتلاع
هذه السنديانة القوية"نوري السعيد" وأنتم في هذا
المستوى الاجتماعي،في تصور منه بأن الطبقات
الشعبية التي قدر لها أن تنوء تحت وطأت الطبقة
البرجوازية غير قادرة على التغيير لافتقارها إلى
القوى الظاهرة التي تتمتع بها الطبقة
الحاكمة،وكانوا يتجولون في باحة السجن،وكان هناك
وتد مغروس فطلب منه الرفيق فهد اقتلاعه فلم يتمكن
من زحزحته من مكانه أو تحريكه واقتلاعه،فأخذ
الخالد فهد يتحدث معه بأمور شتى،وهم يسيرون جيئة
وذهابا وكلما مر من جانب الوتد ركله برجله،وبعد
قليل طلب منه اقتلاعه فما أسرع ما أقتلعه
بيديه،فقال له وهكذا السلطة إذا أكثرت الطرق عليها
سهل اقتلاعها.
لقد كان لطلائع الشعب الواعية أثرها في التمهيد
للثورة والتحضير لها،وكان للحزب الشيوعي العراقي
علاقته الخاصة بقائد الثورة ،وقد علم الحزب بموعد
الثورة وساعة أ،طلاقها،فأعلن التعبئة العامة بين
كوادره المتقدمة،وطلب منهم التهيؤ للثورة،واتخاذ
الأجراآت الكفيلة بتعبئة الجماهير للدفاع عنها
وإسنادها،لذلك ما أن أذيع البيان الأول للثورة من
دار الإذاعة العراقية،حتى انطلقت جحافل
المجد،وخرجت الأٍسود الشيوعية من مضاربها لتملأ
الشوارع وتمسك بالطرقات وقطع الطريق على الأذناب
والعملاء الذين حاولوا الوقوف بوجهها
وإفشالها،فكانت الجماهير الشعبية وطلائع القوات
المسلحة تجوب شوارع العاصمة لمواجهات احتمالات
التحرك المضاد لأعداء الثورة،ومحاولة
إجهاضها،وانطلقت الجموع لتدك صروح الخيانة
ومرتكزاتها في التفاف بارع على قوات الحكومة ودور
كبار رجال الدولة والقصر الملكي،فكان ما كان من
الانتصار المبين للإرادة الشعبية في إزاحة الكابوس
الجاثم على صدور العراقيين،ونجاح الثورة لتقوم تلك
الطلائع بالتعبئة الجماهيرية التي أرعبت الرجعيين
والموتورين والمدافعين عن الحكم الملكي المقبور،
من رجالاته والإقطاعيين والملاكين وبعض رجال الدين
المرتبطين بالبلاط والحكومة السعيدية،فانزوى أزلام
الحكم البائد في جحورهم ينتظرون مصيرهم الٍود على
أيدي الشعب الذي أذاقوه الويل والثبور في حقبة
مظلمة من الحكم البوليسي القمعي.
وكان أبو نزار في طليعة الجماهير المؤيدة
للثورة،وقاد الجموع في مظاهرات التأييد
والإسناد،ونسب للعمل في محافظة واسط وأصبح رئيسا
للاتحاد العام للجمعيات الفلاحية،ورافق لجان
الإصلاح الزراعي عند توزيع الأراضي على
الفلاحين،وشارك في المؤتمر الأول للإتحاد العام
للجمعيات الفلاحية في العراق،وقام بتقديم زعيم
البلاد لإلقاء كلمة الافتتاح،وشارك في الوفد
الفلاحي الكبير الذي قام بمواجهة الزعيم لتفعيل
قانون الإصلاح الزراعي،وضرورة الإسراع في
تطبيقه،وتوزيع الأراضي على الفلاحين،فأوعز الزعيم
بأشرك ممثل عن الاتحاد يرافق لجان التوزيع،فكان
مشتركا فاعلا في هذه اللجنة وساهم بشكل كبير في
عمليات التوزيع في محافظة واسط.وقد أنتدبه الاتحاد
العام للجمعيات الفلاحية للسفر إلى بلغاريا
للاطلاع على تجربتها في العمل الزراعي وبناء القرى
العصرية للفلاحين والمزارع الجماعية وأساليب
إدارتها،لما للبلد الشقيق من تجارب رائعة في هذا
المجال.
وقد أصبح الجو ممهدا في هذه الفترة لبناء
التنظيمات الحزبية،والتغلغل في المنظمات
الجماهيرية ،فكانت فرصة ذهبية للحزب أن يعمق
تواجده في الشارع العراقي لما يمتلك مت خبرات في
التنظيم،ولكن العلنية تحمل في داخلها الكثير من
السلبيات المضرة،لأن الجماهيرية التي يتمتع بها
الحزب،وقلة الكادر أدى إلى حدوث خلل في التنظيم
ودخول الكثير من العناصر غير المنضبطة التي لم
يعجمها النضال وتصقلها التجارب،فحدثت بعض الأخطاء
التكتيكية التي إساءة إلى التنظيم،وأخذت القوى
المعادية تضخم من بعض الأخطاء الحادثة ،مما أساء
بشكل أو آخر للحزب ومسيرته بسبب العناصر
الانتهازية المندسة في صفوف الحزب،وقلة الوعي
لبعضها،ومحاولة عبد الكريم قاسم الحد من نفوذ
الحزب بسبب التأثير الضاغط للقوى الرجعية
والقومية،فكان تراجع الثورة وانتكاستها،وأخذ عبد
الكريم قاسم بفعل التأثيرات المختلفة التراجع عن
الكثير من القرارات،وأصبح لأذناب العهد المباد
والقوميين والرجعيين تأثيرهم وامتدادهم في جسد
الدولة العراقية،وأصبح قاسم شبه معزول في وزارة
الدفاع،لا يدري بما يحدث خارج بغداد،مما جعل هذه
القوى تخرج من شرنقتها وتحاول الإساءة لأبناء
العراق المخلصين،فكان أن أستحوذ القوميين
والبعثيين والمحسوبين على القوى الدينية على
النقابات المهنية والعمالية والجمعيات
الفلاحية،وتمكنوا من التغلغل في أجهزة
الدولة،والهيمنة على إدارات الألوية والمدن،مما
جعلهم يضيقون الخناق على الشيوعيين،وخصوصا بعد
أحداث الموصل وكركوك،وما الصق بالحزب الشيوعي من
تهم باطلة أعترف بها مؤخرا مروجيها والساعين
لافتعالها،وثبت بطلانها بالأدلة والوثائق حيث ظهر
أن الصور التي أعدتها المخابرات المصرية بإيعاز من
عبد الناصر وروج لها من خلال وسائل إعلامه
بالتعاون مع ما يسمى بالقوميين العرب
والبعثيين،أنها قد التقطت لضحايا الإرهاب الناصري
في مصر وما قامت به حكومته من أعمال منافية لحقوق
الإنسان في تعذيب المعتقلين وقتلهم داخل أقبيته
وسجونه السرية،وقد روج لها على أنها من أعمال
المقومة الشعبية التي كانت في حالة الدفاع عن
النفس إزاء الهجمة الشرسة لحثالات الرجعيين
والعملاء المتعاونين مع الحكومة السورية
والمصرية،وما ثبت من خلال أقوال مدير شرطة كركوك
عن موقف الشيوعيين المجيد من أجل إيقاف المجزرة
التي قام بها الرجعيين بالتعاون مع شركة نفط
كركوك،التي زجت بعملائها لمهاجمة المسيرة هناك،
فكان على المشاركين الدفاع عن أنفسهم بما توفر لهم
من أسلحة بسيطة،ولكنهم انسحبوا من الساحة في
محاولة منهم لتجنب المعركة التي تحاول شركة النفط
أثارتها،مما جعل عملاء الشركة يمارسون دورا
مزدوجا،فقاموا بأعمالهم الجبانة التي ألصقت
بالشيوعيين،فكان لموقف قاسم المتذبذب أثره في
استشراء الدور القذر للقوى المعادية للحزب،فأستعاد
الإقطاع نفوذه في مؤسسات الدولة،وأخذ دوره الطبيعي
في قراراتها،فكانت الاعتقالات التعسفية والفصل
الكيفي،وجند الشيخ بلاسم الياسين جلاوزته لاغتيال
العناصر الشيوعية الناشطة في المحافظة،وشكل عصابات
مدعومة من أدارة اللواء للانتقام من الفلاحين
والناشطين منهم على وجه الخصوص،،واغتيل المناضل
المعروف(عبد شرافة)عندما كان يعمل في حقله،واغتيل
الطالب(حسين) وهو في طريقه إلى بغداد للالتحاق
بمدرسة الصنائع،وأبعد الكثيرون منهم وفي مقدمتهم
الرفيق هاشم جلاب،مما أثر على التنظيم
وفاعليته،رغم أن الرفاق قاموا بأدوار رائعة في فضح
ممارسات السلطة،بإصدار البيانات والكتابة على
الجدران،والتحرك ضمن الحدود التي يستطيعون التحرك
من خلالها،وعدم ترك ساحة النضال،فكانت الاعتقالات
المتوالية للناشطين منهم وأحالتهم إلى المحاكم
العرفية،وإصدار الأحكام المجحفة بحقهم،مما عطل من
تنفيذ قانون الإصلاح الزراعي،وأفسح في المجال لقوى
الإقطاع باختيار الأراضي الصالحة للزراعة،وتوزيع
الأراضي البور على الفلاحين،مما أثر بشكل عام على
مستوى الإنتاج الزراعي،في خطة ذكية من صنائع
الاستعمار وأذنابه لإظهار الفلاحين بمظهر الفاشل
في أدارة أرضه،دون سوط الإقطاعي،وبالتالي أثر
تأثيرا مباشرا على السواق العراقية ومهد الطريق
للعابثين للانقضاض على السلطة ،وكانت للحزب أخطائه
المميتة في عدم اتخاذ أجراء ثوري حاسم في تغيير
الأوضاع واستلام السلطة رغم إمكانياته الشعبية
وكثرة عناصره وأنصاره في القوات المسلحة،ومرافق
الدولة الأخرى،وكان لهذا التماهي أسبابه الخارجية
والداخلية ،وهو ما يستحق دراسة قائمة بذاتها،فكان
كبار موظفي الدولة وهم من العناصر المعادية للحزب
تلفق التهم الباطلة للشيوعيين وتحاول بكل الوسائل
إنهاء نفوذهم في الشارع، وتحركت الجماعات الدينية
لشد أزر هؤلاء لتضررها من القوانين الثورية التي
أضعفت نفوذها،وحدث الإتحاد بين هؤلاء المتضررين
مما أدى إلى أضعاف حكومة قاسم ومهد لإسقاطها في 8
شباط الأسود،فكانت المقاومة الباسلة للشيوعيين في
الدفاع عن حكومة قاسم رغم ما وجهه إليهم من ضربات
خلال السنوات الأخيرة من حكمه،ولو كان لقاسم نظرته
البعيدة المدى لما وصلت الأمور إلى ما وصلت
إليه،ولكن هذه هي طبيعة البرجوازية وتحالفاتها،وما
لمثل هذه التحالفات من أخطاء مميتة لم يستطع الحزب
الاستفادة منها طيلة تاريخه،وعاد للتحالفات
الكارثية التي سنشير إليها في القادم من الذكريات.
جابر جودة مطر... شيء من الماضي
الذكريات جرس يدق في عالم النسيان،وكثيرة هي
الذكريات الحبيبة للنفس،ولكن قد يتناسى الإنسان أو
ينسى،فتذكره الأيام،لذلك كانت للرسالة التي بعثها
ولدنا الحبيب الأستاذ كامران جابر جودة مطر الكثير
في نفسي،وخصوصا بعد أن قرأتها منشورة في موقع تل
أسقف،وتمتعت برؤية صورته الرائعة التي رأيتها
عيانا وهو طفل يحبو أو لا يزال في حجر
والديه،واستعدت ذكرياتي عن والده الراحل الكريم
الأستاذ المربي الفاضل والرفيق الشهيد بوجهه
البشوش الأحمر وعويناته الطبية السميكة وضحكته
الرائعة المجلجلة،وأناقته الفريدة التي لا يدانيه
فيها أحد،وتذكرت أيام طفولتي عندما كنا أخدانا
نلعب في أزقة القاسم الحبيبة،كأننا الطيور البرية
التي لا تحدها حدود أو تردها موانع،وكنا نفترش
الأرض ونسبح في الأنهار،ونلعب في برك مياه
الأمطار،ونصطاد الطيور في أعشاشها،لا نفكر في الغد
ونعيش ليومنا في بلنهية من العيش الكريم،أو نقرأ
في البساتين المتناثرة على أطراف البلدة نأكل من
ثمارها،ونلعب في سواقيها،وكان لشريط الذكريات أن
يستذكر سويعات هانئة جميلة كنا نقضيها معا
لتقاربنا في السن،وما يجمعنا من الروابط الأسرية
الممتدة لعقود من السنين، وهذه الذكريات الحبيبة
آن لي استذكارها وأن كنت أحاول أن الم شتات ما
تناثر منها لدى أصدقاء الطفولة ورفاق الدرب،وما
تختزنه ذاكرة الأحبة من أبناء مدينتي الذين لا
زالوا يحتفظون بالجميل منها،لذلك سأستذكر أخي
الكريم وزوجته الفاضلة التي تربطنا بها الكثير من
الوشائج والعلاقات الأسرية التي لن تمحوها الأيام.
لقد كان للفقيد الكريم أطيب الذكرى في نفوسنا،بما
عرف عنه من سماحة ورقة وطيبة وخلق رضي ونفس سمحة
وميل إلى الدعابة المحببة،عرفته صغيرا وفقدته
كبيرا له أثره في المجتمع،فقد كان من الطلائع
الوطنية التي أرست الأسس المتينة لبناء
المجتمع،وكان مشاركا في الكثير من الأحداث
والمناسبات الوطنية منذ نعومة أظفاره،بانحيازه
لصفوف الكادحين والطبقات المسحوقة،عرف بجرأته
وتفانيه وإخلاصه واندفاعه ومبدئيته،وكانت هذه
الأمور وراء ما جرى من أحداث أدت إلى تشريد هذه
العائلة الكريمة وأبعادها عن بلدها الحبيب وتغيبه
في سجون النظام العاتي،لا لشيء إلا لمواقفه
الوطنية وانحيازه السافر إلى الركب الوطني الخالد
وطلائع الشيوعية التي قادت النضال الوطني
لعقود،فكان مشاركا في الأحداث في سن مبكرة،بسبب
شقيقه الأكبر الذي انتمى للحزب الشيوعي أواخر
خمسينيات القرن الماضي،فكنا نحن الأحداث نكلف بعد
تراجع الحكومة وتذبذب مواقفها، بلصق الشعارات على
الجدران أو توزيع البيانات على المنازل،دون أن
تستطيع السلطة مراقبتنا أو الإمساك بنا لما نحمل
من شقاوة صبيانية وقدرات على الهروب والتخلص عند
المطاردة،وكانت بيوت المدينة تلك الأيام مفتوحة
للجميع لسلامة النفوس وطهارة الناس،وكان من يكبرنا
في السن يطلب منا الوقوف والمراقبة والأخبار عند
مجيء أحد عندما يقومون بالكتابة على الجدران،وكان
الفقيد أبو كاميران معروف بالجسارة والجرأة فكان
أكثرنا قدرة على تسلق أعمدة الكهرباء لتعليق
البيانات في أعلا الأعمدة حتى لا يستطيع أحد
أنزالها،وعندما أصبح في الثانوية كان من أكثر
الاتحاديين حماسة في العمل مما أهله للحصول على
العضوية في سن جد مبكرة،وبعد تخرجه عين معلما حسب
العادة ،ونسب للعمل في بغداد البعيدة عن
مدينته،فاضطر للسكن في غرفة في منطقة الحيدر
خانة،كنت ألتقية فيها عند وجودي في بغداد،وكان على
ما عهدته من الوفاء لمبادئه والقيم الشريفة التي
آمن بها في سن مبكرة،ولم تتمكن السلطة العميلة من
إسقاطه كما أسقط الكثيرون،وظل على ثباته مما جعلهم
يضمرون له الكيد والأذى،حتى كانت الحرب الجائرة
على إيران،فأهتبلوها فرصة للخلاص من شرفاء
العراقيين وطلائعهم الثورية المناضلة،فكان في
الوجبة الأولى من المسفرين إلى إيران،ليس لقوميته
الفارسية كما يدعي النظام،ولكن لأنتماءهم الوطني
ومعارضتهم للسلطة،وكانت الأحزان تعم المدينة
المنكوبة لاحتجاز أبناءها وتسفير عوائلهم بهذه
الحجج الواهية،رغم أن الجميع يعلم أن هؤلاء لم
يكونوا فرسا وإنما هم عراقيون أصليون من أحبتنا
الكرد الفيلية الذين ابتلاهم النظام وقلب لهم ظهر
المجن لمواقفهم المناهضة له،وبسبب انتمائهم
السياسي والمذهبي،وللأسف الشديد لم يستطع الكورد
الفيلية لحد الآن الحصول على حقوقهم لأنهم لدى
العرب فرسا ولدى الفرس عربا وهذه المعادلة أضرت
بهم لأنهم لم يستطيعوا توحيد جهودهم والعودة إلى
جذورهم الحقيقية بانتمائهم لقوميتهم الأم
الكوردية،التي يستطيعون من خلال توحدهم خلفها نيل
أستحققاهم والحصول على حقوقهم فضاعوا بين المذهب
والقومية وهذا هو الخطأ الكبير.
وقد قام النظام البائد باحتجاز الشباب وتسفير
النساء والأطفال وكان جابر بين المحتجزين،وكنا
نتابع أخباره بعد احتجازه حتى ضاعت أخيارهم في سنة
1984 ولكن تواترت معلومات غير مؤكدة عن قيام
النظام الساقط بإرسالهم إلى جبهات القتال في منطقة
البسيتين وتقديمهم أمام الجيوش لتفجير حقول
الألغام،فيما قضى البعض الآخر في التعذيب الوحشي
الذي مورس معهم،أو في التجارب الكيماوية التي أقدم
عليها النظام في صناعاته لأسلحة الدمار
الشامل،وكنا نحاول تكذيب الأخبار على أمل خروجهم
بعد سقوط النظام ،ولكن بعد سقوط الصنم عرفنا
الحقيقة المرة وصدقت المعلومات السابقة التي أشارت
إلى تصفيتهم،وقد عادت زوجته بعد سقوط النظام إلى
العراق على أمل العثور على زوجها بين الأحياء
وعندما عرفت الحقيقة المذهلة اضطرت للعودة إلى
إيران بعد أن كانت تمني نفسها وأبنائها بالعثور
على والدهم الكريم،ولم التقي بهم بسبب رقودي في
المستشفى تلك الأيام ،وللأسف الشديد فالحكومة
العراقية التي تاجرت بقضية الشهداء والكتل
البرلمانية التي زايدت بمأساتهم كانت وراء التهميش
والإهمال الذي قوبلت به عوائل الشهداء،ولا زالت
عوائل الكرام من شهداء الوطن تعاني الأمرين في
حياتها بسبب تناسي الحقوق المشروعة لهم والمتاجرة
بمعاناتهم من تجار الرقيق السياسي الذي أفرزته
المرحلة الحالية لسياسيين لا هم لهم إلا أرضاء
رغباتهم الخاصة والعناية بأتباعهم،وتناسي وقود
الثورة التي أوصلتهم إلى الحكم،وما معانات الكرد
الفيلية في العراق إلا جزء من معاناة جميع الشرفاء
الذين تضرروا في مختلف العهود والأزمان لأنهم
يعيشون بإباء وشمم في زمن تسلق فيه الانتهازيون
سلالم المجد من الراقصين على جميع الأنغام.
لك الذكر الطيب أيها الراحل الكريم فقد أثمر الغرس
الذي غرسته وأينعت الثمار التي أملتها وهاهو ولدك
الرائع يصارع عاديات الزمن ليزرع الأرض
الحجرية،لتنبت الورود والأزاهير ليعطر رياها جنبات
العراق الكبير.
امرأة من بلادي
شاركت الكثير من النساء العراقيات في الحركة
الوطنية،لا عن وعي بما تستهدف الحركة،أو فهم
لمبادئها وقناعات فكرية بها،ولكن اندفاع وراء
عاطفتها انتصار لما يؤمن به أبنها أو زوجها أو
شقيقها،وقد يأتي الأيمان والقناعة متأخرين،ولكن
للعواطف تأثيرها في تبني هذا المنهج أو ذاك،وتاريخ
الحركة الوطنية في العراق حافل بالكثير من النماذج
لنساء سرن في دروب النضال الوعرة،دون أن يكون لهن
الفهم الواعي لطبيعة الفكر الذي تؤيده،إلا إنها
تؤمن أيمانا كاملا بأن هذا الفكر حقيق بإيصالها
إلى شاطئ الأمان ،وكفيل بتحقيق ما تصبوا إليه من
حياة حرة كريمة،ونتيجة قناعات بمصداقية العاملين
فيه،وما أثبتته الأيام والوقائع من أخلاص وتفان
لهؤلاء في الدفاع عن الفقراء والمحرومين ومن
اكتووا بنار الظلم والتعسف،وللأمهات العراقيات
صفحات خالدة في السفر النضالي للحركة الوطنية
وطليعتها الحزب الشيوعي،الذي هيمن لعقود على ناصية
الكفاح الوطني،وخاض غمار النضال غير هياب ولا وجل
،يتصدر الصفوف في الدفاع عن حقوق الكادحين،ولو
استعرضنا المآثر الرائعة للنسوة العراقيات لاحتجنا
إلى مجلدات تؤرخ لفترة عصيبة من تاريخ العراق
الحديث ،قدمت من خلاله الكثير من التضحيات،وتحملت
الكثير من الآلام،وواجهت العسير من
الصعوبات،وجوبهت بالكثير من العنت والصلف،ووجهت
لها الاهانة من زبانية السلطات الحاكمة في العراق
في مختلف العهود والأزمان،وأن أنس فلا أنسى طوابير
النساء وهن يحملن الحاجيات والأغراض في المواجهات
الشهرية،ويتحملن صنوفا شتى من الأذى والاضطهاد من
الشرطة القساة الذين فقدوا الإنسانية وتحولوا إلى
وحوش كاسرة،وآلات بيد الحكام المستبدين:
ويمه أذكر من أجينة نواجهك مصباح جمعه
جينة واحدنه رجيج الريح لو هبت تدفعه
ومن هؤلاء امرأة عرفتها إلى جانب كثيرات ربما يكون
لهن مكان في الذاكرة ،من فضليات النساء
العراقيات،إنها (أم جواد) التي سارت في دروب مليئة
بالمصاعب والشقاء،تتابع خطوات أبنها في نضاله
العنيد لبناء وطن حر وشعب سعيد،وتحملت جراء ذلك
الكثير ، شاءت لها الأقدار أن تشارك أبنها في
الحركة الوطنية،وتسير معه خطوات دربه خطوة
خطوة،غير عابئة بما أصابها من رذاذ،فقد انتمى
للحزب الشيوعي قبيل ثورة الرابع عشر من تموز 1958
وأصبح عضوا بعد الثورة،فخاضت معه هذه المسيرة
الطويلة ،وتحملت أعبائها بكل ما تحمل من آلام
ومصاعب ،تقول"بعد ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة
،وانطلاق الشعب العراقي بقيادة طليعته المناضلة
الحزب الشيوعي،كان لأبني البكر مشاركته الفاعلة في
تنظيم المدينة،وناشطا في اتحاد الطلبة العام،وبروح
شبابية مفعمة بالأمل وبناء الغد الجميل البسام
أندفع بنشاط للمشاركة في بناء الاتحاد،وترسيخ
التنظيم على أسس قوية،فكان يخرج صباحا ليعود في
ساعة متأخرة من الليل،لا يتحمل شيئا من أعباء
الحياة،لعدم مسئوليته عن أسرة أو إعالة عائلة،وجل
ما يحتاجه يحصل عليه مما تستطيع الأسرة توفيره،ولم
تكن متطلبات الحياة في تلك الفترة كما هي عليه
الآن،فلا تعدو الملابس البسيطة والطعام البسيط
ومصروف لا يؤثر على دخل الأسرة،لذلك صرف جل وقته
لعمله التنظيمي ونضاله الوطني،وكنت أوفر ما يحتاجه
بعلم الأسرة أو بدونه،مشجعة له على السير في طريقه
الشائك دون حساب للعواقب وما قد يترتب على ذلك من
أمور،لذلك ما أنت انقلبت الثورة على أبنائها حتى
بدأت مسيرة الآلام والدموع،ورحلة العذاب بين
السجون والمعتقلات.
في تلك الأيام الخالدة لم أكن أفهم من الشيوعية
إلا إنها دفاع عن المظلومين والفقراء،والسعي
لمساعدة المحتاجين،لذلك كنت مندفعة لتقديم العون
لمن يحتاجه،بسجايا نفسية وتربية أسرية أو شعور
بآلام الآخرين،وكان إلى جوارنا أبناء أيتام فقدوا
أمهم،ولا يوجد من يرعاهم،فكنت أحاول ما وسعني
الجهد مساعدتهم وتقديم العون لهم، وكنت أوفر لهم
الملابس والزاد وأقوم بتنظيف أجسامهم وأرعى شؤونهم
ضمن ما أستطيع عليه،فكان ذلك سببا لاتهامي من قبل
زوجي بأن وراء اندفاعه هذا بما أقدمه من مساعدة له
أو للأسرة الفقيرة المجاورة لنا،واني لولا إيماني
بالشيوعية لما أعنت هذه الأسرة على مواجهة أعباء
الحياة،وكان والده لا يتعاطف مع توجهاته
السياسية،وعندما أعتقل ذات يوم في أمن الحلة لم
يحاول والده أو أعمامه متابعة قضيته أو زيارته
وتوفير احتياجاته،فكنت مضطرة لمخالفة الأسرة
ومتابعته،وتوفير ما يحتاجه من مصروف أو طعام
وملابس،وإيصالها إليه في سجنه،وبدأت رحلة العذاب ،
وفي الصباح خرجت وأنا لا ادري إلى أين توجه وذهبت
إلى دور أصدقائه فلم أجد أحد منهم وقد ظهر أنهم
اعتقلوا معه تلك الليلة،وقد جمعتنا وأهلهم المصيبة
فكنت أستقي المعلومات منهم وقد علمت بأنهم لا
يسمحون بمواجهتهم لأنهم لا زالوا تحت التحقيق،وبعد
أيام علمت بأنهم سمحوا بمواجهتهم ،فلم أكن أعرف
كيف الوصول إلى السجن،وكيفية دخوله، ولكن الحاجة
أم الاختراع،فسرعان ما هيأت ما يلزمه من طعام وزاد
وملابس،وتوجهت إلى الحلة مستفسرة من هذا أو ذاك عن
كيفية الوصول والدخول إلى الأمن،وتمكنت من
مواجهته، فوجدته في حالة يرثى لها نتيجة التعذيب
وأثار الكدمات على وجهه،ويديه،وتمكنت من السيطرة
على مشاعري كأم شاهدت ولدها البكر في هذه
الحالة،ووجدت النساء المواجهات دامعات العيون عند
مواجهة أبنائهن،مما يؤثر بشكل كبير على
معنوياتهم،فكنت أكتم في داخلي ما أعاني من آلام
وأواجهه ببسمة موحية وكلمات مشجعة بأن السجن
للرجال وعليه تحمله بشيمة الرجال وإصرارهم وعدم
الانحناء للعاصفة،فكان هذا الموقف مبعث فخر له
أمام رفاقه على ما حدثني بعد خروجه من السجن،حتى
قال له أحدهم،هنيئا على هذه الأم الشجاعة ولو كان
أمهاتنا مثلها لما شعرنا بما نشعر به من عذاب
السجن،وقد مكث في الحبس أربعة شهور أطلق بعدها
سراحه بكفالة،وعاد لممارسة مهامه الحزبية باندفاع
أكثر رغم وعورة الطريق،ومحاولات الأهل أثناءه عن
السير في هذا الطريق،فكنت الوحيدة إلى جانبه بما
عرف عن الأم من حب وعاطفة وحنان لا تحده حدود،وكنت
ملزمة أن أوفر له ما يحتاجه،فكنت أعطيه كلما
ادخرته للأيام،لأني أعرف أنه لا يرتدع عن السير
بهذا الطريق على ما لمسته من إصرار وعزيمة لديه،
وبعد عدة شهور لم أشعر إلا وقوات الشرطة والأمن
تطوق الدار في ساعة متأخرة من الليل ومعهم المختار
واثنان من أهل المنطقة،ودخلوا الدار وبدئوا
بالتفتيش ولم يتركوا شيء دون أن يفتشوه حتى
الملابس القديمة،وبحثوا في رماد التنور،ولكنهم لم
يعثروا على أي شيء،وكنت قد تعلمت شيئا من الاجراءت
المطلوبة فسرعان ما أعددت له لفة الفراش،وأعطيته
مبلغا من المال لمصروفاته رغم أن ضابط الأمن
طمأننا بأنه سيخرج غدا أو بعد غد،ولكني كنت أعرف
ما تعني هذه الكلمات لمثل هؤلاء الأجلاف،وان
كلامهم المعسول يخفي وراءه الكثير من الشر
والأذى،وكما تعلمت من الاعتقالات السابقة فان
الأمن لا يسمحون بمواجهته إلا بعد انتهاء التحقيق
وبما أن اعتقاله كان البارحة فلا مجال لمواجهته
لذلك ذهبت إلى أصدقائه لعلمي بأنهم قد اعتقلوا معه
لأستشف الأخبار منهم،وفعلا وجدت الكثير منهم قد
اعتقلوا في نفس الليلة،وان أبائهم أو أقاربهم
ذهبوا للاستفسار عنهم وطلبت منهم إخبارنا عما يحدث
من تطورات وبعد ثلاثة أيام علمت بان الأمن سمح
بمواجهتهم فتوجهت إلى مديرية امن الحلة غير عارفة
بالطريقة للوصول إليه،وعندما وصلت إلى هناك التقيت
بأحد الشرطة واقفا أمام باب الدائرة فسألته عن
المعتقلين وهل يسمح لي بمواجهتهم فسألني عن
المنطقة التي اعتقلوا فيها فأخبرته بالمكان فقال
لي اذهبي إلى ذلك الشرطي ليخبر الضابط ويسمح لك
بمواجهته،وتوجهت إلى ذلك الشرطي وأخبرته بالأمر
فغاب قليلا ثم عاد طالبا مني مرافقته فأدخلني على
شخص يجلس خلف منضدة صفت عليها الأوراق سألني عن
اسمي واسم المعتقل وعلاقتي به،فأخبرته باني والدته
فقال لي لماذا لا تمنعوا أبنائكم من الدخول في
الأحزاب والمشاركة في العمل السياسي وإثارة
القلاقل ضد الحكومة،إلا تعلمون بان زيارتهم
والسوأل عنهم وجلب المصروف والأطعمة لهم يشجعهم
على الاستمرار في أعمالهم المخالفة للقانون،فقلت
له لو كان لديك أبناء لعرفت ما هو الابن وما هو
حنان الأم أو الأب وعندما يصبح لديك أولاد ستعرف
ما هي محبتهم،ويبدوا انه رق لحالي أو أثرت به
كلماتي فنادى على احد الشرطة وطلب منه إيصالي إلى
غرفة المعتقلين،فوجدته خلف القضبان ومعه أصدقائه
الذين اعتقلوا معه،فاستقبلني بابتسامته المعهودة
ونظرته المشجعة فتمالكت أعصابي وواجهته بما يتطلب
الأمر من قوة وشجاعة ،ثم سألته عن الحال فأخبرني
أن لا شيء ضده وأنه سيخرج قريبا،فسلمته الملابس
والطعام وما تيسر من نقود ثم ودعته وعدت إلى أهلي
وأنا لا استطيع البكاء إمامهم خوفا من شماتتهم أو
البكاء أمامه حتى لا يشعر بالأسى والحزن ،فكنت
أذهب إلى بيوت أصدقائه من المعتقلين وأبكي ما شاء
لي البكاء لأني كنت أجد الكثير منهن باكيات
مولولات فكنت أغتنم الفرصة لأطفئ النار المشتعلة
في قلبي،وظل في السجن أكثر من ثلاثة أشهر أطلق
سراحه بعد ذلك بكفالة،وبعد خروجه بأيام داهمت
الشرطة البيت وألقت القبض عليه لتخلفه عن الخدمة
العسكرية،ولأنه كان مؤجلا لكونه طالبا ولكونه قد
فصل من المدرسة بسبب اعتقاله فكانت فرصة لأبعاده
والخلاص منه بسوقه إلى الخدمة الإلزامية ،وعلمت
فيما بعد أن جدته قد ذهبت لأخيها المختار وطلبت
منه الأخبار عن تخلفه حتى يساق للخدمة وتتخلص منه
ومن مشاكله،وبعد أيام وردتنا منه رسالة يخبرنا
فيها أنه في مدينة الموصل،وعندما جاء بإجازة بعد
أكثر من شهرين وأمتنع عن الالتحاق بعد انتهاء
إجازته،إلا أن إصرار والده على ذهابه جعل يضطر
للالتحاق،وفي هذه المرة تأخر أكثر من سبعة أشهر
بسبب الحركات العسكرية في حرب الشمال،وكانت تردنا
منه الرسائل،وعندما جاء بأجازة أخبرنا أحد الذين
كان معه في الوحدة بأنه كان معتقلا بسبب اتهامه
بالإدلاء بمعلومات إلى الأكراد عن طريق العتاد
السرية،وموعد خروج القافلة مما جعل الكورد يهاجمون
القافلة ويغنمون ما فيها من أسلحة وكان الطريق
والموعد سري لا يعرف به إلا العاملين في
القلم،ولأنه معروف بانتمائه للحزب الشيوعي فقد
أعتقل بتهمة الإدلاء بمعلومات ومكث في الحبس أكثر
من ستة أشهر وأطلق سراحه بعدها،وبعد انتهاء إجازته
التحق لوحدته وحدث انقلاب 8شباط الأسود1963 وكنت
أخشى أن يأتي ألينا بأجازة لأن الحرس القومي قد
اعتقلوا الكثير من رفاقه وأصدقائه،وقد أرسلت له
توصية مع أحد جنود وحدته بعدم المجيء،وفعلا لم
يأتي ألينا طيلة حكم الحرس القومي،وكان الحرس
القومي عندما يستفسر عنه ندعي أنه يدرس في بغداد
ولا علم لنا بوجوده،وبعد انقلاب عارف جاء ألينا
بأجازة طويلة وبعد انتهائها التحق بوحدته ليعود
ألينا بعد أيام ويخبرنا بأنه قد نقل إلى مركز
تدريب النجف بوساطة عمه الذي كان في منصب
كبير،ويبدوا أن قربه من مدينته جعله يعود إلى
التنظيم فهرب من الجيش ورفض الالتحاق بوحدته رغم
أنه كان يدرس في ثانوية النجف المسائية،وفي الصف
المنتهي،وقد أمتحن نهاية السنة وهو هارب من الجيش
فكان يعبر سياج المدرسة لأداء الامتحان لأن
الانضباط العسكري والشرطة كانوا واقفين بباب
المدرسة خوفا من حدوث مشاكل في المدرسة ،وقد نجح
فعلا في الدور الأول ،ولكن بعد شهر أو أكثر من
نهاية الامتحان،سمعت طرقا شديدا على الباب في
الساعة الثالثة بعد منتصف الليل فسألت من الطارق
فقال أنا (يحيى ) ولم يكن بين أقاربنا أو جيراننا
أو أصدقائه من أسمه يحيى،فقلت له من هو يحيى،فقال
لي(حجيه أني أبو الآمن عدنه شغل ويه جواد) طلبت
منه الانتظار لحين ارتداء عباءتي،وأيقظته من النوم
وقلت له لقد جاءت الشرطة والآمن وأنت هارب من
الجيش،فاهرب من باب البيت الخلفية حتى لا يجدوك
ولكنه رفض الهروب قائلا أنهم سيعتقلون أبي أو
أخوتي إذا هربت وأنا لست مجرما حتى أخاف منهم،
فذهب وفتح الباب لهم وسلم عليهم كأنهم أصدقائه
المقربين،وقاموا بالتفتيش بحثا عن المواد الجرمية
ومن محاسن الصدف أنهم لم يفتحوا غرفة صغيرة كانت
تستعمل مكتبة لأنها شبه ملحقة بدارنا الثانية
المجاورة لبيتنا،ولما لم يعثروا على شيء أخذوه
معهم،وبعد خروجهم أخبرني أبني الصغير بأن في غرفة
المكتبة الكثير من الأوراق والمناشير،وانه أخفاها
دون علم أخيه في السقف الثانوي للغرفة،وعندما
أخرجتها من السقف كانت كثيرة جدا وكان الصبح على
وشك الانبلاج فأشعلت التنور بحجة عمل الخبز
ورميتها لتكون طعما للنيران،خوفا من عودتهم ثانية
كما يخيل لي.
وبعد التاسعة صباحا بقليل خرجت من البيت لأستفسر
من أصدقائه الذين لابد أن اعتقلوا معه،فوجدت أن
الشرطة في تلك الليلة قد اعتقلت الكثيرين من
المدينة،وكان أولادي قد أصبحوا بعمر قادرين معه عن
متابعة أخيهم ولكني كنت أخشى عليهم من الاعتقال،
وقد علمت أنه أعتقل في سجن المدحتية وبعد ثلاثة
أيام علمت أن أهالي المعتقلين قد سمحوا لهم
بالدخول عليهم، ،فتوجهت إلى المدحتية القريبة من
مدينتنا،وركبت في سيارة متوجهة إليها وكان إلى
جانب السائق شرطي بملابسه الرسمية،وكان السائق
يعرف الغرض من ذهابي إلى المدحتية،فاخذ يتحدث معه
حتى قاده إلى الحديث عن المعتقلين،ومما قال له أن
بعضهم لا زال تحت التعذيب لأنهم لم يعترفوا لحد
الآن،ومنهم معتقل من أهل القاسم قصير القامة ولكنه
لم يعترف لحد الآن فعلمت أنه أبني،وبعد الوصول إلى
المدينة ذهبت لزيارة عمتي لأني علمت استحالة
السماح لي بمواجهته إلا بعد انتهاء التحقيق،
وعندما طرقت الباب ودخلت وجدت عمتي وبناتها باكيات
مولولات فسألتهن عن السبب فقالت أن أبنائها
معتقلين في أمن المدحتية، بتهمة الشيوعية،فشاركتها
البكاء متصورة إني آسية على حالها حزينة على
أبنائها،وبعد قليل قدمت لي الشاي وسألتني من أين
سمعت بأنهم معتقلين وجئت فأخبرتها أن ابني معتقل
معهم منذ ثلاثة أيام،وبعد قليل جاء زوجها وأخبرهم
بأنه سمحوا له بالدخول وهم بخير وسيخرجون
قريبا،وعندما سألته عن أبني أخبرني بأنه لا يعرف
عنه شيئا، وبعد أن خرجت ذهبت إلى دائرة الأمن
وطلبت من الشرطي الذي يقف في الباب أن يسمح لي
بالدخول لزيارة أبني المعتقل إلا أنه رفض ذلك فقلت
له اذهب إلى يحيى _عرفت اسمه عندما طرق الباب وقال
أنا يحيى – وقل له أن أم جواد تريد زيارة ولدها
وعندما سمع الشرطي كلامي حسب للأمر حسابا آخر فطلب
من أحد زملائه أخبار المفوض يحيى بالزيارة وبعد
قليل جاء الشرطي وأدخلني إلى الضابط،سلمت عليه
وقلت له أنا أم جواد وقد أتيت لرؤيته، فرحب بي
وطلب مني الجلوس ولكني شكرته فقال لي لقد سفر إلى
الحلة لأنه جندي هارب كما يدعي ،خرجت من المركز
وعدت إلى أهلي وأنا في حيرة من أمري كيف اذهب إلى
معسكر الحلة وأستفسر عنه،وبت تلك الليلة وأنا أضرب
أخماس بأسداس لأني لا اعرف مكان المعسكر ولا كيفية
الدخول،وفي الصباح ذهبت إلى الحلة في باص مصلحة
نقل الركاب وعندما نزل الركاب في الكراج قررت أن
اسأل عن كيفية الوصول للمعسكر فشاهدني أحد أقاربي
العاملين في المصلحة،فجاء وسألني إلى أين قاصدة
فأخبرته بالأمر ،فقال انتظري دقيقة واحدة،وبعد
قليل جاء واركبني في سيارة المصلحة وذهب إلى معسكر
الحلة وأوقف السيارة قرب الباب الكبيرة ونزل إلى
الجنود الذين في الباب وتكلم معهم ثم دخل إلى غرفة
خرج بعدها وناداني فسرت معه إلى المعسكر ووصلنا
إلى بناية يحيط بها الحراس فسألهم عن جندي هارب
جيء به اليوم من المدحتية،فأخبروه أنه قد أرسل إلى
وحدته في معسكر تدريب النجف،فجاء واخبرني بالأمر
فطلبت منه إيصالي إلى الكراج لأتوجه إلى
النجف،وكان الوقت ظهرا،فأوصلني إلى الكراج وركبت
في السيارات المتوجهة إلى النجف وذهبت إلى بيت عمه
هناك،وبت لديهم تلك الليلة دون أن اخبرهم بالغرض
من مجيئي للنجف وقلت لهم أني جئت للزيارة، لأنهم
كانوا ضد توجهاته السياسية،وفي الصباح توجهت إلى
المعسكر وسمح لي بالدخول عليه فوجدته مع المساجين
وعندما شاهدني تأثر كثيرا وقال لي لقد أتعبتك
معي،فقلت له هذه هي القسمة،والمقدر ليس منه
مهرب،وأعطيته الملابس التي جلبتها معي وبعض النقود
وكنت أزوره بين فترة وأخرى،ومكث في السجن أربعة
أشهر وعندما جاءت محاكمته بتهمة الهروب توسط له
أحد أقاربنا من الضباط فحكمت عليه المحكمة بالسجن
أربعة أشهر وهي مدة توقيفه،فأطلق سراحه وبعد ذلك
بشهرين تسرح من الخدمة العسكرية لإكماله المدة
المقررة،وعاد إلى مدينته ليواصل النضال من جديد.
وقد توالت الاعتقالات مرة بعد أخرى وكان أخوته قد
أصبحوا بعمر يستطيعون به متابعته فخف عني التعب
بعض الشيء ولكن الآلام التي عانيتها جراء ذلك لا
تنسى أبدا،وبعد مجيء البعثيين للسلطة سنة 1968
وصدر القرار بإطلاق سراح السجناء السياسيين
وإعادتهم إلى وظائفهم وإيقاف المحاكم بحقهم عن
التهم السابقة، أستمر المسلسل ذاته فما أن يلصق
منشور أو يحدث أي نشاط سياسي حتى يكون أول
المعتقلين،وقد تمكنا من أيجاد عمل له بواسطة أحد
أقاربنا،وقد حدث هدوء نسبي في تلك الأيام وخفت
مطاردة الشيوعيين،وعندما أبرمت اتفاقية الجبهة
مارس عمله العلني وقد أنتقل إلى الحلة وتزوج وأصبح
له كيان قائم بذاته،ولكن بعد انهيار الجبهة وتمزيق
منظمات الحزب أضطر لترك العمل السياسي وأنصرف
لإعالة أسرته،ولكن لم يتخلص من مضايقات
البعثيين،وظل ينظر إليه على أنه معاد لهم حتى
انهيار النظام، رغم علمهم بتركه العمل السياسي.
كاظم عبيس ذياب(أبو مازن)
كثيرة هي الأشياء التي تستحق الكتابة،ولكن الوقت
والظروف قد لا تسعف الإنسان لتناولها،لذلك تؤجل
إلى حين،ومن المشاريع المؤجلة،ذكريات كاد أن
يطويها النسيان عن رفاق أعزة،كانوا ملأ العين
والبصر،أصاحبهم وأماسيهم،أراهم في المقهى
والشارع،وفي لقاآت خاصة وأخرى عامة،أتفاعل
معهم،أعيش بينهم لم تفرقنا الأيام ولم تمنعنا
الظروف،فإذا افترقنا صدفة تلاقينا على موعد،ولكن
أين أجدهم الآن،لقد رحلوا فجأة،وغادروا هذا العالم
دون وداع،غيبتهم الفاشية الرعناء في غياهب
السجون،وأسلمتهم إلى أيدي الجلادين العتاة،فضاعت
أثارهم واندثرت أخبارهم،وظلت ذكرياتهم حية في نفوس
من زاملهم وعرفهم،ندية لا تزيلها السنون
والأحقاب،رغم ما تركوا في نفوس أهليهم من غصة،وما
في قلوبهم من لوعة،جهلوا مصيرهم وعاشوا على أمل
عودتهم، وكم أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن
تنادي
فبعد سقوط النظام البائد،ظهر الصبح لذي
عينين،وبانت الحقيقة المرة،فهاهي المقابر الجماعية
تزخر بالكثيرين منهم،وها هي المقابر الخاصة تحتضن
بعضهم،وها هي أضابير الأمن والمخابرات تفصح عن
مصائرهم،فهناك من أعدم برصاص البغي،ومن دفن حيا،أو
أذيب بأحواض التيزاب،أو أستشهد أثناء التعذيب،وهو
يكيل لهم الشتائم والأهانة،ومن هؤلاء الشهيد
الرفيق كاظم عبيس ذياب"أبو مازن"،الذي كان معلما
بارزا بين أخوانه التربويين،ونجما لامعا بين رفاقه
الشيوعيين،أتسم بالهدوء والرزانة والبسمة الموحية
بالكثير،كان يناقش بهدوء السياسي المحنك،لا يشتط
أو ينفعل،أو تثيره حدة النقاش،يتقبل الرأي الآخر
،ويناقش بما أوتي من قدرة على أدارة الحديث،حتى
يدفع خصمه إلى زاوية لا يستطيع الخلاص منها،حتى
تحاشاه الكثيرون.
وكان لقدراته التنظيمية الأثر الواضح في أنماء
الحزب ورفد مسيرته بالعناصر الشابة الواعية،التي
كان لها الأثر البالغ في مسيرة الحزب
النضالية،وكان لرفاقه ممن تخطتهم المنون،أو قاموا
الموت بشجاعة،ذكرياتهم الجميلة عنه،وعن أدواره
التي تميزت بالإبداع والأصالة،ونزعته إلى الابتكار
والتجديد في أساليب التخفي عن أعين السلطات،عرفته
عن قرب،فوجدت فيه ما لم أجده في الكثير ممن
عرفتهم،اندفاع بتعقل،وحماسة مبدئية تتجاوز كل
الصعاب،يتقدم وفق حسابات خاصة،ويتراجع تراجع
المحارب،من أجل التهيؤ للهجوم الأخير،جاب السجون
والمعتقلات،وواجه التعذيب بمبدئية عالية يفتقر
إليها الكثيرون.
ولد الشهيد في ناحية القاسم لواء الحلة"بابل"عام
1944،ودرس في مدارسها الابتدائية،ولعدم وجود مدرسة
متوسطة أضطر للدراسة في مركز القضاء،وبعد أن أكمل
المرحلة المتوسطة أنتقل إلى الإعدادية،وهناك التقي
ببعض الشباب ممن تحلوا بالخلق العالي والأدب
الجم،فأمتزج بهم،وتوطدت علاقته بهم،فكانوا طريقه
إلى اتحاد الطلبة العام،وبعد ثورة تموز
المجيدة1958،انطلقت جحافل المجد لترسي الأسس
القوية لبناء حزب شيوعي،وبناء المنظمات
الجماهيرية،فكان باكورة أعمال اتحاد الطلبة السعي
لفتح مدرسة متوسطة في الناحية،فكان ما أراده
الطلبة الشيوعيين،فافتتحت مدرسة متوسطة وأخرى
ثانوية،ضمت الكثير من الطلبة الذين كانوا يدرسون
خارج الناحية،فكان العرفان بالجميل أن أندفع
الطلبة لبناء اتحادهم العتيد،ورديفه اتحاد الشبيبة
الديمقراطي،فكانت المدرسة الأولى التي خرجت آلاف
الرفاق الذين رفدوا الحزب في مسيرته النضالية
الطويلة،ولا زال الكثيرين منهم على ذات
المبادئ،يسعون بجد لإعادة بناء حزبهم بعد سقوط
الدكتاتورية،وبعد تخرجه من الثانوية،أشرك في
الدورة التربوية الأولى فتخرج معلما وعين في
المدارس الابتدائية.
أسهم الشهيد بشكل فعال في بناء اللبنات الأساسية
للحزب في المدينة،وشارك في المظاهرة الكبرى التي
انطلقت لدك معاقل الخونة من رجال الإقطاع عندما
حاولوا لملمة صفوفهم،وبناء اتحاد للجمعيات
الفلاحية بمواجهة الاتحاد الذي يهيمن عليه
الشيوعيين،فكان أن تعرضت المظاهرة لاعتداء من
أفراد الاتحاد الجديد،فكان الهجوم الكاسح من
الجماهير الفلاحية،عندما شاهدت مستغليها يحاولون
استعادة مكانتهم من خلال اتحادهم الهزيل،فقامت
السلطة باعتقال الكثير من المشاركين
بالمظاهرة،والحكم عليهم من قبل الحاكم العسكري
العام بأحكام مختلفة تراوحت بين السبع سنوات الى
ستة أشهر،وأخرج بعضهم لعدم ثبوت الأدلة،وكان
الشهيد أحدهم،وكان من الأعضاء النشطين في نقابة
المعلمين،وأستلم بعض الخلايا الشبابية
والطلابية،وبعد التحول في مسيرة الثورة
وانتكاستها،ألقي القبض عليه،عدة مرات فكان الضيف
المزمن لسجون الأمن ،وسجن الحلة،وكان يفرج عنه
بكفالة لحين تحديد موعد لكفالته،فكان يعود في كل
مرة لممارسة نشاطه،حتى جاء اليوم اتلمشئوم8 شباط
الأسود،فكانت المظاهرة الكبرى المنددة
بالانقلاب،فخرج الآلاف وقد حملوا الأسلحة المختلفة
للدفاع عن الثورة،فأبدى بعض الشباب المتحمس على
بعض البعثيين الذين أخرجوا رؤوسهم،وكان ما كان من
نجاح الانقلاب ،فأضطر للاختفاء عن الأنظار،وعاد
بعد الإطاحة بالحرس القومي،فعاد لمزاولة نشاطه
التنظيمي والقي القبض عليه وأودع سجن الحلة
المركزي لأكثر من ستة أشهر،وظل بين توقيف
وتوقيف،حتى شمله قانون العفو بعد انقلاب ابعث
الثاني 1968،وعاد إلى حاضنته الأساسية لإعادة بناء
التنظيم الحزبي،وقد نشط الحزب في تلك الفترة،فكانت
المنشورات تملأ المدينة،ويقوم الأمن بإلقاء القبض
على الناشطين السياسيين،وقد نشط بشكل فعال في
انتخابات نقابة المعلمين عام 1970 حيث كان ممثل
قائمة الحزب في اللجنة المشرفة على
الانتخابات،فجاء متصرف اللواء للإدلاء بصوته بوصفه
معلما ،إلا أن الرفيق أبو مازن أصر على عدم
اشتراكه في الانتخابات لكونه لا يمارس التعليم
حاليا ويعمل خارج وزارة التربية،مما أدى إلى تأخير
الانتخابات أكثر من ساعة،وأمام إصراره أنسحب
المتصرف،فكان أن تم اعتقاله بعد أيام،وأودع في
مديرية الأمن ،ثم أطلق سراحه لعدم اعترافه،وبعد
التوقيع على أتفاق الجبهة،والعمل العلني
للحزب،تولى الرفيق أبو مازن قيادة التنظيم في
المدينة،فكان شعلة من النشاط وقد أمتد التنظيم الى
أقاصي الريف رغم المضايقات التي كانت تمارسها
السلطة على الناشطين السياسيين،فأرعب السلطة هذا
الامتداد فاستعملت كافة الطرق للتضييق على
الشيوعيين،فكان النقل التعسفي،والمضايقات اليومية
في العمل،والتصرفات الفجة لبعض البعثيين،وأستعمل
البعث مختلف الوسائل للتضييق على الشيوعيين وحملهم
على ترك التنظيم إلا أن ذلك لم يزيدهم إلا
إصرارا،وظل يمارس نشاطه الحزبي بحماس ونشاط لا
يعرف الكلل،وبعد فشل التجربة الجبهوية المرة،لم
يكن أمام الشيوعيين إلا الانتقال الى كردستان أو
السفر خارج العراق،أو الاختفاء عن أنظار السلطة،أو
الدخول في غمارها بما سمي حينها بالصف الوطني،وكان
الحزب قد أوعز لرفاقه الذين لم يتسنى لهم الخروج
من العراق،التخلي عن انتمائهم،لدفع الغوائل
عنهم،ولكن الرفيق أبو مازن ل على نقائه الشيوعي
،ولم يتقرب من السلطة أو يساهم في مؤسساتها،ولم
يرضخ للابتزاز والتهديد،وظل على نقائه الشيوعي،ولم
ينمكن من الانتقال إلى كردستان فالقي القبض عليه
عام 1980،من قبل أمن القاسم،وغابت أخباره،رغم
محاولات أسرته وتشبثها،وفي عام 1982 بلغ الأمن
أسرته بإعدامه ومصادرة أمواله المنقولة وغير
المنقولة،فصودرت قطعة الأرض التي يملكها،واضطرت
عائلته إلى ترك المدينة،فكان لرفاق الحزب الباقين
طرقهم في إيصال المساعدات إليها،،وقد حدثني من كان
معه ليلة أقتاده الجلادين، أنه قابلهم بابتسامة
هادئة معبرة عن عدم الاكتراث،هازئة بالخوف الذي
يجثم على النفوس في الساعات العصيبة،لم ترهبه
سطوتهم،وكان ليلة استشهاده قد تعرض لتعذيب تنهار
أمامه أعتا النفوس،ولكن بمكابرة الشيوعي الأصيل
المؤمن بقضيته،قابل سياطهم بالبسمة الهادئة،والأنة
الخافتة،،وعندما أغمي عليه،حملوه بين أيديهم ورموه
وسط المهجع بين رفاقه فاقد الوعي،وعندما أنتبه من
إغماءه سأله أحدهم،هل صنت الأمانة،،فرد عليه
بأيمائة وقورة،وهل يستطيع هؤلاء المخانيث النيل
مني،وكان للسلطة عينا في السجن،فأخبرهم بما تفوه
به،فأقبل الزبانية يحملون العصي بأيديهم،فانهالوا
عليه بالضرب الموجع،وضربه أحدهم على رأسه،هوى
بعدها بأرتعاشة هادئة وأسلم الروح بين أيدي من أحب
من رفاق دربه وإخوانه في النضال.
وبعد سقوط النظام البائد،تحركت أسرته على أمل
العثور على رفاته،فعثروا عليها في مقبرة محمد
السكران في الراشدية،فشيع تشيعا مهيبا،وأقيمت له
الفاتحة بمشاركة من رفاق دربه وزملائه
وأحبته،وحضور فاغل من قيادة الحزب في المحافظة،وفي
يوم الشهيد الشيوعي14/2/ 2004 أنشدت في احتفالية
محلية بابل قصيدة إلى شهيد في رثائه.
بحبر من دم كتبنه أسمه على كل بيبان الولايه
وكهاوينه
بحبر من نور خطينه حروفه بكل شوارعنه ونوادينه
ويظل"كاظم "سوالف بين المحبين دغدغها الهوه تكحل
محاجينه
شهم وتحبه كل الناس طرز كل دواوين السلف زينه
ولون تبني الناس قصور فرهه للغوه بيها تباهينه
تظل أنته برج ويناطح الأهرام يسوه كل مبانينه
يلنك شيدت بنيان سويت الأسس وأركان وأحنه بعد
أبنينه
ولون جان بظميرك صوت أحنه أنكاوي حتى الموت ما جف
التلاوينه
ونظل أحنه ملح للناس والماصخ تمله الناس وترده
بمواعينه
***
يبو مازن شكل للناس عنك يوم لو نشدت
وشصبر أكلوب من زود المحبه عليك لو حنت
زمشاحيف الهوه العذري ومراديها لون سألت
يبيرغ شالته الشبان لا يتعب ولا تعبت
يشوباش العشيرة وضحكة الطيبين وأوجاغ المضيف
الناره ما خفتت
يفرحة ثار جنت أقره بمحاجيه الأمل جلماته تتهفت
يبو كلب الجبح يلما زمط بالغعير بيك الموزمة زمطت
عرفتك ما لنت بأرباطعش تموز من بيها الزلم هبت
وعرفتك من لوينه أزنود ذاك الطود من نار السلف شبت
وعرفتك ما يلمك زوم يلزومك بحر بيه السفن غركت
أستادك فهد علمنه الدرس بشباط أحنه من المنايا
أقوه وأثبت
نركص عل المشانق ما يهمنه الموت،ومن عدنه المنايه
جزعت وملت
ذوله أحنه البنين هبها الوطن نيشان والباقي أبد لا
هشت ولا نشت
ومنه القدمت لب الجبد قربان الهذه اليوم هيه هزت
وربت
هنياله اليموت وراسه ظل مرفوع ما طخ هامته ولا
همته ركت
وهنياله المشه بدربك فهد ما هان لا جفنه يرف لا
بيه عدو تشمت
***
وهناكه سمعت بعيد صوت الوالهه وأسمعت حاديها
وبنص السلف هوسات يا مهوال هل بيها
وشفت بيرغ يرف واراية ما تنشال الا بيد راعيها
وعباه سوده ترف بزنود المعزين وتغطي نواعيها
وأم كاظم حدت وتكول للشدات أبو مازن يكفيها
"أبني المضغته البارود ومفطوم على سركيها
غم راي التجيب أهدان وتكمطه على رجليها
لك المجد والخلود والذكر الطيب،فقد صنت الأمانة
وأوفيت بالعهد،وحافظت على التقاليد الشيوعية
بإخلاص،فان غبت عنا فما زالت ذكراك حية في نفوس
أحبتك ورفاقك وأصدقائك،وها هو أسمك الخالد يتصدر
الشارع الذي عرف نضالك،وقد أينعت البراعم التي
غرستها،وها هي تناضل تحت الراية التي استشهدت من
أجلها،لتعيد بناء الحزب،وتحرر تراب العراق الذي
دنسه الفاشست.
الرفيق عامر الصافي(أبو باسم)
كان المعلم الأول لأجيال من الشيوعيين في
القاسم،أرتبط بالحزب الشيوعي بداية 1951،وأنسلخ عن
طبقته الأرستقراطية،فوالده السيد حسين أبو ناصر،من
كبار الملاكين،والشخصيات المتنفذة في اللواء،وله
علاقاته الوثيقة بحكام بغداد،ومن الشخصيات التي
يحسب لها ألف حساب،فكان أبنه على النقيض
منه،بانحيازه إلى الجماهير الكادحة،التي أستلب
حقوقها حفنة من المغامرين،والملاكين والإقطاعيين
والمرابين،تنكر لطبقته التي أعطته المال
والجاه،وعاشت تلعق بدماء الآلاف من مواطنيه،من
الذين يأسى لوضعهم المزري،وحياتهم البائسة،وحالتهم
المفجعة،ويرى بعينيه زبانية الإقطاع،يقتطعون الزاد
من أفواه الجياع،لينفقوه في الملاهي وأندية
القمار،ويسعون خلف اللذة الجامحة،ويعيشون الليالي
الحمراء الصاخبة،بين رنين الأوتار وقرع الكؤوس،على
حساب الآلاف من العراة الحفاة والفلاحين البؤساء.
لقد ألهمته كلمات الخالد "فهد" الرؤية
الصائبة،وعلمته كيف يكون الإنسان شمعة تحترق من
أجل سعادة الآخرين،فأندفع بعنفوان طاغ،لتحقيق
المثل العليا التي آمن بها،وعرف أنها قدر البشرية
الذي يسعى الإنسان للوصول إليه،وكان له ما
أراد،فالتربة صالحة لنشر بذور المحبة والسلام،وزرع
الأمل والطمأنينة في النفوس،وما هي إلا شهور حتى
حدث تململ في صفوف الفلاحين،وأخذوا ينظرون إلى هذا
النور الذي أنار حياتهم المظلمة،ونشطت الحركة
الفلاحية بجهود الشيخ المتنور أحمد العبد
الله،والفلاح الجسور لطيف عبد هويش،وأبن الشيخ
الإقطاعي جاسم حسن شلال،الذي كان وبالا على والده
لوقوفه ضده في تعامله مع الفلاحين،وآخرين ممن هيئ
لهم الانضواء في التنظيم في وقت مبكر.
ولد الفقيد سنة 1935 في قرية الزرفية التابعة إلى
ناحية القاسم،ودرس في مدرسة القاسم الابتدائية،ثم
أكمل دراسته في الحلة،وأنتسب لدار المعلمين
الابتدائية،وهذه الدار العظيمة التي سميت بحق دار
المعلمين،كانت المدرسة الأولى التي خرجت آلاف
الشيوعيين،رغم تقاطع كادرها التدريسي مع هذه
المبادئ،إلا أنها أرض خصبة فكان أن أنتشر الفكر
الشيوعي بين طلابها،فأصبحت قلعة من قلاع الشيوعية
في العراق،وأخرجت آلاف الكوادر التي واصل بعضها
العطاء حتى يومنا هذا، للتمايز الطبقي بين الطلاب
الوافدين لها الذين بدئوا يشعرون بمدى الحيف
والضيم المحيق بطبقتهم،بسبب الطبقة الحاكمة التي
هيمنت على كل شيء،ولعل الحكومات الرجعية وذيولها
كانوا على حق في عدم فتح المدارس ونشر
التعليم،فالتعليم كان وراء تهاوي عروشهم
الزائفة،والمعلمين كانوا رسل التنوير الفكري في
العراق،وبناة الفكر الوطني في الأرض العراقية،فكان
هؤلاء الرسل ينشرون أرائهم أينما حلوا،وأنا
أقاموا،لذلك كان رجال الإقطاع على حذر
منهم،ويمانعون في إنشاء المدارس وإشاعة
التعليم،مكتفين بالتعليم الملي الذي لا ينتج وعيا
أو ينشر ثقافة،بل يراعي مصالح الطبقة الحاكمة بنشر
الخرافة والدجل،بعكس التعليم الرسمي الذي نشر
الفكر الحديث في أقاصي الريف العراقي،وأثر بشكل
مباشر على أفكار الفلاحين،وجعلهم يشعرون بمصالحهم
ومن يدافع عنهم،ويرشدهم إلى سواء السبيل.
في دار المعلمين الشيوعية تخرج أبو باسم أوائل
الخمسينيات،وأصبح معلما في المدارس
الابتدائية،فزاول عمله الوظيفي بجد ومثابرة جعله
مثار أعجاب زملائه ومرؤوسيه،ومارس العمل السياسي
بقابلية عالية،بما له من رصيد شعبي ومكانة
اجتماعية،فكان يستغل نفوذ والده لمصلحة الفلاحين
والفقراء،وتمشية أمورهم في الدوائر الرسمية،إضافة
لما يملكه من حس أنساني مرهف،ونفس ساعية
للخير،فكان الهمس الكثير في الأوساط الاجتماعية،عن
نشاطه السياسي،إلا أن تأثير والده في الأوساط
الحكومية،كان عائقا أمام السلطات المحلية
لاعتقاله،ولكن وقد بلغت الأمور حدا لا يمكن السكوت
عليه،واندفاعه في العمل التنظيمي،جعل السلطات تلقي
القبض عليه،فكان لنفوذ والده أثره في أطلاق سراحه
بكفالة،وحاول التأثير عليه،وأعادته لأحضان
طبقته،ولكنه رفض بإباء وشمم،وظل في ذات
الدرب،وعندما حدث العدوان الثلاثي على مصر،وانطلقت
المظاهرات الصاخبة المنددة بالاعتداء،فكان،أبو
باسم،يتصدر المظاهرات،وترفعه الأيدي ليلقي
بخطاباته النارية،مما أدى إلى اعتقاله مجددا،وأطلق
سراحه بكفالة ،لتوسط والده وتأثيره في اللواء،وظل
مثابرا على العمل الحزبي،والمسير في هذا الطريق
الوعر،دون الاهتمام بمحاولات أسرته،التي استعملت
جميع وسائل الترغيب والترهيب للتأثير عليه،ألا أنه
ظل مصرا على المضي غير عابئ بكل المغريات
والتهديدات والمناورات،وعندما بزغ فجر الرابع عشر
من تموز الخالد،كان من السياقين لقيادة المظاهرات
المؤيدة للثورة،والتصدي لقوى البغي والعدوان التي
حاولت مواجهتها،فكان في الصفوف الأمامية،التي
هاجمت أوكار البغي والرذيلة،ودكت صروح
الإقطاعيين،وأن أنس فلا أنسى خطاباته الحماسية
المثيرة التي كانت تلهب الجماهير،عندما قام أحد
عتاة الإقطاع بقتل أحد الفلاحين،بسبب الحصة
المائية،فكان أن انقلبت الدنيا،وهاج الفلاحون
وماجو للثأر لصاحبهم،إلا إن مساعي قيادة الحزب في
تهدئة الأوضاع ،وعدم أثارة المشاكل،أدى لتسوية
الموضوع واعتقال القاتل لينال جزاءه العادل،وجرى
للشهيد تشييع رسمي وشعبي شاركت فيه مختلف الأوساط
الاجتماعية،وآلاف الفلاحين ،في مسيرة حاشدة حمل
فيها نعشه من قريته إلى المدينة،في "عراضة" لم
نشهد لها مثيل،وكلما وصل الموكب إلى مدينة
استقبلته جماهيرها بالأهازيج الثورية المنددة
بالإقطاع وجلاوزته،حتى وصولهم النجف،حيث المظاهرة
الكبرى التي أرعبت الأذناب والموتورين،وجعلت
السلطات الحاكمة تحسب ألف حساب لهذا المد الثوري
المخيف،ولعلها من مفارقات القدر أن يتوفى أحد كبار
الملاكين في ذلك اليوم،فكان مشيعيه لا يتجاوزون
العشرات،رغم مكانته الاجتماعية الكبيرة،وهذا الأمر
الذي يخاله البعض بسيطا،له مدلوله الاجتماعي في
المجتمع الريفي،وكان الرفيق أبو باسم الجذوة
المشتعلة في قيادة المسيرة،وحسن تنظيمها،يساعده في
ذلك القيادات الحزبية التي أعطت الموضوع أهميته
البالغة،بسبب التلاحم الجماهيري،والاندفاع العفوي
للمواطنين.
وكان له موقفه الرائع في تطبيق قانون الإصلاح
الزراعي،فكانت أول الأراضي التي وزعت بموجب
القانون،أراضي أسرته،ووالد الرفيق "أبو منقذ" جاسم
حسن شلال،الذي قاد نضال الفلاحين بالضد من
والده،وهذا من أعجب العجب في عمق المبادئ الشيوعية
وترسخها في النفوس،والمثير أن الرفيق الصافي ظل
إلى أواخر أيامه يعطي للفلاح العامل في
أراضيه،أكثر من حصته المقررة،وربما منح الفقراء
منهم غلتها دون أن يأخذ شيئا،وكنت أمازحه في ذلك
وأقول له"أنت مثل تولستوي في تعامله مع
الفلاحين"فقال "ولكن الفرق كبير بيننا،فأنا شيوعي
وتولستوي كان يعبر عن نزعة إنسانية،هي بدايات
الفكر الشيوعي،فهو أفضل مني في سابقته.
وبعد انتكاسة الثورة وهبوب الريح السوداء من أرض
الكنانة،وسيطرة البعث الأهوج على مقاليد السلطة في
شباط المشئوم،وقيام قطعان الحرس القومي،بأعمالهم
البربرية المخزية،التي يندى لها الجبين،نال أبو
باسم قسطه الوافر من السجن والتعذيب،حتى قصفت
أضلاعه،وظل يعاني منها حتى وفاته،وبقي عامر القلب
بالمبادئ،لم يتغير أو يميل مع الهواء،فكان في أيام
الجبهة،رغم عدم انتظامه في التنظيم،لأسباب ليس هنا
مجال ذكرها،إلا أنه كان قطب الرحى في العمل
السياسي،فهو المشير والموجه ،والوجه الشيوعي
البارز في المحافل المختلفة،والشخصيات التي يشار
لها بالبنان،لما له من علاقات وثيقة،بقيادات حزبية
فاعلة،فكان يترصد الأخطاء ويحاول أصلاحها،فأن عجز
عن ذلك كانت قيادة الحزب مرجعه،لفرض الإصلاح
المطلوب،ويتدخل في المفاصل الحيوية للحزب،ودائما
يكون لرأيه محله من القبول،ولأطروحاته طريقها
للتنفيذ،لما فيها من أصالة ومصداقية،وبعد انهيار
الجبهة،كان البعث على علم بموقفه من الحزب،ومحله
من التنظيم،فهو شيوعي خارج التنظيم،لذلك أحيل على
التقاعد،وظل محل رقابتهم حتى أيامه الأخيرة ،كما
سيرد بعد قليل،وقد أنصرف لإدارة أراضيه،دون أن
يتناسى رفاقه النجباء الذين غيبهم النظام،فكان
يتفقد عائلاتهم،ويرعى مصالحهم،ورغم عاهته،إلا أنه
كثير الحركة دائم السفر،فتراه يجوب المدن
العراقية،لا يعيقه بعد عن زيارة صديق،ولا مرض عن
تفقد عزيز،فكان يرتدي بجامته تحت ملابسه
الخارجية،ولا أحد يدري أين يبات ليلته تلك،فقد
يسافر إلى بغداد في ساعة متأخرة من الليل،لزيارة
هذا أو ذاك،وقد يزور أصدقائه دون موعد ،وجدته في
أواسط التسعينيات في مدينة الكاظمية، في منتصف
الليل،يجوب في أزقتها،فعجبت لوجوده في هذه
الساعة،وسألته فقال لقد تذكرت صديقا فارقته قبل
أكثر من عشرون عاما،وأتذكر أن داره في هذه
المنطقة،فقدمت لزيارته،ولكن ما أدراك أنه لا يزال
حيا بعد هذه السنين،فقال لو كان ميتا لعلمت ولكنه
لا يزال حيا،وفعلا طرق بابا خشبية ،لبيت بغدادي
قديم وسأل عن صاحبه فأرشدوه إليه ،وكان لا يبعد عن
تواجده إلا قليلا،وقد عرف أهله طبيعته،فكانوا لا
يسألون عنه أذا غاب لعلمهم بكثرة سفره،وظل على هذا
المنوال حتى ساعاته الأخيرة،وعندما انطلقت انتفاضة
آذار الباسلة،كان من أوائل المشاركين فيها،إلا أنه
وبحسه الثوري،عرف من خلال بعض القائمين فيها عدم
جديتها،فأبتعد عنها بعد أن نحت باتجاه طائفي
بغيض،وحاولت بعض الأطراف تجبيرها لأنفسهم،رغم عدم
علمهم بها،وانطلاقها بصورة عفوية غير مخطط لها،مما
سارع بفشلها لأسباب كثيرة ،تتحمل أطراف المعارضة
العاملة في الخارج القسط الأكبر منها،وله كلمة
مأثورة لا يزال الكثير من الرفاق يتذكرها"هاي مو
ثورتنه،" فقد أندست فيها بعض العناصر الموالية
للسلطة،وقامت بحرق الدوائر ونهب المؤسسات،وهذه
ليست أخلاق الثوار،لذلك لم يصبه شيئا من
رذاذها،بعد استتباب الأمر للسلطة الدكتاتورية،وظل
على نقائه المبدئي،وصلابته المعروفة،فكانت السلطة
رغم تحاملها عليه تعامله بما يستحق من
الاحترام،لمكانته الاجتماعية المتميزة،وصفاته
المحببة للآخرين،رغم علمهم بعدائه لهم،وكان محل
رقابة الجهات الأمنية،وأستدعائتها المتكررة،وقبيل
سقوط النظام بأيام،داهم منزله نفر من أزلام السلطة
ومفرزة أمنية،بذريعة واهية لا تصمد أمام
المنطق،ويرفضها العقل،واتهموه بأن الطائرات
الأمريكية قد أسقطت جهاز إرسال بالقرب من
داره،،واقتادوه إلى مقر البعث الفاشي،فلم يحتمل
وقع الأهانة وهو الوطني الشريف،الذي تمرس بالنضال
وعركته السجون،فكان معلما بارزا بين المناضلين ضد
الاستعمار والدكتاتورية الغاشمة،فهل يعقل أن يتجسس
لأمريكا عدوة الشعوب،ولشدة الصدمة أصيب بجلطة
دماغية فقد الوعي على أثرها،وتوفي بعد سقوط النظام
بأيام،ولكن هل علمت يا رفيقي العزيز بأن البعث ولى
إلى الأبد،وداست أحذية الأمريكان النتنة رأس
الطاغية،وتلاقفت صورته أحذية العراقيين،نعم لأنك
همست بأذني قبيل الهجوم الأمريكي بأيام،أن صدام
سيذهب إلى مزبلة التاريخ،وقد ولى إلى الأبد،وها هو
حزبك العتيد يعود من جديد،ليبني العراق المتحرر
السعيد،فنم قرير العين،فالراية التي ناضلت تحت
لوائها،لا تزال خفاقة في سماء العراق،وهاهم رفاقك
النجباء،يناضلون بعزم وصلابة لبناء عراق ديمقراطي
فدرالي تعددي موحد،وها هو حزبك العتيد يعطي دروسا
في الوطنية والنزاهة والشرف،عز وجودها في العراق
الجديد.
محمد جواد مجيد ألشريفي
في خمسينيات القرن الماضي،كان للحزب الشيوعي
العراقي،امتداداته العميقة في الخارطة السياسية
العراقية،فهو الحزب الوحيد الذي يمتلك تنظيما
شعبيا قويا،وجماهيرية كبيرة،رغم وجود أحزاب أخرى
في الساحة السياسية،ألا أنها أحزاب صورية،ورجال
صالونات مكيفة،لم ينزلوا إلى أوساط الجماهير،فكانت
قيادات أسمية وشخصيات فكرية واجتماعية،ليس لها
الامتداد الجماهيري الملحوظ،ولن تستطيع مجتمعة
أخراج مظاهرة مهما كانت صغيرة،أن لم تكن غير مؤهلة
أصلا لمثل هذه النشاطات،في الوقت الذي يمتلك الحزب
الشيوعي جماهيرية فاعلة قادرة على أحداث التغييرات
المطلوبة للعمل الحزبي،لذلك كان الحزب يتصدر
المظاهرات والإضرابات والأعتصامات،ويميد الأرض تحت
أرجل السلطة الملكية العميلة،فاستطاع إسقاط
وزارات،وتغيير حكومات ،وأشاع في الشارع السياسي
لغة سياسية غير مألوفة سابقا،مما حدا بسلطات العهد
الملكي إلى تضييق الخناق عليه،ومحاولة الحد من
انتشاره،فكانت الاعتقالات التي طالت أعضاءه
ومناصريه،والمحاكمات الصورية التي تصدر الأحكام
القاسية بحقهم،وإعدام قادته في سابقة جديدة في
العراق،وإطلاق النار على السجناء الشيوعيين،وقتل
بعضهم،وكان ذلك محط أعجاب الشعب العراقي،مما دفع
الكثيرين للانضواء تحت لواءه،والانتماء إليه،رغم
الصعوبات والعراقيل التي تواجه أعضاءه،وقد وصلت
تنظيماته أقاصي الريف العراقي،حتى ندر أن تجد قرية
تخلوا من شيوعي أو أكثر.
في هذه الفترة،كان الرفيق محمد جواد ألشريفي،طالبا
في دار المعلمين الابتدائية،وكانت الدار تزخر
بالكثير من الطلبة الشيوعيين،حتى قال وزير المعارف
آنذاك،"أننا نخرج شيوعيين ولا نخرج معلمين"،فكان
له أن أنتظم في أحدى الخلايا ليقوم بواجبه الوطني
في النضال من أجل تحقيق أماني الشعب،والمشاركة في
المظاهرات العارمة التي قادها الحزب الشيوعي في
استنكار العدوان الثلاثي على مصر سنة1956،لذلك ما
أن انبثقت ثورة تموز1958 حتى كان من أوائل الساعين
لبناء الحزب،وإرساء دعائمه التنظيمية على أسس
متينة،بعد التوسع الهائل في عضوية الحزب،وانتماء
الآلاف لصفوفه في فترة قياسية،جعلت قياداته
الميدانية عاجزة عن تنظيمها على أسس شيوعية
سليمة،وكان لثقافته ومعلوماته السياسية وسعيه
لتطوير قابليته الفكرية،وما يتمتع به من سمعة طيبة
في صفوف التعليميين،وعلاقاته الاجتماعية الواسعة
ورصيده الشعبي،أثرها في أنماء الحزب ورفده
بالعناصر القيادية المؤهلة لإعادة التنظيم،فقام هو
وزملائه ببناء الخلايا،وتمكنوا من جلب الجماهير
للحزب حتى أصبح أعضائه والمنضوين تحت لواء منظماته
الجماهيرية،التي يقودها ويشرف عليها أكثر من 90%
من سكان المدينة وأريافها،وكان المناوئين للحزب من
بعثيين ورجعيين يعدون على الأصابع.
ولمواجهة هذا المد الشيوعي الجارف،حاولت القوى
اليمينية والرجعية والجماعات الإقطاعية والمتضررين
من الثورة،مواجهته بالوشايات والمؤامرات،والدعايات
التضليلية الباهتة،يعاونهم نفر من أصحاب الوريقات
الصفراء المتضررين من الوعي الشعبي الذي بدء يسود
الشارع العراقي،فقام نفر من الإقطاعيين
والملاكين،يعاضدهم في ذلك بعض المدعين
القوميين،بتشكيل اتحاد للجمعيات الفلاحية،يقوده
نفر ضال من أبناء الشيوخ ورجال الإقطاع،وكان
لهؤلاء علاقاتهم بالحكام المحليين،لوجود الكثير من
الموظفين من بقايا النظام البائد الذين لم تطلهم
يد الثورة ،فأصبحوا سكينا في خاصرتها ولا يؤمنون
بتوجهاتها،ويحاولون الإساءة إليها من خلال محاربة
مناصريها الحقيقيين،أو تشويه صورتها أمام
الجماهير،لذلك تحركت الزمر الرجعية لافتعال معركة
مع الشيوعيين،لتشويه صورتهم أمام الناس،وكان مقر
"اتحاد الشعب" مقر الحزب الشيوعي العراقي،يقع في
مكان قريب من المحل الذي أفتتحه الرجعيين مقرا
لاتحادهم الهزيل،فأشيع حينها عن نية أتباع الاتحاد
الجديد بالاعتداء على مقر الحزب،يؤازرهم في ذلك
بعض أتباع الإقطاع والملاكين،وعندما وصلت الأخبار
إلى قيادة الحزب في القاسم،تحرك مسؤلي الجمعيات
الفلاحية وأعلنوا النفير العام تحسبا
للطوارئ،فأمتلات المدينة بمئات الفلاحين،وطوقت من
الخارج بمئات المسلحين المرابطين في البساتين
المحيطة بالقاسم،وكان الرفاق جاسم حسن شلال،ولطيف
عبد هويش،والشيخ أحمد العبد الله،من المتحمسين
والمندفعين لإثارة معركة دامية،ومواجهة هؤلاء
والقضاء عليهم لذلك كان الشارع ألقاسمي مهيئا بين
لحظة وأخرى للانفجار،وفي هذا الوقت بالذات تحرك
الرفيق محمد جواد لمقابلة مدير الناحية والشرطة
لبحث الأزمة معهم،فأخبروه أنهم طلبوا من المتصرف
إرسال نجدة عاجلة لتطويق الأزمة قبل
انفجارها،وإرسال تعزيزات عسكرية بناء على الشكوى
المقدمة من البعض حول نوايا الشيوعيين بالهجوم على
مقر الجمعيات الفلاحية،فوعدهم خيرا وطلب منهم
إلغاء طلب التعزيزات،وتعهده بعدم حدوث شيء،ثم توجه
إلى مقر اتحاد الشعب،وكان الرفاق جاسم حسن شلال
ولطيف عبد هويش،قد هيئوا المسلحين تحسبا لأي هجوم
طارئ من الإقطاعيين ،فطلب منهم التفرق وعدم أحداث
معركة في هذا الظرف،والتزام العقل في معالجة
المشكلة،وبعد مجادلات مضنية حصل الاتفاق على تفريق
الناس على أن يبقى المسلحون خارج القاسم تحسبا
للطوارئ،ومقاومة الهجوم عند حدوثه،ثم توجه إلى
مركز الشرطة وأخبرهم بالاتفاق وأن المسلحين
انسحبوا من المدينة،على أن تقوم السلطة بدورها في
إلزام الآخرين باحترام الاتفاق،وبعد خروجه من
المركز وعودته إلى المدينة،فوجئ بوجود تجمع مريب
يضم نفر من حثالات البعث والموتورين،فحاول أحدهم
الاعتداء عليه،وكان الرفيق محمد جواد من أبطال
الرياضة في حينها،فوجه له لكمة أسقطته أرضا،وتهيأ
لضرب الثاني لكن تواجد بعض الرفاق بالقرب من
الحادث وتقدمهم للمشاركة في المعركة ،دفع أولئك
إلى الانسحاب،وذهب أحدهم للشكوى،وبعد قليل أقبل
عريف الشرطة وطلب من محمد جواد مرافقته إلى المركز
لوجود شكوى ضده،فذهب معه إلى هناك وعندما دخل باحة
المركز فوجئ بالمشتكي الذي أخذ بالاستهزاء
به،بقوله(ها ولك جابوك)فما كان منه إلا أن ضربه
ضربة قوية ألقاه أرضا،فاقبل مفوض الشرطة وفض
الاشتباك،وأتصل بضابط المركز وأخبره بأن احد
الشيوعيين المدعو محمد جواد قد مزق صورة
الزعيم،فطلب منه ضابط المركز عدم اتخاذ أي أجراء
لحين عودته،وإذا تصرف معه بطريقة غير مقبولة
فسيكون حسابه عسيرا،وعندما جاء ضابط الشرطة،وسأله
عن قصة الصورة،قال له أنت تعرف أني عضو في الحزب
الشيوعي ومدير مدرسة القاسم،فهل يعقل أن يقوم
شيوعيا بتمزيق صورة الزعيم،ولكن المشتكي الذي
تعرفه جيدا،وتعرف حقيقة نواياه اتجاه الثورة هو
الذي قام بتمزيق الصورة واتهامي بذلك،فأمر الضابط
بإطلاق سراحه،وأمر الشرطة بجلد المشتكي وإيداعه
التوقيف.
وعندما علم الرجعيين باعتقال محمد جواد،خيل لهم
أنهم انتصروا،فأخذوا بالتحرك في المدينة وبث
الأراجيف والتهريج ضد الشيوعيين، فقام أحد
الرفاق،عزيز حسين والرفيق عزيز حمزة الأحمد ورفاق
آخرين بإخراج مظاهرة كبيرة انطلقت من مقهى الحاج
رزاق السعيد،الكائنة في وسط المدينة،باتجاه الشارع
العام،وهي تهتف بسقوط الإقطاع والرجعية وعند
مرورها بالقرب من مقر الاتحاد الهزيل قام أحد
منتسبي ذلك الاتحاد بضرب أحد المتظاهرين بحجارة
كبيرة أسالت الدماء الغزيرة من رأسه،وفي تلك
اللحظة أصبح من الصعب احتواء الموقف،فقامت
الجماهير الغاضبة بالهجوم الكاسح على المقر،فحاول
المتمركزين فيه،إغلاق أبوابه عليهم،إلا إن
المهاجمين حطموا الأبواب وانهالوا عليهم بالضرب
الموجع،فجرح الكثيرين منهم،وأغمي على بعضهم بعد أن
انهالت عليهم الحجارة الشعبية من كل مكان،وعندما
علمت قيادة الحزب بالأمر توجهت إلى أرض المعركة
وأمرت بالانسحاب،فأنسحب المتظاهرين بعد أن لقنوهم
درسا لا تزال أثار جراحه باقية على وجوه ورؤوس
الكثيرين منهم ممن لا زالوا أحياء،واستولى
المتظاهرين على أسلحتهم ،وسلمت إلى الشرطة.
وبعد أيام قامت السلطة باعتقال أكثر من (30)
شيوعيا،كان من بينهم السيد محمد جواد وجاسم حسن
شلال ولطيف عبد هويش،وشيخ أحمد عبد الله ،وعزيز
حسين وعزيز حمزة وعبد الواحد حسن حسين السرحان
وسيد فخري السيد مجيد،وكاظم الحاج ظاهر،وقد أحيل
جميع المتهمين إلى الحاكم العسكري العام،فصدرت
أحكام بحق الكثيرين منهم وبرأت ساحة البعض
الآخر،وكانت نقابة المحامين قد انتدبت لجنة من
أمهر المحامين للدفاع عنهم،وبرئت ساحة المعلمين
لوجود كتاب رسمي من مديرية التربية،يدعوا المعلمين
للتعاون مع المنظمات الجماهيرية ومراقبة أعداء
الجمهورية.
وبعد خروجه من السجن لم يعاد لوظيفته،فواجه السيد
نجيب محيي الدين نقيب المعلمين آنذاك وأطلعه على
أوليات الموضوع فصدر الأمر بإعادة المعلمين إلى
وظائفهم،لعدم وجود ما يدينهم،وقد أعتقل بعد ذلك
عدة مرات بسبب نشاطه الشيوعي،ونقل إلى مدرسة نائية
خارج اللواء،وعندا حدث الانقلاب المشئوم كان خارج
اللواء،فلم يلقى القبض عليه،وبعد انقلاب عارف،أكمل
دراسته في الجامعة الأمريكية ببيروت،ودرس
القانون،وطلب أحالته على التقاعد،وعمل محاميا،فكان
من خيرة المحامين،المعروفين بنزاهتهم،وعدم توكلهم
في القضايا الباطلة،وبعد الجبهة،كان لصيقا بالحزب
ونشر مقالاته في جريدة الحزب طريق الشعب،وبعد
انهيار التحالف أعتزل العمل السياسي،وقد القي
القبض عليه في الثمانينيات لورود رسالة إليه من
أحد أصدقائه الشيوعيين،وسجن سنتان،أطلق سراحه
بعدها،وظل وفيا لمبادئه حتى لحظاته الأخيرة،،حيث
كان له بعد سقوط النظام مواقفه الكثيرة في دعم
منظمة الحزب وإسنادها في المدينة،ومدها بالعون
والنصيحة والتوجيه،رغم ابتعاده عن التنظيم بسبب
تقدمه بالسن،فكان يشارك في نشاطات الحزب
الجماهيرية،وفي أيامه الأخيرة عندما أدخل المستشفى
كانت زياراتنا له متواصلة ،ومحل رعايتنا لكونه
عقيما لم ينجب،وقبيل وفاته بأيام قمنا
بزيارته،فأظهر ما بداخله من تصميم على الأيمان
بمبادئ الحزب،وأبدى بعض الملاحظات عن مسيرة الحزب
وضرورة الانفتاح على الجماهير،والعمل للدفاع
عنها،والسعي لتحقيق مطالبها،والتصدي للمؤامرات
التي تحاك في الخفاء للنيل من الشعب العراقي،لك
الخلود أيها الراحل الكريم،لقد قدمت ما
بوسعك،وعملت جهدك،فكنت مثالا للشيوعي
الملتزم،وستبقى ذكراك باقية ما بقي الحزب ورفاقك
النجباء،وهاهم يتصدرون النضال دفاعا عن شعبهم
ووطنهم،بهمة عالية لا تعرف الملل أو الكلل،وها هي
البراعم الجديدة تنموا ،لتعيد بناء الحزب على أسس
متينة،وسيبقى الحزب جذوة النضال،ورأس الرمح،لبناء
وطن حر وشعب سعيد.
عزيز حمزة الأحمد(أبو منذر)
ما أعزه من عزيز،كان أثيرا بين لداته
وأصدقائه،حبيبا إليهم،لصيقا بهم،عرف بالسخرية
اللاذعة،والنظرة المتفائلة،والجرأة والاندفاع إلى
حد التهور،ومواجهة المواقف العصيبة،وما أكثر
الذكريات التي تندفع في مخيلتي عندما يمر في
خاطري،أو يذكر أسمه في حديث.
ولد الشهيد عام 1940 في أسرة متوسطة الحال،لأب
مزواج،كانت أمه الأثيرة لديه،فكانت عنايته منصبة
لتعليم أبناءه،والاهتمام بهم ليكونوا شيئا في
المستقبل،فكان أن تقدموا في دراستهم،فأصبح عزيز
معلما في المدارس الابتدائية،بعد تخرجه من دار
المعلمين،وشقيقه كوكب حمزة الذي أصبح معلما من
معالم الفن العراقي،ومن كبار الملحنين،وفي دار
المعلمين التي كانت مرتعا لقوى اليسار،وأرضا خصبة
لنشر المبادئ الشيوعية،تشرب عزيز بهذه المبادئ
وآمن بها،فكان من طلائع الناشطين بعد ثورة الرابع
عشر من تموز المجيدة،وضمن القيادة الأولى التي
تولت مسؤولية المنظمة في القاسم،وكان لها شرف
الدفاع عن الثورة،ومحاربة القوى الرجعية التي
حاولت الانقضاض عليها وإفشالها،وكان لعلاقاته
المتميزة مع أقرانه،واهتماماته الرياضية التي
جعلته في قلب الوسط الشبابي،وروحه الشبابية
المفعمة بحب الخير والجمال،أن تفعل فعلها وتظهر
تأثيرها،فأصبح للحزب امتداده في أوساط الطلبة
والشباب،فكانت الجماهيرية الواسعة التي استقطبت
شرائح المجتمع المختلفة،من عمال وفلاحين وكسبة
وطلبة وشباب،فامتدت تنظيمات الحزب وتشعبت،مما جعل
السيطرة عليها وتنظيمها من المهام العسيرة على
القيادة التي لم تكن متمرسة في العمل العلني،وقلة
الكفاآت القيادية التي تستطيع استيعاب المد الهائل
للمنتمين الجدد،أو السيطرة على مسار المنظمات
الجماهيرية،فكان أن حدثت أخطاء هنا وهناك بسبب
تصرفات فردية،لم يكن لقيادة الحزب رأي فيها،وهي
تصرفات فردية آنية،تحمل الحزب نتائجها.
في مثل هذه الأجواء العاصفة،كان أبو منذر رأس
الرمح في المسيرات والمظاهرات،يعينه في ذلك والده
الكهل الوقور المعروف بشجاعته وقوته البدنية
الهائلة،وأقدامه إلى حد التهور،فكان رغم كبره يلوح
ب "قامته" المتوهجة مع نور الشمس،في أوساط
الجماهير فيزيدها حماسا واندفاعا،وله مواقف لا
تزال ذكراها عطرة في نفوس من عاشها،ودفاعه
المستميت عن المبادئ التي آمن أبنائه بها،وكان
لمكانته الاجتماعية في المدينة آثارها التي عادت
بالنفع على الحزب،في مسيرته الطويلة.
وأن أنس فلا أنسى ذلك اليوم الذي انطلقت فيه
المظاهرة الكبرى،في أوج العنفوان الثوري والمد
الجماهيري للحزب،فكان عزيز علما تشرئب له
الأعناق،وترنو له النواظر، عندما قاد مع رفاقه تلك
المظاهرة الكبرى التي أرعبت الإقطاع وفلوله
المنهارة،وشراذم الرجعية التي حاولت استعادة مجدها
الغابر ولملمة صفوفها واستعادة قدراتها على
المناورة والتآمر على الجمهورية الفتية،فكانت
المعركة عندما حاول نفر من أزلام الإقطاع،أقامة
تجمع فلاحي،بمواجهة الجمعيات الفلاحية التي يشرف
عليها الحزب،بعد أن فشلوا في تحقيق مكان لهم في
الانتخابات الشرعية،فكان أن تعرضوا للمظاهرة التي
خرجت لمساندة الجمهورية،واعتدى أحدهم على المرحوم
عباس كبة فشج رأسه،وأسال دمه،فكانت الصرخة
المعروفة في الأوساط الجماهيرية(حيهم) وهي لإثارة
العزائم وطلب النجدة،فما كان من الجماهير غير
المنضبطة،إلا التعامل بعقليتها القبلية،وكيل الصاع
صاعين للمعتدين،فكان الهجوم الكاسح على تجمع النفر
الضال،مما أدي إلى حدوث معركة ،وإصابات بين
الطرفين،وقد أصيب الرفيق أبو منذر بضربة سكين في
عاتقه الأيسر،فسال دمه القاني على قميصه الأبيض
المطرز بحمامات السلام،ورغم الدم الراعف،كان لا
يني ولا يهدءا ،ويهدر بصوته الجهوري لشد أزر
المهاجمين،يعينه والده بهديره الذي يلهب الجماهير
ويرفع من عزائمها مما جعل الناس تندفع بدون شعور
لكسب النصر،ويزداد الدم تدفقا،فيطلب منه رفاقه
الانسحاب إلى الخطوط الخلفية لإسعافه،فتندفع
الرابطية "أم عزيز" المناضلة الصلبة التي كانت
مثال للمرأة العراقية في الشدة والتصدي
للمؤامرات،تندفع وهي صارخة(حنة...حنة) أنها حناء
الثورة،وليست دما،لتشد الجرح بملاءتها،وتقود
الجماهير إلى جانبه،لتشد من أزره وتواكب
مسيرته،وعندما رأت الجماهير هذه الجرأة
والصلابة،دفعهم العزم الثوري والهوس
الوجداني،فانقضوا كالشواهين على أوكار البغي
والرذيلة،وحثالات العهد الملكي،لتكون نهاية
المعركة بفرارهم كالجرذان المذعورة،وقد غطت
أجسادهم الدماء،تشيعهم اللعنات وتصفع أقفيتهم
حجارة الأطفال،وكان والده من أكثر المهاجمين
أقداما،فقد كان طويل القامة ضخم الجسم،شديد
القوة،وكان وجوده سببا في خشية الكثير من الأذناب
لنجدة المحاصرين،لما ترك في أجسادهم من آثار في
معارك سابقة،لأسباب بعيدة عن السياسة،وكانت الجموع
الفلاحية المسلحة بالبنادق،تطوق المدينة من
خارجها،خوفا من دخول المجمعات الخارجية التي كانت
تعد العدة للاشتراك بالمؤامرة.
وبعد تفرق المتظاهرين،أقدمت السلطات على اعتقال
الكثير من المشتركين فيها حتى تجاوز العدد (60)
شخصا،وجميعهم من أعضاء الحزب الشيوعي،وكان ذلك
بدايات تراجع الثورة عن مسارها الأول،ودخول
الأطراف الرجعية طرفا في هذا الانحراف،وأعتقل أبو
منذر مع زملائه،وبعد مرافعات ومرافعات،ولوقوف
نقابة المحامين المجيد في الدفاع عنهم،وتدخل نقيب
المعلمين الأستاذ نجيب محيي الدين في استنكار
الاعتقال،أطلق سراحه مع آخرين،فيما حكم على أكثر
من عشرين منهم بأحكام مختلفة،وواصل أبو منذر نضاله
السري،ونشاطه العلني في نقابة المعلمين،فكان داره
عرضة لمداهمة الشرطة السرية،ومراقبة القوى
الأمنية،وظل بين اعتقال واعتقال،حتى 8 شباط
الأسود،حيث القي القبض عليه من قبل قطعان الحرس
القومي،ولكن تأثير أسرته الاجتماعي،ومحاولتهم
اقتحام مقر الحرس القومي جعلهم يطلقون سراحه،وظل
أبو منذر كما عهدناه شعلة من النشاط والحيوية،لم
ترعبه السجون،أو ترهبه المعتقلات،أو تثنيه سياط
البغي والجريمة،فكان نزيلا مزمنا للسجون،وكانت
الوسادة والبطانية مهيأة دوما في أي ساعة يعتقله
رجال الأمن.
وبعد قيام الجبهة الوطنية،أصبح المجال واسعا
لتحركه العلني،فما أن أعلنت الجبهة حتى خرجت
المظاهرات الضخمة لأعضاء الحزب الشيوعي
ومناصريه،هاتفنا بالتأييد لها،مما أرعب السلطة
الدكتاتورية الغاشمة،وجعلها تعيد حساباتها في
التحالف وتهيئ منذ ذلك اليوم لنقضه،أن لم يكن
التحالف تكتيكا لجأت إليه لتحسين صورتها القبيحة
أمام العالم،وكانت داره الواقعة وسط المدينة
بمساحتها الكبيرة،أشبه بالمقر الحزبي،فكانت
الاجتماعات والاحتفاليات في المناسبات الوطنية
فيها،مما جعلها موضع رقابة السلطة التي أخذت منذ
اليوم الأول تعد العدة لتصفية الحزب الشيوعي،فكان
بائع الجرائد ملزم بتقديم كشف بأسماء من يشتري
طريق الشعب،ورجال الأمن يراقبون بيوت الشيوعيين
ويحصون عليهم حركاتهم وسكناتهم،وزج الأمن بعملائه
في صفوف الحزب للتجسس وجمع المعلومات،فكانت
العناصر الهزيلة معروفة ومشخصة لنا،فكانت
التعليمات المهمة تبلغ حصرا للعناصر الموثقة،لذلك
فأن العمل العلني كشف المستور،ورغم معرفة الحزب
بما كانت تخطط له السلطة،فقد كان التعامل مع
البعثيين بإخلاص تفرضه طبيعة الشيوعي التي لا تعرف
المداهنة والغش والتآمر على الآخرين،وقد أرعب المد
الجماهيري الهائل سلطة البعث،فكان الرفيق عزيز
وخيرة المناضلين الآخرين،أول من القي القبض عليهم
بعد أن كشر البعث عن وجهه القبيح،فأعتقل هو
والرفيق محمد النعمان ،الذي سيكون له ترجمته في
حلقة قادمة،وأصدرت عليه محكمة الثورة سيئة الصيت
،حكم الإعدام ومصادرة أمواله المنقولة وغير
المنقولة،وبيعت داره العامرة،فاضطرت عائلته إلى
ترك الدار والسكن في دار أخرى،وقطع عنه راتبه،وبعد
ذلك بأشهر سفرت عائلته إلى إيران بحجة التبعية
الفارسية،رغم أنهم من سكان العراق الأصليين،ولكن
انتمائهم الشيوعي كان وراء عملية التسفير،لأن
السلطة العفلقية لم تسفر الأعاجم الحقيقيين من
الممالئين لها المتعاونين معها،وقد عادت أسرته بعد
سقوط النظام وإعادة بيتها السابق الذي قام بشرائه
أحد رفاقنا ممن يرتبط معهم بصلة نسب.
لقد كان للرفيق الكثير من المواقف التي تستحق
التسجيل،أتمنى على شقيقه الفنان كوكب حمزة
تسجيلها،لأنه من أكثر المطلعين عليها،لمواكبته
لأخيه في ذات الدرب،واشتراكهم في الكثير منها،ولا
يسعني في النهاية إلا الإشارة للإجحاف الذي قوبل
به شهداء الحزب الشيوعي العراقي،الذين هم أنبل
الشهداء وأحقهم بالإشادة والتكريم،فقد عاشوا
واستشهدوا دون أن تتدنس أيديهم بما تدنست به
الأيدي الأخرى،وعملوا بتفان ونكران ذات،دون
التفكير بالحصول على نفع أو مكسب،ولكن الحكومة
العراقية التي عليها تكريمهم،تناست أن هناك شهداء
غير الإسلاميين،فكانت الشوارع والمدارس
والمستشفيات والنصب والتماثيل حكرا عليهم ،دون
التفكير بأن يكون للآخرين مكانا فيها،في استحواذ
عجيب لا يصدر من مؤمن بالديمقراطية أو التعددية،أو
العرفان بالجميل،وعسى أن تكون هناك التفافة
للمضحين والمناضلين الآخرين في العراق الجديد،وأن
نرى أعلام الشهداء العراقيين الذين علموا الناس
كيف يكون الاستشهاد من أجل المبادئ،قد خلدت ذكراهم
بتسمية ساحة أو شارع أو زقاق أو مدرسة،فالخالدين
الشيوعيين وأن تناسهم العهد الجديد،فسيبقون علامات
مضيئة في تاريخ العراق الحديث،وستبقى ذكراهم خالدة
ما بقي أسم العراق.
نم قرير العين أيها الرفيق العزيز،فهاهي الرايات
الحمر عادت لترتفع مجددا في العراق رغم أنف الخونة
والمارقين،وستبقى أسمائكم في ذاكرة الأجيال
العراقية،رمز للتضحية ونكران الذات،والدفاع عن
المبادئ الشريفة،ولابد أن تشرق شمس الحرية بجهود
رفاقكم الذين يواصلون النضال لبناء وطن حر وشعب
سعيد
علي حسين الصكر"أبو وميض"
قد أكون مبالغا أو مضخما للأدوار،ولكني لا أجانب
الحقيقة إذا قلت أن الكثير من الشيوعيين تميزوا
بخصائص لا تتوفر في الآخرين،وأصبحت ميسما
لهم،وعلامة دالة عليهم،فالتضحية والإيثار،والأمانة
والعفة والنزاهة ونكران الذات والعلاقات
الاجتماعية الحميمة والمبدئية العالية والإخلاص
المنقطع النضير،إلى صفات أخرى محببة،كانت علامات
فارقة لهم جعلتهم مثلا أعلا،ولا زالوا- رغم تغيير
الحياة وتبدل المجتمعات- على ذات الصفات التي
جبلوا عليها،مما جعل لهم رصيدا جماهيريا بشهادة
حتى الأعداء،وهناك ميزة قد لا يقرني عليها
الآخرين،تلك هي الروح المرحة والدعابة المحببة حتى
في أحلك الظروف،وأشد المواقف،فالابتسامة الشيوعية
كثيرا ما أرعبت جلاديهم،أو جعلتهم يتميزون غيضا
منها،وشاهدت الكثير من هذه المواقف لرفاق
أعزة،كانت سياط البغي التي تدمي أجسادهم،لا تمنعهم
من مواجهة جلاديهم ببسمة هازئة،أو ضحكة مجلجلة،قد
تدفعهم إلى القسوة المفرطة في تعذيبهم،ومن هؤلاء
المربي الفاضل والوجه الوطني،علي حسين الصكر،الذي
كان طلعة بارزة بين أقرانه،ودودا أليفا طيبا ناكرا
للذات،يبذل من نفسه للآخرين ويعيش من أجلهم،فيجود
بما يملك لكل من عرفه وكسب وده،وكان ملجأ للكثير
من أقرانه عندما تصيبهم ضائقة أو عوز مادي،فلا
يتورع عن أعطاء كل ما لديه،أو الاقتراض لرد
الغائلة عن صديق،وكان بيته الملاذ الآمن والحصن
الحصين لرفاقه من المدينة أو خارجها،يؤمه الرفاق
من خارج المدينة،فيجدون فيه ما تشتهي الأنفس،وكان
لدعابته المحببة،وابتسامته العريضة،وحفاوته
البالغة،الأثر في كثرة علاقاته الاجتماعية،فترى
داره مثابة الأديب،وكن الشاعر،ومسرح الفنان،ومخبأ
المطلوب للسلطة،ولا يزال أثر تلك الأماسي ماثلا في
مخيلة عارفيه،وحية في قلوب الكثير ممن حضرها أو
شارك فيها،وقد أثارت شخصيته الرصينة،الكلاب
البوليسية النهمة،فكان عرضة للاعتقال
والمداهمة،وضيفا مؤقتا للسجون،ولعلي لا أفشي سرا
إذا قلت أنه لم يكن شيوعيا منظما،أو عضو في الحزب
على الطريقة الكلاسيكية في الترشيح واكتساب
العضوية،أو حضور الاجتماعات،فكان هو الحزب ذاته
دون أن يؤطره بانتماء رسمي،وداره مهيأة للاجتماعات
الحزبية،رغم السرية التي تحيط تلك
الاجتماعات،وكانت الهيئة القيادية تجتمع في
داره،أو في بساتينهم المحيطة بالدار،وكانت الإشارة
المتفق عليها،بين الخلية ومسئولها،المصباح الخارجي
للباب فإذا كان مطفئا فهذا يعني إن الاجتماع مؤجل
لسبب طارئ،وأن كان مضاء فما عليك إلا دفع الباب
والدخول دون الحاجة لطرقها،فقد جعل جزء من داره
للضيوف،بمعزل عن دار العائلة،وهذه الدار مهيأة
دوما لاستقبال الرفاق أو ضيوفهم،وإذا حدثت مداهمة
أو "زركة" كما تسمى،فالمجال واسع لتسلل الرفاق إلى
البستان الواسع المحيط بها،وكثيرا ما أقيمت فيها
الاحتفالات الخاصة بالمناسبات الوطنية،وخصوصا أيام
الجبهة،فكان ينفق فيها عن سعة دون أن يكلف الحزب
شيئا من نفقة،وهذا ديدنه في مثل هذه الأمور.
لقد كان مواكبا ومشاركا في كل المسيرات والمظاهرات
والاحتفالات،وله علاقات متميزة بالكثير من الكوادر
الحزبية،من المحافظة أو خارجها،ولكنه لا يستطيع
الالتزام بما يتطلبه الانتماء من ضبط حديدي كان
السمة المميزة للشيوعيين،وكثيرا ما عقدت
الاجتماعات في داره بحضوره أو دونه، دون أن يشارك
في رأي أو قرار،ولكن لو سألت أي إنسان في المدينة
عنه،لما جانب الحقيقة إذا قال أنه شيوعي،ولعله
أكثر أخلاصا من كثيرين انتموا رسميا للحزب وساروا
في طرق متعرجة،أو أفشوا أسراره وأصبحوا وبالا
عليه،وقد أثار نشاطه هاجس الأمن والبعثيين فحاولوا
الضغط عليه فلم يزده ذلك إلا إصرارا،بل كان
يواجههم في بعض الأحيان بالقارص من الكلام لما له
من دالة وتأثير وأفضال سابقة،وما لأسرته من تأثير
اجتماعي في المنطقة،بوصفهم (قوام) ودورهم مثابة
ودار ضيافة للوافدين إلى المدينة،وما عرف عنه من
روح اقتحامية لا تعرف المواربة والمجاملة،ومما
أتذكر أن البعثيين أبان محاكمات المهداوي ذائعة
الصيت،كانوا يرسلون بعض الأشقياء إلى المقهى
الوحيدة التي فيها تلفزيون في تلك الفترة،وهي مقهى
المرحوم الرفيق(أبو رشيد) الحاج عبد الشهيد الحاج
عبود،وتنقل وقائع المحكمة،فكان هؤلاء يفتعلون
شجارا،أو يثيرون لغطا،للتشويش عليها،وصرف الناس عن
متابعتها،فقام الشهيد بتحريك بعض الأشقياء
لمقابلتهم بالمثل،فكانوا يقفون لهم
بالمرصاد،لمنعهم من الدخول،وقد تحدث معركة بين
الجانبين،فيقوم المناوئين بالشكوى لدى الجهات
الحكومية،فيلقى القبض على الأشقياء،فكان الرفاق
يبذلون الجهد لإخراجهم بما لهم من رصيد تلك
الأيام،وفي مقدمتهم الرفيق على بما يملك من نفوذ
فيطلق سراحهم بكفالة،ويتكفل بمصاريفهم ونفقتهم عن
فترة توقيفهم من ماله الخاص،،وله في هذا الجانب
حكايات كثيرة لا يسع المجال لإيرادها،وفي مجال
المساعدات الإنسانية،كان معروفا بمساعدة
الفقراء،وقد وهب الكثير من العوائل الفقيرة قطع
أراضي مجانية لتشييد دور عليها،وكانت أراضيهم
المحيطة بالمدينة مباحة للفقراء،ولا زال الكثير
منهم يتحدثون بهذه المآثر،وبعد سقوط النظام،أقيمت
احتفالية في مركز الشباب لتأبين الشهداء فأنشدت
قصيدة في تأبينه،وبعد انتهائي من القصيدة،اندفعت
أحدى موظفات المركز،لتقدم لي الشكر،ولمعرفتي بعدم
قرابتها للفقيد،ظهرت علامات الاستغراب على وجهي
،فقالت،لقد جعل مني الشهيد شيئا،فقد ولدت يتيمة
الأب فتكفلت أمي تربيتي،ولظروفنا المالية
الصعبة،قام المرحوم برعايتي وإدخالي المدرسة،وتكفل
بكل مصاريفي الدراسية من الملبس حتى المصروف
اليومي،حتى أكملت دراستي،وعينت في هذا
المركز،ولولاه لكنت أمية جاهلة.
وبعد أتفاق الجبهة، وبدء الحزب بالعمل العلني،كان
له الدور المؤثر في النشاط السياسي،رغم عدم
انتمائه الرسمي كما بينا،فقد كان لصيقا بالحزب
بشكل مباشر،مساهما في نشاطاته المختلفة،داعما له
ماديا ومعنويا،بذل وقته وجهده وماله في كافة
الميادين التي للحزب نشاط فيها،لذلك كان للبعثيين
موقفهم منه بعد الجبهة،ولكن معرفتهم بعدم
انتمائه،وعدم وجود اعترافات عليه،والتأثير
الاجتماعي لأسرته،أنجاه مما خطط له،وكان له أن
ينجوا من براثنهم،لولا أقدامه الجريء الهازئ
بالعواقب،فقد قامت السلطة العفلقية الصدامية
بإعدام وحبس الكثيرين من رفاقنا وغيبت أثارهم لحد
الآن،فكان أبو وميض بما ذكرنا من سجاياه
ومناقبه،سباقا لتقديم العون لعائلاتهم،وتفقد
أحوالهم،ومساعدتهم على مواجهة أعباء
الحياة،فاستدعاه الأمن وحذره من مغبة تقديم العون
والمساعدة لعائلات المعدومين ،إلا أنه أصر على ذلك
ورفض الانصياع لما يريدون،بل تمادى أكثر من
ذلك،فكانت سيارته (اللادا) البيضاء،تنتقل من مكان
إلى آخر،في زيارة لهذه العائلة أو تلك،وتم مفاتحة
شقيقه بالأمر،ولكنه لم يرتدع،وذات يوم كان ذاهبا
إلى مدينة الديوانية لزيارة عائلة أحد الرفاق
الذين أعدمهم النظام البائد،رغم تحذير الأمن له من
زيارة هذه العائلة حصرا،وعند خروجه،أقتاده جلاوزة
أمن الديوانية إلى مكان مجهول،وقد غابت أثاره،رغم
تشبث عائلته بالبحث عنه،فلم تتمكن من العثور عليه
أو معرفة مكانه،وفي انتفاضة آذار1991 لمشاركة
أبناءه في الانتفاضة،قام الأمن بإحراق داره ونهب
محتوياتها،وبعد سقوط النظام،قام أبناءه بالبحث
عنه،فلم يعثروا له على أثر،رغم بحثهم في المقابر
التي تم اكتشافها،وقد تمكنت قيادة الحزب في الحلة
من العثور على قرار الحكم الصادر من محكمة الثورة
القاضي بإعدامه ومصادرة أمواله المنقولة وغير
المنقولة،إلى جانب أسماء أخرى لشهداء الحزب
الشيوعي العراقي.
وعندما قامت المدينة باستذكار شهدائها،في الاحتفال
الجماهيري الكبير ،أنشدت هذه الأبيات:
شك الجفن...
وعاين بعينك عالوطن
هلي زهت جلماتنه....وزخت على الوادم مزن
وما ظل أبد..لا بعثي...
لا شرطي أمن ..لازم لواوين الصحن
يبن الصكر.... يا بو وميض ...
وردت الوادم على مركة كبل
لمها عشكها الأولي بدمها أنعجن
وأولادك أشموع الحزب...
أولاد أبوهم عالعهد...
ردوا يوفون الثمن
ريح ضميرك ما متت...
أسمك يضل النه وطن....أجمل وطن
لك المجد والخلود أيها الراحل الكريم،فهاهم أبنائك
الذين ورثوا مخائلك وسجاياك النبيلة،يقتفون
آثارك،ويناضلون بأقدام وجرأة لمواصلة مسيرتك
النضالية،كما كنت تتمنى لهم أن يكونوا،وهاهي
الراية التي استشهدت تحت لوائها خفاقة في ربوع
العراق الجديد.
((رهين المحبسين))
لطيف عبد هويش(أبو حاكم)...أسم لا ينسى في تاريخ
الحزب الشيوعي في بابل والفرات الأوسط،لوحق وطورد
في العهد الملكي،وذاق الأمرين في العهد
الجمهوري،وناله من الدكتاتورية الرعناء ما
ناله...لم يهن ولم يستهن ولم يتراجع وظل ذلك
الشيوعي المخلص لمباديء حزبه ووطنه وشعبه،رغم
شيخوخته والأمراض التي تعاورته وجعلته رهين
المحبسين العمى وعدم قدرته على المسير،فأقتعد
منزله،يعيش على ذكريات السنين الحافلة بالمآثر
والبطولات، عرفته منذ سنين طويلة ناشطا في صفوف
الحزب ،وعاملا في الجمعيات الفلاحية ،فقد انتمى
للحزب الشيوعي أوائل الخمسينيات ،عندما كان سجينا
في سجن بغداد المركزي عن قضية جنائية تتعلق بقتل
أحد الأشخاص،وفي السجن التقى بالسجناء الشيوعيين
الذين لمس فيهم جمال الخلق وحلو السجايا ،فاحتلوا
من قلبه المكان اللائق، فكانت بداية الارتباط
بالحزب،ودخل صفوف محو الأمية التي أقامها الرفاق
في السجن بناء على تعليمات الرفيق الخالد
فهد،وتعلم القراءة والكتابة،ودرس ألف باء
الماركسية،ومن يومها أصبح مشدودا لهذا الفكر
النير،وهذه المبادئ السامية،وبعد انتهاء محكومته
خرج من السجن الصغير إلى سجن الحياة الكبير،حيث
النضال والمظاهرات والإضرابات الصاخبة ،ومواجهات
الشرطة،وأخذ نصيبه من النضال ناشطا حزبيا،ومنظما
جاب مناطق الفرات الأوسط على قدميه لزرع النواتات
الحزبية،وإيجاد الركائز في الأوساط الفلاحية،وبسبب
نشاطه الدائب كان عرضة للاعتقال والتعذيب فجاب
سجون العراق كافة،وحل ضيفا عزيزا في نقرة السلمان
وسجن بغداد المركزي وسجن بعقوبة والحلة والرمادي
والسماوة والديوانية والمواقف الأخرى،والتقى
بالكثير من قادة الحزب وكوادره أمثال الرفاق زكي
خيري وعبد القادر البستاني وجورج تلو وبهاء الدين
نوري ومحمد صالح بحر العلوم ومظفر النواب،وارتبط
بعلاقات تنظيمية بالرفاق باقر إبراهيم الموسوي
وحسين سلطان وعدنان عباس ومعن جواد وكاظم الجاسم
وكاظم فرهود وغيرهم ممن غابت عني أسماؤهم،وبعد
ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة أطلق سراحه من
السجن لشموله بقانون العفو،وكان له شرف المساهمة
في تنظيمات الحلة-الهاشمية -القاسم -المسيب
والديوانية والمحاويل،وغيرها وتسلم قيادات حزبية
في التنظيمات المدنية والعسكرية وساهم في قيادة
منظمة القاسم التي كانت تمتد من قرية البو شناوة
الى ناحية السنية،يعاونه في ذلك الرفاق جاسم حسن
شلال والشيخ احمد عبد الله وحاوي آل مطر وعبيد عبد
الأخوة وحسن السهر وعبد الله محمد شلال والشهيد
عباس خضير(أبوسالم)ومحمد سلمان الموجد ومحمد جواد
الشريفي وهادي حمد وكاظم الحاج ظاهر وعزيز حسين
العگيلي وجاسم حسين الصگر والشهيد عزيز حمزة
الأحمد وغيرهم،وكان له نضاله في السجون والمعتقلات
أيضا،فقد كان من المشاركين في حفر النفق الذي هرب
منه السجناء الشيوعيين في سجن الحلة وحدثني عنها
فقال(كنت سجينا في سجن الحلة المركزي الكائن في
منطقة باب المشهد،وكان السجن يضم أكثر
من(1200)سجين شيوعي وديمقراطي، وكلفنا من الحزب
بتهريب بعض الرفاق القياديين،فقررنا حفر نفق من
السجن الى كراج السيارات المجاور للسجن،وكان من
ضمن المعتقلين رفاق من المهندسين والفنيين ،فوضعت
الخطة اللازمة وبحجة بناء غرفة لمحو الأمية تمكنا
من الحصول على مجرفة ومعول وقمنا بعمل اللبن
-الطابوق غير المفخور-واستطعنا إخفائهما لنقوم
بالحفر ليلا وإخفاء التراب تحت الأفرشة أو رميه في
المجاري أو أخراجه خلسة لعمل اللبن،وبعد اكتمال
عملية الحفر تقرر أن يكون الهروب يوم الجمعة حيث
يزدحم الكراج بالمسافرين،مما يجعل عملية الهروب لا
تثير الشبهات،وكانت الفتحة تحت سيارة عاطلة متروكة
في الكراج من فترة طويلة،فقام الرفاق بالتسلل
والخروج الى الكراج وركوب السيارات المتوجهة خارج
المدبنة ،وذهب قسم منهم الى أقاربهم أو معارفهم
المتواجدين داخلها ،وقد لاحظ أحد العاملين في
الكراج كثرة الخارجين فأخبر الحراس مما أدى الى
انكشاف العملية،فأعلنت حالة الطوارئ في
المدينة،وخرجت المفارز تجوب الأزقة والطرقات
والمدن والقصبات المجاورة بحثا عن الهاربين،ووضعت
نقاط السيطرة في مداخل المدينة ومخارجها،وانتشرت
الشرطة في مدن اللواء بحثا عنهم،وتمكنوا من
الإمساك بالكثيرين منهم،لعدم وجود هويات لديهم،وما
يبدوا على سحناتهم من آثار السجن بسبب عدم التعرض
لأشعة الشمس،وأزيائهم الغريبة حيث كان بعضهم يرتدي
العقال واليشماغ وهو بملابس
النوم(البيجاما)،وآخرين يجهلون الطرق الريفية مما
جعلهم صيدا سهلا لرجال الشرطة،وقد أخبرني بعض
الذين القي القبض عليهم وأعيدوا الى السجن أن بعض
الفلاحين حاولوا تقديم العون إليهم بإيوائهم،إلا
أن السجناء أنفسهم كانوا يغشون منهم،لأنهم من شمال
وجنوب العراق مما جعلهم يخافون الإفصاح عن كونهم
سجناء هاربين.
ومن المفارقات الطريفة التي حدثت له عند مثوله
أمام القاضي في المحكمة، يقول:أرسلت الى محكمة أمن
الدولة لمحاكمتي عن أحدى القضايا السياسية،وكنت
سجينا عن ثلاث ولا تزال خمسة قضايا لم أحاكم
عنها،وكان رئيس المحكمة القاضي المعروف (عارف بطه)
وعند قيامه بالأجراآت المألوفة سألني عن أسمي
فقلت(لطيف عبد هويش)فقال لي بتهكم (أذن أنت من
فصيلة البقر)فقلت له أننا فلاحون ونسمى بأسماء
غريبة فهدا بزون وآخر عتوي وثالث عگروگ وهنا من
أسمه من فصيلة الدواجن مثل دجاجه وحمامه وبطه
والأبقار أثمن من الدواجن،وكانت الى جانبه مطرقة
خشبية يستعملها القضاة للطرق على المنضدة فرماها
باتجاهي وهو يتلفظ بكلمات نابية،وكان حكمه قاسيا
جدا فقد عوقبت بالحد الأعلى للمادة القانونية التي
أحلت بموجبها،ومن الطرائف التي لا تنسى ولا تزال
عالقة في مخيلتي ما حدث بعد انقلاب تشرين 1963
الذي أطاح بحكومة الحرس القومي حيث أودع الكثير من
البعثيين السجن وقد أخذ منهم الخوف مأخذه بسبب
تواجدهم معنا لما بيننا وبينهم من الخلافات
العميقة وما فعلوا من مجازر بحق الشيوعيين فأخذنا
بالسخرية منهم واستقبلناهم بالأغنية
المشهورة(سبحان الجمعنه بغير ميعاد).
ولقد حاول الهروب من السجن عندما كان معتقلا في
نگرة السلمان يقول:كانت محكوميتي قد تجاوزت
العشرين سنة،وهناك قضايا أخرى لم أحاكم عنها،وجاء
موعد أحداها فأرسلت مخفورا عن طريق التسفيرات الى
محكمة أمن الدولة،وأودعت في سجن السماوة تمهيدا
لنقلي الى بغداد،وكان عدد المعتقلين أكثر من
أربعون سجينا بينهم رفيق من أهالي الموصل حكم عليه
بالإعدام ،وكان السجناء يحاولون تهريبه بناء على
الأوامر الواردة من قيادة الحزب ،فأستقر الرأي على
عمل فتحة في جدار السجن وقبل البدء بالعمل أخبرني
أحد الرفاق بأن اثنان من الحرس القومي معنا،فأذا
قمنا بالحفر يشون بنا ودلني عليهم،فاقتربت منهم
وسألتهم عن أسباب توقيفهم فقالو نحن من الحرس
القومي،فقلت لهم أن لنا عدو مشترك هو عبد السلام
عارف فيجب علينا أن نكون يدا واحدة
لمحاربته،وتمكنت من كسب ودهما،وعندما قمنا بعمل
الفتحة وقف ذينيك الشقيين أمام الشباك وناديا على
الحراس بأن الشيوعيين يحاولون الهروب،فأنقض علينا
الحراس وفشلت المحاولة وأجري التحقيق معنا فأنكرنا
القيام بذلك، ولكن رفيقنا المحكوم بالإعدام تحمل
المسؤولية كاملة وأعترف بأنه قام بالعمل لوحده دون
علم الآخرين،وبذلك تخلصنا من العقوبة الإضافية،ثم
سفرت الى محكمة أمن الدولة لمحاكمتي.
وذات يوم طلب مني الرفيق معن جواد(أبو حاتم)أعادة
التنظيم في مناطق المسيب والاتصال بالرفاق القدماء
الذين انقطعوا عن التنظيم بسبب الهجمة الشرسة
والضربة القوية التي وجهت لكوادر الحزب وقواعده،
فذهبت الى من أعرفهم من الرفاق واتصلت بأحدهم
وتناولت طعام الغداء معه واتفقنا على اللقاء في
اليوم التالي بعد أن يتصل بمن يعرفهم من
الرفاق،وفي اليوم التالي عدت لصاحبي حسب الموعد
المسبق،وعندما وصلت الى منزله وجدت أخوته فسألتهم
عنه فأخبروني أن الشرطة قد ألقت القبض عليه ليلة
البارحة بعد خروجك بساعات،وشعرت أنهم يشكون بموقفي
وأني السبب في إلقاء القبض على شقيقهم وأني أعمل
مع الأمن،فقلت لهم سيكون الأمر خيرا وسوف أحاول
توكيل محام للدفاع عنه وتبرئته من التهمة وسلمت
عليهم وخرجت للذهاب الى سدة الهندية،وبعد خروجي من
القرية لاحظت أن أخوته قد أتبعوني وهم يحملون
الفؤوس والهراوات،وكانت أمامي غابة من الأشجار
،وفي تلك اللحظة مر بجانبي فارس على جواده فأومأت
اليه وطلبت منه مساعدتي لأني مطلوب لهؤلاء وهم
يريدون قتلي ،فقال لي وهل تريد توريطي معك،ولكز
جواده بقوة وتركني وذهب لحال سبيله،فوقفت في مكاني
وتربعت على الأرض ولففت سيكارة وأخذت في تدخينها
فتثاقلوا في مشيهم،ولما وصلو سألتهم هل أنتم
ذاهبون الى المدينة فيكون طريقنا واحدا؟فقالو
نعم،فقلت لهم أسمعوا أيها الأخوان أنا أعرف ما
تضمرون ولكن كونوا على ثقة بأني صديق لأخيكم وأعرف
فلان وفلان وهم من رفاقنا المعروفين ووجهاء
المنطقة وأن إلقاء القبض عل أخيكم ليس بسببي وأني
شيوعي ولست عميلا للأمن أو جاسوسا للسلطة،وقد
وثقوا من كلامي وتركوني لحال سبيلي.
وكان للرفيق أبو حاكم تأثيره المباشر على أقاربه
وأبناء عمومته،حتى جعل من منطقة البو غياض مقفلة
للشيوعيين،وقد لاقت عائلته الكثير من المصاعب بسبب
الهجمات المتكررة لرجال الأمن والشرطة لدورهم وكان
من المغضوب عليهم من قبل السلطات المتعاقبة
لمواقفهم المعروفة.
وبعد سقوط النظام الدكتاتوري كانت لي زيارات
تفقدية متكررة له وجدته خلالها على ما عهدته من
المبدئية والصلابة والأيمان المطلق بالمبادئ التي
آمن بها وناضل من أجلها لأكثر من خمسة عقود،ورغم
أصابته بالعمى كان يطلب من أحفاده قراءة الجريدة
له، وكانت آراءه صائبة في مناقشة ما يرد فيها وما
طرح الحزب من برامج تدل على قدرة فائقة على
التحليل والاستنتاج وكان له تأثير على منطقته في
الانتخابات الأولى لصالح قائمتنا اتحاد الشعب.
توفي في 7ت2\2005 بسبب تردي حالته الصحية وجرى له
تشييع مهيب شاركت فيه الكثير من الأوساط ،وقد حضرت
وفود من منظمات الحزب في المحافظة الى مجلس
الفاتحة، لك المجد والخلود أيها الرفيق العزيز فقد
صنت الأمانة،وناضلت بلا هوادة من أجل الأفكار
والمثل النبيلة التي يناضل من اجلها الشيوعيين.
((الشيخ أحمد العبد الله-أبو عبد الله))
من منا لا يتذكر الشيخ أحمد ذلك القروي المتنور
الذي فاق أقرانه بإجادته القراءة والكتابة ودراسة
العلوم الأولية في الفقه والشريعة،وبز أنداده
بالروح الثورية المغامرة،ونذر نفسه لخدمة الشعب
بانتمائه لحزب الفقراء والكادحين،الحزب الشيوعي
العراقي.
كان من السباقين للتشرب بالأفكار
الشيوعية،والأيمان بالنظرية الماركسية التي لا
تكتفي بتفسير العالم بل تسعى لتغييره والسير به
الى عالم خال من التسلط والاستبداد،رافل بالمحبة
والسعادة،فأنتظم في صفوف الحزب أوائل الخمسينيات
وجاب أرياف الفرات الأوسط على قدميه وهو يزرع
العبوات الناسفة التي تميد الأرض تحت أرجل
الاستعمار وصنائعه الرجعيين ورجال العهد المباد
البغيض،ينظم الخلايا ،ويزرع النواتات في أرياف
بابل وقراها البائسة،ويرسم للفلاحين صور المستقبل
الزاهي والغد السعيد وقرب اليوم الموعود الذي
سيجعلهم في بحبوحة من العيش الهانئ الرغيد.وأوشكت
الأحلام أن تتحقق،فقد بزغ فجر الثورة،وانطلقت
جحافل المجد رافعة الشعارات المدوية الواعدة بوطن
حر وشعب سعيد.
وكان له دوره المتميز ومواقفه الرائعة ،وأنطلق
المارد من قمقمه ليقود الجماهير الفلاحية في كل
مكان للمطالبة بحقوقها في الأرض والإنتاج، ورافق
لجان الإصلاح الزراعي وهي توزع الأراضي على أهلها
الحقيقين وكان لهم ما وعدهم به،فأسلموه أمرهم
وارتضوا له قيادهم،ولكن الثورة تأكل أبنائها
وتنقلب عليهم،فيعود الشيخ الوقور لسالف عهده
بالتخفي والنضال السري،تطارده الكلاب البوليسية
النهمة،فيختفي عن أنظارهم ويحفر نفقا يمتد لمسافات
طويلة،فكان عصيا على الشرطة ولم تستطع القبض عليه
رغم حملاتها المتكررة ومداهماتها المستمرة،فيكون
أسمه مدار مكاتبات طويلة في أروقة الأمن ومديرية
أمن بابل وبغداد،ويكبر ملفه في المديرية ويحسب له
ألف حساب،وقد أقلق السلطات وجعلهم أضحوكة للناس
لعدم تمكنهم من ألقاء القبض عليه،وذات يوم تمكنوا
من أمساكه فأرسل محفورا الى مديرية الأمن
العامة،وعندما أدخلوه على مدير الأمن قام عن مقعده
ذاهلا...أهذا هو شيخ أحمد الذي أتعبهم هذه
السنوات..وسأله أأنت...؟قال نعم أنا شيخ أحمد.فقال
له أنت الذي أقلقت الأمن العامة وأصبح ملفك أطول
منك..؟(وكان الشيخ قصير القامة الى حد كبير)وكان
لمدير الأمن شيء من الإنسانية فأكرم وفادة
الشيخ،وأبدى له من المساعدة ما أدى الى أطلاق
سراحه، وظل وفيا على العهد راسخ العقيدة،لم تغيره
الأحداث التي عصفت بالحزب،وظل سائرا في دروب
الشيوعية،لم ينزلق يمينا أو يسارا رغم ما حدث من
انشقاقات وتكتلات،وظل وفيا للحزب داعيا لوحدته
ونقاء أفكاره،وأتذكر في ندوة خاصة بمحلية بابل
حاضر فيها الرفيق الشهيد صفاء الحافظ عن أساليب
العمل الجبهوي،وكان الشيخ جالسا في الصفوف الأولى
وأمامه قدح من الماء والرفيق يلقي محاضرته،وقد نزع
الشيخ أحمد عقاله ويشماغه بسبب الحر لعدم وجود
وسائل التبريد الحديثة في مقر الفقراء،فأخذ الشيخ
يضع طرف يشماغه في القدح ويعصره حتى نفذ
الماء،وكان الرفيق الحافظ قد لاحظ عمل الشيخ،وبعد
انتهاء المحاضرة سأله الحافظ:الظاهر أيها الرفيق
أنك لم تستمع الى المحاضرة لأنك مشغول بالعبث بقدح
الماء؟فرد عليه بعفويته الريفية الرائعة والله يا
رفيق أنا فلاح بسيط وقد أجهل التكتيك و الديالكتيك
ولكني أعلم أن صدام بجبهته سيسعى لإنهائنا تدريجيا
كما أنهيت الماء من القدح ،فانفرد معه الرفيق في
غرفة جانبية وتحادث معه بحديث طويل لم يفصح لنا
الشيخ عنه،وقد عرف بعقليته النضالية وحسه الثوري
طبيعة الصراع والمرحلة،وكان له راية المخالف
للآخرين الا أن التزامه الحديدي جعله ينقاد لرأي
الأغلبية ويعمل وفق سياسة الحزب المرسومة تجلى ذلك
في موقفه من انشقاق القيادة المركزية حفاظا على
وحدة الحزب.
وذات يوم تناهت لنا الأنباء بوفاة هذا الشيخ
الجليل بعد أن أقعده المرض وهدته السنين،وشيعته
مدينة القاسم بما يليق بعلم من أعلامها، وأبن بار
من أبنائها،كان له شرف الدفاع عتها والسعي لتحقيق
طموحاتها،فنم قرير العين أيها الشيخ الذي أتعبه
النضال،وأضناه الكفاح،فهاهم أبناؤك على الدرب
سائرين ،يستلهمون العزم من جهادك المنقطع
النظير،وأعينهم شاخصة لبريق الشمس التي لا تعرف
الأفول..!
(المربي الأستاذ صاحب يحيي الموسوي))
كثيرا ما يكون للابن البكر تأثيره على لون الأسرة
السياسي،وتوجهاتها الفكرية والعقائدية،ويمتد هذا
التأثير بين المتقاربين في السن خصوصا،فالأخ
الأكبر له من التأثير على توجهات أخيه الأصغر
الشيء الكثير،فهو مثله الأعلى والمرآة العاكسة
لأفكاره وتصوراته،وقد يمتد تأثيره عميقا في نفس
أخيه،فكيف أذا كان لرب الأسرة ذات التوجهات
والميول والأفكار،والشهيد صاحب يحيى الموسوي من
هؤلاء، فقد تفيء أفنان دوحة وارفة الظلال من الفكر
العلمي التقدمي ،فوالده وأخيه الأكبر المربي
الشهيد عبد الأمير الموسوي ينهلان من ذات النبع
الصافي المشرب بحب الوطن والشعب،فلا غرابة أذا سلك
ذات الدرب،ولا ضير أذا تمسك بذات المبادئ التي وجد
محيطه الأسري سائرا على هديها،مؤمنا بمثلها
وأفكارها،ووجدت هوى في نفسه المتوثبة وعقليته
المتفتحة لتلقي كل ما هو جديد،وقد أمتد هذا
التأثير عميقا في نفسه،مما جعله يندفع اندفاع
الشاب المؤمن المتحمس للمساهمة في البناء
الشامخ،يدفعه عنفوان الشباب الطاغي لاستلهام
الأفاق المشرقة لهذا الفكر المتوثب الصالح في كل
زمان ومكان،لذلك فقد وجد طريقه في سن مبكرة،وكان
لاتحاد الطلبة العام أثره في تنمية روحه الشبابية
المتوثبة،فكان جم النشاط،وافر الحيوية،يعمل بدأب
ونكران ذات من أجل المبادئ والأفكار التي آمن
بها،ونذر نفسه لتحقيقها، فكان المثل الأعلى للطالب
المجد في الدرس وتحصيل العلوم،لذلك تحلق حوله
الكثير من الطلاب المعجبين بجده ونشاطه وروحه
ألمرحه،ونفسيته المتفائلة،وما فيه من دماثة
الأخلاق وجمال الخلق،والإيثار المنقطع النظير،فكان
أمثولة حسنه لزملائه وأترابه،وصحبته تزكية خلقية
لأقرانه، وأخذ طريقه الى الحزب في وقت مبكر وهو
بعمر الورود، وبعد أكماله الدراسة أنصرف للتعليم
في ثانوية القاسم وتسنم مسؤوليتها،فكانت مؤئلا
للشيوعيين،وسار في ذلك الدرب اللاحب كأحسن ما
يكون،اندفاع بتعقل وتحرك يقض مدروس،والسير بخطى
وئيدة نحو هدفه،فكان له التأثير الكبير على طلبته
كمدرس لمادة الأحياء،يتوسع في المادة العلمية،بما
يغني الطالب ويثري معلوماته ،وأعطى الكثير من وقته
للدروس الإضافية دون مقابل من أجل رفع المستوى
العلمي لطلابه وبناء جيل متسلح بالعلم والمعرفة
لبناء العراق الكبير، مما جعله مثلا للمدرس الجاد
المخلص،ومنحه الكثير من الاحترام والتقدير في صفوف
التدريسيين والطلبة على حد سواء،وعكس الصورة
الحقيقية للمربي الملتزم الذي يقرن القول
بالعمل،ويعطي لمبادئه واقعها العملي في التعامل مع
مفردات الحياة.
وعند انفراط عقد الجبهة أخذ نصيبه من الحبس
والاعتقال،فما هان ولا استهان،وصمد صمودا رائعا
كان مثار أعجاب رفاقه وأصدقائه،وأستطاع بما يملكه
من كياسة وأدب جم وقدرة على المناورة أن يتخلص من
الأحابيل والحيل الملتوية لمن حاولوا الإيقاع به
وأدانته والنيل منه،وعاد للتدريس موفور الكفاية
والمؤهلات دون أن يفت ذلك في عضده،أو يدفعه
للمساومة،وأنصرف للتدريس ظاهرا فأزداد الإعجاب
بإخلاصه ومثابرته على القيام بواجباته
المهنية،وأظهر للكثيرين عزوفه عن العمل السياسي
وانقطاعه عنه،وانصرافه لواجباته الوظيفية فقط،ولكن
كان له نشاطه التنظيمي السري الذي لم يعرف به إلا
القلة القليلة من اللصيقين به،الموثقين
لديه،والذين ارتبطوا معه بعلاقات تنظيمية وتمكن مع
ثلة من رفاقه من تشكيل خلية حزبية بأسم ( الطليعة
الأدبية) كانت تظم الى جانبه الرفاق حسين عبد علي
السحيب ومهدي غريب وعامر حسين وعماد كاظم الحسن
وجواد كاظم الحسن وآخرين غابت عني أسماؤهم وترتبط
مباشرة بتنظيم بغداد السري عام 1980 .
وقد انكشفت هذه الخلية وأعتقل أغلب أعضائها في
11-4-1981في مديرية أمن بغداد وتحت التهديد
باستعمال وسائل غير شريفة أعترف أحد الرفاق على
أعضاء الهيئة فجاءت مفرزة من مديرية الأمن العامة
وبمساعدة من أمن المدينة الى ثانوية القاسم والقي
القبض عليه وكان يقودها المجرم المقبور الرائد
شهاب أحمد شهاب الملقب (أبو غضب)وقد نال هذا
المجرم جزاءه العادل بعد سقوط النظام البائد
بأيام. وغابت أخباره بعد احتجازه رغم علمنا
بإعدامه بصورة غير رسميه وبعد سقوط النظام المنهار
ظهر أنه قد أعدم سنة 1984 وأقيم له مجلس الفاتحة
بحضور زملائه وأصدقاءه ورفاقه في القاسم وبحضور
متميز لقيادة الحزب في بابل.
لك المجد والخلود ،فقد رحلت دون أن تترك من يحمل
أسمك،ولكن سيبقى أسمك محفورا في قلوب رفاقك
وإخوانك إلى الأبد،وسيكتب بأحرف من نور في شجرة
الحرية،السنديانة الشامخة بإباء وشمم،شجرة
الشيوعية التي ضحى الألأف تحت ظلالها وغمرت
أفياؤها الملايين.
(الرفيق هادي حنتوش أبو سوزان)
الخلق الرضي،والدماثة،والوداعة،والسخرية
اللاذعة،والاتزان البعيد عن التزمت،صفات ندر أن
تجتمع لإنسان،و(أبو سوزان) جمع هاتيك الصفات إلى
صفات أخرى،فهو ذو ذاكرة عجيبة تختزن الأحداث
والوقائع،ولا تغفل عن دقائق الأشياء،وموسوعة
متنقلة من المعلومات السياسية والتاريخية والأدبية
وكل ما يدخل في مضمار الثقافة العامة،الى جانب
معلوماته الطبية المركزة بوصفه معاون طبيب أعطى
لمهنته حقها في الممارسة وزيادة المعلومات.
وفد لمدينتنا القاسم أواسط الستينيات من مدينة
قلعة سكر في الناصرية الحبيبة،مدينة النضال والحب
العذري،والغناء الأصيل،للتخلص من الرقابة
والمضايقة التي واجهته في مدينته بسبب نشاطه،وطاب
له المقام في القاسم بزواجه من أحدى قريباته،وخلال
شهور صار معروفا في الأوساط الاجتماعية أنسانا
وممرضا ومناضلا،جمع المزايا النادرة والصفات
الحميدة،فاستحق الحمد والإعجاب.
وكان له مجلسه العامر في مقهى الشيوعيين في
القاسم،مقهى (جاسم برغوث)والمقهى الوطنية الأخرى
مقهى (أبو شاكر) اللتين لهما في الذاكرة الكثير
الكثير مما سأشير إليه في فرصة لاحقه.وكان
لأحاديثه الشهية وارأءه السديدة،ومعلوماته
الثرة،أثر كبير في اجتذاب الكثيرين لصفوف الحزب
الشيوعي،وله نشاطه المؤثر في المناسبات العامة،الى
تأريخ سامق في النضال منذ الخمسينيات في صفوف
اتحاد الطلبة،وفي الحزب الشيوعي..حدثني ذات يوم عن
انتخابات اتحاد الطلبة،عندما كان طالبا في العهد
الطبي ببغداد قال:كانت المنافسة شديدة بين اتحادنا
والاتحاد البعثي الذي حاولت القوى المتحالفة من
بعثيين ورجعيين فرضه بمختلف الطرق حتى وصلت الأمور
الى المصادمات،وحدثت معارك بالأيدي ،وكنت من
الشباب المندفع في تلك الأيام،وقد حدث اصطدام
بيننا وبين الطلبة البعثيين مما أدى الى اشتباك
بالأيدي والهراوات،فأنهلت على أحدهم بضربة قوية
على قفاه،فالتفت نحوي ولكمني لكمة قوية أسقطتني
أرضا،وعندما أنهضني زملائي حاولت الوصول إليه إلا
إن المعركة أوشكت على نهايتها بتدخل الشرطة بتحيز
سافر لجانبهم،وتمت الانتخابات بالفوز الكاسح لنا
رغم المحاولات الرامية لإنجاح الاتحاد الآخر،وظلت
صورة ذلك الشاب راسخة في ذهني لحد الآن،وبعد
أنقلاب1968الأسود فوجئت بذالك الشاب يقف خلف البكر
قائد الانقلاب المشئوم وهو يحمل بندقية وإذا به
صدام حسين.
وبعد الحرب على إيران،قام صدام حسين بتهجير الكرد
الفيليين الى إيران بحجة تبعيتهم الفارسية وهم
العراقيين الأقحاح،وقد القي القبض عليه سنة 1981
وسفرت عائلته الى إيران وصادرت السلطات أثاثه
وبيعت داره بالمزاد العلني بثمن بخس ألى أحد أزلام
السلطه وأحتجز مع من أحتجز من الشباب
الفيلية،وأقولها للتاريخ أن الكثير ممن سفروا لم
يكونوا من الجالية الإيرانية وأغلبهم أن لم يكن
جلهم من المناوئين للسلطة وأكثرهم من أعضاء الحزب
الشيوعي أو مناصريه ولغرض التخلص منهم ،جرى
احتجازهم وتسفير عوائلهم،وقد علمت من مصادر موثوقة
بأن النظام الصدامي قد جعل من هؤلاء المحتجزين
دروعا بشرية و أدوات لتفجير الألغام وقدمهم أمام
الجيش العراقي في معركة البسيتين في قاطع العمارة
فكانوا ضحايا لأنفجارات الألغام الإيرانية
المزروعة في خطوط الجبهة الأمامية وقد قتل الألاف
منهم بهذه الطريقة البشعة،وقتل آخرين بتجارب
واختبارات أسلحته الجرثومية،أومن قتل أثناء
التعذيب،وكان أبو سوزان واحدا منهم.
وبعد سقوط النظام البائد،قام شقيقه الرفيق عبد
الله حنتوش،المقيم في قلعة سكر بإقامة مجلس العزاء
له،وقد طبعت له صور كثيرة ألصقت في مدينته السابقة
،وقامت منظمة الحزب في القاسم بلصق الكثير من صوره
على جدران مدينته الثانية،عرفانا منها لأبن بار من
أبنائها،أمتزج بأوساطها ،وأصبح واحدا منهم ،أثير
لديهم،حبيبا لنفوسهم،ولا تزال عائلته في إيران،وقد
التقيت بأبنائه عند مجيئهم لزيارة بلدهم
العراق،فوجدت أن هؤلاء الأشبال هم أبناء ذلك
الأسد،يحتذون خطى والدهم،ويؤمنون بما آمن به،ودعا
إليه،وأستشهد من أجله لك الذكر الطيب والجزاء
الحسن على ما قدمت لشعبك ووطنك ،وستبقى ما بقيت
رايتنا خفاقة في ربوع عراقنا الحبيب.
(عبد الحسين دريويش أبو شذى)
عبد الحسي دريويش(تصغير درويش)كبير في عيون أصحابه
ورفاقه ولداته،مناضلا صلبا ومكافحا عنيدا،عرفته عن
قرب وعملت معه وأنا في سن مبكرة،وعرفت الكثير من
مواقفه الوطنية،كان شعلة من الحماسة والاندفاع الى
حد التهور،لم يهن في أحلك الظروف وأصعب
المواقف،وقد جلب له شاربيه الطويلان،عداء القوى
الأمنية وأصبح شوكة في عيونهم، لم يتمكنوا من
إذلاله فكان جريئا لسنا يكيل لهم الصاع
صاعين،مقداما لم يعرف الاستكانة أو الرضوخ حتى
أواخر أيامه،وله مواقف تذكر وتشكر،جعلت منه معلما
بارزا يضرب به المثل في الصمود والمبدئية
العالية،أعطى للحزب وقته وماله وأشرك عائلته في كل
المهام الحزبية،في التبليغات،وتوزيع
المنشورات،وجلب البريد،والتحرك في الأوساط
النسوية،وكان يحاول مد يد العون لرفاقه بإقراضهم
ما يحتاجون أليه من مال رغم علمه بعدم أمكانية
سداده وتشغيل العاطلين منهم في محل الندافة،وله
الأيادي البيضاء على الكثيرين ممن زاملوه ورافقوه
و عملوا معه .
وكان شعلة من النشاط الحزبي،لا يردعه المطر،أو
يعيقه الحر،أو يخيفه الخطر أو يمنعه بعد
المسافة،فتراه متنقلا من مكان الى آخر،ومن قرية
الى أخرى،وقد تمكن من خلال علاقاته التجارية مد
الأواصر النضالية لأماكن بعيدة في أعماق ريف
القاسم،وعرف بعلاقاته الحميمة المتميزة مع
رفاقه،العلاقات البعيدة عن أطماع الدنيا،المشبعة
بالروح الرفاقية العالية،وكان لنشاطه التنظيمي
المحموم أثر لا زلنا نتلمس آثاره في من عاد الى
التنظيم،فالكثيرين منهم كانوا في تنظيماته،أو ممن
كسبهم للحزب،تحلى بالجرأة المنقطعة النضير والروح
الاقتحامية التي لا تحسب للعواقب أي حساب،شديد في
التصدي لمن يحاول الإساءة أو النيل من الحزب،برده
المقنع ،أو سبابه المقذع،ولا يتورع عن استعمال
عضلاته في الدفاع أذا لزم الأمر،لذلك كان رأس
الرمح،والسيف القاطع الذي يحسب له ألف حساب،وكان
لأسمه الحركي دلالته الواضحة على ماهيته،فقد أختار
أو اختير له أسم (فولاذ) وكان فولاذا ومقداما في
كل شيء ،لم يثنه ما أثنى الآخرين من ضعف في
التحمل،أو قابلية على الصمود، أو تخاذل
واستخذاء،لذلك على كثير ما أعتقل،وذاق من حبوس،لم
يدل باعتراف على أحد،أو يفشي سرا من أسرار
الحزب،بل ظل أمينا،عصيا على المحققين رغم العذاب
البدني الذي تتهاوى أمامه أعتا النفوس.
وبعد فشل التجربة الجبهوية،وما آلت إليه الأمور
أخذ نصيبه الوافر من الحبس والمضايقة والحرب
النفسية القاتلة،فلم يهن وظل ذالك الشيوعي المخلص
المنافح عن حزبه ومبادئه العظيمة،وعندما قام صدام
بشن حربه على إيران ،كان الأول في قائمة
المهجرين،فداهمت القوى الأمنية داره في ساعة
متأخرة من الليل،واقتادوه الى المعتقل،وسفرت
عائلته الى إيران،وانقطعت أخباره على علمنا بحتمية
نهايته لما يحمله أزلام النظام المقبور من حقد على
هذا المناضل الجريء.
وقام رجال الأمن بالاستيلاء على محلاته وأثاث بيته
وبيعت داره لزبانيتهم بثمن بخس،وبعيد سقوط النظام
عادت زوجته الكريمة أم شذى وحاولت استرجاع دارها
والمطالبة بحقوقها ولا تزال في صراع مع الروتين
الحكومي القاتل،وهذا هو التكريم اللائق من الحكومة
العراقية لمن ناضلوا وكافحوا فكان جزاؤهم النكران
والجحود.
ولكن نم قريرا في قبرك،فستكون عائلتك بين
ظهرانينا،نحتضنها ونرعاها وندافع عنها،كما هو
ديدننا في الدفاع عن كل العراقيين،وحسبك أن
البراعم التي زرعتها أثمرت وارتفعت أغصانها فينانة
تعانق السماء،وهاهو الشباب الحر،يرفع الراية
الحمراء عاليا في ربوع العراق الحبيب.
(حسن سعيد عبد الله أبو بشير)
التزم الحزب الشيوعي منذ تأسيسه عام 1934 سياسة
وطنية حكيمة بعيدة عن التعصب القومي والديني
والمذهبي، ولمبدئية العالية في الدفاع عن مصالح
الكادحين والفقراء والأقليات القومية والدينية كان
له ألمكانه السامية في نفوس هؤلاء الذين حاول
الآخرون صهرهم في بوتقاتهم القومية والدينية
واستعملوا مختلف الوسائل لتمييع هذه الأقليات
وإنهائها باستخدام كل الطرق الإنسانية وغير
الإنسانية.
أمام هذه الروح الوطنية البعيدة عن التمايز
والتفرقة اندرج الكثيرون من أبناء هذه الأقليات في
صفوف الحزب الشيوعي وأصبح له الكثير من الأصدقاء
والأنصار والمؤازرين وتبوأ الكثير منهم المناصب
القيادية في التشكيلات الحزبية المختلفة بعكس
الأحزاب الأخرى التي كانت حكرا على طائفة او قومية
معينة .
ومن هؤلاء الكرد الفيلية ،هذه الشريحة الكبيرة
التي عانت ولا تزال تعاني الكثير من التهميش
والإغفال،لذلك أنظم ألألأف منهم الى صفوف حزبنا
ومنهم المربي الشهيد حسن سعيد عبد الله الذي انتمى
الى الحزب الشيوعي بعد ثورة الرابع عشر من تموز
وهو بميعة الصبا وغرارة الشباب ،وانصهر في بوتقة
الحزب وامن بمبادئه وأفكاره التي تضع الوطنية في
المقام الأول بعيدا عن الأسماء والمسميات الأخرى
لذلك كان من أوائل المناضلين في مدينتنا القاسم
،هذه المدينة التي كانت ولا تزال قلعة من قلاع
الحزب في الفرات الأوسط ،وأنجبت الكثير من
المناضلين الصامدين المعروفين بالبسالة والإقدام،
لذلك قدمت الكثير من الشهداء على مذبح الوطنية
الحقة .
وكان لهذا المناضل دوره البارز في نشاطات الحزب في
عنفوان مده الجماهيري بعد الثورة فتراه في الصفوف
الأمامية من المتظاهرين متميزا عنهم بقامته
الفارعة ويديه الطويلتين وصوته الجهوري فلا يحتاج
لمن يحمله على الأكتاف ،وكان له نشاط دائب في
العمل التنظيمي في الأوساط الطلابية والشبابية
،لروحه المرحة ،وممارسته الألعاب الرياضية حيث كان
من الأوائل في الكرة الطائرة وألعاب الساحة
والميدان ،والمتميزين في كرة القدم ،وإذا اجتمعت
الفكاهة والرياضة ،والخلق الرضي،والأدب العالي
فعلت الأعاجيب في كثرة العلاقات والصداقات .
وبعد ان أكمل دراسته ،عين معلما في المدارس
الابتدائية فأدى واجبه التربوي على أحسن ما يكون
الأداء وزاول نشاطاته في نقابة المعلمين بحيوية
عالية ،ودأب متواصل ، وقد اعتقل عدة مرات من قبل
رجال الأمن ومورست معه مختلف إشكال التعذيب وابعد
الى اهوار الناصرية فكانت ميدان خصب لممارسة مهامه
النضالية ،وظل هذا ديدنه في مد وجزر وعرضة
للاعتقال والتحقيق حتى أوائل الثمانينيات حيث القي
القبض عليه بحجة التبعية الإيرانية وجرى احتجازه
وتسفير عائلته وكانت تردنا بعض أخباره من خلال بعض
أصهاره الى ان انقطعت تلك الأخبار ونقل الى مكان
مجهول وعرفنا ان المحتجزين قد تم تصفيتهم بتقديمهم
أمام القوات العراقية لتفجير الألغام ،وبذلك
انطفأت شعلة متوهجة كانت تنير الدرب للآخرين وبعد
سقوط النظام المقبور جاءت زوجته في زيارة قصيرة
على أمل العثور عليه،أو معرفة أخباره،وعندما فوجوا
بالحقيقة المرة عادوا الى إيران لحين تسوية أمورهم
والحصول على حقوقهم وإعادة ممتلكاتهم التي صادرها
النظام المقبور .
لك المجد والسؤدد أيها الراحل... المقيم في
أفئدتنا فلا زالت ذكرياتك الندية ماثلة في قلوب
أحبتك وعارفيك وهاهم أبنائك البررة ،مترسمين خطاك
،يسيرون على هديك مؤمنين بما آمنت منافحين عما
ناضلت واستشهدت من اجله لصيقين بوطنهم وشعبهم كما
كنت ،وكما أردت لهم ان يكونوا فقد تعهدتهم زوجتك
الحانية المخلصة وغرست فيهم المبادئ السامية
والأهداف النبيلة ،التي آمنت بها وهاهو (بشير) بين
إخوانك ورفاقك يرون فيه مخائل ابيه وشمائله
ويستذكرون الايام التي انصرمت بحلوها ومرها
وذكرياتها العذبة.ولتقر عيناك فهاهم بناة العراق
الأصلاء،يعملون بجد لبناء وطن حر وشعب سعيد.
((مقاهي الشيوعيين في القاسم))
للمقاهي في ذاكرة الشيوعيين مكانها اللائق،وموقعها
المتميز،فقد كانت هذه المقاهي أشبه بالمقرات
الحزبية غير الرسمية،والمكان الدال عليهم والمقر
الدائم لتواجدهم،خصوصا في الفترات التي تميزت
بانحسار الضغط على الشيوعيين،او فترات العمل
العلني،فكان روادها يقتصرون على الشيوعيين
وأصدقائهم ومؤازريهم ،ومن يهوى المعرفة والثقافة
الأصيلة،لذلك نلاحظ أن هذه المقاهي تميزت بالرواد
غير العاديين من أصحاب الثقافة وطلاب المعرفة
،والمهتمين بالشؤون السياسية،بل أن بعض أصحابها
يشاركون في نضال الحزب،وتوزيع منشوراته،والتحذير
عند المداهمات،أو أخفاء المنشورات،وتكون العنوان
الدائم للقأآت والمواعيد لمن يأتي من خارج
المدينة.
ولا تخلو مدينة عراقية من مقهى شيوعية،أو موسومة
بالصبغة الشيوعية ومن هذه المقاهي مقهى (جاسم
برغوث)هذه المقهى التي أخذت طابعها المميز
بارتيادها من قبل الطبقة المثقفة وعلى رأسهم
الشيوعيين أصحاب الثقافة الحق،وكان صاحبها شيوعيا
حتى النخاع،ملتزما مؤمنا بالأهداف والمبادئ الى حد
المغالاة ،وقد لاقى المصاعب،وواجه العقبات بسبب
انتمائه،والتقاء الشيوعيين بمقهاه،فلا يمر شهر دون
أن يستدعى من رجال الأمن للاستفسار والمسائلة
والتحقيق،وقد طلب منه عدم السماح للشيوعيين
بالجلوس في مقهاه،بل كثيرا ما حورب من قبل الجهات
الصحية بحجج واهية تخفي ورائها الأسباب
الحقيقية،فقد كانت مقهاه في منتهى الأناقة
والنظافة وتوفر الشروط الصحية،ومنع من أخراج
الكراسي على الرصيف المواجه لها،بحجة التأثير على
السابلة وإعاقة المارة رغم المسافة المتروكة
للمرور،وحركوا بعض ضعاف النفوس للشكوى لدى أدارة
الناحية بتأثير المقهى على العوائل في الدور
المجاورة فلم يخشى الأراجيف ولم يهن أمام المصاعب
وظل على ما عهدناه رفيقا رقيقا حييا وادعا لا
تفارق الابتسامة شفتيه وكان بعض ألطلبه الشيوعيين
لا يمتلكون ثمن الشاي الذي يتناولونه في المقهى
فيعاملهم بالنسيئة رغم ما تراكم عليهم من مبالغ
ليس باستطاعتهم سدادها او الوفاء بها وهو أدرى
بحالهم فكان يشطبها بين آونة وأخرى،ويعيد التسجيل
مجددا،لذلك لا يزال يحظى بالإكبار والإجلال
والعرفان بالجميل من زبائنه الكثيرين.
نعم هذا هو(أبو محمد)وهذه سجاياه،وهذا مقهاه،لذلك
تغنى بها الشعراء فقال فيها الشاعر الشعبي طاهر
الحسني قصيدة رائعة بعنوان (ناطريتك)نشرت في الصحف
ولهج بها الكثيرون منها:
ناطريتك لهفة العريس لشفاف الحبيب
ناطريتك..آخ لو تدري بغيابك ..بليالي
شحبلت وكامت تجيب
ناطريت بكل مچانات المواعيد وعطرها
بطبع من شوگ الحمامه..
وساهرت بعيون ذيب
واعشگت حتى الگهاوي...
الچنت أخط بيها الرسايل..
آخ يا ًگهوة (أبن برغوث) ياچاي الصحن..
بالهيل من (مهدي الشبيب)(1)
ويا حديقة (جاسم)الگطعوا نهرها(2)
مثل ماگطعوا عله اليرضع حليبه
وعلموه (عالنيدو)و(الماي الغريب)
ولا زالت في ذاكرة الملحن والفنان المبدع(كوكب
حمزه) عندما تغنى بها في حفلات براغ وأمستردام
وسوريا والمنافي الأخرى،وقال عندما سئل في أحدى
الفضائيات عن ذكرياته(لقد جبت العالم،ورأيت
الكثير،فلم أجد فيها ما كنت أجده في مقهى جاسم
برغوث).ولا زال الكثير من أبناء القاسم،أو
الوافدين إليها يستذكرون تلك المقهى،والأيام
الخوالي،وأحبتهم الذين رحلوا،أو هاجروا،أو لا زالو
يتنفسون نسيم العراق.وبعد اشتداد الهجمة الشرسة
على الشيوعيين ،وأنصارهم وموأزريهم،اضطر
لإغلاقها،والانصراف لبيع الأجهزة المنزلية،وعندما
سقط النظام طلبت منه فتحها فقال لي وقد سالت دمعة
كريمة على وجنتيه:لو كنت أستطيع أدارتها لافتتحتها
من جديد ولكن ها هي الأمراض تتناهب جسدي،كما
تناهبت الأجهزة الأمنية أخوتي وأبنائي ورفاقي ممن
كانوا يرتادونها،واليوم أتلفت في كل مكان فلا أجد
أحدا من أولئك الذين ملئوا الدنيا وشغلوا الناس
بصمودهم وتضحياتهم الجمة،أين علي الصگر وكاظم
عبيسان وهادي حنتوش ومحمد النعمان وحسن سعيد وعامر
الصافي وو،وأخذ يبكي بكاء الوالهة الثكلى وهو
يتذكر رفاق أعزة كانوا ملء العين والبصر.
والى جانب هذه المقهى توجد مقاهي أخرى سبقتها
بأعوام أو عاصرتها منها مقهى(أبو رشيد)الكائنة
جوار الأمام القاسم(ع) وكان صاحبها الحاج شهيد
الحاج عبود من الشيوعيين الأماجد الفاعلين أيام
المد الثوري بعد ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة
وله مواقفه النضالية المعروفة في قيادة المظاهرات
والمسيرات المؤيدة للثورة وقانون الإصلاح
الزراعي،ورغم تقدمه في السن الأ أنه كان يتصدر
المظاهرات الصاخبة ويشارك مشاركة الشاب
النشيط،وكانت مقهاه مجاورة لمقهى الشيوخ ورجال
الإقطاع،فاضطروا لتركها والانزواء في بيوتهم خوفا
من غضبة الشعب،وقام أبو رشيد بجلب أول تلفزيون
للمدينة،أبان نقل محاكمات النظام البائد،فترى أبو
نضال وهو يصدح بصوته المدوي،وبلاغته الرائعة وهو
يحاكم رموز النظام وزبانية البعث،وكانت المقهى
غاصة بالمئات التي جاءت لمشاهدة وقائع المحاكمة
مما دفع الرجعيين ومن لف لفهم الى استئجار بعض
الأشقياء لافتعال معركة في المقهى لتفريق الناس
وعدم سماع المحاكمة،مما دفعه لمقابلتهم بالمثل
وإفشال مخططاتهم،ولم تتمكن القوى الموتورة من
أذناب العهد المباد من تحقيق طموحاتهم وعاد كيدهم
الى نحورهم. والى جانب دوره النضالي،كان له دور
آخر له أهميته البالغة وبعده الاجتماعي،فقد كان من
قادة المواكب الحسينية الذين يشار لهم بالبنان وله
دور في تنظيمها وخصوصا في الثالث عشر من
المحرم،وأقام مسرح كبير لتمثيل ما دار في مجلس
يزيد عند ذهاب السبايا للشام،وأدار هذا المشروع
باقتدار الرفيق حسن حمزة(أبو يقظان)الذي كان يقوم
بالإخراج والتمثيل والتدريب والأعداد،فكان هذا
الجهد الشيوعي الخالص،دحض للأراجيف والدعايات التي
روج لها البعثيين والرجعيين ومن لف لفهم من
الموتورين،ودليل على عمق تفاعل الشيوعيين مع
التاريخ الثوري الناصع للإسلام الحنيف.
وهناك مقهى آخر للحاج حميد عبيد(أبو شاكر) يقابل
المرقد المقدس،كان يرتاده نخبة من الشيوعيين الذين
غيب النظام المقبور أكثرهم،وكان الحاج حميد من
أنصار الحزب الأشداء ومؤازريه الأوفياء،وله الدور
المميز في قيادة وإدارة المواكب الحسينية .
وللحاج گاطع جمعه مقهاه المعروفة الواقعة في
الشارع العام حله- ديوانية،يرتادها الكثير من
الشيوعيين وتستغل لاستقبال الوافدين من المحافظات
الأخرى ،حتى لا يسترعوا انتباه رجال الأمن،
لتميزها بتواجد الغرباء والمسافرين بين المحافظات
الجنوبية،وكان صاحبها وأبناءه شيوعيون على درجة
عالية من الالتزام وتحمل المسؤولية،وقد قدموا
خدمات حلى للحزب،وكانت داره الواقعة خلف المقهى
مخبأ للكثيرين من المطلوبين للسلطة،وأتذكر أن
الرفيق (قيود كاظم الجاسم مكث أسابيع عديدة مختبئ
في تلك الدار.
وألان عندما أتذكر ذلك الماضي التليد ،تنداح أمام
ناظري مواكب الشهداء الأبرار الذين طرزوا أديم
العراق بدمائهم ذودا عن المبادئ النبيلة،والقيم
السامية التي يدعوا إليها الشيوعيون،وأتذكر بإجلال
أولائك الرفاق الميامين، الذين نذروا أنفسهم لقضية
شعبهم بعيدا عن المنافع والمكاسب التي يتطلع إليها
بعض الأقزام ممن ارتدوا أردية الوطنية
المهلهلة،التي لم تستر عوراتهم فبانت لكل ذي
عينين،وسيأتي اليوم الذي يعرف فيه الشعب حقيقة
هؤلاء الأدعياء ،فيلفظهم لفظ النواة،وسيبقى العراق
وشعبه نصب أعين العراقيين لأنهم من الشعب وللشعب.
-----
الهوامش:1صاحب مقهى في القاسم عرف ببيع الشاي
المهيل
2-حديقة غناء في أطراف البلدة قطع عنها الماء
فماتت أشجارها وأصبحت في الوقت الحاضر مباني
حكومية.
((ومضات من تاريخ الحزب في الفرات الأوسط)
كان للواء الحلة(محافظة بابل)دورا بارزا في الحركة
الشيوعية في العراق،وكان تنظيمها الحزبي يشمل رقعة
جغرافية واسعة تمتد من أطراف مدينة الكوت من جهة
النعمانية حتى ناحية السنية التابعة أداريا للواء
الديوانية،وكانت كربلاء ضمن تنظيمات الحلة،تمتد
رقعتها الجغرافية الى المحمودية شمالا وأبو غريب
غربا،وقد أنبطت مسؤوليتها بالرفيق بقر إبراهيم
الموسوي،الذي قاد المنظمة في ظروف أتسمت بالنهوض
الثوري،وتمكن من توسيع التنظيم وانتشاره،ساعده في
ذالك رفاق عرفوا بالمبدئية العالية،والروح
الاقتحامية،والصلابة والقدرات التنظيمية الخلاقة.
وكان من رموز التنظيم في تلك الفترة الرفيق كاظم
الجاسم(أبو قيود)الذي تسنم مسؤولية الريف الجنوبي
للواء الحلة،يساعده في ذلك المرحوم الشيخ أحمد
العبد الله في ريف القاسم،وعباس خضير في ريف البو
شناوة،وعبدالله الحمزة في مدينة المدحتية،وقاد
المحاويل بكفاءة عاليه وأقتدار كبير الرفيق معن
جواد(أبو حاتم) يساعده خليفة العبد علي رئيس عشيرة
البو طيف،ومجيد الطعمه في قرية الصباغية.وقاد لواء
كربلاء الرفيق علي النوري منظم المدينة وصاحب
الحميري لمدينة المسيب وعبد الغني عبد الهادي عن
مدينة طويريج وطاهر علوان مسوؤل ريف الحسينية
وحسين علوان عن قضاء المسيب،وقاد مركز الحلة
بكفاءة منقطعة النظير الرفيق صاحب المرعب.
وقد أقترح في حينها الرفيق سلام عادل سكرتير الحزب
تشكيل منظمة(منطقة الفرات الأوسط)التي تتكون من
ألوية بابل وكربلاء،التي كانت النجف قضاء تابع
لها،والديوانيه التي كانت السماوة من أقضيتها،أي
ما يعادل خمسة محافظات حاليا،وقد أنيط مسؤوليتها
بالرفيق الموسوي.
وبعد الكونفرنس الثاني للحزب الذي عقد في
أيلول\1956قام الرفيق سلام عادل بعقد كونفرنسات
للألوية بأشراف مباشر منه،وعقد الكونفرنس الأول
لمنظمة الفرات الأوسط أوائل ت1\1956في مدينة
الكوفة وحضره مسئولي منظمات الفرات الأوسط،شارك
فيه الرفاق حسين سلطان وصالح الرازقي وكاظم الجاسم
وفرحان طعمه وستار معروف وعدنان عباس وموسى جعفر
وحسن عباس وعلي عبود وآخرين.
وقامت منظمة الفرات الأوسط بإصدار جريدتها الخاصة
المسماة (صوت الفرات)واستمرت أكثر من عشر سنوات
تولى الأشراف عليها المرحوم حسن عوينه،الذي استشهد
ببسالة وإخلاص بعد الانقلاب الأسود في 8 شباط 1963
في الهجمة الشرسة التي استهدفت الشيوعيين وأنصارهم
راح ضحيتها الألوف من خيرة المناضلين الذين لا
يجود الزمان بأمثالهم في البسالة والتضحية ونكران
الذات والذين أرسوا دعائم الحزب على أسس ثابتة لن
تنال منها الأيام.
وقد نشطت هذه المنظمة وامتدت الى أماكن شاسعة في
الريف العراقي ،وتمكنت من بناء لبنات في الكثير من
القرى والمدن العراقية،وإيجاد نواتات للتنظيم في
الرقعة الجغرافية من جنوب بغداد وحتى أواخر
السماوة،في وقت لم تتوفر فيه وسائط النقل
الحديثة،وكان تنقل الرفاق بواسطة الحيوانات أو
سيرا على الأقدام،والمبيت في دور الرفاق والمعارف
والأصدقاء ،وقد يستمر المنظم أياما عديدة حتى
يتمكن من تحقيق الاجتماع بخلاياه الممتدة عبر هذه
المساحة الواسعة،يحدوهم الأمل ويدفعهم الأيمان في
أعلاء راية الحزب وتحقيق مبادئه وأهدافه النبيلة
،رغم الظروف المادية الصعبة والملاحقات
البوليسية،الا أن ذلك لم يمنعهم وزادهم إصرارا على
مواصلة النضال في أحلك الظروف.
وقد قام الرفاق كاظم الجاسم وصالح الرازقي وخليفة
عبد علي السبع،بأجراء اتصالات مكثفة مع الوجهاء
وشيوخ العشائر بعد تشكيل جبهة الاتحاد
الوطني،وتمكنوا من كسبهم لتأييد الجبهة،والمشاركة
في النضال لإسقاط النظام الملكي العميل،وكان
لتأييدهم المعنوي أثره في تسهيل المهمة وبناء
علاقات متميزة مع البرجوازية الوطنية،وزجها في
النضال العملي مما مهد الطريق لتوسيع التنظيم
وانتشاره في أماكن كان من العسير الوصول إليها في
تلك الظروف.
وكان للشرطة السرية جواسيسها وعملائها المنتشرين
في كل مكان،وقد هالها هذا التوسع وتنامي تأثير
الحزب وامتداده في أماكن نائية وبعيدة،وما أعطى من
أمثلة للقوى الأخرى في النضال والتصدي للسلطات
العميلة،وقد تمكنت قوى الأمن المحلية من كبس الدار
الحزبية الواقعة في محلة المهدية وكانت تقطنها
أسرة شيوعية،وقد أعتقل أحد أبنائها ولم يستطع
الصمود فأنهار واعترف بما لديه من أسرار وأستدل
الأمن بواسطته على تلك الدار وكان كبسها نتيجة
لتكاسل الرفاق في الانتقال الى مكان آخر بعد أن
نمى الى علمهم انهيار ذلك الرفيق ،وهذا الإهمال
غير المقصود أدى الى كارثة كان بالإمكان تجنبها لو
تحلى الرفاق باليقظة التامة والحذر والتزام
المعايير التنظيمية الخاصة بالعمل السري،وقد دوهمت
الدار ليلة24\25أيلول 1957 بعد انتصاف الليل
واستخدمت السلالم الخشبية للصعود ،وقاد تلك
الحملة(أنور ثامر)مدير الأمن،وتمكنوا من اعتقال
أفراد العائلة والرفاق عدنان عباس الكرد وعبد
الرزاق عبد الرضا وعباس كاظم،وعندما جاء الرفيق
حسين سلطان مسوؤل تنظيمات الديوانية بناء على موعد
سابق تم إلقاء القبض عليه وذلك بسبب عدم قيام
الرفاق الذين لم يلقى القبض عليهم بأخباره بكبس
الدار وإهماله في عدم اتخاذ الحيطة والحذر المطلوب
في النضال السري.
وفي اليوم التالي كبست مطبعة الحزب الموجودة في
دار الرفيق المرحوم محمد الحياوي الذي كان يعمل
نساجا حتى يخفي صوت الرونيو والطابعة ،وحتى لا
يثير الشك عند تردد الناس على منزله،وقد تمكنت
العائلة من الفرار ومعهم الرفيق الشهيد محمد موسى
المشرف على المطبعة وسافروا الى مدينة النجف، دون
أن تتمكن السلطات من ألقاء القبض عليهم،وكان
الرفيق محمد موسى مثالا للمناضل المجرب الذي عرك
السنين وناضل نضال الأبطال ،وكانت له الريادة في
الأعمال البطولية،والجرأة النادرة التي جعلته علما
من أعلام الحزب في النجف،ولا تزال الأسر النجفية
العريقة تردد ذكريات أبنها البار، الذي كان له شرف
قيادة المظاهرات المناوئة لانقلاب 8شباط
الأسود،ولا زالت ساحة الميدان في النجف تعيش عبق
نضالاته وهو يقود الجموع الثائرة ذيادا عن
الوطن،وصونا للمبادئ،وهو رافع الكلاشنكوف الحمراء
تحسبا لهجوم الموتورين والرجعيين الذين أرعبهم
المد الجارف للدفاع عن ثورة تموز.
وبعد فشل التصدي للانقلاب، وسيطرة القوى
السوداء،اختفى هذا المناضل الكبير،حتى قامت مفرزة
من الحرس القومي سيء الصيت ،تساندها قوة
بوليسية،بمداهمة مخبأه،فقاوم بمسدسه الصغير حتى
نفذ عتاده فأقتاده الجلادون،وجابوا به شوارع
النجف،تغمرهم الفرحة باعتقاله،ودفعهم حقدهم الأسود
الى وضع رأسه ب (المنكنة)ودقوا في رأسه مسمارا من
الحديد،ليلفظ أنفاسه الأخيرة ويموت على المبادئ
الشريفة التي آمن بها وناضل من أجلها،ونذر نفسه
للذياد عنها،ولا زال أبناء هؤلاء الأوباش يستعملون
ذات الأسلحة القذرة لقتل أبناء شعبنا،وتطوروا مع
الزمن وعادت (الدريلات)بدلا من المسامير تثقب
الرؤوس المليئة بحب الوطن والمواطن.
وقفة لوالد الشهيد أمام صورته
محمد علي محيي الدين
قبل أيام كنت في زيارة لمقر الحزب الشيوعي العراقي
في بابل،فجلست في الصالة الكبيرة المعدة لاستقبال
الضيوف وقد امتلأت برفاق الحزب وأصدقائه
ومؤازريه،وقد ازدانت جدرانها بصور الخالدين من
أبناء بابل الباسلة،وقد تراصت الصور لرفيقات
ماجدات وشيوخ وكهول وشباب بعمر الورود،غيبهم
النظام الدكتاتوري المنهار،وأعدمهم لا لشيء إلا
لأنهم يناضلون لإسعاد شعبهم وتحرير وطنهم من الزمر
الضالة التي هيمنت على مقدراته لسنين عجاف ذاق
الشعب منهم الأمرين.
كنت أتصفح الصور التي طالما تصفحتها لأعوام،فأجد
الأكاديمي إلى جانب العامل والفلاح يجاوره
المتعلم،والمرأة الشابة إلى جانب العجوز،والشاب
إلى جوار الكهل الكبير،وأعينهم ترنوا إلى القادمين
بنظرة ود وحب،ينظرون إليهم بشغف وكأنهم يستقبلون
الوافدين لمقر حزبهم العتيد،وأستذكر الماضي التليد
بكل ما يحمل في طياته من ساعات عصيبة وأوقات جميلة
وأيام النضال البطولي لهؤلاء الذين كانوا ملأ
العين والبصر وقد ملئوا الدنيا وشغلوا الناس،عندما
كانوا واضعين أرواحهم على أكفهم لاستقبال الموت
الذي هو دائما نهاية للمناضلين الراسخين،والأشداء
الميامين الذين أنفوا الذل وارتضوا الأعالي
مكانا،واستذكرت ما لهم من ذكريات جميلة لا تزال
طرية في أذهان من عاشرهم وعمل معهم،وأخذ شريط
الذكريات الحبيبة يمر من أمام ناظري يحمل أطياف
الماضي وتذكاراته المحببة للقلوب،مستعرضا أيام
المد الثوري عندما كان الشيوعيون يهيمنون على
الشارع العراقي،ويرسمون لأبناء شعبهم الأماني
العذاب في الحياة الحرة الكريمة،وما كان من غربان
الحرس القومي بعد انقلاب البعث الأسود عام 1963
عندما امتلأت السجون والمدارس والملاعب بالوطنيين
الشرفاء ومواقف هؤلاء البطولية لهؤلاء في التصدي
للانقلاب المشئوم والملاحم البطولية والصمود
الأسطوري أما أبشع أنواع التعذيب التي مارسها
زبانية البعث وطغام العهد ألعارفي البغيض،والسنين
العجاف في ظل حكمهم الأخرق،وبدايات البعث عام 1968
وأيام جبهته الدامية،وما عانى الشعب من سياسته
الخرقاء،وما حدث بعدها من انفلات وهجرة جماعية
وإعدامات بالجملة،حيث أختار الخيرة الخيّرة من
المناضلين وأودعهم أقبيته القذرة وزنزاناته
البشعة،ليقوم بتصفيتهم بمختلف الطرق الهمجية،وأبقى
على الخانعين الأذلاء من أمثالي الذين ارتضوا
لأنفسهم الذلة والمسكنة،واحنوا رؤوسهم أمام
العاصفة ،وقالوا نعم لجلاديهم،وداهنوا أعدائهم
وقاتليهم،بل أنحدر بعضهم إلى مهاوي التعاون
وأصبح(سكين في الخاصرة) للكثير من أخوانه
ورفاقه،وصار عينا عليهم يفشي أسرارهم ويكشف
أخبارهم،واستذكرت قول الشاعر:
وكم أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي
وفيما أنا غارق في تأملاتي واستعادة ذكرياتي
،تناهى إلى مسمعي صوت أجش،اختلطت فيه الحسرة
بالدمعة والأنة باللوعة،فالتفت حيث مصدر
الصوت،فشاهدت شيخا هماْ وقف قبالة إحدى الصور وهو
يردد بقلب مفجوع بيت من الأبوذية الشجية الحزينة:
عليك أنصب مئاتم حزن ما عن (لا أهدأ)
أعتقد بجفاك جوز جلاي ماعن (ذابن)
أصل كبرك وأصيح بصوت ماعن (معن أسم الشهيد)
تعال وشوف تالي المسرحية
نهضت له والرفيق أبو مروان مؤاسيا مشاركا له في
نجواه وأحزانه وطلبنا منه الجلوس ليسترد
أنفاسه،ويعود له هدوءه المعهود،ويبدو أن الرفيق
أبو مروان كان على معرفته به،فأخذ يكلمه طالبا منه
الصبر،وقدمه لي على أنه الأخ رحيم عبود والد
الشهيد (معن) الذي أعدمه النظام البائد أثر الهجمة
الشرسة التي طالت مناضلي حزبنا الشيوعي
العراقي،وروى لي عن مآثر الشهيد وأعماله الخالدة
عندما كان جذوة من النشاط والفاعلية في العمل
الحزبي والطلابي،وما له من مواقف لا تزال حديث من
عرفه لما عرف عنه من أقدام وجرأة وجهادية
عالية،وقدرة على المواجهة حيث كان يكيل الصاع
صاعين لمن يحاول التطاول على الحزب من البعثيين
الجبناء،وقد طلبت من والد الشهيد تزويدي بما لديه
من معلومات عن الشهيد،فوعدني خيرا،ويبدوا أن مشاغل
الحياة أنسته ما وعدني،لذلك أوجه نداء إلى قادة
الحزب الشيوعي ورفاقه ومؤازريه الالتفات إلى جانب
مهم،وهو العلاقة الحميمة التي تربط بين الشيوعيين
التي قد تزيد على مراتب الإخوة والصداقة والعلاقات
العابرة،استذكار هؤلاء الشهداء وتشكيل
لجنة(حقيقية) للبحث والتحري وجمع المعلومات عن
شهداء الحزب الشيوعي العراقي،وإصدار كتاب يعنى
بتأريخهم وتسجيل مآثرهم البطولية،ومراحل نضالهم
تزينه الصور والوثائق عن استشهادهم وتخليدهم في
السفر النضالي الخالد للشيوعيين العراقيين،لأن
اللجنة المشكلة لهذا الغرض لم تكن بمستوى
المسؤولية والجهادية العالية التي تدفعها لتوثيق
هذا الجانب المهم في سفر الحزب الشيوعي،حزب
المناضلين والشهداء والمضحين،الذين روت دمائهم أرض
العراق الطاهرة،وروت نخيله وأشجاره،وصبغت أديمه
فاستحال إلى شفق يظهر في سماء العراق كل
يوم،وعلينا الوفاء لهؤلاء الذين ضحوا بأرواحهم من
أجل حزبهم وشعبهم ووطنهم وحادوا بأعز ما يملكون:
يجود بالنفس أن ضن الجواد بها والجود بالنفس أقصى
غاية الجود
وعسى أن نرى في الأيام القادمة سعيا حثيثا للوفاء
بهذا الجانب،والاهتمام الجدي بتوثيق مآثر الخالدين
من أبناء شعبنا العظيم،والسعي لأنصافهم من قاتليهم
واستحصال حقوقهم أسوة بالآخرين،رغم أن هؤلاء
اختاروا طريقهم بمحض أرادتهم دون أن يفكروا بغنم
أو مكسب،أو غنم وفائدة،ولكن تكريمهم واستذكارهم هو
جزء من وفاء وفرض لازب على رفاقهم الذين لا زالت
رؤوسهم مرفوعة بما قدم هؤلاء من صور رائعة للصمود
والتصدي ونكران الذات،وعسى أن يكون يوم الشهيد
الشيوعي الذي سيأتي بعد أيام خير مناسبة لأنصاف
هؤلاء،ومواساة عوائلهم بما يشعرهم أن أبنائهم لا
زالوا نصب اهتمام قيادة حزبهم ورفاقهم الذين نهلوا
من ذات النبع الصافي الذي شرب منه هؤلاء.
الرجل الحديدي
محمد حسن مبارك (أبو هشام) (1)
قد أكون مغاليا أو بعيدا عن التصور الماركسي في
تقيمي للطبقات،ولكني أرى في بعض شرائح المجتمع قوة
وصلابة لها أهميتها في العمل الحزبي والحركي منه
بوجه خاص،وهذا لا يلغي أيماني بالطبقة العاملة
ولكني أرى في الشريحة العسكرية التي هي جزء من
حلفاء الطبقة العاملة قوة وصلابة وقدرات على
النضال لا تتوفر في الآخرين لما هم عليه من حياة
تتسم بشظف العيش والعمل ألعنفي والصلابة والالتزام
الأعمى بالأوامر وتنفيذها ما يجعلهم خير معين
للأحزاب السياسية في قوة الضبط وسرعة التنفيذ
وقابلية العمل في مختلف الظروف،لذلك أرجو أن لا
يؤخذ قولي هذا على محمل الخروج عن النظرة العامة
للطبقة العاملة فالجيش هو الفصيلة الجهادية
القادرة على أحداث التغيير،وله المصلحة الكبرى في
تغيير الواقع بما يجعله على رأس الأحداث.
والجيش العراقي كان المعين الذي لا ينضب لرفد
الحزب الشيوعي العراقي بخيرة الكوادر الواعية ذات
المواقف الصلبة في سنين النضال ،ولا زال (خيطي)
نائب العريف (حسن سريع) مثار فخر واعتزاز
الشيوعيين العراقيين بما قام به من عمل جبار يعجز
عنه صناديد الرجال،والجيش بما عرف به من ضبط أضفى
هالة قوية من الضبط الصارم في حزب حديدي يعتمد على
قواعد تنظيمية صارمة كانت سبيله للنجاح في سنين
النضال،والعسكريون أخذوا من الحزب وأضفوا عليه هذه
الصيغ النضالية الصارمة التي لا زلنا عليها نحن
الملتزمين،فكان العسكر في مقدمة الصفوف الثورية
عزما وصلابة وإرادة فولاذية والتزام كامل بالأوامر
والتعليمات،وربوا أجيال من المناضلين كانوا مثلا
أعلا في الهمة والشجاعة والضبط المتين،وتاريخ
الحزب حافل بالعشرات من الأسماء الخالدة في سفره
النضالي،ممن شكلوا علامات فارقة في مسيرة الحزب
ومنهم الفقيد محمد حسن مبارك(أبو هشام) الذي
سنتناول نتف من سيرته في هذه العجالة بما توفر لنا
من معلومات من رفاقه وعارفيه،ولعل هناك الكثير من
الجوانب التي ظلت خافية علينا عسى أن يكون لرفاقه
وأحبته أثر في أبرازها وإظهارها بما تحتجنه
ذاكرتهم من أحداث،فكتابة سير هؤلاء المناضلين تشكل
عامل دفع لمسيرة الحزب الظافرة من أجل تحقيق
أهدافه، ولبنة في كتابة تاريخ الحزب الذي يعاني
الكثير من النواقص،رغم أن ما كتب حوله كثير إلا
أنه أغفل الكثير من الجوانب التي يمكن أكمالها بما
في سير الآخرين من أحداث تشكل جزأ مهما من هذا
التاريخ.
ولد الفقيد في أسرة نجفية معروفة(آل مبارك) وانتمي
للحزب الشيوعي أواسط الأربعينيات عندما كان ضابط
صف في الجيش العراقي برتبة(نائب عريف مخابر) وشارك
إلى جانب رفاقه الآخرين في بناء النواتات العسكرية
الأولى،بعد أن رأى الحزب أشراك الخط العسكري في
النضال الوطني بما له من تأثير فاعل في تغيير مسار
الأحداث،وما يشكل من قوة بشرية مؤثرة بما تمتلك من
مؤهلات قتالية لها نفعها في أغناء المسيرة
النضالية،ودورها المؤثر في الانقلاب على الأوضاع
وتغيير الواقع الفاسد،وكان الأولى بحزب الطبقة
العاملة أن ينتبهوا إلى هذا الجانب المهم والعمل
في صفوف القوات المسلحة لبناء الركائز التنظيمية
التي تشكل إسنادا كبيرا للجماهير الشعبية في تفعيل
نضالها وتغيير مساراته،ولكن الحزب بما يمتلك من
تصورات نظرية يرى في كبار ضباط الجيش نزوعا للسطوة
والتحكم،وكانت علاقاته معهم تتسم بالحذر،فيما ألقى
بثقله في الأوساط العسكرية الدنيا لما لها من
مصلحة في التغيير،وقد أثبتت الأيام صحة نظرته
فالقادة العسكريين عند سيطرتهم على السلطة يتناسون
الكثير من المبادئ التي يؤمنون بها،وتتغلب عليهم
نزعتهم العسكرية المتسلطة،فيحاولون الهيمنة على
مقاليد السلطة واحتكارها وتهميش الآخرين،كما حدث
في ثورة تموز المجيدة عندما أنفرد العسكر بقيادة
السلطة وأفسحوا للبرجوازية غير الوطنية تسلم
مقاليد الحكم،مما جعل الثورة تغير من مسارها
وتنحوا باتجاه آخر بعيد عن آمال وتطلعات الجماهير
وأتذكر في هذا المجال أن القائد العسكري المعروف
حميد الحصونة قائد الفرقة الأولى في عهد الثورة
كان يتباهى بأنه يحفظ الوصايا العشر للخالد
فهد،بما يوحي أنه سائر في الخط العام للحزب
،وعندما انحرفت الثورة عن مسارها أنقلب إلى عدو
مبين للحزب الشيوعي وقام بإعمال طائشة لا يقدم
عليها إلا الحثالة من الموتورين والحاقدين فأوعز
بمنع توزيع جريدة الحزب المركزية اتحاد الشعب في
الألوية السبع التي كانت ضمن قاطع عمليات الفرقة
الأولى ،وقام بنقل الضباط والمراتب الشيوعيين إلى
أماكن نائية بما يشبه النفي وجردهم من مسؤولياتهم
العسكرية وأناط بهم مسؤوليات لا تتوافق ورتبهم
ومكانتهم في الجيش العراقي .
ولأهمية الجانب العسكري في تثبيت أركان السلطة
كانت الرقابة على أشدها في المؤسسات
العسكرية،وكانت العناصر الأستخباراتية تحصي على
العسكريين حركاتهم وسكناتهم ،فما أسرع ما القي
القبض على الفقيد أبو هشام لانتمائه للحزب الشيوعي
العراقي سنة 1948 فأصدرت المحكمة العسكرية حكمها
بحبسه وطرده من الجيش،وبعد انتهاء فترة العقوبة
أنخرط في التنظيم الحزبي،وساهم بشكل فاعل في بناء
القواعد الحزبية،في مدينته النجف الأشرف،وعندما
حدث انشقاق راية الشغيلة سنة 1952 والتحق أغلب
كوادر وأعضاء منظمة النجف مع الانشقاقيين،كان
الراحل أبو هشام من ضمن المحافظين على وحدة
الحزب،فظل على انتمائه السابق،ولم ينجرف مع
المنشقين،مما يدل على قوة أيمانه وصدق مبادئه
وثباته،وبعد أن تمكن الشهيد سلام عادل من توحيد
الحزب وإعادة المنظمات المنشقة إلى جادة
الصواب،شارك الحزب بشكل فاعل في النشاطات
الوطنية،وساهم باقتدار في المظاهرات الجماهيرية
الكبرى المنددة بالعدوان الثلاثي على مصر الشقيقة،
وكلف الفقيد بالتنسيق مع الجهات الوطنية
الأخرى،فعقد اجتماع في بيته مع ممثلي التيار
القومي والمستقلين للتنسيق حول إعلان الإضراب
العام والتظاهر،وجرى الاتفاق على أخراج مظاهرة من
مدرسة الخورنق،فانطلقت مظاهرة حاشدة واجهتها
السلطة بالقنابل المسيلة للدموع وإطلاق النار فسقط
ثلاثة شهداء وعدد من الجرحى،وكان الشهيد محمد موسى
خطيب المظاهرات والناشط المتحمس وقد أشرف عليها
عدنان عباس وحسين سلطان وأبو هشام إلى جانب
الكوادر الشيوعية الباسلة التي علمت الآخرين كيف
تكون الصلابة الشيوعية والمبدئية العالية في ساعات
الحسم الكبرى،فكانت مظاهرات النجف الكبرى قد زعزعت
الثقة ببقاء الحكم الملكي العميل للمشاركة
الجماهيرية الواسعة فيها،وكانت مدينة النجف
الباسلة ذات الماضي العريق في النضال الوطني جذوة
لا تهدأ بمشاركة فاعلة من جميع الأوساط بما فيها
الجماعات الدينية التقدمية منها والمحافظة التي
وجدت في الوقوف على الحياد أضعاف لمكانتها بين
الجماهير،بفعل المد الشيوعي الجارف الذي أثار
الشارع العراقي وجعله كتلة متراصة في الدفاع عن
حقوقه المشروعة،فكان أن عطلت المؤسسات الدينية
أعمالها،وشاركت إلى جانب الشعب في انتفاضته
العارمة التي أفزعت السلطة الملكية ودقت المسمار
الأول في نعشها.
ولجهاديته وقدراته الفذة على التحرك والعمل في
الأوساط الجماهيرية أصبح عضوا في محلية
النجف،ومشاركا فاعلا في عملها،وبعد اندلاع ثورة
الرابع عشر من تموز المجيدة،تولى أبو هشام مسئولية
محلية النجف وأصبح عضو لجنة منطقة الفرات الأوسط
فقادها بقوة واقتدار،وكانت في طليعة منظمات الفرات
الأوسط في العمل والمتابعة وتحشد الجماهير،فالتف
الآلاف حول حزبهم المجيد وساهموا بفاعلية في تشكيل
لجان صيانة الجمهورية،والدفاع عن مكتسبات الثورة،
ورغم الطابع الديني للمدينة فقد كان إلى جانب
الحزب العديد من كبار رجال الدين المتنورين،الذين
وجدوا في الفكر الشيوعي صورة صادقة لمثل الإسلام
السمحاء،وتطبيق حي لمبادئه النبيلة،ورغم حساسية
الوضع في المدينة لوجود القوى الرجعية والعميلة
هناك،إلا أن الحزب تمكن من فرض وجوده بما قدم
للجماهير من مكاسب ومنجزات ومثل عليا في التعامل
الشيوعي الفريد،فكانت المؤامرات والدسائس التي
تحوكها الزمر الضالة تتهاوى أمام الصمود الرائع
للشيوعيين في النجف،ولكن التحالفات المريبة لعملاء
المخابرات الأجنبية والعناصر القومية المرتبطة
بجهات خارجية تحاول نهب خيرات العراق،وحثالات عبد
الناصر،وما تروج له الأوساط الرجعية من أراجيف
ودعايات مضللة وتحول قيادة السلطة وتراجعها
واستخذائها أمام المطالب الرجعية،جعل الأوضاع تسير
نحو الأسوأ،فقامت الزمر المشبوهة بتنفيذ عمليات
اغتيال للعناصر النشيطة والواعية بالتعاون مع
الإدارة الرجعية التي أحكمت وجودها في النجف،فنسب
الراحل أبو هشام للعمل كسكرتير لمحلية بابل،بعد
إلقاء القبض على الرفيق جاسم الحلوائي أبو شروق
الذي كان مكلفا بقيادتها،وكانت المحلية في حينه
تعاني من خلل تنظيمي وارتباك في عملها لافتقارها
إلى أعضاء جيدين قادرين على إدارة التنظيم بشكل
صائب في ظروف صعبة ومعقدة،فعقد اجتماع للمحلية في
داره حضره الشهيد أبو قيود وجبار عبود (أبو
نضال)وشهاب احمد وأم انتشال وهادي مجيد الطعمة
ومعن جواد،وبعد استعراض عمل المنظمة دعت الضرورة
لتفعيل دورها وتحسين أدائها وتنسيب مسئولين للجان
المدن التي كانت تقاد بشكل مباشر من المحلية،فقام
بتوزيع المسؤوليات ولكن بعض الرفاق اعتذروا عن
القيام بواجباتهم بأعذار كثيرة كان ورائها التطير
والاضطراب الفكري فجرى ترحيل رفاق جدد لإدارة
العمل التنظيمي فيما أحيل جبار عبود والطعمة إلى
صلة فردية،وأستطاع في تلك الفترة تنشيط عمل
المحلية وإعادة بناء المنظمات وقاد عملها في أحلك
الظروف،وقد استغلت العناصر الرجعية الموقف لصالحها
وقامت بمحاربة العناصر الشيوعية ومطاردتهم
والتضييق عليهم،وكان بعض الرجعيين في لواء الحلة
يقومون بأعمال معادية للحزب دون أن يتخذ الحزب
الأجراء اللازم لردعهم وتأديبهم أو الرد عليهم مما
جعلهم يتمادون في غيهم،وقد اغتيل الشهيد هاشم وتوت
رئيس نقابة المشروبات الغازية من قبل المجرم ناجي
الدليمي الذي قتله علنا وعلى رؤوس الأشهاد ،فالقي
القبض عليه وأودع السجن،إلا أن العلاقات البعثية
الرجعية على أشدها وخصوصا في مواجهة
الشيوعيين،وبالتعاون مع مديرية شرطة الحلة كان
يخرج من السجن يوميا ليقضي ليلته لدى أحد البعثيين
المعروفين،فاقترح أحد الرفاق على أبو هشام سكرتير
المحلية القيام باغتياله عند خروجه من السجن حتى
يضرب عصفورين بحجر واحد،فيؤخذ ثار شهيدنا ويكون
هذا الخرق الإداري مدعاة لمحاسبة مدير شرطة
الحلة،فوافق على هذا الأمر دون إخبار لجنة المنطقة
رغم علمه بأن اللجنة ترفض القيام بمثل هذه
الأعمال،وبوشر فعلا بترصده لتنفيذ العملية إلا ان
أبو هشام تراجع عن الأمر بعد يومين بعد أن رفضت
لجنة المنطقة مثل هذه العمل،وهذا من الأخطاء
المميتة لدى الشيوعيين فالقوة يجب أن تواجه
بالقوة،والبادئ أظلم ،ولو كانت القرارات في تلك
الفترة بعيدا عن المركزية،لكان في اتخاذ مثل هذا
الأجراء أثره في لجم القوى المعادية وإيقافها عند
حدها ،ولكن قيادة الحزب التي كانت تعمل بوحي من
مبادئها وقفت بوجه مثل هذه الأعمال،رغم أنها توافق
الهوى الجماهيري والنزعة العراقية في أخذ الثار
وغسل العار،وتنسجم مع طبيعة الخصم،وهذا من الخلل
الكبير الذي رافق مسيرة الحزب الشيوعي العراقي في
عدم تبني العمل الحاسم والرد على المعتدين،ومهد
الطريق للعناصر الفوضوية للانقضاض عليه وكما يقول
الخالد سلام عادل،فأن ألانقلاب كان في السكوت عن
تجاوزات السلطة وليس في 8 شباط 1963.
ومن نشاطاته في تلك الفترة ما جرى في انتخابات
نقابة المعلمين سنة 1961 فقد زج الحزب بجميع
طاقاته في الانتخابات،إلا أن القوى الرجعية
بمساندة من السلطة تمكنت من تمرير ما تريد من
عمليات تزوير ومنع للقوى الأخرى في المشاركة،فاتخذ
الراحل قرارات جريئة لم تكن مسبوقة،فأوعز للجنة
المكلفة بمتابعة الانتخابات تحشيد جميع القوى
والإمكانات حتى لو أدى الأمر إلى لهجوم على صناديق
الاقتراع،وقد تناول سير الانتخابات لهذه السنة وما
تلاها الأستاذ الدكتور عدنان الظاهر في مذكراته
بتفصيل واف،وما رافقها من تجاوزات وأعتداآت نشرت
على أغلب المواقع الإلكترونية.
الرجل الحديدي محمد حسن مبارك(أبو هشام) 2-2
كان صلبا في بعض المواقف التنظيمية،وقد يتخذ مواقف
مغايرة لإرادة المسئول الأعلى ويناقشها ويبين
مواطن الخلل فيها وكثيرا ما انصاعت المنطقة لأرائه
لما فيها من صحة وأصالة،وعندما اصدر حميد الحصونة
قراراته التعسفية بمنع توزيع جريدة الحزب وإغلاق
المكتبات ومحاربة الموزعين،اتخذت المحلية تدابيرها
لإفشال هذا القرار وأوجدت الطريق الكفيلة بتجاوزه
،وتمكنت من إيصال الجريدة إلى أبعد نقطة في الفرات
الأوسط بفضل الهمة العالية التي كان عليها
الشيوعيين آنذاك،وقد أضطر الحزب للعمل السري
المصحوب بالتضييق والملاحقة،فكانت الأعمال تأخذ
طريقها السليم بفضل الخطوات الاحترازية التي أقدمت
عليها المنظمة،فاهتم الفقيد بإيجاد الأماكن
اللازمة لاختباء الرفاق المطلوبين للسلطة،فإذا أحس
أحدهم بخطر ما كان يؤمن له السكن المناسب بغض
النظر عن مركزه الحزبي،وكانت البيوت الحزبية ملاذ
للحزبيين المتفرغين والمطلوبين للسلطة،وكان يتمتع
بجرأة نادرة فقد دوهمت الدار الحزبية التي يسكنها
ذات يوم،وقام رجال الأمن بالعبور الى البيت من
الأسطح المجاورة،فتمكن من الإفلات منهم ،وحمل
مروحة منضدية بعد أن تلفع بيشماغ ليخفي شخصه حيث
قام الرفيق فلاح الرهيمي الذي كلفه الحزب بالتوجه
الى المكان الذي جرت مداهمته وأعطاه دراجة هوائية
لمساعدته في الهروب.
وبعد انقلاب شباط الأسود1963 وما جرت فيه من
تصفيات اعتقل صالح دكلة مسئول المنطقة
الجنوبية،وقامت عناصر الحرس القومي والقوى الأمنية
بحملة مداهمات واعتقالات ليس لها مثيل طالت الكثير
من قيادات التنظيم والكوادر والأعضاء والأصدقاء
وحتى المستقلين منهم،وبسبب الانهيارات والخيانات
الكثيرة تمكن الحرس القومي من توجيه ضربات قوية
لمنظمات الحزب وكشف أوكاره وبيوته السرية،مما جعل
المئات يلجئون إلى الأرياف والعمل في المناطق
البعيدة عن مركز المدن،وشكلت المفارز الأنصارية في
وسط وجنوب العراق لقيادة الهجمات على العناصر
الرجعية والمتواطئة مع الانقلابيين،فأضطر أبو هشام
مع مجموعة من المناضلين الى اجتياز الحدود والعبور
الى إيران حيث تفرقوا هناك على أن يجد كل منهم
الطريقة التي تؤمن سلامته،بسبب المضايقة الشديدة
وقيام السلطة الإيرانية بتكثيف حملتها بحثا عن
الهاربين وتسليمهم للسلطات العراقية،فتمكن الفقيد
من الوصول الى أحد العناوين التي لديه لحزب تودة
الشقيق،حيث أمنوا له الملاذ اللازم تمهيدا لإخراجه
الى الاتحاد السوفيتي،وبعد توفر الإمكانية اللازمة
لتسفيره،سلك طريق شاقة ومضنية وتمكن من الوصول الى
الاتحاد السوفيتي حيث القي القبض عليه وبعد
الاتصال بالحكومة السوفيتية نقل الى موسكو حيث
عولج في أحد مصحات موسكو،وبعد أن تماثل للشفاء نقل
الى أحد الفنادق الراقية التي خصصت للشيوعيين
العراقيين،وعرض عليه القيام بسفرة للاطلاع على
المعالم السياحية والأثرية إلا أنه رفض ذلك وطلب
العودة الى العراق، لممارسة مهامه النضالية وإعادة
بناء الحزب،فحاولت القيادة أثناءه عن العودة بسبب
حملات القمع الوحشية إلا أنه أصر على عودته لوجود
الكثير من العوائل الحزبية التي تحتاج العون ولا
يعلم بها أحد غيره،فجرى الاتفاق معه على البقاء في
الأراضي الإيرانية وإعادة الاتصال بالمنظمة
الجنوبية واستلام التعليمات عن طريق إذاعة صوت
الشعب العراقي،وفعلا عاد الى عربستان وتمكن من
أعادة الصلة مع المنطقة الجنوبية عن طريق نقطة
بريد حزبية في عبادان،ومنها تم ربط المنظمات
الأخرى وأعاد الحزب بناء منظماته في المنطقة
الجنوبية والوسطى والفرات.
وبعد انقلاب عبد السلام عارف على أصدقائه البعثيين
في 18 تشرين1963 وعودة الأوضاع الى الهدوء النسبي
عاد الى العراق،وشكل المركز القيادي لإدارة عمليات
المنطقة الجنوبية،وبعد الهجمة الشرسة للنظام
العارفي البغيض على منظمات الحزب واعتقال آلاف
الشيوعيين،وإنهاء الكثير من المراكز القيادية في
الألوية الوسطى،واعتقال الفقيد حسين سلطان سكرتير
منطقة الفرات الأوسط وبعض أعضاء المنطقة،نسب للعمل
في منطقة الفرات الأوسط،فاستطاع في فترة قياسية
أعادة ربط الصلات وبناء المنظمات بالتعاون مع
الرفاق الآخرين الذين سلموا من الاعتقالات رغم
الصعوبات التي تعاني منها المنظمة بسبب الانهيارات
التي حدثت وأدت الى كشف بعض الأوكار الحزبية
والوصول الى الكثير من الخطوط التنظيمية.
وبعد حدوث الهروب الكبير من سجن الحلة،الذي شارك
فيه مجموعة من قيادي الحزب بأشراف حسين سلطان وما
رافقه في اللحظات الأخيرة من اضطراب بسبب التزاحم
عند الخروج والمشاكل بين الحزب وجماعة القيادة
المركزية وكشف عملية الهروب قامت منظمة الحلة
وتوابعها بأعمال باهرة في أخفاء الهاربين وتقديم
العون لهم وهو ما سنتناوله في مقال قادم،فالتحق
حسين سلطان بالمنظمة وأسكنه أبو هشام معه في البيت
الحزبي،فتعاون الاثنان في العمل،وتمكنوا في فترة
قياسية بناء منظمة فاعلة في الفرات الأوسط كان لها
تأثيرها المستقبلي في الأعوام التالية،وبعد ذلك
التحق الى كردستان للمشاركة في أعمال الكونفرنس
الثالث للحزب وبعد انتهاء أعمال الكونفرنس وما
صدرت عنه من توصيات توجه للعمل في منطقة الفرات
الأوسط،سكرتير لمحلية بابل ،وقد تعرض مع مجموعة من
الرفاق الأشداء لمداهمة الشرطة في احد البيوت
الحزبية وجرى اعتقالهم،وقد تعرضوا لتعذيب وحشي دون
أن يتمكن الجلادين من الحصول على معلومات منهم،وقد
أعطوا أسماء وهمية عند اعتقالهم،ثم نقلوا الى
مديرية الأمن العامة،وظل رهن الاعتقال حتى
انقلاب17 تموز 1968 حيث صدر قانون العفو عن
المعتقلين والسجناء السياسيين ولم يطلق سراحه أسوة
بأقرانه،إلا بعد جهود مضنية من قيادة الحزب،وبعد
أطلاق سراحه نسب للعمل في لجنة منطقة الفرات
الأوسط وشارك في أعمال المؤتمر الوطني الثاني
المنعقد في كردستان العراق عام 1970،وقررت قيادة
الحزب إرساله للدراسة في بلغاريا حفاظا على سلامته
بعد قيام السلطة العفلقية باغتيال واعتقال عشرات
الكوادر الحزبية النشيطة أمثال الشهداء محمد
الخضري وكاظم الجاسم وستار خضير وغيرهم،ومكث في
بلغاريا حتى عام 1972 حيث عاد الى العراق بعد حصول
تقارب بين السلطة والحزب الشيوعي،وحدوث انفراج
نسبي في العلاقات،وعمل في لجنة منطقة الفرات
الأوسط،ونسب للأشراف على محلية بابل وأشرف على
محليات كربلاء والمثنى،وقد تميز بالدقة والحرص
الشديد والحس الأمني العالي الى حد المغالاة،وكان
يتولى المسئولية العملية لتواجد سكرتير المنطقة في
بغداد،ومما يذكره الرفيق أبو عادل سامي عبد الرزاق
عن حسه الأمني المفرط أنه شاهد ذات يوم أحد
الأشخاص يقف بالقرب من شباك غرفته المطلة على
الشارع ويتنصت لما يدور من حديث،فما أسرع ما قام
بتغيير سكنه والانتقال الى بيت آخر لتوجسه من
أعمال السلطة التي لا تحدها أخلاق أو يعصمها ضمير.
وكان لا يتهاون في أداء الأعمال الموكلة
إليه،ويشدد على الضبط والإدارة السليمة،ويتحاشى
السلبيات،ويحاول ما وسعه الجهد إرساء أسس متينة
للعمل الحزبي،وعندما نسب للأشراف على محلية المثنى
التي كانت وقتها تعاني من ضمور،ووجد أن مسئولها
غير جدير بتولي هذه المهمة ولا يستطيع الوفاء
بمسؤوليته في أدارة لجنة اللواء،ولا تتوفر فيه
صفات المسئول الناجح،ويميل الى أحداث علاقات
وتكتلات جانبية،فخاض معه صراعا مريرا في محاولة
لأعادته الى جادة الصواب،إلا أنه ظل سادرا في
تصرفاته الخاطئة،مما جعل الراحل أبو هشام يفاتح
لجنة المنطقة لتنحيته من المسؤولية لما يشكل وجوده
من أضرار على سير عمل المنظمة،وعندما يأس من
أصلاحه طلب إعفاءه من مسؤولية الأشراف ونسب لها
مسئول آخر،لذلك كان العمل معه يحتاج الى أكفاء
قادرين على القيام بمسؤولياتهم بشكل جيد،وخلال
أشرافه على محلية بابل تميز عمل المنظمة على
المنظمات الأخرى بالنشاط المتميز والعمل الدءوب
حتى أصبحت في طليعة محافظات الفرات الأوسط وتميزت
عنها لوجود رفاق أكفاء متفانين قادرين على العمل
في أحلك الظروف ممن تناولنا سيرهم في مقالات
سابقة.
وعندما أنعقد المؤتمر الوطني الثالث لحزبنا
الشيوعي العراقي عام 1976 شارك أبو هشام في أعمال
المؤتمر مندوبا عن لجنة منطقة الفرات الأوسط فشارك
في لجانه وصياغة قراراته وأنتخب حينها مرشحا للجنة
المركزية.
وبعد تعكر صفو العلاقات مع البعث أستمر أبو هشام
على عمله بشكل منظم،وبحذر شديد لما تميز به من حس
أمني مرهف وقدرة على تجاوز صعاب العمل في ظل القمع
والترصد والمراقبة،حتى أنه ترك الدار الحزبية التي
يسكنها في تشرين 1978 واختفى عن الأنظار لعدة
أيام، لإفشال ما كان يخطط له البعث في مراقبته
وربما اغتياله أو اعتقاله،يقول الرفيق (أبو عادل
)سامي عبد الرزاق في أواخر كانون الأول 1978 أنتقل
أبو هشام الى بغداد وأخذ يقود نشاط لجنة الفرات
الأوسط بشكل سري من هناك،وكنا نستلم البريد
والتعليمات عن طريق نقاط بريدية متغيرة حسب
الظروف،و نلتقي في أماكن مختلفة من وقت الى
آخر،وذات يوم كنا على موعد في شارع المحيط مكلفين
بانجاز مهمة حزبية،وبعد الانتهاء من المهمة غادرنا
المنطقة مشيا على الأقدام لأن جميع السيارات
الحزبية لمنطقة الفرات قد بيعت بشكل سري دون علم
الأمن، وأثناء سيرنا في الشارع لاحظ أبو هشام أن
هناك شخص يتعقبنا ويسير خلفنا فإذا توقفنا وقف أو
تحركنا تحرك،وكان أبو هشام قد أشترى سكينين
كبيرتين لعائلته،فأخرجهما ووقف تحت عمود النور
وأخذ يشحذهما الواحدة بالأخرى وعندما شاهده ذلك
الشخص أركن للهروب،فركبنا سيارة تكسي نقلتنا الى
منطقة قريبة ثم غيرنا السيارة بأخرى واتجهنا
بالاتجاه الآخر حتى وصلنا الى المكان
المقصود،وكانت لي معه لقاآت بناء على مواعيد متفق
عليها في مدينة الكاظمية شارع باب القبلة،او شارع
المحيط وغيرها من الأماكن التي تتغير حسب الظروف
وضرورات العمل السري,وبعد فترة انقطع أبو هشام عن
الحزب ولم نستطع العثور عليه رغم البحث
المكثف،وسوئلنا من مكتب لجنة بغداد التي كانت تقود
عمل الحزب تلك الفترة،فلم تتوفر أي معلومات
عنه،وانقطع عن المنظمة فترة من الزمن،وبعد خمسة
وأربعون يوما ظهر أبو هشام فجأة حيث كان مختفيا في
مكان ما لوجود مراقبة شديدة إعاقته عن التحرك في
المواعيد المقررة وبعد تخلصه من الرقابة عاد الى
العمل من جديد،ومارس مهامه على أحسن ما يكون ،ثم
اختفى بعد فترة قصيرة ولم تفلح محاولاتنا بالعثور
عليه أو تسقط أخباره،رغم علمنا أنه لا يمكن القبض
عليه أو اعتقاله لما يمتلك من مواهب وقدرات على
التخلص والعمل في أحلك الظروف،وبعد توجه القيادة
الى كردستان والعمل في صفوف الأنصار،طلبت لجنة
الفرات الأوسط الاتصال به عن طريق خطوطنا المعتمدة
في الداخل ولكن لم يسفر البحث عن نتيجة،وارتأى
الرفاق في المنطقة إرسال رسالة إليه عن طريق إذاعة
الحزب أو توجيه نداء ولكن المقترح رفض لأن أحد
الرفاق قال (أذا كان أبو هشام يريد الاتصال فهل
يعجز عن ذلك) وظل أمره مجهولا رغم البحث عنه
ومحاولة معرفة مصيره.
وبعد سقوط النظام البائد جاءت زوجته وأبنه هشام مع
الرفيق أبو كوثر من أهالي الديوانية والذي كان
سائقه الخاص قبل الاختفاء،الى مقر الحزب والتقى
بالرفيق أبو عادل وأخبره بما جرى له،حيث اختفى أبو
هشام بداية 1980 بعد انقطاعه عن الحزب في مدينة
النجف بعد أن غير هيئته وبدل أسمه وأسم زوجته
وولده،وعمل مخبأ في داره لا تهتدي إليه الأبالسة،
وظل حبيسا في تلك الدار لا يخرج منها،وعند اندلاع
انتفاضة آذار الباسلة عام 1991 خرج من مخبئة السري
للمشاركة فيها،واتصل بالجهات المشاركة
بالثورة،وعمل مع بعض الرفاق للإسهام بها،وعندما
هاجمت القوات الصدامية مدينة النجف وألقت القبض
على السيد الخوئي ،وفشلت الانتفاضة لأسباب كامنة
في طبيعتها العفوية وعدم توفر القيادة المؤهلة
لها،والدعم الكافي من قادة المعارضة في الخارج
الذين أخذ كل منهم يفكر في حصته من الغنائم ويحاول
بسط نفوذه عليها دون أن يكون له أصبعا فيها،مما
أدى الى مذبحة دفع فيها الشعب الآلاف من خيرة
أبناءه على مذبح التضحية والفداء،وقد تمكن الفقيد
أبو هشام من التراجع المنظم والعودة الى مخبأه
ليواصل اختفائه من جديد،وقد أصيب عام 2001 بالتهاب
الكبد الفايروسي،وعند فحصه من قبل الطبيب أخبرهم
باستحالة شفائه،وأنه قاب قوسين أو أدنى من
الموت،وإذا تقيأ دما فهذا يعني نهايته بعد
أيم،وفعلا بعد فترة أحس الراحل الكريم بدنو
أجله،وهنا تجلت شجاعته النادرة،فرغم المعانات
وآلام المرض وقربه من الموت المحتم إلا أن عقله
المستنير بالفكر الشيوعي الواعي جعله لا يعبأ
بالموت الذي طالما واجهه بشجاعته النادرة،لوثوقه
بأن نضاله الطويل من أجل سعادة شعبه وحرية
وطنه،كان خالصا للمبادئ والمثل الشيوعية الإنسانية
التي آمن بها منذ نعومة أظفاره، فأوصى عائلته بأن
يدفن في داره خوفا من انكشاف أمره وتعرض عائلته
الكريمة الى عواقب وخيمة،لمعرفته بأن السلطة
البعثية الحاقدة التي أفلت من قبضتها ستوجه
انتقامها لهم،وقام بحفر قبره بيده الكريمة منتظرا
الموت ليلفظ أنفاسه الأخيرة بين أسرته
الوادعة،وكان أبنه هشام وزوجته الوفية قد رأوا في
دفنه داخل الدار شيء بعيد عن الاحتمال
والتصور،فالقبر الذي يضم أعز إنسان لديهم يصبحهم
ويماسيهم أمر لا يمكن احتماله لما يثير في نفوسهم
من شجن وحزن،لذلك قام ولده هشام بالاتصال بأحد
أصدقائه العارفين بوضع الأسرة وحقيقتها،وهو يعمل
في مجال الدفن،واخبره بوفاة والده وطلب منه أعانته
في تدبير أمر دفنه في مقبرة وادي السلام،فهون عليه
الأمر وجاء ليلا بسيارته ونقل بشكل سري الى مقبرة
النجف حيث وري التراب،ووضعت علامة فارقة على قبره
دون أن يشيد عليه أو توضع شاهدة،وبذلك انطوت صفحة
لامعة من صفحات البطولة الشيوعية الفذة،وانتهت
حياة هذا المناضل الكبير ليكون أسما بين الأسماء
في شجرة الحرية والعدالة والإنسانية والتقدم،شجرة
الشيوعية التي يستظل بأفيائها الملايين،ولكن هل
علمت أيها الراحل الكريم بأن البعث قد ولى وأن
صدام ألقي القبض عليه كالجرذ المذعور في حفرة عفنه
،ونال جزاءه العادل على أيدي العراقيين الأباة،نعم
أنك تعلم لأنك واثق بأن نهاية الظالمين الخزي
والعار ،ونهاية الشرفاء الذكر الطيب والخلود.
الشهيد المناضل جبار جاسم(أبو عبيس) (1-2)
حفل تاريخ الحزب الشيوعي العراقي بالكثير من
الكوادر الفذة التي أسهمت بشكل كبير في النضال
الوطني وعملت بتفان وإخلاص لإرساء القواعد
التنظيمية والأسس السليمة لبناء حزب ماركسي لينيني
تميز بالأصالة الثورية والقوة والثبات ،وكان
لهؤلاء الأفذاذ ألأثر الكبير في بناء القاعدة
الصلدة لحزب أوسع الجماهير،لما تميزوا به من صفات
نادرة وصلابة مبدئية،ونكران ذات وبساطة متناهية
وصوفية شيوعية حقيقية بعيدة عن المطامع والمنافع
الشخصية والذاتية،وكان لقيادة الشهيد الخالد فهد
أثرها في التقاليد الثورية التي سارت عليها أجيال
من الشيوعيين الثوريين ،وكانت منهلا للكوادر
الشيوعية والمدرسة التي تربوا عليها،وأخذوا من
مبادئها الشيء الكثير،لذلك جعلوا من هذا القائد
الملهم مثلا أعلا للتضحية والفداء ونكران الذات
والمبدئية العالية البعيدة عن الصغائر وتوافه
الأمور.
والفرات الأوسط بما تميز به مجتمعه من صفات نادرة
لها خصوصيتها بما تمثل من وعي متطور وأرضية صلبة
لنشوء تيارات رافضة لكل أنواع القهر والاستبداد
والتسلط وأغنى الحركة الوطنية والشيوعية خصوصا
بالكثير من الكوادر البارزة في تاريخ العراق في
مختلف الأصعدة والمجالات،ولا زالت هذه الأرض
المعطاء ولود في رفد العراق بالشخصيات السياسية
المؤثرة في صناعة الأحداث،وشكلت علامات بارزة في
تاريخ العراق والمنطقة،ولا زالت الأم الفراتية
تنجب وتربي وترسل بأبنائها إلى سوح النضال الوطني
وهي تقول(يا موت أطحن وأنه ألهيلك)،ولا زالت
الأمثولة الفراتية ماثلة في الأذهان عندما أستشهد
ولدها فجاء أخيها ليخبرها باستشهاده قائلا(جن لا
هزيتي ولوليتي) أي كأنك لم تتعبي في
تربيته،فأجابته بالصلابة الثورية(هزيت ولوليت
الهذا)أي أني أعددته لهذا اليوم،وفي قوافل المجد
والشهادة كان للفراتيين مكانهم الميز وموقعهم
المثالي،وسجل الشهداء الخالدين حافل بآلاف الأسماء
التي لا زال صدى نضالها يدق في عالم الذاكرة،ليرسم
للآتين صور رائعة من صور التضحية والفداء،ومن
هؤلاء شهيد حزبنا الشيوعي العراقي المناضل (أبو
عبيس) جبار جاسم،الذي ولد في أسرة عمالية
كادحة،ذاقت مرارة البؤس والعوز والحرمان،ورأى بأم
عينيه عمق المعانات الأليمة لهذه الطبقة ،وما لاقت
من عنت واضطهاد بسبب الممارسات الضارة للطواغيت
ومصاصي الدماء المضاربين بأقوات الشعب،والمستغلين
لجهود الآخرين،فتولد في نفسه حس طبقي جارف،ونمى في
تفكيره منذ طفولته النزوع للتمرد على الواقع
المأساوي الذي تعيشه طبقته المحرومة،فأندفع في صبا
باكر للانتظام في الفصيلة الجهادي للحركة الوطنية
الحزب الشيوعي العراقي،الذي ولد من رحم المعانات
الحقيقية للشعب المذبوح والوطن المستباح،فكان
اندفاعه الثوري وراء المشاركة الفاعلة في نشاطات
الحزب ونضاله الوطني في قيادة الجماهير نحو الغد
المشرق السعيد،فصار لصيقا بالحزب متفرغا للعمل في
منظماته،يدفعه لذلك شعوره الطاغي بالمعانات التي
لمسها في طفولته وصباه،وانحداره الطبقي الذي أهله
ليكون قائدا في حزب الطبقة العاملة،فاستنارت
أفكاره بالنظرية الثورية التي تولدت عنها الحركة
الثورية في العراق،فقد شارك وهو في ريعان الصبا في
حماية المظاهرة التي انطلقت في مدينة الحلة أبان
الحملة الانتخابية لفقيد السلم والتحرر
والديمقراطية علامة الحلة الكبير الشيخ عبد الكريم
الماشطة عام 1954 وكان يشكل الحزام الأمني لحماية
الزعيم الوطني الكبير وأمام المدينة الديني بدون
منازع،وكان يرافقه في فصيل الحماية شباب الحلة
الأبطال محمود أبو غريبة وبرهان وغيرهم من الشباب
المغاوير،وقد اصطدموا بالشرطة التي جاءت لتفريق
المظاهرة وأثخنوهم بالجراح التي لا زالت أثارها
باقية فيمن بقى حيا منهم، وكانت له مشاركته
الفاعلة في نشر الوعي الثوري بين الجماهير
،ومساهما نشيطا في الاحتفاليات التي يعقدها الحزب
في المناسبات الوطنية والقومية رغم أنف السلطة
السعيدية وجلاوزتها والمدافعين عنها ،وكانت تقام
في البساتين المحيطة بالمدينة وتلقى فيها الكلمات
والقصائد والأناشيد بحضور شعبي كبير،يوم كان الحزب
متفردا في قيادة الجماهير في نضالها لإسقاط الحكم
الملكي المهان بعد أن تخلت الأحزاب البرجوازية عن
النضال الوطني وأعلنت اعتزالها العمل السياسي كما
يعتزل الفنانين الفن،وهو ما كانت عليه تلك الأحزاب
في العهد الملكي المقبور فما أن تشعر بوطأة السلطة
وهجومها حتى تترك ساحة النضال وتعلن تخليها خشية
الحبس،فيما بقي الشيوعيين العراقيين يناضلون
بوحدانية في الساحة العراقية،وشارك في جميع
التظاهرات التي كان الحزب دائبا على أخراجها
لتحقيق الأهداف المطلبية للمواطنين ويشكل مع بعض
الشباب المندفعين رأس الرمح في المواجه والاصطدام
مع القوى الأمنية، وبعد ثورة تموز المجيدة،انطلقت
جحافل المجد لتدك صروح الخيانة والغدر،فكانت
الثورة الشعبية العارمة لحماية الثورة ومكتسباتها
وتشكيل لجان صيانة الجمهورية وكان الشهيد في مقدمة
العاملين والناشطين لبناء الحزب فعمل في منظماته
المختلفة ومارس دوره الوطني ناشطا في المنظمات
المهنية التي وجدت فرصتها بعد الثورة وتمكنت من
تحقيق المكاسب الكبيرة للطبقات الشعبية وإقرار
قانون العمل والأحوال الشخصية وتشريع قانون
الإصلاح الزراعي، وكانت جماهيرية الحزب في تلك
الفترة فوق حدود التصور،فقد أغرق الحزب بالمنتسبين
الجدد الذين يحتاجون للتثقيف والمتابعة،مما دفع
قيادة الحزب لترحيل المرشحين ومنحهم درجات العضوية
لإمكانية أشراكهم في تنظيم الخلايا،مما أضاف أعباء
جديدة على محلية بابل في إدامة الصلة مع الآلاف
المنضوية حديثا،وهنا يبرز دور الفرد في العمل
الجماعي،فكان الشهيد شعلة من النشاط والحيوية في
متابعة التنظيمات،وتفقد الخلايا والعقد
التنظيمية،وكان يعمل كالداينمو يخلط الليل بالنهار
دون كلل أو ملل،فاخذ المد الشيوعي بالتعاظم حتى
أكتسح الشارع العراقي،وتحول العمل الحزبي إلى خلية
نحل لتشعب المهام وكثرتها،حتى تعددت مسؤوليات
الكوادر الحزبية،وتوزعت ضمن قطاعات واسعة،وتزاوج
في عملها بين العمل المهني والتنظيم الحزبي،وتحول
الشارع العراقي إلى كتلة متراصة تقف خلف حزبها
المجيد،وانزوت العناصر الرجعية العفنة في جحورها
بسبب الفورة الجماهيرية الطاغية،وانصرفوا للتآمر
بالتنسيق مع الأطراف المعادية للشعب العراقي من
ناصريين وشاهنشاهيين وأمريكيين وغيرهم من هذه
الحثالات،ومهدوا الطريق للانقلاب الناصري الأمريكي
الأسود في 8 شباط 1963 .
وما أن أدارت الثورة ظهرها لجماهير الشعب وطليعتهم
الحزب الشيوعي العراقي حتى بدأت فترة المطاردة
والخفي والسجن والاعتقال فنال نصيبه،وبرز في تلك
الفترة مناضلا ثوريا بقدراته الرائعة على العمل
السري والتحرك اليقظ المدروس،وتنقل بين مدن الفرات
الأوسط لتأدية واجباته الحزبية والنضالية متفرغا
للعمل في صفوف حزبه،وظهرت مواهبه وقدراته على
العمل في مختلف الظروف مما أهله أن يكون في مقدمة
الكوادر على مستوى اللواء،وفي أواخر الستينيات
أصبح عضوا في محلية بابل، أصبح بعد الجبهة سكرتيرا
لها،وعضو لجنة منطقة الفرات الأوسط ،وانتخب لعضوية
مكتبها.
كان يتمتع بصفات نادرة،وتميز بالبساطة
المبدئية،ونكران الذات،والمتابعة الجيدة
للتنظيم،والعلاقات الشفافة مع رفاقه ،ومعلما
لأجيال من الشيوعيين وأعطى مثالا رائعا في
الأساليب التنظيمية،وقاد محلية بابل بإبداع
لأدارته الناجحة للاجتماعات،رغم كثرة عدد أعضاء
المحلية،وما يتم تدارسه،فكان يشبع نقاط الاجتماع
بحثا ودراسة دون أن يدع للقضايا الجانبية أن تأخذ
دورها في إضاعة الوقت،وكان من الجناح الصدامي الذي
يحاول الرد بقوة على التجاوزات الصادرة من قيادة
البعث في زمن الجبهة،وحريص على متابعة قضايا
المعتقلين،وكان في صراع وخلاف مع الرفاق الذين
يقودون العمل الجبهوي،وخصوصا مع الفقيد أبو حاتم
بسبب السكوت عن تجاوزات السلطة،ويطالب باتخاذ
أجراآت أكثر شدة وصلابة في مواجهة البعثيين وعدم
السكوت عن أي خرق لقواعد العمل الجبهوي،وكان
الشهيد فاضل وتوت خير من يمثل المجموعة التي ترفض
تصرفات البعثيين وتجاوزاتهم،وحصلت خلافات كثيرة
بين فاضل وتوت وأبو حاتم الذي كان على شيء من
التساهل في تعامله مع البعث،لما يتسم به من
دبلوماسية قد تبعده عن الصلابة المبدئية التي
يتطلبها العمل الجبهوي،لذلك كان الشهيد فاضل وتوت
من أوائل المعتقلين بعد الهجمة الشرسة للفاشست
البعثيين وأعطى درسا رائعا عن كيفية الصمود
الشيوعي بوجه الأذلة والموتورين.
وبسبب حديته في التعامل مع الحزب الحليف،كان على
خلاف مع لجنة المنطقة،وفي صراع دائم معها،مما
دفعها لمفاتحة لجنة التنظيم المركزي باستبداله
بالرفيق (أبو حاتم) لسكرتارية محلية بابل بسبب
الخلافات الناشبة بينهم،ولكن(لتم) رفضت ذلك
لمعرفتها بحقيقته وإخلاصه وقيادته
الناجحة،ومبدئيته العالية،مما عزز موقعه في قيادة
التنظيم وانتخابه لعضوية مكتب المنطقة،رغم أنه
يستحق أن يكون في مكان أرفع بما فيه عضوية اللجنة
المركزية،يقول الرفيق سامي عبد الرزاق(أبو
عادل)"في المؤتمر الثالث جرى حديث بيني وبين
الرفيق جاسم الحلوائي(أبو شروق)فقال لي ،لو كان
كاظم الجاسم حيا لكان معنا في اللجنة المركزية،وفي
اجتماع اللجنة المركزية سنة 1982 في كردستان
منطقو(ناوزنك) قال لي الرفيق أبو شروق أيضا لو كان
أبو عبيس حيا لكان معنا في اللجنة المركزية،فقلت
له أنك تبحث عن الشهداء فقط ولكنهم عندما كانوا
موجودين لم يصلوا إلى هذا الموقع" وقد أتسم الشهيد
الكريم بالهدوء والتروي في اتخاذ القرارات،رغم ما
كان يعانيه من مشاكل وصعوبات في العمل بسبب
علاقاته مع السلطة ومشاكله العائلية،وكان لصفته
الطبقية وانحداره العمالي أثر في مبدئيته العالية
،وأحاطته التامة بما تعاني طبقته من مشاكل،وكانت
علاقته المتميزة بوصفه عامل نسيج تصب في مصلحة
الحزب والعمال،فقد كان للحزب حضوره الفاعل في
الأوساط العمالية وأنشداها له،مما عزز مكانته بين
الكوادر الشيوعية لأنه يمثل الطبقة العاملة
بصلابتها وإمكاناتها في الدفاع عن طبقتها،مما
أبعده عن التذبذب في المواقف واتخاذ القرارات .
وكان الحزب حريصا على أبقاء صفته الحزبية سرية
،ودفع إلى الظهور من هم أدنى درجة منه حفاظا على
حياته لما له من أهمية معروفة،وكانت قيادة البعث
تعلم أنه سكرتير محلية بابل،ويطالبون بتواجده في
المقر،وأن يظهر الشخص الأول للعلن أذا كنتم صادقين
في إعلان الجبهة،مما جعل قيادة الحزب مضطرة
لإشراكه في العمل العلني،لأنه كان يعمل بشكل سري
تحسبا لعواقب التحالف مع البعث،وقد تمكن بما يمتلك
من مؤهلات قيادية وثقافة نظرية،من تسيير أمور
المنظمة.
(2-2)
وعندما تعقدت الأوضاع،وبدأت العلاقة الجبهوية مع
البعث تسير في طريق متعرج قد يفضي إلى اللاعودة
أواسط 1978 وكشر البعث عن مخالبه القذرة،ومارس
الكثير من الأعمال المخلة بالعمل الجبهوية،وبدء في
ممارساته الضارة باستهداف أعضاء الحزب الشيوعي
لإنهائهم بمختلف الوسائل بما في ذلك الاعتقال
والاختطاف والاغتيال أو الإسقاط السياسي،ارتأت
قيادة الحزب –بعد فوات الأوان- الانصراف للعمل
السري ومحاولة أبعاد العناصر غير المكشوفة عن
العمل الحزبي تحسبا للمستجدات،فبلغ بعض الرفاق
القياديين والآخرين من غير المكشوفين الابتعاد عن
المقر وعدم المشاركة في النشاطات ،ونسب الرفيق أبو
عبيس وأبو رهيب لقيادة العمل السري والبدء بتجهيز
البيوت السرية والمراكز الحزبية،والعمل بشكل سري
تحسبا للظروف،فشكلت حينها البيوت السرية وجهزت بما
تحتاجه من أدوات الطباعة وما يتطلبه العمل السري
من مستلزمات،والبدء ببناء المرتكزات التنظيمية
التي يمكنها العمل في أشد الظروف حراجة،فأضطر
للاختفاء عن الأنظار،واتخذ من أرياف بابل التي
يتمتع الحزب فيها بمكانة عالية محطة لنضاله
الجديد،فكان يتنقل بين البيوت السرية وبيوت الرفاق
من فلاحي ريف القاسم والكفل والمدحتية،وشكلت في
حينها محلية ميدانية مصغرة أخذت على عاتقها أعادة
ربط الهياكل التنظيمية والعمل في أشد الأوقات
حراجة،في ظل ظروف صعبة لم تمر بها البلاد من
قبل،ولم يشهد لها التاريخ مثيلا،فكان أبو عبيس
يتنقل بين المدن الفراتية متنكرا بأزياء مختلفة
فتارة افنديا حليق اللحية والشارب،وأخرى فلاحا
يرتدي ملابس بسطاء الفلاحين،أو عاملا يرتدي ملابس
العمل التي تبعد عنه الأنظار،فتراه صباحا في مساطر
العمال بحثا عن رفيق أو بناء على موعد،وتارة يحمل
المسحاة كأنه أجير للعمل في الحدائق،وقد تمكنت
محلية بابل من تنظيم اتصالها بقيادة الحزب
الميدانية واستلام التعليمات وإرسال التقارير عن
سير العمل وما تتطلبه طبيعة التنظيم،وأستطاع
الرفاق مد الجسور مع تنظيمات الألوية الأخرى
وربطها بالمركز،ويبدوا أن هناك خرق أمني كان وراء
ما يحدث من اعتقالات فقد تمكنت المخابرات الصدامية
من شراء البعض من أصحاب الضمائر الميتة ممن باعوا
أنفسهم للعفالقة والأشرار،وتمكنت السلطة من ألقاء
القبض على بعض الرفاق في أماكن مختلفة،دون أن
تتمكن من كشف الخلايا الأخرى بسبب طبيعة التنظيم
السري الذي أخذ أشكال جديدة بعيدا عن الأساليب
القديمة ،وأعتمد الاتصال الفردي وخيطية الخلايا
بدلا من الطرق السابقة بربط التنظيم بقيادة واحدة
خوفا من انكشاف الأمر وإنهاء التنظيم،لذلك ما أن
تلقي السلطة القبض على مجموعة حتى تكون المجموعات
الأخرى بمنأى عن الاعتقال لعدم وجود ارتباط تنظيمي
بين الهيئات المختلفة وانحصار الأمر بالقيادة
العليا البعيدة عن الاختراق والموثوق بصلابتها
وعدم انهيارها في أقسى الظروف،وبذلك تمكن الحزب من
الحفاظ على وجوده الدائم وعمل منظماته دون الخشية
من إنهائها رغم الضربات الموجعة التي وجهت إلى
التنظيم وإلقاء القبض على قياداته التي فضلت الموت
على الهزيمة وقاومت السلطة حتى النفس الأخير،وفي
حالة إلقاء القبض عليها يكون صمودها مفخرة
للشيوعيين العراقيين،ولم تتمكن السلطة رغم
إمكانياتها العالية من إنهاء الركائز المختلفة
الموزعة على المحافظات بسبب الطرق التنظيمية
المبتكرة التي لجأ إليها رفاق العقيدة الذين
تفوقوا بعقلياتهم المبدعة على كل ألاعيب السلطة
وخبراتها الكبيرة في القضاء على المعارضين،ويبدوا
أن هناك خرق تنظيمي كان وراء ما يحدث من اعتقالات
لعناصر مؤثرة اتضحت خيوطه فيما بعد،وأن خيانة
كبيرة لبعض العناصر كمنت وراء التسريبات التي أدت
لاعتقال بعض الكوادر النشيطة.
ولكل بداية نهاية،ولكل جواد كبوة،فالحركة الدائبة
النشيطة،والمهمات المتنوعة،وإشكالات أخرى لم تتضح
معالمها بعد،لتعدد الروايات في كيفية اعتقاله لعدم
وضوح الصورة الحقيقية لما قبل الاعتقال،وخشية
أطلاق الكلام على عواهنه دون توفر الدليل،نورد
الرواية الأشهر عن اعتقاله كما ذكرها الكثيرون ممن
هم على علاقة به،ففي نيسان 1982 كان الشهيد أبو
عبيس في منطقة الكفل في دار الرفيق حسين شدهان(أبو
حاتم) بناء على موعد اجتماع مسبق لأحد
الهيئات،وفيما هم جالسون في صحن الدار،طرقت الباب
عليهم من قبل الشرطة بحثا عن جندي هارب -كما قيل
رغم أن عقلي يرى غير ذلك- والظاهر أنهم أخطئوا في
الباب المطلوب،وعندما فتح صاحب الدار الباب فوجئ
بمجموعة من الشرطة والبعثيين وفي مقدمتهم مفوض
شاهرا مسدسه،وكان الرفاق الجالسين ينظرون فشاهدوا
المفوض شاهرا السلاح فطلبوا من أبو عبيس مغادرة
المنزل إلا أنه رفض الهزيمة وترك رفاقه عرضة
للاعتقال فالقائد يجب أن يكون أسوة حسنة
لرفاقه،فأشهر مسدسه الذي يحمله بشكل دائم تحسبا
لمثل هذه المواقف،وفي هذه اللحظة أصبح الشرطة داخل
صحن الدار،فشاهد المفوض أبو عبيس وبيده المسدس
فأطلق عليه النار إلا أن الشهيد البطل عاجله
بأطلاقة أردته قتيلا وأصيب الشهيد بأطلاقة غادرة
في صدره،وقد تمكن أصحابه من الهروب بعد أن أمن لهم
طريق الانسحاب بتصديه للمهاجمين وأشغالهم عن
متابعته،ثم تحامل على نفسه رغم الألم وشدة
النزف،وتسلل إلى خارج الدار زاحفا لمسافة طويلة في
أحراش الحنطة ،ولكثرة ما نزف من دماء لم يتمكن من
مواصلة التقدم بالسرعة العادية،وقام الشرطة
بالاتصال بقيادتهم لإرسال تعزيزات لمتابعة
الهاربين ،فطوقت المنطقة من جميع الجهات وكان
عتاده قد نفذ عند تصديه للمهاجمين فالقي القبض
عليه ونقل إلى مستشفى الحلة بصورة فورية لمعالجته
بعد أن وصلتهم التعليمات الصدامية بضرورة إنقاذه
مهما كان الثمن بغية الحصول على معلومات تعينهم في
القبض على القيادات الحزبية وعناصر التنظيم وقد
طلب من الدكتور الذي يعالجه عدم الاهتمام بإنقاذه
لأن السلطة لابد لها من إعدامه(وأنه يريد أن يبقى
شريفا) وقد أستشهد بين أيدي القتلة وزناة الليل
والجلادين من جلاوزة السلطة يوم 82 نيسان في عيد
مولد الفأر المدحور صدام حسين،وكان صدام المجرم قد
دعا رئيس جمهورية بلغاريا لزيارة مدينة الحلة
وألقى مع ضيفه كلمات بهذه المناسبة نكاية
بالشيوعيين العراقيين الذين يقتلون من قبل النظام
الصدامي بالتزامن مع زيارة الأشقاء الشيوعيين
الأممين الأوفياء.
وبذلك انطوت صفحة لامعة من صفحات النضال البطولي
لشهيد الحزب الشيوعي والحركة العمالية،في عيد
ميلاد أبن العوجة،ولكن فات هؤلاء الموتورين أن
الزبد يذهب جفاء ويبقى ما ينفع الناس،فهاهي
الرايات الشيوعية التي أستشهد تحت لوائها الألوف
ترفرف خفاقة في سماء العراق،وهاهم البعثيون
الأنجاس مشردين في بقاع الأرض يبحثون عن جحر
يؤويهم لجرائمهم البشعة بحق الإنسانية،وما جنتهم
أيديهم القذرة بحق أبناء الرافدين،الخزي والعار
للقتلة السفاكين،والنصر المؤزر للشيوعيين
العراقيين أحفاد فهد وسلام عادل والعبلي والحيدري
وغيرهم من الميامين النجب الذين لا زالوا شموعا
تضيء سماء العراق،ولا زال حزبهم العتيد يناضل
لبناء وطن حر وشعب سعيد،وستشرق الشمس في سماء
العراق وأن طال الزمن وبعدت المسافات،وألف تحية
لشهداء العقيدة،شهداء النضال والدرب الطويل في
عيدهم الكبير،فهاهم شهداء الحزب الشيوعي حمامات
سلام تحلق في سماء العراق،تغرد بنشيدها
الأزلي"سنمضي سنمضي إلى ما نريد ونبني عراقا جديدا
سعيد
الفهرست
4-المقدمة
14-محطات في حياة الرفيق معن جواد (أبو حاتم)
67-الشهيد أبو رهيب الرهيب
76-الشهيد حسن عبد علي السحيب
87-الفقيد حمزة عبد الرضا الغريباوي (أبو سعد)
1. الشهيد عبد الحسن هادي فرحان الدبي (أبو سلام)
2. شيوعي ولكن خارج التنظيم
3. مدير شرطة فهد يتذكر
4. جابر جودة مطر شيء من الماضي (ابو حافظ)
5. امرأة من بلادي
6. كاظم عبيس ذياب(أبو مازن)
7. عامر الصافي (أبو باسم)
8. محمد جواد مجيد الشريفي
9. عزيز حمزة الأحمد(أبو منذر)
10. علي حسين الصكر(أبو وميض)
11. رهين المحبسين (أبو حاكم)
12. الشيخ أحمد عبد الله(أبو عبد الله)
13. الشهيد صاحب يحيى الموسوي
14. الشهيد هادي حنتوش(أبو سوزان)
15. الشهيد عبد الحسين درويش )أبو شذى)
16. الشهيد حسن سعيد عبد الله (أبو بشير)
17. ومضات من تاريخ الحزب في الفرات الأوسط
18. وقفة لوالد الشهيد أمام صورته
19. الرجل الحديدي محمد حسن مبارك(أبو هشام)
20. الشهيد جبار جاسم أبو عبيس
|