|

المقدمة
دأب العراقيون على دراسة الشعر والأدب والانصراف
لحفظ نصوصه للاستفادة منها في خزينهم اللغوي وتدريبهم
على صياغة الجمل وتركيبها بعيدا عن الزيغ والخطأ،وكنت
أطالع بنهم كل ما أعثر عليه من كتب وأول القصص التي
قرأتها قصة المياسة والمقداد وقمر الزمان وعنترة وعبلة
وما الى ذلك من كتب تبحث في السير الشعبية والقصص
العربية القديمة،وكان لأخي الأكبر مكتبة حافلة بالكثير
من الكتب التي لم أكن أفهم ما فيها للغتها الصعبة،فكنت
أقلب أوراقها محاولا التركيز لفهمها ولكن دون
جدوى،وشاهدني أخي الأكبر ذات يوم أنظر فيها فقال لي لا
زلت صغيرا عليها وسأجلب لك كتب تستمتع بها وتستفد منها
،فجلب لي مجموعة من القصص البوليسية عن شرلوك هولمز
وأرسين لوبين وجونسون ومايك هامر،ثم لما رأي اهتمامي
بالقراءة حلب لي كتب مصطفى لطفي المنفلوطي،وطانيوس
عبده وجبران، ثم أخذت أقرأ كل ما أعثر عليه وأبادل
أصدقائي بالكتب فقرأت قصص لعبد الحليم عبد الله ونجيب
محفوظ وتوفيق الحكيم،وأخذت بعد تلك الفترة أفهم ما
أقرء من كتب لدى أخي رغم ما فيها من كلمات غريبة
عصية على الفهم،فكنت أسأل وأستفسر عن هذه المفردة أو
تلك فأجد ضالتي فيما يختزن أخي من معلومات.
وبعد أن كبرت ،كنت أشتري المكتب الأدبية وما أرخص
أسعارها تلك الأيام فبدأت في تنويع مكتبتي بمختلف
المعارف والفنون ،وانصرفت للقراءة بكثرة حتى أهملت
واجباتي المدرسية بل أصبحت لا أطيق الكتاب المدرسي ،أو
أستطيع قراءته،مما جعلني أتحايل على أهلي موهما إياهم
بأني أقرء في كتبي المدرسية ،فيما كنت في حقيقة الأمر
أضع أغلفتها على الكتب الخارجية وأقرأ فيها ،فكانت
والدتي التي لا تجيد القراءة والكتابة ترى في يدي
كتابا مدرسيا دون أن تعلم حقيقته،لذلك تلكأت في دراستي
،ولكني امتلكت من المعلومات ما يزيد على ما يمتلكه أيا
من مدرسي تلك الفترة.
وكنت أقوم بكتابة ملاحظاتي على ما أقرء أو أضع تحتها
خطوطا ،وحاولت تقليد ما أكتب ولكن دون جدوى،وأخذت
لفترة طويلة أحاول كتابة قصة الأفلام التي أشاهدها في
السينما فكانت تجارب متعثرة لم تلقى قبولا في
نفسي،وذات يوم طالعت جلة التراث الشعبي فوجدت فيها
الكثير من الأبحاث الفولكلورية،وقصصا باللهجة
المحلية،وكنت أحفظ الكثير من القصص التي أسمعها من
والدي أو والدتي أو جدتي أو في أسمار الأسرة التي
يتجمع لديها بعض الجيران لقضاء السهرة يوم لم تكن
هناك تلفزيونات،بل يعتمد الناس على الراديو الذي لا
يملكه إلا قلة،فكانوا يسمرون برواية الحكايات الشعبية
،والأشعار بأنواعها الأبوذية والموال والدارمي وما الى
ذلك من قصائد تداولها الناس وكنت أحفظ ما أسمع فبدأت
بتدوين محفوظاتي وأرسلت قسما منها الى مجلة التراث
الشعبي فما أسرع ما رأيت أسمي مكتوبا في أحد
أعدادها،وبدأت أرسل لهم قصصا وأشعارا نشر الكثير منها
،وبدأت أسجل ما أسمع من والدي أو والدتي وجدتي التي
تختزن ذاكرتها آلاف النماذج الشعرية بمختلف
أنواعها،فسجلت الكثير منها مما لا زلت محتفظا به حتى
اليوم ،وأفدت منه فائدة عظيمة في كتابة المقالات
الفولكلورية التي أنشها في الصحف والمجلات.
وأخذت بعد ذلك أسجل ملاحظات على ما أكتب ونشرت الكثير
من الردود والتعقيبات على مقالات نشرت في الصحف
والمجلات،وفي أواخر السبعينيات انقطعت عن النشر نهائيا
وبدأت أكتب لنفسي،فتكون لدي كم هائل من البحوث في
المجالات الأدبية والفولكلورية،جعلتها في ملازم،استفدت
منها بعد سقوط النظام بما نشر لي من مقالات في العديد
من الصحف العراقية والمواقع الالكترونية ،حتى جاوزت
مئات المقالات ارتأيت حفاظا عليها جمعها في كتب مصنفة
تحت أبواب مختلفة،منها هذا الكتاب الذي أفردته لما
كتبت تعقيبا على مقالات أو نقدا لكتب،أو دراسات أدبية
،ولا زال الكثير منها ينتظر دوره في الطباعة والأعداد.
محمد علي محيي الدين
7/6/2007
أين حقي...المأثرة العظمى(1)
لم يكن أسم الشاعر محمد صالح بحر العلوم غريبا على
مسامعي،فمنذ طفولتي وأنا أسمع أسمه يتردد في محادثات
شقيقي مع زملائه عندما كنت ي الثانية عشرة من عمري أو
قبلها بقليل،وقد أكون لا أفقه ما يقال،ولكن رتابة
الوزن،وعذوبة اللفظ تجلب الانتباه،فقد حفظت الشعر في
سن مبكرة،وخصوصا العامي منه،لذلك تولد في نفسي حب
الشعر والهيام به،والميل لسماعه وقراءته،وظل ذلك
ملازما لي حتى هذه الأيام،فمن الفروض التي لا محيص
عنها قراءته في الصباح الباكر من كل يوم،وقد كتبت
بعضا مما أسميه شعرا،يراه بعض الأحبة مقبولا،لذلك كان
من أوائل حفظي شعر السيد بحر العلوم،لسلاسة نظمه ورقة
جرسه وجمال معانيه وحلاوة ألفاظه،وخصوصا قصيدته أين
حقي التي حفظت الكثير من مقاطعها،ولا زال هذا الكثير
يتردد على شفاهي خصوصا هذه الأيام بعد أن ظهرت صحة
تنبو أته،وسلامة تصوراته فيما أفرزت الأحداث من جديد.
وهذه الملحمة الرائعة الذائعة،من أكثر شعره شهرة
وانتشارا بين الأوساط الشعبية،ولا أخال أحد لم
يسمعها،أو يقرئها أو يتذكر بعض مقاطعها،رغم أنها من
الممنوعات المحظور تداولها،فكانت كالمنشور السري من
الأدلة الجرمية في عرف الحكومات المتعاقبة،وأتذكر في
أواسط الستينيات،داهم رجال الأمن دارنا في الساعة
الثالثة ليلا،فأخذوا بالتفتيش الدقيق،وقلبوا
الأسرة،وفتشوا الدواليب،ونثروا الملابس،وفتشوا جيوب
المخزون منها،حتى سجادة الصلاة الخاصة بجدتي لم تسلم
منهم بما تحويه من مستلزمات العابدات الورعات من جادر
وتربة ومسبحة،فعثروا فيما عثروا عليه مقاطع من هذه
القصيدة كتبت على وريقات مخفية في طيات الكتب،فكانت من
الأدلة عند محاكمة أخي الأكبر الرفيق أبو حسنين،الذي
القي القبض عليه تلك الليلة،بسبب اعترافات من رفاق قبض
عليهم،وقد أنكر ارتباطه بهم،أو علاقته معهم رغم
التعذيب الشديد،إلا أن جريمته كانت حيازة شعر
محظور،فكانت أين حقي الدليل الوحيد لتجريمه،ولم يكن من
المعقول إنكارها ونسبتها لي،فكان أن سجن ستة أشهر
لحيازته قصائد ممنوعة.
وأين حقي من القصائد الخالدة التي جعلت شاعرها في
القمة من شعراء العصر الحديث،وعلما من أعلام الشعر،رغم
ما يعتو رها من قصور في الجوانب الفنية،وافتقارها إلى
المتانة وجودة السبك،وما كان يراه النقاد من مستلزمات
الشعر البليغ،فهي ليست بمستوى شعر ألجواهري،أو بمتانة
قصائد الرصافي،أو جزالة محمد رضا الشبيبي،إلا إن
معانيها السامية جعلتها في الذروة من الشعر العراقي
المعاصر في الشهرة والذيوع والانتشار،وأخذت مداها في
الأوساط الشعبية والثقافية،لما فيها من صور ناطقة تعبر
عن واقع معاش يفتقر إليه الكثير من الشعر الذي يعنى
بالمحسنات البلاغية واللفظية،وقعقعة الألفاظ،دون
الاهتمام بالمعنى الواضح،مما جعلها قابلة للترجمة إلى
اللغات الأخرى دون أن تفقد شيئا من القها،أو
معانيها،بعكس الكثير من الشعر العمودي الذي لا يصلح
للترجمة،ويفقد الكثير من بهرجته،لاعتماده على اللفظ
دون المعنى.
ورغم أن للشاعر بحر العلوم
مئات القصائد التي عالجت الشؤون العامة،ومشاكل
الجماهير،وكان لها أثرها في النضال الوطني لعقود،إلا
أنها لم تأخذ ما أخذت هذه القصيدة من الشهرة
والذيوع،ومن رائع شعره قوله:
أسفا على حر يموت مقيدا والحر في قيد لحياة أسير
أسفا على حر يغادر أمة تبكي عليه وحقها مغدور
لقد استراح أبوكم من أمة قد غرها البهتان
والتزوير
باعت لشهوتها ضمير إباءها ومن البلية أن يباع ضمير
مدح يكال وخاطب متملق وهوى يطاع وكاتب مأجور
تمسي وتصبح كالبهائم همها علف وهم خصومها التسخير
ومن قصائده الأخرى التي أخذت طريقها للشهرة والذيوع
قصيدة التي رد بها على ألجواهري عندما مدح نوري السعيد
بقصيدته الدالية، فرد عليه بحر العلوم بقصيدته التي
مطلعها:
صه يا رقيع فمن شفيعك في غدي فلقد صدئت وبان معدنك
ألردي
وله قصائد أخرى أخذت طريقها الى الشهرة والانتشار،مما
يلقيه في المظاهرات الشعبية المنددة بالاحتلال
البريطاني،والداعية لإسقاط النظام الملكي
المباد،فجعلته في الذروة من الشعراء الثائرين،ويحسن
بنا قبل الخوض في ملحمته الرائعة الإشارة لأمر لا زال
مثار جدل ونقاش،حول انحداره الأخير،ونشره للكثير من
القصائد في مديح الطاغية صدام ،أو البكر أو البعث أو
منجزات الحكومة البعثية في السبعينيات
والثمانينيات،وما أظهر فيها من ارتداد كبير عن المبادئ
والقيم التي كان يؤمن بها ويدافع عنها،ولست هنا في
مجال التبرير أو أيجاد المعاذير،وقد أدلي برأي لا أقره
في داخلي،ولكن على الدارس أن يحاول ما وسعه الجهد وضع
الأمور في نصابها،واستجلاء جوانبها ليخرج برأي قد
يحالفه الصواب،وأن لا يكون أسير رأي مسبق،وخصوصا في
دراسة الشعر والشعراء،وأن لا يكتفي بالمظاهر،فرب أمور
خافية تجعل الكثير من الحقائق بعيدة المنال.
لقد كان ولا يزال أغلب الشعراء العرب،مداحين
هجائيين،يمدحون هذا ويذمون ذاك،وربما تناقضت أرائهم في
الشيء الواحد ساعين وراء مصالحهم أو هاجسهم
الفني،فالمتنبي مدح كافور بغرر من قصائده وجعله في
مراتب متقدمة،ثم هجاه بقصائد أخرى أنزله للحضيض،وكافور
هو ذاته كافور الذي شبه سواده بالمسك ثم أحاله إلى
مسخ،ولم يكن المتنبي صادقا في الحاليين،أو صاحب رسالة
أو هدف سام،فهو شحاذ يأمل بجائزة أو جاه،وهذا ديدن
الشعراء في كل زمان ومكان ،لا استثني منهم إلا قلة
حافظت على كرامتها،فلم تنحدر إلى ما أنحدر إليه غالبية
الشعراء،ولم يسلم شعراء العصر الحديث من هذا
الداء،فكان عمالقته مداحين لمن لا يستحق المدح هجائيين
لمن يستحق الهجاء أو لا يستحقه،يمدح هذا اليوم ليذمه
غدا بلا مبالاة، مما يفصح عن داء خفي في النفوس،وقد
يجد البعض مبررات لمثل هذا التهالك،بضرورة عدم
الالتزام،والاهتمام بالجانب الفني،وأن الشاعر في مديحه
لهذا أو هجائه لذاك يعبر عن نزعة فنية لا علاقة لها
بالواقع المعاش،وأنهم يتخيلون ويتمنون أن يكون الممدوح
على هذه الشاكلة متوفرا على هذه الصفات،وهذه التبريرات
لها ما يدحضها،بضرورة أن يكون للشاعر موقفه ورأيه في
الأحداث،بما يفصح عن وجهة نظره في هذا الأمر أو
ذاك،فيما يرى آخرون في الشعراء الذين التزموا منحا
فكريا معينا،خروجا على أصول الفن وتقاليده وقواعده،وأن
الشعر يجب أن يكون بمنأى عن الأحداث،ولا يتناولها إلا
بما يظهر أجادته لأصول الفن،وما يعبر عن نزعة فنية
خالصة بعيدة عن المبادئ التي يدعوا لها الآخرين،وأن
الشعراء الذين يمدحون الملوك طمعا بالجائزة،أفضل من
الشعراء الذين يخدعون الجماهير بالتزلف إليهم والتقرب
منهم طمعا في جاه أو سعي لمنصب،أو مجد فني،وأن الذي
يخدع فردا ليس كمن يخدع شعبا،وما أكثر المخادعين في
الجانبين.
وبقدر تعلق الأمر ببحر العلوم ،فقد ألتزم جانب الشعب
في الغرر من شعره،وناضل وهو في ميعة الصبا ونضارة
الشباب،وأنسلخ عن طبقته ومحيطه الديني ليكون إلى جانب
الكادحين،لتحقيق طموحاتها في التحرر والأنعتاق،ولم يجن
من نضاله المرير لأربعة عقود غير السجن والتشريد
والتعسف والاضطهاد والتعذيب والفقر،ولو أحصينا السنين
التي قضاها خلف القضبان أو في التستر والاختباء
والنفي،لكانت أكثر من أيامه خارجها،ولو تحرينا عن
الآلام والمرارة وشظف العيش الذي واجهه أيام كفاحه
المرير،لرأينا أن أيام الدعة والمسالمة لا تشكل إلا
جزء يسير منه،وللأنصاف علينا أن نبحث في أسباب تحوله
الأخير،فلعل هناك أسباب خافية لم نطلع عليها تتعلق
بموقفه ذاك،فقد كان تحولا خطيرا أقل ما يقال فيه أنه
انحدار للهاوية،ولكن لماذا ينحني هذا الشاعر المناضل
أمام العاصفة في أخريات أيامه،بعد أن كان نشيدا وطنيا
لكل الثوار في العالم،ومثلا أعلا للمناضلين من أجل
التحرر،ومنارا لمن قاوم الظلم والاستبداد،أنني لا أريد
أن أفرض الفروض ولا أسبب الأسباب أو أبرر الأخطاء،ولكن
لابد أن يكون وراء هذا التحول سر خطير،لم يتسنى لنا
الاطلاع عليه،ولعل في أصدقاء الشاعر من يعلم شيئا،أو
أسر إليه بأمر،ولعل في مذكراته أن كانت له مذكرات،ما
يعين على كشف الحقيقة،ولعل في القراء من لديه من يميط
السر عن هذا التحول،فليس من السهل على شاعر بمقام بحر
العلوم أن يسقط هذا السقوط دون مبرر،رغم أن المبررات
لا تجعلنا نبرئه من ضعف أنساني،كان وراء سقوط
الكثيرين.
لقد عاش بحر العلوم دون مرتب معلوم،أو عمل يدر عليه
مالا،لذلك كان للحكومة العراقية تفضلها عليه عندما
منحته راتب شهري قدره(150)دينار على ما أتذكر،وكان هذا
الراتب في حينه أكثر من معقول،وفسح له في المجال لنشر
نتاجه في الصحف الحكومية التي تعطي مكافآت مغرية
لكتابها،فتهيأ له أن يعيش حياة ،لا أعتقد أنه عاشها في
الغابر من حياته،ويرى نعيم الدنيا وحلاوتها بعد تلك
السنين العجاف التي قضاها شاهرا سيفه بوجه الحكام
المتعاقبين،وحتى بعد ثورة تموز/1958 وإنشاده لتلك
القصائد الرائعة التي غنى فيها الثورة
وزعيمها،وأغاريده في محكمة الشعب،فسرعان ما انقلبت
الثورة على أبنائها،وعاد ليخوض غمار النضال من
جديد،ولم يتسنى له العيش بدعة وسلام إلا في أعوامه
الأخيرة،رغم ما يكابده من تبكيت الضمير،وجفاء الأصدقاء
،وشعوره بالمرارة لمواقفه تلك،وإحساسه بنظرات الناس
المريبة إليه،فليس من الهين على شاعر مثله كان قطب
الرحى في الحركة الوطنية،أن يصبح مداحا لأناس ما كان
لهم أن يتطاولوا ليصلوا إلى أخمص قدميه.
وموقفه هذا ليس غريبا بين الشعراء،فما أكثر من تقلب
في المواقف،وسلك الدروب المتشعبة،ولنا في الكثير من
عمالقة الشعر العربي وأدبائه خير دليل،لذلك فهو ليس
بدعا بين الشعراء أو المفكرين الذين تباينوا في
مواقفهم،وغيروا من مبادئهم،فهذا ديدن الشعر وطبيعة
الشعراء،وآخر ما أستطيع التبرير به،من كان منكم بلا
خطيئة فليرجمه بحجر،وفي الجزء التالي سنحاول تناول
تأثير قصيدة الشاعر إيليا أبو ماضي"الطلاسم" على الشعر
ألنجفي بعامة،وبحر العلوم على وجه الخصوص.
أين حقي...والطلاسم(2)
تأثر الشعر العراقي بعامة والشعر ألنجفي
بخاصة،بشعراء الرابطة القلمية، والنزعة الرومانسية
التي ظهرت بوادرها بعد الانفتاح على الثقافة
الغربية،وما كتبه شعراء المهجر،أو نشرته الصحف المصرية
واللبنانية من شعر جديد،وكانت هذه المجلات والكتب تصل
النجف عن طريق زوار العتبات المقدسة،وما يجلبه الكتبي
البارع المرحوم عبد الحميد زاهد،الذي يعد من السباقين
لنشر الثقافة الحديثة في الأوساط النجفية،فكان الجيل
الجديد من الشباب ألنجفي ممن يرتدون الزي الديني لا
يتورعون عن تأبط كتب شبلي شميل،ودارون وسبنسر وجبران
خليل جبران وإيليا أبو ماضي وغيرهم من شعراء المدرسة
الحديثة،التي بدأت تأخذ طريقها إلى الأوساط الأدبية في
كل مكان،وقد تأثر شعراء النجف والشباب منهم
بخاصة،بأفكار هذه المدرسة،وحاولوا الخروج عن الإطار
التقليدي للشعر العربي ،فأخذ التجديد طريقه إلى
قصائدهم،وخاضوا غمار معارك أدبية طاحنة مع الشعراء
الشيوخ،الذين كان في طليعتهم السيد رضا الهندي،والشيخ
جواد الشبيبي،والشيخ عبد الحسين حياوي،والشيخ محمد طه
الحويزي،والشيخ
هادي كاشف الغطاء والسيد باقر الهندي،يتلوهم في المقام
الشعري الشيخ مهدي الحجار،محمد حسن سميسم والشيخ محمد
جواد الحجامي،والشيخ قاسم محيي الدين
والشيخ محمد حسن المظفر،والشيخ حسن بهبهاني والشيخ
كاظم السوداني،وكان في مقدمة المجددين شيخ شعراء عصره
محمد رضا الشبيبي والشيخ على الشرقي والشيخ الأستاذ
محمد مهدي ألجواهري،والشيخ باقر الشبيبي والشيخ أحمد
الصافي ألنجفي،يرافقهم عدد من الناشئة بينهم صالح
الجعفري ومحمود ألحبوبي والشيخ عبد المهدي مطر/والشيخ
محمد جواد السوداني والشيخ محمد رضا المظفر،والسيد
محمد جمال الهاشمي،والدكتور عبد الرزاق
محيي الدين،والشيخ عبد المنعم الفرطوسي،و الشاعر محمد
صالح بحر العلوم،وغيرهم ممن ساروا سيرهم وحذوا حذوهم
،وكان في مقدمة الشباب شاعر العرب الأكبر ألجواهري
الذي صاول وطاول أساتذته وشيوخه فبزهم في العديد من
المحافل الأدبية،وربما لنا عودة لدراسة معارك تلك
الفترة،وفي شعراء الغري للأستاذ الباحث الموسوعي الشيخ
على ألخاقاني الكثير من النصوص لتلك المعارك
الأدبية،وكان الشعراء يستغلون المناسبات الاجتماعية أو
وفيات وولادة الأئمة الأطهار،لإقامة الأماسي الشعرية
التي يتبارى فيها الشعراء،وكانت تلك الوسيلة الوحيدة
لظهور الشاعر وبروزه،ونشر البعض قصائده في الصحف
والمجلات العربية،وفي هذا الجو ظهرت الكثير من القصائد
المبشرة بالفكر الأشتراكي منها قصيدة للدكتور عبد
الرزاق محيي الدين نشرت عام 1931 وأثارت ضجة في
الأوساط الدينية لصدورها من رجل دين في وسط ديني
صارم،يقول فيها:
أنظري الحقل أن خرجت صباحا تجدي الطير كيف يعبد
ربه
لا صلاة لدى الطيور ولا صوم سوى أن يطهر العبد
قلــــبه
وحياة لو تهتدين إليها لتركت القصر
الجميل وصحبه
لخصتها العقول للروس دينا ودعتها بالمذهب
الاشتراكي
في هذا الجو المضطرب نشأ الشاعر بحر العلوم،فكان في
مقدمة الشباب الساعي للتزود بالفكر الجديد،وكانت قصيدة
الشاعر المهجري إيليا أبو ماضي"الطلاسم" من القصائد
التي أثارت الكثير من الرد والمعارضة والمجارات في
الأوساط الأدبية،وإثارة لغطا كبيرا في الأوساط
المحافظة،لما فيها من أفكار جريئة ،اصطدمت بالكثير من
المسلمات التي تصافق عليها الناس تلك الأيام،فقد
عارضها الشيخ الشاعر عبد الحميد السماوي بقصيدة نحى
منحاها،،صدرت في كتاب مستقل مع شرح لها،وعارضها الشاعر
الشعبي الفكه حسين قسام بقصيدة هزلية حوت الكثير من
الصور الساخرة،لذلك لا ريب إذا كانت قصيدة أين حقي
مما يدخل في هذا المضمار،فقد نحى فيها منحى
فلسفيا،وتناول أفكار ما كان لغيره تناولها لما فيها من
جرأة لم تكن موجودة تلك الأيام،وقد أثارت هذه القصيدة
امتعاض ومعارضة الأوساط الدينية والمحافظة في
حينها،وصدرت الفتاوى التكفيرية بحقه،وحرمة التعامل
معه،وجوبه بعنت واضطهاد من السلطات الحاكمة التي وجدت
فيها ثورة حمراء تلهب الحماس وتذكي الوعي الطبقي في
النفوس،وتميد الأرض تحت أقدام السلطة الحاكمة،وتأييد
مطلق من رجال الدين،رغم أنه من أعرق الأسر
الدينية،وأكثرها شهرة وامتداد في الأوساط
الشعبية،وتبوأت أسرته زعامة الشيعة لقرون،رغم ما رافق
ذلك من خلافات قومية،وبروز تيارات جديدة ،بفعل عوامل
عديدة قد نتطرق لها في مناسبة أخرى.
والتأثير الواضح لطلاسم أبي ماضي عليها،أنها جاءت
بذات الترتيب والنسق الذي عليه الطلاسم،فلازمة
الطلاسم(لست أدري) وهو تساؤل يخفي وراءه الكثير،ولازمة
بحر العلوم(أين حقي) وهو تساؤل أخطر وقع على المكان
المؤلم من الطغاة والحكام الظلمة،والأدعياء من رجال
الدين،وبداية الطلاسم(جئت) فيما كانت بداية أين حقي
(رحت)،وبين المجيء والرواح كانت المزاوجة في المطالبة
بالحقوق:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
ولقد أبصرت قدامي طريقا ومشيت
وسأبقى سائرا أن شئت هذا أو أبيت
كيف جئت..كيف أبصرت طريقي...لست أدري
فيما يقول بحر العلوم:
رحت أستفسر من عقلي وهل يدرك عقلي
محنة الكون التي استعصت على العالم قبلي
الأجل الكون أسعى أنا أم أسعى لأجلي
وإذا كان لكل فيه حق.....أين حقي
فبداية الطلاسم تساؤل ملح عن كنه الحياة،وغامض الكون
وأسراره،وينتهي كل دور بسوآل..لست أدري،فيما نحى بحر
العلوم ذات المنحى،فكان تساؤله عن حقوق مهتظمة،وهذا
التأثير الواضح في سياق القصيدة يدفعنا إلى الخوض في
مجاهلها،لبيان أوجه الشبه بينهما،باختيار نماذج من
الملحمتين،للتدليل على هذا الرأي،ولست بمعرض الموازنة
بين القصيدتين،فالطلاسم ذات معان فلسفية بعيدة
الغور،غارقة في الرمزية والغموض،ولا يتأتى فهمها لغير
المتعلمين،في الوقت الذي كانت قصيدة بحر العلوم،واضحة
جلية في أهدافها ومراميها المباشرة،التي يستطيع
إدراكها سواد الناس،لبعدها عن التعقيد المعنوي
واللفظي،لذلك كانت شهرتها وصداها في الأوساط
الشعبية،لكثرة الذين يستطيعون إدراكها،والوصول إلى
خفاياها،وما تبطن في داخلها من فكر فلسفي قريب
للأذهان.
والحيرة التي تجلت في الطلاسم،لا تقل عن الحيرة التي
رافقت أين حقي،فتساؤلات أبو ماضي في بعدها الفلسفي
الغامض تسير في ذات المنحى الذي تسير فيه تساؤلات بحر
العلوم،ذات الهدف الواضح والرأي البين،رغم إن الطلاسم
كانت تساؤلات عن كنه الموت والحياة،والوجود
والعدم،والشك واليقين،والأيمان والإلحاد،والقديم
والجديد،والبعث والنشور،وما إلى ذلك من مناحي
فلسفية،كانت مثار الكثير من النقاش والجدل في الأوساط
العلمية،في حين نحى بحر العلوم في تساؤلاته للواقع
العراقي،في مناقشة حادة،للتناقض الحاصل فيه،فالقصر
المنيف الذي تقبع إلى جواره عشرات الأكواخ التي لا
تصلح زرائب للحيوانات،والعدل الإلهي الذي يدعيه البعض
ممن ارتدوا أردية الدين التي لم تستر سوأتهم،وما يخفون
في أنفسهم المريضة،التي ترى الدين امتيازات وحياة
مترفة لاهية،تعيش على آلام الآخرين وتعاستهم،وتعدهم
بسعادة بعد الموت،في الوقت الذي يعيش هؤلاء في جنان
دونها جنان السماء،لذلك لم يتعرض أبو ماضي لرجال الدين
كشخوص لهم ممارساتهم ومعاملاتهم مع المجتمع،بل رآهم
حيرى يؤمنون بشيء لا يدركونه،فهم يجهلون كنه
الأشياء،ويرددون مسلمات لا يجدون تبريرا لها:
قيل لي في الدير قوم أدركوا سر الحياة
غير أني لم أجد غير عقول آسنات
وقلوب بليت فيها المنى فهي رفات
وأنا أعمى فهل غيري أعمى ...لست أدري
والمنحى الفلسفي لأبي ماضي هو الصراع بين الشك
واليقين،بين المرئي والمتخيل،فيجد في نفسه قوتان
تتصارعان،قوة الشك التي تجعله لا يصدق ما يسمع
لمجافاته للواقع،والأيمان الذي يدفعه إليه تأثير
المجتمع وتربية الأسرة،لذلك يخوض هذا الصراع
القاتل،ليعود إلى لازمته الشهيرة في اللاأدريه:
أنني أشهد في نفسي صراعا وعراكا
وأرى ذاتي شيطان وأحيانا ملاكا
هل أنا شخصان يأبى ذاك مع هذا اشتراكا
أم تراني واهما فيما أراه....لست أدري
ويطوف في رحلته المكوكية في عالم الشك،فلا يقع على
قرار،ويرى في الجهل مستراح للإنسان في يقينه،فهو لا
يدرك جوهر الأشياء،أو يبحث عنها،ويتركها لمصيرها دون
الدخول في تناقضاتها:
كلما أيقنت أني قد أمطت الستر عني
وبلغت السر،سري ضحكت نفسي مني
قد وجدت اليأس والحيرة لكن لم أجدني
فهل الجهل نعيم أم حميم....لست أدري
أن هذا الصراع،والتساؤل المتسارع جوهر قصيدته
الطلاسم،وهذا المنحى الفلسفي لم يجعل لقصيدته بعدا
شعبيا،وذيوعا جماهيريا،لذلك أنحسر تأثيرها عن أذهان
الناس،وأصبحت مدار سجال ومناقشات بين النخب
الثقافية،في الوقت الذي كانت تساؤلات بحر العلوم تأخذ
بعدا شعبيا،وتجد صداها في أذهان الناس، الذين وجدوا
فيها بعدا واقعيا يعبر عن حياة الإنسان،ويمكننا
التفريق بينهما في المنحى السياسي،فبحر العلوم زج
قصيدته في الصراع الدائر في المجتمعات واتخذت قصيدته
مسارا سياسيا جعلها في الذروة من التبشير السياسي ونشر
الوعي الطبقي بين الجماهير،فيما كانت قصيدة أبو
ماضي،بعيدة عن مطالب الجماهير،تعالج أمرا لا يتعلق
بواقعهم الذي يحتاج إلى التغيير والإصلاح،فكانت أين
حقي صرخة مدوية،ودعوة للثورة على الواقع الفاسد،وتمرد
على متواضعات العصر في تأليه الحاكمين وعصمة رجال
الدين،لذلك تجد المواجهة بين الشاعر ومن تناولهم في
قصيدته،صراع بين القوى المستغلة والمستغلة،في الوقت
الذي كانت تساؤلات أبو ماضي عن أمور لا تعني الإنسان
شيئا في هذه المحطة المهمة من حياته،فالإنسان يريد
العيش
في دعة وسلام وسعادة،ويسعى لبناء حياة أقل ما فيها أن
تتوفر على أبسط مقومات الرفاه الاجتماعي.
لذلك فأن جوهر الالتقاء بين القصيدتين هو انطلاقهما
في التساؤل والشك في المسلمات التي يؤمن بها السذج
والبسطاء،رغم أن الطلاسم أخذت منحى بعيدا عن حاجات
المجتمع،في الوقت الذي كانت أين حقي صرخة ثورية مدوية
أقضت مضاجع الطغاة.
وفي الجز القادم دراسة للملحمة ونظرتها إلى رجال الدين
وما في تصوراته من تنبؤات أثبتت صحتها الأيام.
أين حقي ورجال الدين (3)
احتلت أسرة الشاعر محمد صالح بحر العلوم المكان
الأرفع بين الأسر الدينية في النجف،وأصبح الكثير من
رجالها مراجع التقليد لقرون،وثنيت لهم الوسادة في
المرجعية الدينية العامة لأقطار العالم الإسلامي،في
وعي كامل لطبيعة رسالتهم في الحياة،ولكن الصراع على
الزعامة الدينية،لا يختلف في الكثير من وجوهه عن صراع
الحكام من أجل السلطة،فالزعيم الروحي قبل كل شيء إنسان
له طموحاته وتطلعاته في السيادة والبروز،لذلك قد يأخذ
الصراع بين رجال الدين منحى آخر غير السجال
والجدال،والاختلاف في هذه المسألة أو تلك،،ويسوده حب
الزعامة والإمرة والهيمنة على الأمور،لما في ذلك من
جاه اجتماعي،ومنزلة مرموقة،وإيرادات مالية تعادل في
بعض الأحيان ميزانية الدولة العراقية،أن لم تزيد
عليها،له حق التصرف فيها بما لا يجعله مسولا أمام أحد
عن كيفية أنفاقها،لذلك ترى سلوكية رجال الدين- ولو في
الجانب المادي على الأقل- تختلف من شخص عنه في
آخر،فالعلامة الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر،عندما تولى
المرجعية الدينية أوائل القرن الثالث عشر الهجري،خاض
غمار معارك طاحنة مع منافسيه من آل بحر العلوم وآل
كاشف الغطاء،وغيرهم من الأسر الدينية ذات التاريخ
المتجذر في المسلك الديني،وأستطاع الهيمنة شبه المطلقة
على أصقاع من العالم الإسلامي،فكانت تجبى إليه
أموالها،وتغدق عليه خيراتها،وأختلف عن الآخرين في
طريقة حياته ومظهره العام،فرجال الدين في تلك الأيام
لا يتميزون عن الآخرين بأي مظهر من مظاهر العظمة
والأبهة،سوى الاحترام الذي يمنحه لهم الناس،والوجاهة
والتبجيل الذي يتساوى فيه الجميع،وإقرار الآخرين
بأعلميتهم،فلم نسمع أن أحدهم احتجن لنفسه مالا،أو
أستبطن حاشية،أو ارتدى الملابس المزوقة،وأحاط نفسه
بحاشية من الأتباع والخدم والمرافقين،ولكن الشيخ صاحب
الجواهر بما تهيأ له من إمكانات مالية هائلة،بما يجبى
له من أموال طائلة،أتخذ لنفسه منزلا لم يكن مألوفا لدى
رجال الدين،فحاشيته من الأتباع والمريدين ترتدي
الملابس المزينة بالألوان المميزة،بما لا يختلف عن أي
سلطان أو حاكم،وكانت الحقوق الشرعية الواردة إليه لا
توزع بالطريقة التقليدية التي كان عليها من سبقه،فهي
قاصرة على أتباعه ومن يلوذ به أو يؤيده في توجهاته،مما
جعل المراجع الآخرين من أبناء الأسر الدينية
العريقة،ذات الامتداد التاريخي ،تقف في مواجهته بصراع
صامت لم تستخدم فيه الأسلحة التقليدية المعروفة لرجال
الدين،في الاختلاف الفكري والتباين في إصدار
الأحكام،وإنما أخذ الجانب المادي الحيز الأكبر
منه،فكان أتباعه المتميزين في الحصول على ما يعينهم
على الحياة،مما جعل الكثيرين يتركون العلماء الآخرين
ويلتحقون به لتأمين ما يقيهم غائلة الجوع،ولم يأخذ
الصراع امتداداته الشعبية كما هو الحال هذه الأيام
،فكان مقتصرا على الطبقة الروحية في الوسط
الديني،فكانت الأسلحة الإعلامية والمادية هي الأدوات
الحاسمة في الصراع بين المتنازعين، والتضييق على أتباع
هؤلاء وحجب تخصيصاتهم من الزاد والمؤن التي كان
المراجع يمنحوها لطلابهم،وأتخذ الصراع في أوقات أخرى
القوة لفض المنازعات،فكانت أسرة بحر العلوم في صراع
لاستعادة مكانتها السابقة،ولكن التأثيرات
الخارجية،والإمكانات المالية للطرف الآخر،جعلهم الطرف
الأضعف في هذا الصراع،لذلك لم يتسنى لأحد منهم تقلد
الزعامة الدينية حتى اليوم،رغم وجود الأكفاء
والمؤهلين،فكان لصاحب الجواهر أثره في ترشيح الشيخ
الأنصاري الذي لم يكن معروفا في الأوساط الشعبية،ولا
يعرفه إلا القلة من رجال الدين،بسبب انصرافه للبحث
العلمي، وابتعاده عن الأمور العامة،وهكذا أخذت الزعامة
منحى آخر في تعيين المرجع الجديد،ليس هنا مجال الخوض
فيها،وأقتنع آل بحر العلوم وآل كاشف الغطاء بأن لا
مكان لهم في الزعامة العامة ،بعد أن أخذت الأمور هذا
المنحى،فكان منهم علماء أعلام لهم مكانتهم الدينية
والاجتماعية المحترمة،رغم انحسار نفوذهم القديم،وأخذت
إيراداتهم بالتناقص لعوامل معروفة،فأنفض عنهم الكثير
من الأتباع،وقنعوا بالمراتب الأخرى رغم أهليتهم
للزعامة الدينية المطلقة.
في هذه الأسرة الذائعة الصيت ولد الأستاذ محمد صالح
بحر العلوم،فدرس العلوم الأولية على مألوفها السائد
تلك الأيام،ورأى بأم عينيه الحقيقة المرة والصراعات
غير المبدئية،والمؤامرات التي يحيكها هذا الطرف أو
ذاك،فأخذت الشكوك تتسرب إلى نفسه في جدية هؤلاء،ومدى
مطابقة شعاراتهم مع تصرفاتهم،ورأى البون الشاسع بين
النظرية والتطبيق،فكان للشعراء المجودين تأثيرهم على
مسارات حياته،وما قرأه من كتب حديثة ومجلات كانت تتطرق
لأفكار جديدة ليست من مألوف الأوساط الدينية،فتولد
لديه الكثير من الشك،وبدأت الصور تهتز في مخيلته،لكثرة
التناقضات في أهم ركن من أركان الدين وهو المساواة بين
الطبقات الاجتماعية، فرجل الدين الذي يدعوا الناس إلى
البر والتقوى والتجرد عن أطماع الدنيا الزائلة،لا
ينحوا في حياته هذا المنحى،ويتهافت إلى أقصى درجات
التهافت من أجل الحصول على المال من أي جهة
كانت،ويحتجنه لنفسه أو بطانته ومن يلوذ به من الحاشية
والأتباع،ويشيد القصور الفاخرة،والرياش الثمينة،ويجعل
من المال العام طريقا للهيمنة والسطوة وبسط
النفوذ،وشاهد كيف أن الزعماء الروحيين،فرضوا سلطتهم
بما يمتلكون من رصيد مادي وأموال لا تصرف في أوجهها
الصحيحة،أو بطريقة عادلة،في الوقت الذي يعيش فيه
المواطن العراقي في أدنى درجات الفقر والبؤس،تتنعم
الأسر الدينية بحياة مترفة،لا تختلف عن حياة أكثر
الأسر الأرستقراطية،وشاهد كيف تجبى الأموال من
الملاكين والتجار والإقطاعيين،وهي معجونة بدماء
الفقراء من كادحي الأرض،وهالته هذه الشراكة بين أصحاب
الأموال ورجال الدين في استغلال البسطاء،ووضعهم طرف في
المعادلة،لذلك كانت ثورته العارمة في ملحمته الخالدة
موجهة أصلا لجميع المشاركين في نهب المال العراقي،لم
يستثني أحد رغم أن الكثير من أعلام أسرته كانوا في
المقدمة من رجال الدين.
لقد أثارت ملحمته هذه رجال الدين ،وجعلتهم يأخذون
مواقف متشنجة منه،أتسمت بحرب عشواء استخدموا فيها
مختلف الأسلحة،وأرعبت سلطات العهد المباد لما فيها من
حض على الثورة ،ولهجة تحريضية،وتبصير للطبقات الكادحة
بواقعها المرير،وكان للهجتها الصادقة،وتوصيفها للواقع
بدون رتوش أو إضافات،وقعه الصاعق،فشاعرها من أسرة
دينية خبر رجال الدين وعرفهم طفلا صبيا ويافعا،وعرف
بواطنهم،فهو لا ينطق عن الهوى،أن هو إلا واقع يحاولون
التستر عليه،فنشر غسيل هذه الفئة التي أعطت لنفسها
قدسية تجاوزت حدود العصمة،فليس من الهين السكوت عمن
يحاول الانتقاص منها،أو الاستعداء على منزلتها،،فكان
التعاون من الجميع لتضييق الخناق عليه،فكان ما كان من
أذى وحبوس وتشرد وتعذيب،ومعاملة جافية قاسية،حتى في
محيطه العائلي الذي هاله أن يكون قاتله من بيته،والى
جانب هذا كان للشعب تقديره السامي،ونظرته الحاوية لكل
معاني الإكبار والإجلال،وهذا الخلود والتسامي الذي
جعله في القمة من الشعراء الثوريين،ولا أخال شاعرا
كبحر العلوم أثار مثل هذه اللغط،وتأخذ قصيدته هذا الحظ
من الشهرة والذيوع،ولعله الوحيد من كبار الشعراء من لم
يحض بالدخول في المناهج الدراسية،وتحاشاه مؤرخي الأدب
في دراساتهم،لا بسبب نقص في شاعريته أو ملكته
الأدبية،ولكن لموقفه هذا الذي لم يترك له من صديق في
دائرة الحكام المتعاقبين،حتى يومنا الراهن،رغم مكانته
الرائعة في الأوساط الشعبية.
ومما هو جدير بالإشارة،أن الكثير من أرائه التي وردت
في ملحمته أثبتت الأيام صحتها،وستجد في ثنايا الدراسة
الكثير من الصور الناصعة التي أوردها الشاعر،ظهرت
واضحة جلية بعد التغيير الجديد في العراق،ولا أرى في
قصيدته على صراحتها وواقعيتها أي خروج على الدين أو
جوهره الحقيقي،وإنما هي ثورة على من ارتدوا مسوح الدين
وتجلببوا بجلبابه فأساؤا إليه،والفرق كبير بين
الاثنين،فرجل الدين إنسان يخطئ ويصيب،وما من أحد
بمنجاة من الزلل أو الخطأ،ولكن البسطاء والسذج أعطوا
لرجال الدين مكانة لا تتناسب وحجمهم في الحياة،وأحلوهم
منزلة تجعلهم بمصاف الأنبياء،وتبعدهم عن الخطأ
والزلل،لذلك ترى الاندفاع الأعمى خلفهم لمن فقد
البصيرة في الحياة.
ففي معرض هجومه على من تلبسوا لبوس الدين،وجعلوا من
أنفسهم فيصلا بين الكفر والأيمان،وولاة الأمر الذين
على الناس طاعتهم والرضوخ لأحكامهم،وعدم مسائلتهم فيما
يصدرون من أحكام،فللعالم الأجر أن أخطأ وله أجران أن
أصاب،فهو مثاب على كل شيء،فلهم الحكم الإلهي، لأنهم
بقية الله على الأرض،الذين وجبت طاعتهم فيما يرون أو
يقولون:
ما لبعض الناس لا يحسب للتفكير فضلا
ومتى ناقشته الرأي تعداك وولــــــــــى
زاعما أبقاء ما كان على ما كان أولى
من جديد يعرف الواقع منه ...أين حقي
فهو ثائر على التقليد الأعمى،لما يراه البعض ممن جعلوا
أنفسهم هداة للناس وهم في حقيقتهم يجهلون حاجة
الناس،لابتعادهم عن المجتمع والاختلاط به، والنزول
لمستواهم ،ومعرفة معاناتهم:
أنا أن أذعنت للخلق وحاولت التعامي
كان شأني شأن من يطلب غيثا من جهام
فنظام الخلق لا يعرف وزنا لنظامي
ونظامي لم يزل يصرخ مثلي.. أين حقي
ويعلن تمرده على الواقع المأساوي الذي آلت إليه
الأوضاع الاجتماعية،في محاولات رجال الدين لإلغاء عقل
الإنسان،وأبعاده عن التفكير في حياته واعتبار الأشياء
حادثة لا يمكن إبعادها أو تغييرها فالإنسان مقدر له أن
يكون فقيرا معدما ،وما عليه إلا الطاعة بانتظار اليوم
الموعود ليجد ما تشتهيه الأنفس و تقر به
الأعين،والحياة حظوظا وقسم فعليه القناعة بما كتب له
أو عليه ،وعدم النظر إلى الآخرين الذين جعلهم الله
متسلطين على رقاب الناس،فالله يرى ما لا يراه
الآخرون،ولعل في ذلك مصلحة لا يمكن للإنسان إدراكها
بعقله القاصر:
أتراني أرتئي ما يرتئيه الناسكونا
وأجاري منطقا يعتبر الشك يقينا
وأقر الوهم فيما يدعيه الناس دينا
فيعود العلم يدعوني بحق...أين حقي
ويسعى لتغيير الواقع،بنشر الوعي بين الطبقات
الشعبية،ليعطيهم الصورة الحقيقية لما عليه هؤلاء
المتسربلين بلباس الدين،ويحاولون ترسيخ الواقع الفاسد
بأفكارهم الداعية إلى الخنوع والاستخذاء،والقناعة التي
هي كنز ليفنى،فهذه العمائم التي تجوب الأرياف لاكتساب
رزقها،تزرع الضلالة وتخدر عقول المساكين،بما تروج له
من أفكار باطلة،بضرورة الابتعاد عما يثير الأغنياء
والملاكين،لأن هؤلاء يحضون برعاية خاصة من السماء،التي
أعطتهم هذه النعم لمعرفتها باستحقاقهم وأهليتهم لأن
يكونوا أفضل من الآخرين،وقد فضل الله بعض على بعض
بالرزق،لحكمة لا يعلمها إلا هو تعالى عما يصفون:
ليتني أسطيع بث الوعي في بعض الجماجم
لأريح البشر المخدوع من شر البهائم
وأزيح السر عما ينطوي تحت العمائم
من أناس تقتل الحق وتدعوا... أين حقي
فهؤلاء الذئاب المتلبسين بلباس الدين،لا يسعون من أجل
الإصلاح،أو الخير للمساكين،بل يحاولون الاستفادة
منه،وإبقائهم على تفكيرهم الساذج،ليكونوا بقرة حلوب
يستحلبها رجال الدين والملاكين والمرابين ومالكي وسائل
الإنتاج،فيجعلون الدين سيف الأغنياء المسلط على رقاب
الفقراء،ويعلن ثورته الضارية بوجوه هذه الذئاب التي
تعيش على شقاء الآخرين،منذ الآف السنين،ويدعوهم لترك
الناس أحرار في اتخاذ الموقف الذي يريدون حيال مغتصبي
حقوقهم،فليس الدين في حقيقته مطية لتحقيق المكاسب
لهؤلاء،فهل أستحصل هؤلاء المتفيهقون صكا من
السماء،ليتولوا أمور الناس،أن كتاب الله المركون على
الرفوف العالية وقد غطاه الغبار،وتعطلت أحكامه الداعية
إلى المساواة والعدالة الاجتماعية ،يستصرخ مطالبا
بالحقوق التي عليهم الالتزام بها،والعمل على نشرها بين
الناس:
يا ذئابا فتكت بالناس آلاف القرون
اتركيني أنا والدين فما أنت وديني
أمن الله قد أستحصلت صكا في شؤوني
وكتاب الله في الجامع يدعوا أين حقي
ويعيب عليهم تفسير القرآن بما يتوافق مع مصالحهم
ومصالح من يمثلونهم من الطبقات الحاكمة،وأصبح رجل
الدين سائرا في ركاب الحكام عادلين أو ظالمين،يروج لهم
سياستهم ويؤول آيات القرآن بما يحقق له مآربه
الشخصية،وطموحاته الخاصة،وجعلوا الدين مصيدة لاصطياد
السذج والمغفلين،بتمرير الأفكار الداعية إلى الاستكانة
والذل والخنوع والقبول بتقسيمات السماء وما قدر
لهم،فالإنسان رهبن بما كتب عليه قبل أن يخلق،وليس له
تغيير الواقع،لأن ذلك تمرد على الأقدار التي جعلت
الناس طبقات ومراتب،ففضلت هذا علة ذاك بالرزق
والسلطة،،فكان لرجال الدين أفكارهم المسايرة
للسلاطين،وأصحاب الأموال، لأنهم مصدرهم المالي،وهم
القادرين على بقائه في منصبه،وعليه أيجاد التبريرات
الدينية لتصرفاتهم المنافية لجوهر الأديان:
أنت فسرت كتاب الله تفسير فساد
واتخذت الدين أحبولة لف واصطياد
فتلبست بثوب لم يفصل بسداد
وإذا بالثوب ينشق ويدعوا... أين حقي
وتصل ثورته العارمة قمتها عندما يصف القضاة الذين
عليهم تطبيق القوانين وتحقيق العدالة،،ويتناول بذكاء
مسألة الرجم التي أقرها الإسلام وجعل لها ضوابط خاصة
تجعل من المستحيل تنفيذها لو توفر الحاكم العادل،ولكن
هؤلاء القضاة الذين يحاولون غسل وجوههم وإخفاء
مباذلهم،بادعائهم تطبيق الشريعة التي هم أول من
خالفها،فالدين يدعوا لتوزيع الأموال بالعدالة،وللفقراء
في أموال الأغنياء حقوقهم المعلومة،ولكن هذه الحقوق
تعطى لرجال الدين فتتحول لعمارات وقصور ورياش فاخرة
لهم ومن يلوذ بهم من الأقارب والأتباع،لذلك فهم
يتحملون القسط الأكبر من الجرائم،فالفتاة التي لا تجد
ما يقيم أودها،أو من يعيلها،تكون مضطرة لسلوك المركب
الوعر،والارتماء في الرذيلة،ومن أضطر فلا أثم
عليه،لذلك على من جعلوا أنفسهم قضاة وحراس لتطبيق
الشريعة المقدسة،دراسة الأسباب الكامنة وراء هذا
الجنوح ومعالجتها،وعلى رجل الدين تفقد رعيته ورعاية
مصالحها حتى لا تضطر لسلوك الطريق الآخر للحصول على ما
يقيم أودها:
وفتاة لم تجد غير غبار الجو سترا
تخدم الحي ولا تملك من ذا الحي شبرا
وتود الموت كي تملك بعد الموت
قبرا وإذا الحفار فوق القبر يدعوا..أين حقي
ما لهذي وسواها غير ميدان الدعارة
لتبيع العرض في أرذل أسواق التجارة
وإذا بالدين يرميها ثمانون حجارة
وإذا القاضي هو الزاني ويقضي..أين حقي
أين كان الدين عنها عندما كانت شريفة
ومتى قدر حقا لضعيف وضعيفة
ولماذا صاعها زانية غير شريفة
أ لأن العرف لا يسمع منها..أين حقي
لذلك فالقاضي هو الذي يتحمل أوزار هذه المرأة وما
ارتكبت من أخطاء،ولكن من هو القاضي الذي جعل نفسه
فيصلا في الأحكام،أنه في حقيقته أفاق يرتكب المعاصي
والآثام،ويمارس الزنا ويشرب الخمر،دون أن يجد من
يحاسبه،لاحتمائه بالدين،واتخاذه طريقا للوصول إلى
غاياته الدنيئة،المنافية للأخلاق والأعراف والتقاليد:
كم زنى القاضي وكم لاط بولدان وحور
وأحتسى أوفى كؤوسا من أباريق الخمور
أين كان الدين عن أجرام قاضيه الخطير
ولماذا لم يصارحه بحق ..أين حقي
أن هؤلاء الأدعياء المتلبسين بأردية الدين
المهلهلة،يخدعون الله والناس،ولكن أين مكر الله منهم
وهو خير الماكرين،إلا يستطيع هذا الماكر الكبير كشف
زيفهم وتعريتهم وإظهارهم على حقيقتهم الفجة:
برياء ونفاق يعبدون الله جهرا
أين مكر الله عمن ملأ العالم مكرا
أن صفا الأمر لهم لن يتركوا لله أمر
وسيبقى الله مثلي مستغيثا أين حقي
وهنا يتنبأ متنبئ القرن العشرين،ويكشف عن حقيقة بانت
واضحة جلية بعد عدة عقود من نشر قصيدته تلك،وليته يأتي
اليوم ليرى ما يجري في العراق الجديد،من أمور باسم
الدين،وممارسات ضارة لا يمكن صدورها عن جهات تدعي
تمثيلها المطلق للسماء،ولعله وهو العارف بطبيعة
المجتمع الديني،كان يرى ما لا يراه البعيدين عن هذه
الأوساط،ولعل ذات الممارسات كانت جارية تلك الأيام،إلا
أنها لم تكن على المستوى الذي عليه الآن،فكان كبارهم
القادرين على السرقة والابتزاز،أما الآن فقد تهيأ لكل
من ارتدى هذا اللبوس أن يحصل على ما يريد بأي طريق
كان،ولعل ما كان في زمن الشاعر لا يرقى إلى ما وصلوا
إليه الآن ،بعد أن أصبحت كنوز العراق بأيديهم،وهنيئا
لهم الأمر من قبل ومن بعد،ولكن هل هو هذا الدين الذي
تعلمه بحر العلوم في حياته،وهل أن المبادئ
الإسلامية،التي ملئت أطنان من الورق أخذت طريقها إلى
التطبيق،أم أنها مجرد نظريات وفروض لم يتسنى لها
الظهور على أرض الواقع:
ليس هذا الدين دين الله بل دين الولاة
لفقوه من أحاديث الشياطين الرواة
وادعوا أن من الله نظام الطبقات
أن يكن حقا فسله عن لساني ..أين حقي
وفي الجز الأخير سنتناول هذه الملحمة وموقفه من الصراع
الطبقي،الذي هو المحور الأساس للنظرية
الماركسية،والتصوير الرائع الذي أبرز فيه،آليات هذا
الصراع ومحلها من الواقع الاجتماعي للعراق.
أين حقي...والصراع الطبقي/4
أستطاع الشاعر محمد صالح بحر العلوم،توظيف هذه
الملحمة الرائعة،في أبراز المبادئ الأساسية
للماركسية،ونظريتها الأساسية الصراع الطبقي،وتمكن
بثاقب فكره وبصيرته،تقديمها بأسلوب مبسط ،يفهمه حتى
محدود الثقافة،ولعلها القصيدة الأولى التي بينت
النماذج الواقعية لصراع الطبقات،من خلال الواقع
الشعبي،وأظهرت البون الشاسع بين الحياة الأرستقراطية
التي يعيشها المترفون،وما هو عليه حال العامل والفلاح
والشرائح التي بمستواهم،وقد أخذت طريقها إلى أذهان
الجيل الجديد،فكانت الدرس الأول للتثقيف بهذه
النظرية،والمدخل لفهمها،فهي نماذج عملية لنظرية كبرى
أخذت من تفكير الفلاسفة الشيء الكثير،ولا زالت مثار
نقاشات بين كبار المفكرين مؤيدين ومناقضين
لأفكارها،بأساليبهم التي لا يتأتى للكثيرين
إدراكها،لما فيها من عمق يصعب على غير المختصين،أو
أصحاب الثقافة العالية فهمها والوصول إلى
دقائقها،ولكن بحر العلوم جعلها في متناول الكثيرين بعد
أن حولها إلى نماذج يعيشها الإنسان في حياته
اليومية،ويشعر بها كل من يرى التناقضات التي تعصف
بالمجتمعات،والنماذج التي أوردها أستمدها من الواقع
الذي يعيشه الشعب،وصاغها بأسلوبه السهل الممتنع،فجاءت
ناطقة معبرة،فتحت أذهان الفقراء على واقعهم المأساوي
الذي كان يصوره لهم الأدعياء،أنه من الأقدار التي لا
يستطيع الإنسان الخلاص منها أو تجاوزها أو
تغييرها،"فالمكتوب على الجبين لازم تشوفه العين"
أو"كيفما تكونون يولى عليكم" فالذنب ليس ذنب الولاة
الظلمة ،أو المستغلين الآثمة،وإنما هو استحقاق سماوي
لهذه الطبقة المعدمة،وقدرها أن تكون نهبا مشاعا للصوص
تمترسوا خلف الحق الإلهي،ليكونوا سادة، والآخرين أرقاء
عليهم خدمتهم،والإذعان لأوامرهم ونواهيهم،فهم ظل الله
في الأرض،وطاعتهم واجبة على الآخرين:
ليس هذا الدين دين الله بل دين الولاة
لفقوه من أحاديث الشياطين الرواة
وادعوا أن من الله نظام الطبقات
أن يكن حقا فقل
لي يا ألهي ..أين حقي
أن هذه الصرخة المدوية،نبهت الأذهان إلى حقيقة الزيف
الذي يحاول هؤلاء تمريره،من خلال الإيحاء للآخرين بأن
المقدر لابد أن يكون،وأن الحياة حظوظ فالأسود لا يمكن
له أن يتحول إلى البياض،لذلك على الإنسان القناعة بما
قدر له،فالقناعة كنز لا يفنى،وعليه أن لا ينظر للطبقة
التي تسيدت عليه،لأن النظر إلى الأعالي يقصم
الرقاب،لذلك على الإنسان الرضوخ لواقعه،وعدم السعي
لتغييره،ولكن هل يصدق الأكثرية هذه الدعاوى
الباطلة،عندما يلاقون هذا العنت والإجحاف،من قلة همها
السيطرة والتحكم برقاب الآخرين،والأنكى من ذلك أن
يشكوا الظالم من المظلوم،الذي يحاول الاعتراض على ما
لحقه من حيف وإذلال،فيقول المسئول الكبير"همه
العراقيين شي شبعهم":
كيف تبقى الأكثريات ترى هذي المهازل
يكدح الشعب بلا أجر لأفراد قلائل
وملايين الضحايا بين فلاح وعامل
لم يزل يصرعها الظلم ويدعو..أين حقي
وفائض القيمة تجلى واضحا في هذه الصورة الموحية،حيث
يهيمن قلة من النفعيين،لتسرق جهود الملايين من الحفاة
العراة الجياع،وهؤلاء الطغاة يختبئون خلف براقع لا
تخفي حقيقتهم الفجة،فتارة يتلبسون بأردية القومية
المهلهلة،وأخرى يتمترسون خلف نظرية الحق
الإلهي،وحقوقهم التي أقرتها السماء،فهل من القومية
والدين أن تسرق جهود الملايين،لأصحاب الامتيازات
القومية والإلهية الذين يرفضون الثورة على الواقع
الفاسد،ويحاولون تمريره من خلال الإرادات
العليا،وأوامر ونواهي السماء،فدعاة "القومية يحاولون
تحويل الصراع،وكأنه صراع بين القوميات
"الأمم"
بين الأمة العربية والانكليز،وتحويل الاضطهاد القومي
الذي يمارسونه بحق أبناء قوميتهم ،فالطبقة المسحوقة من
القومية المضطهدة،تعاني من الطرفين،اضطهاد المستعمر
واضطهاد المستغلين من أبناء قوميتها،لذلك يحاول
القوميون أثارة المشاكل مع الجيران،أو الدول
الأخرى،حتى يحرجوا الطبقات الكادحة التي لها موقف من
أنظمتها،كي تقف إلى جانبهم" الشبيبي":
أمن القومية الحقة يشقى الكادحونا
ويعيش الانتهازيون فيها ناعمينا
والجماهير تعاني من أذى الجوع شجونا
والأصولية تستنكر دعوى...أين حقي
وهؤلاء أن كانوا من دعاة الإصلاح كما يقولون،عليهم
تحرير الملايين من المرض الوبيل الذي ينهشهم،والجهل
والتخلف الذي جعلهم لا يعرفون من الحقيقة إلا صورتها
التي رسمها إليهم الأصوليون،وعلى هؤلاء الدعاة السعي
لفتح المدارس،وتأمين الرقابة على توزيع الثروة،فليس من
الدين في شيء أن يهيمن على رؤوس الأموال،حفنة من
الطارئين والمغامرين ليعيش الملايين في فقر مدقع:
حرروا الأمة أن كنتم دعاة صادقينا
من قيود الجهل تحريرا يصد الطامعينا
وأقيموا العدل في تأمين حق ألعاملينا
ودعوا الكوخ ينادي القصر دوما..أين حقي
وينعى على أصحاب القصور المنيفة،من تجار وأصحاب معامل
وملاكين ومرابين وإقطاعيين،بأنهم وراء المعاناة التي
تعانيها الطبقات المعدمة في المجتمع،وأن هذه القصور
شيدت بدماء وجهود هؤلاء الفقراء،الذين لا يملكون غير
جهدهم المستغل من قبل هؤلاء،الذين يعيشون حياة مترفة
لاهية على حساب معانات الملايين:
يا قصورا لم تكن إلا بجهد الفقراء
هذه الأكواخ فاضت من دماء البؤساء
وبنوك استحضروا الخمرة من هذي الدماء
فسلي الكأس يجبك الدم فيه..أين حقي
وتتجلى قمة الثورة في صرخته المدوية،بدعوته مصاصي
الدماء لمقاضاته أن كان ثمة حساب في العالم الآخر،فهو
لا يخشى الحساب طالما يناضل من أجل قضية عادلة،ويقارع
الطغاة الذين يعيشون حياة صاخبة عابثة،متناسين أن هناك
شعبا يئن تحت سياط البغي والاستغلال،في ظل صمت
مريب،ممن يرفعون رايات العدالة والإنسانية،ويتغاضون
عما يجري من مصائب بحق الآخرين:
حاسبيني أن يكن ثمة ديوان حساب
كيف أهلوك تهادوا بين لهو وشراب
وتناسوا أن شعبا في شقاء وعذاب
يجذب الحسرة والحسرة تحكي..أين حقي
ويدخل في خضم الصراع الطبقي،في صورة رائعة جسدت
الواقع العراقي بكل تجلياته،وأظهرت حقيقة الصورة
القاتمة التي عليها الأغلبية الساحقة من
العراقيين،ولخص في هذا المقطع ذروة النظرية
الماركسية،بتشبيه قريب من مدارك البسطاء من الناس:
كم فتى في الكوخ أجدى من أمير في القصور
قوته اليومي لا يزداد عن قرص صغير
ثلثاه من تراب والبقايا من شعير
وبباب الكوخ كلب الشيخ يعوي أين حقي
وحتى البروليتاريا الرثة لها مكانها في تفكير بحر
العلوم،فالحالة المأساوية التي تعيشها الطبقات
المسحوقة،قد تدفعها للجوء إلى الطريق الشائك،أو تنحدر
إلى مهاوي الرذيلة والفساد،لا لأشباع شبقها الجنسي كما
هو حال المترفين والطبقات الموسرة،وإنما لرد غائلة
الجوع أو أطعام الأفواه الجائعة للأسرة الفقيرة،ولكن
المفارقة في الظلم الطبقي الصارخ أن يعاني الإنسان حتى
بعد موته،فالأسرة الفقيرة التي تفجع بعزيز،قد لا تجد
ما يعينها على دفنه،لما يتطلب ذلك من أجور لا تستطيع
أدائها،ولعل المنحى الذي نحاه في هذه الصورة يجسد
المأساة الكبرى للبروليتاريا ومعاناتها جراء استغلالها
من قبل الآخرين:
وفتاة لم تجد غير غبار الجو سترا
تخدم الحي ولا تملك من ذا الحي شبرا
وتود الموت كي تملك بعد الموت قبرا
وإذا الحفار فوق القبر يدعوا ..أين حقي
وأخرى من هذه الطبقة المغلوبة على أمرها،قد تدفعها
الفاقة والعوز المادي، إلى ارتكاب ما لا يجمل بالإنسان
ارتكابه،فتضطر إلى بيع جسدها،لتكون المفارقة الكبرى أن
يكون لمدعي الولاية العامة،الذين عليهم رعاية
الفقراء،موقفهم من هذه الخاطئة بسبب إهمالهم لواجبهم
في تأمين حاجتها،وما يقيم أودها،حتى لا تجنح وتنحدر
للسير في طريق الرذيلة:
ما لهذي وسواها غير ميدان الدعارة
لتبيع العرض في أرذل أسواق التجارة
وإذا بالدين يرميها ثمانين حجارة
وإذا القاضي هو الزاني ويقضي..أين حقي
ويأخذ عن رأس المال هذه اللمحة الخاطفة،ليصوغها بلغة
سلسة،لتعبر عن فائض القيمة الذي هو الأساس للاقتصاد
السياسي للماركسية،والأساس لهذه النظرية التي أثبتت
الأيام صحة أطروحاتها،وأنها لا زالت المحرك الأساسي
للمجتمعات،بعد أن ثبت قصور النظريات الأخرى في تفسير
الواقع،ناهيك عن تغييره:
كيف يقوى المال أن يوجد من غير جهود
أين كان المال لولا جهد صناع النقود
ومتى يقدر أن يصنع طير من حديد
فلهذا الجهد أن يدعو جهرا..أين حقي
وآخر الصور التي نتناولها في هذا الجانب،تساؤله المنبي
عن الحس الطبقي الثوري الذي عليه الشاعر ودعوته
العمال لعدم النكوص والاستكانة لسالبي جهدهم،وأن لا
ينشدوا العدالة بالضراعة والاستجداء،أو انتظار رحمة
السماء،فالسماء ليست المسؤولة عما يجري في هذه
الحياة،وعليهم النضال من أجل حقوقهم والثورة على
الواقع الفاسد،وأستحصال حقوقهم بالقوة،لأنّ الحقوق
تؤخذ ولا تعطي ،وهذا ما سنتناوله في الجزء الأخير من
هذا البحث:
أيها العمال أين العدل في هذي الشرائع
أنتم الساعون والنفع لأرباب المصانع
وسعاة الناس أولى الناس في نيل المنافع
فليطالب كل ذي حق بوعي..أين حقي
أين حقي والدعوة للثورة(5)
الإنسان لا يخلق ثوريا،ولكنه يستمد ثوريته عن
محيطه،وما يتأثر به في حياته من أفكار داعية
للثورة،أو التمرد على الواقع المعاش،والبيئة النجفية
التي نشأ فيها بحر العلوم،حافلة بالكثير من الصور
الثورية الرائعة،رغم وجود الفكر المستكين،والخنوع الذي
عليه بعض الطبقات النجفية،فالنجف أنجبت أفذاذ عرفوا
بثوريتهم وروحهم الهجومية التي لا تعرف الاستكانة
والخنوع،وكانوا في الطليعة من المناضلين يتقدمون
الصفوف الأمامية في الانتفاضات والثورات التي أشتعل
أوارها في النجف أو غيره من المدن،وضمت أخلاط شتى من
المتخاذلين الذين يتسببون الأسباب،ويخلقون المبررات
لجبنهم ونكوصهم عن عظيمات الأمور،فالبيئة النجفية
استمدت أخلاقها وسماتها من الصحراء من الصحراء النجدية
لمتاخمتها لها،وأخذت الكثير من الأعراف والتقاليد
البدوية،لذلك تميز مجتمعها بالعلاقات الحميمة،والنخوة
والشجاعة والشهامة،ونصرة أخاك ظالما أو مظلوما،لذلك
ترى النجفيين متقوقعين على أنفسهم،ولديهم تكتلاتهم
الخاصة في خارج مدينتهم،رغم تأثير الجاليات الأجنبية
التي أخذت من النجف مستقرا لها لطلب العلم أو
التجارة،ووجود التأثير الديني المتسم بالمهادنة في
الكثير من الأحيان،باعتماده التقية سلوكا في
الحياة،رغم ظهور طبقة من رجال الدين نحت منحى
ثوريا،وشاركت في الثورات والانتفاضات ومقارعة السلطات
الحاكمة،فقد كان لبعض رجال الدين مواقفهم المشرفة في
ثورة العشرين وثورة النجف،ولآخرين أدوار في مساندة
الحركات الثورية،ونشاطات الأحزاب السياسية،والأنظمام
إلى الجمعيات الداعية للسلم والتحرر،وكان للكثير منهم
أثره في الكثير من فعاليات الجماهير المناوئة للسلطات
الحاكمة،فكان شيخ الخطباء محمد الشبيبي،وفخر العلماء
حسين ألحمامي،وقدوة المجتهدين المرحوم محمد سعيد
الحكيم،والشيخ محمد رضا الشبيبي صاحب القصائد الرائعة
الذائعة في الدعوة للثورة،وكان شاعر العرب يتصدر
الصفوف في النضال الوطني بقصائده الخوالد الشوارد التي
كانت تذكي جذوة النضال ،وتعبئ الجماهير للثورة على
واقعها الفاسد.
في هذا الجو الحافل بالمتناقضات،نشأ الشاعر بحر
العلوم،وعاش عبق الثورات التي أسهمت فيها مدينته،وبعض
أعلام أسرته،وكان المحيط الثقافي ألنجفي يستمد كل ما
هو جديد في عالم الفكر والثقافة،رغم الطابع الديني
للمدينة،فقد انتشرت فيها الأفكار الثورية،ونشأت
الحلقات الماركسية،وتناول شعرائها الفكر الجديد من
خلال قصائدهم التي تنتشر في محافل النجف
الأدبية،ومهرجاناته الثقافية،وكان الشعراء الشباب
يستمدون من بعض أعلام الشعر مسيرتهم القادمة،فكان
الشيخ الشبيبي يلهب الأسماع بقصائده الوطنية الداعية
لوحدة الشعب وتضامنه للوقوف بوجه الاحتلال،وكان
ألجواهري الكبير يناطح شيوخ الأدب بقصائده الثورية
اللاهبة، فكان الشباب ينظرون لهؤلاء الشيوخ ويحاولون
السير بركابهم،فظهرت حركة ثورية،دعت إلى التجديد
الأدبي في الفكر والأساليب،وكان لبعض الخطباء أثرهم في
نشر الفكر الثوري الرافض،حتى وصلت الأمور لتكفيرهم من
قبل اللاهثين وراء السلطة الذين يحاولون أبقاء الأمور
على ما هي عليه،وعدم تغييرها لأن هذا التغيير قد يودي
بهم ويجعلهم في آخر الركب بعد أن كانوا في مقدمته،فكان
خطباء الأمس داعين للثورة على القديم،وأحياء الجديد
وبعثه ومساندته،،واختلفوا كثيرا عما نراه هذه الأيام
لخطباء أحالوا ثورة الحسين التحررية،إلى وسيلة
للارتزاق والتكسب، وأفرغوها من محتواها الثوري إلى
شعائر للطم والبكاء والنحيب،دون أن يستخلصوا منها ما
يعينهم في نشر الفكر الثوري الرافض للظلم والتسلط
والاستبداد،وكان للتجمعات الأدبية والثقافية تأثيرها
على فكر الشاعر وانحيازه إلى جانب الكادحين،وتأثره
بالنخب الثورية التي ظهرت في النجف،ونشرت الفكر الثوري
الرافض لما بلي ورث،فأنجبت النجف شموس النضال عبر
عقود،فكان الشهيد الأول حسين محمد
الشبيبي"صارم"،والشهيد الصامد حسين أحمد الرضي"سلام
عادل"،وغيرهم من أعلام النجف،فكان بحر العلوم يتفيأ
أغصان هذه الدوحة الوارفة، وحذا حذوهم،وسار في طريقهم
بما يجيش في أعماقه من روح ثورية رافضة لكل ما هو
بال،فكانت قصائده الثورية تتوالى،ولها صداها الثوري
بين الجماهير،فتحمله الأكتاف ليهدر وسط الجموع بكلماته
الداعية للثورة،والمعاصرين له يتذكرون كيف كان في
مقدمة الجموع في جميع الانتفاضات والتظاهرات التي
خاضتها الجماهير،فكان يقرن القول بالعمل،وأمضى جل
حياته مقارعا للأنظمة المستبدة،يخرج من سجن ليعود إلى
آخر،وكانت قصائده تشخص الوضع بعقل ثوري ناضج،مما دفع
الباحث والمؤرخ الكبير الشيخ على ألخاقاني،إلى تأليف
كتاب عنه عنوانه(شاعر الشعب) وأكرم به من شاعر أعطى
الشعب الكثير،ونافح عنه في أحلك الظروف.
ورحلتنا في أين حقي تدفعنا لبيان الفكر الثوري في
هذه الملحمة الخالدة،والدعوة إلى تغيير الواقع،وعدم
الاستخذاء والاستكانة التي يروج لها وعاظ السلاطين،فقد
كانت هذه الملحمة نشيدا وطنيا رافضا لكل أشكال العنت
والاضطهاد،ودعوة للثورة والنضال لقلب الأوضاع،وهو ما
شكل هاجسا للحكومات المتعاقبة في منع تداولها،وأذاعتها
بين الناس،ولا زالت هذه القصيدة حتى اليوم صورة معبرة
عن الواقع العراقي،وللقارئ استعراض ما يجري في العراق
الجديد،وما نبه إليه الشاعر قبل نصف عقد:
ليس في وسعي أن أسكت عن هذي المآسي
وأرى الأعراف والأعراف من دون أساس
بين مغلوط صحيح وصحيح بالتباس
وكلا العرفين لا يفهم منه ..أين حقي
فالأعراف التي روج لها أئمة السوء من أتباع
السلطة،وأذناب الحكم البائد،جعلت الناس أسرى الأفكار
المريضة الداعية إلى الخنوع والانقياد لحكم
الظالمين،لعدم أمكانية تغيير الواقع بالإمكانيات
المتاحة،وعليهم الترقب والانتظار لمعجزة من
السماء،تطيح بهؤلاء الحكام،فكان القطيع المخدر بالفكر
الاستسلامي،يسير خلف جلاده مغمض العينين:
خطأ شاع فكان العرف في هذا الشياع
وصواب حكم العرف عليه بالضياع
وسواد الشعب مأخوذ بخبث وخداع
لقطيع يلحق الذئب وينعى ..أين حقي
وجريرة هذا الاستخذاء وهذه الاستكانة تتحملها الطبقة
الموجهة للمجتمع،التي أخذت على عاتقها تبرير
الظلم،ومساعدة الولاة في سرقة أموال الشعب،بإطاعة أولي
الأمر،الذين هيمنوا بطريق لا شرعي على
مقدراته،فأحتجنوا الأموال لأنفسهم،وتركوا الآلاف
يعيشون الفقر المدقع،والبؤس والمرض والجهل،فكان حارس
أموال الأمة ،وخازن بيت المال،سارقا لهذه الأموال التي
أؤتمن عليها:
ليس هذا الذنب ذنب الشعب بل ذنب الدعاة
وجهوا الأمة توجيه فناء لا حياة
وتواصوا قبل أن تفنى بنهب التركات
وإذا الحراس للبيت لصوص..أين حقي
ويصب جام غضبه على الحكام الظلمة،فهؤلاء الأفاقين
المستبدين،لا يسخرون جهدهم لخدمة الطبقات الشعبية التي
بوأتهم هذا المنصب،فهم يحتجنون كل شيء
لأنفسهم،ويقابلون خدمة الشعب بالجحود والنكران،ولكن
هذه النعم التي استحوذوا عليها،ستكون نار مهلكة في
أحشائهم" واليا كل تمنه يزوعه" فما أسرع ما أنقض عليهم
شواهين الرابع عشر من تموز،ليستولوا على ما استلبوا من
أموال الشعب،وتوزيعه على الطبقات الشعبية الكادحة،فنعم
الشعب بخيراته،وكان ما كان من الأصطفافات
المريبة،لأنماط شتى ممن تضرروا من العهد الجديد،أن
شكلوا حلفهم لوأد الثورة والقضاء على مكاسبها:
دولة يؤجر فيها كل أفاك عنيد
أجره لا عن جهود بل لتعطيل الجهود
لم يواجه نعمة الأمة إلا بالجحود
وإذا النعمة تغلي في حشاه أين حقي
وهي قسمة ضيزى،أن يجبر الشعب البائس على دفع
الضرائب،دون أن يحصل على الخدمات المرجوة لدافعي
الضرائب،وقوانين الضريبة تلك الأيام كانت وراء الكثير
من المظالم التي أحاقت بالطبقات الفقيرة،في الوقت الذي
يكون أصحاب الأموال بمنجاة من هذا القانون،والطبقة
الحاكمة تأخذ من الفقراء ما يشبع نهم الأغنياء،دون أن
يكون للفقير الحق بالمطالبة بحقوقه،وعليه تأدية
الواجبات دون أن تكون له حقوق يكفلها القانون:
من فقير الشعب بالقوة تستوفى الضرائب
وهو لم يظفر بحق وعليه ألف واجب
فعليه الغرم والغنم لسراق المناصب
أيسمى مجرما أن صاح فيهم أين حقي
وهؤلاء الحكام لا يتورعون عن استغلال الطبقات
الكادحة ببشاعة ليس لها نظير،فيختار الطغاة وقود
النيران لحروبهم العبثية،ولعله لمس هذه المأساة في
طفولته التي رافقت نهايات الاحتلال التركي،وكيف جند
الأتراك آلاف الفقراء في حربهم الفاشلة،التي ذهب
ضحيتها آلاف العراقيين بين قتيل وأسير ومفقود،وها هو
الاحتلال البريطاني البغيض وصنائعه،يسوقون الفقراء إلى
الثكنات العسكرية،في الوقت الذي يعفى الأغنياء من هذه
الخدمة بدفعهم البدل النقدي،وينصرفون للهو والعبث
والليالي الحمراء الصاخبة،في الوقت الذي يئن الشعب تحت
سياط البغي:
من حفاة الشعب والعارين تأليف الجنود
ليكونوا في اندلاع الحرب أخشاب وقود
وسراة الشعب لاهون بأقداح وغيد
وجمال الغيد يستوجب منهم أين حقي
ويبصر الفقراء بواقعهم الطبقي،ويدعوهم لكسر
الأغلال،والثورة على واقعهم الفاسد،فهم لا يملكون ما
يخسرونه،وهذه الطغمة المهيمنة على مقدرات الشعب لا هم
لها،إلا إشباع نزواتها ورغباتها،فتنهب الأموال لتكون
الثروة بأيدي قلة تعيش على هواها في الوقت الذي يعيش
الملايين تحت خط الفقر،ويعانون من العوز والحرمان:
عائشا عيشة رهط لم يفكر بسواه
همه أن ينهب المال لإشباع هواه
أين من يفتح تحقيقا يرى عما جناه
ويريه بانتقام الشعب جهرا أين حقي
ويدعو العمال أصحاب المصلحة الحقيقية في
الثورة،والمحركين لعجلة التاريخ،والقوة التي عليها عبء
تغيير الأوضاع،إذا امتلكت الوعي الطبقي الذي يجعلها
تنتفض للمطالبة بحقوقها،وتغيير الأوضاع المزرية التي
تعيشها،وترفع البراقع عن الوجوه الكالحة التي تلعب
بمقدراتها:
أيها العمال هبوا وارفعوا هذي البراقع
عن وجوه ما بها غير سحاب ومصانع
واصرفوها عن عيوب عميت عن كل دافع
وتراني صادقا عنها بقولي أين حقي
أيها العمال أين العدل في هذي الشرائع
أنتم الساعون والنفع لأرباب المصانع
وسعاة الناس أولى الناس في نيل المنافع
فليطالب كل ذي حق بحق ..أين حقي
أن الدعوة إلى الثورة،والانقلاب على الواقع
الفاسد،تهيمن على الكثير من أبياتها ،وكانت صفعة قوية
سددت بشكل عنيف إلى الطبقة الحاكمة،التي هيمنت على
المنافع وتركت الناس لمصيرهم،وهذه الثورية لا يصطنعها
بحر العلوم،فهي راسخة في مشاعره،وتزيده المضايقة
إصرارا على السير في هذا الدرب الشائك،لذلك لا يخشى
سياط الغي أو زنازين الطغاة أو إرهاب السلطة:
لم يؤثر بيقيني ما أقاسي من شجوني
فشجوني هي من أسباب تثبيت يقيني
ولتكن دنياي ما بين اعتقال وسجون
وليكن آخر أنفاسي منها ..أين حقي
أين حقي؟
لشاعر
الشعب محمد صالح بحر العلوم
رحت أستفسر من عقلي وهل يدرك
عقلي
محنة الكون التي استعصت على
العالم قبلي
ألأجل الكون أسعى أنا أم يسعى لأجلــى
وإذا كان لكل من فيه حق: أين
حقي؟!
**********
فأجاب العقل في لهجة شكاك محاذر
أنا في رأسك محفوف بأنواع
المخـــاطر
تطلب العدل وقانون بنى جنسك جائر
إن يكن عدلا فسله عن لساني:
أيــن حقي؟!
********
أنا ضيعت كما ضيعت جهدا فـي هباء
باحثا عـــــن فكرة العدل بكد
وعناء
وإذا بالناس ترجو العدل من حكم السماء
وسماء الناس كالناس تنادى: أين
حقي ؟!
*******
أتراني أرتئي مـــا يرتئيه
الناسكونا
وأجارى منطقا يعتبر الشـــــك
يقينا
وأقر الوهم فيما يدعيـــه الوهم دينا
فيعود العلم يدعوني بحق: أين حقي
؟!
*********
إن أنا أذعنت للخلق وحاولت التعامـي
كان شأني شأن من يطلب غيثا من
جهام
فنظام الخلق لا يعرف وزنــا لنظامي
ونظامي لم يزل يصرخ مثلى: أين
حقي؟!
**********
ما لبعض الناس لا يحسب للتفكير فضلا
ومتى ناقشته الرأي تعداك وولـــى
زاعما إبقاء ما كان على ما كان أولى
من جديد يعرف الواقع منه: أين
حقي ؟!
********
ليتني أسطيع بث الوعي في بعض الجماجم
لأريح البشر المخدوع من شر
البهائم
وأصون الدين عما ينطوي تحت العمائم
من أناس تقتل الحق وتبكى: أين
حقي؟!
******
يا ذئابا فتكت بالناس آلاف
القـــرون
أتركينى أنا والدين فمــــا أنت
وديني
أمن الله قد استحصلت صكاً في شؤوني
وكتاب الله في الجامع يدعو: أين
حقي؟!
*******
أنت فسرت كتاب الله تفسير فساد
واتخذت الدين أحبولة كذب
واصطيـــاد
فتلبست بثوب لم يفصل بسداد
وإذا بالثوب ينشق ويبدو: أيـــن
حقي؟!
**********
بان هذا الثوب مشقوقا لأرباب البصائر
فاستعار القوم ما يســتر سوءات
السرائر
هو ثوب العنصريات وهذا غير ساتـر
وصراخ الأكثريات تعالــــى: أين
حقي؟!
********
كيف تبقى الأكثريات ترى هذى المهازل
يكدح الشعب بلا أجـــــر لأفراد
قلائل
وملايين الضحايا بين فلاح وعامـــل
لــم يزل يصرعها الظلم ويدعو:
أين حقي؟!
*******
أمن القومية الحقة يشقى
الكادحونــا
ويعيش الانتهازيون فيها
ناعمونـــــا
والجماهير تعانى من أذى الذل شجونا
والأصولية تستنكر شكوى: أيــــن
حقي؟!
******
حرروا الأمة إن كنتم دعــاة
صادقينـــا
من قيود الجهل تحريرا يصـــد
الطامعينا
وأقيموا الوزن في تأمين حـــق العاملينا
ودعوا الكوخ ينادى القصر دوما:
أين حقي؟!
*******
يا قصورا لم تكن إلا بسعي
الضعــــفاء
هذه الأكواخ فاضت مــــن دماء
البؤساء
وبنوك استحضروا الخمرة من هذى الدمـاء
فسلى الكأس يجبك الدم فيه: أيــن
حقي ؟!
*******
حاسبيني إن يكــــن ثمة ديوان
حساب
كيف أهلوك تهادوا بين لهــــو
وشراب
وتناسوا أن شعبا فــــي شقاء وعذاب
يجذب الحسرة والحسرة تحكى: أين
حقي؟!
******
كم فتى في الكوخ أجدى من أمير في
القصور
قوته اليومي لا يزداد عن قرص
صغير
ثلثاه من تراب والبقايا مـــــن شعير
وبباب الكوخ كلب الشيخ يدعو: أين
حقي؟!
************
وفتاة لم تجد غير غبار الجـــو
سترا
تخدم الحي ولا تملك مما فيــــه
شبرا
وتود الموت كي تملك بعــد الموت قبرا
وإذا الحفار فوق القبر يدعو: أين
حقي؟!
*********
ما لهذى وسواها غير ميدان
الدعارة
لتبيع العرض في أرذل أسواق
التجارة
وإذا بالدين يرميها ثمانون حجارة
وإذا القاضي هو الجاني ويقضى:
أين حقي؟!
*********
أين كان الدين عنها عندما كانت
عفيفة
ومتى قدر حقـــا لضعيف وضعيفة
ولماذا عدها زانية غير شريفة
الآن العرف لا يسمع منـــها: أين
حقي؟!
******
كان من واجبه يمنحها عيش كفاف
قبل أن يضطرها تبتاع عيشــــا
بعفاف
ولماذا أغلظ القاضي لها وهو مناف
للنواميس ولا يسأل منها: أين
حــــقي؟!
**********
كم زنى القاضي وكم لاط بولدان
وحور
واحتسى أوفى كؤوسا من أباريق
الخمور
أين كان الدين عن إجرام قاضيه الخطير
ولماذا لم يصارحه بحق: أين حقي؟!
*********
أ لقاضي الدين تمييز على حال الجماعة
أعليه الحكم لا يجرى وان يأبى
أتباعه
أقضاة الدين أدرى بأساليب الشفاعة
واذا الدين ارتضاها لم يطالب:
أين حقي؟!
******
برياء ونفاق يخدعون الله جهرا
أين مكر الله ممن ملئوا العالم
مكرا
إن صفا الأمر لهم لن يتركوا لله أمرا
وسيبقى الله مثلى مستغيثا: أين
حقي؟!
*********
ليس هذا الدين دين الله بل دين
الولاة
لفقوه من أحاديث شياطين الرواة
وادعوا أن من الله نظام الطبقات
إن يكن حقا فقل لي يا إلهي: أين
حقي؟!
*******
ليس في وسعى أن أسكت عن هذى
المآسي
وأرى الأعراف والأعراف من دون
أساس
بين مغلوط صحيح وصحيح في التباس
وكلا العرفين لا يفهم منه: أين
حقي؟!
خطأ شاع فكان العرف من هذا
الشياع
وصواب حكم العرف عليه بالضياع
وسواد الشعب مأخوذ بخبث وخداع
لقطيع يلحق الذئب وينعى: أين
حقي؟!
********
ليس هذا الذنب ذنب الشعب بل ذنب
الدعاة
وجهوا الأمة توجيه فناء لا حياة
وتواصوا قبل أن تفنى بنهب التركات
واذا الحراس للبيت لصوص: أين
حقي؟!
*****
دولة يؤجر فيها كل أفاك عنيد
أجره لا عن جهود بل لتعطيل
الجهود
لم يواجه نعمة الأمة إلا بالجحود
واذا النعمة تغلى في حشاه: أين
حقي؟!
**********
من فقير الشعب بالقوة تستوفى الضرائب
وهو لم يظفر بحق ويؤدى ألف واجب
فعليه الغرم والغنم لسراق المناصب
أيسمى مجرما إن صاح فيهم: أين
حقي؟!
******
من حفاة الشعب والعارين تأليف
الجنود
ليكونوا في اندلاع الحرب أخشاب
وقود
وسراة الشعب لاهون بأقداح وغيد
وجمال الغيد يستوجب منهم: أين
حقي؟!
*******
عائشاً عيشة رهط لم يفكر بسواه
همه أن ينهب المال لإشباع هواه
أين من يفتح تحقيقا يرى عما جناه
ويريه بانتقام الشعب جهراً: أين
حقي؟!
********
أيها العمال هبوا وارفعوا هذى البراقع
عن وجوه ما بها غير سحاب ومصانع
واصرفوها عن عيوب عميت عن كل دافع
وتراني صادقا عنها بقولي: أين
حقي
*********
أيها العمال أين العدل من هذى الشرائع
أنتم الساعون والنفع لأرباب
المصانع
وسعاة الناس أولى الناس في نيل المنافع
فليطالب كل ذي حق بوعي: أين
حقي؟!
************
كيف يقوى المال أن يوجد في غير جهود
أين كان النقد لولا جهد صناع
النقود
ومتى يقدر أن يخلق طيرا من حديد
فلهذا الجهد أن يدعو جهرا: أين
حقي
********
أين كان المال قبل الجهد أو قبل الطبيعة
وهما قد سبها في غابر العهد
شروعه
واذا بالمال لا يذكر للعهد صنيعة
وإذا بالجهد يستجدى صهبانا: أين
حقي؟!
******
لم يؤثر بيقيني ما أقاسي من شجون
فشجوني هي من أسباب تثبيت يقيني
ولتكن دنياي ما بين اعتقال وسجون
وليكن آخر أنفاسي منها: أين حقي؟
.
أذكر... أني
صدر إلى الأسواق مؤخرا كتاب جديد للأستاذ الناقد
رشيد هارون،تناول فيه ومضات من الواقع
العراقي،ومعاناته الذاتية خلال السنوات العجاف،وكانت
النصوص تخلط بين الشعر والنثر،فكانت لغته النثرية ترقى
لمصاف أجمل القصائد،بما حوته من صور رائعة،والق لغوي
واضح،ومفردة شاعرية أغنت الكتاب،وقبل الخوض في متاهات
الكتاب وزواياه المختلفة،أود الإشارة إلى غلاف الكتاب
الذي جاء معبرا عن ما أراده الكاتب في نصوصه
السيرية،فقد جعل كلمة(أذكر) في مساحة بيضاء،فيما جعل
(أني) في رقعة زرقاء قاتمة،ولا أدري هل يشير إلى
معاناته الجديدة،وأنه لا زال يعيش في العتمة المضللة
بشيء من النور،وأن ذكرياته السابقة تملأ المساحة
البيضاء من تفكيره،لعله أراد هذا أو أراد غيره،ولكن
هذا ما بدا لي من الوهلة الأولى.
وقبل
البدء بالتفاصيل،أو د أن أشير إلى لمحة موجزة عن أهم
المحطات في حياة الكاتب، فهو من مواليد الحلة ،عاش
مرارة العوز سنوات الحصار ،وناله ما ناله من تعسف
القوى الأمنية،بسبب انحيازه للجماهير،وكونه من أسرة
لها همها الوطني،قدمت ما قدمت على مذبح التضحية
والفداء،ورغم تفوقه في العديد من المجالات إلا أنه عاش
في زوايا الإهمال والنسيان،فقد تخرج في معهد المعلمين
،وعمل معلما في المدارس الابتدائية،ولرغبته في أكمال
دراسته،زاوج بين عمله الوظيفي ودراسته العالية والعمل
اليدوي،فكان يعمل مصلحا للطباخات الغازية،يجوب القرى
والأرياف حاملا عدته على ظهره لإعالة عائلته،والقيام
بواجبه اتجاهها،ولم يمنعه العوز والإملاق من الوقوف
شامخا بوجه المغريات،فمن كان شاعرا أو كاتبا،يستطيع
الوصول إذا دخل في غمار السلطة،ولكنه ظل على نقائه
المبدئي،فأكمل دراسته الجامعية،وتخرج في كلية
التربية،قسم اللغة العربية سنة 1985 ،وحصل على درجة
الماجستير في النقد الأدبي عام 2004،ونشر مئات
المقالات والقصائد،وأصدر ديوان شعره الموسوم"حين يهرم
الكلام" وقدم العديد من البحوث المنهجية في مؤتمرات
جامعة بابل السنوية،وشارك بتأليف مجموعة من الكتب مع
نقاد وباحثين عراقيين،ولا زال مواظبا على العطاء،رغم
الظروف الصعبة التي يعيشها المثقف العراقي،وظل صامدا
رغم المغريات والتهديدات والضغوط، وكتابه هذا صورة
استقاها من واقعه،وذكريات عاش لحظاتها بما تحمل من
مرارة وحرمان،فجاءت صورة واضحة معبرة عن حقيقة يعرفها
الكثيرون،فلم يحاول أن يخفي شيئا من واقعه،أو التنكر
لماضيه،كما يحاول البعض حين يرتقي درجات عليا،فيتناسى
ما كان عليه في سابق أيامه،وينحاز لطبقته الجديدة.
أهدى المؤلف كتابه لوالده الذي ألهمه القول،وأبنه
الذي شاركه مرارة الفقر والحرمان،ورافقه في عمله
المضني جوالا في القرى والأرياف،في صراع مرير من أجل
البقاء بكبرياء الفرسان الذين يسمون بأنفسهم الانحدار
عن شموخهم، والعيش بين الهوام،كانت رحلتهم المضنية
لسنوات يجرح أقدامهم العوسج،وتهرهم كلاب الريف،وربما
داعبت أسنانها أجسادهم،فما كان منظر الدماء رادع لمن
يسير،بل زادهم أمعانا في التحدي والمجالدة،ليبقى كما
هو في أعين زوجه وأطفاله،ومسئوليته في تأمين العيش
لهم،وأداء دوره كإنسان في مجتمع تحكمه شريعة الغاب.
وقد أورد المؤلف في كتابه صور عن المعانات
الحقيقية،تنطبق و تتوافق مع ما مر به الآخرين في
صراعهم المرير من أجل البقاء،لذلك يجد فيها القارئ بعض
معاناته،ويستلهم منها الدارس الأوضاع الاجتماعية
المزرية التي عانى منها المجتمع،في ظل الحقبة الماضية
التي فرضت الكثير من المفاهيم على المجتمع،وجعلته في
المؤخرة من الشعوب بعد أن كان متساوق لها أو سابق
متقدم عليها،وتركت إفرازاتها على سلوكيته ونمط تفكيره
مما جعله يغرق في وهدت الجهل والتخلف،وأدى إلى ما نحن
فيه من تخلف عن الركب الإنساني،وضمور في استلهام
الحضارة المتطورة للآخرين،ونمو الطفيليات وتأثيرها
القاتل على المجتمع العراقي.
ومن علامات تعجبه المثيرة،أشارته إلى تسلط حفنة من
الأوباش والسفلة على مقدرات الآخرين،ووصف بشكل دقيق
ومعبر معانات المثقفين،بين الهوام وذوات الأربع،عندما
هيمن على ناصية الأدب ،وأهداب الثقافة بعض المحسوبين
عليها،فملئوا الساحة الأدبية ضجيجا،فكانوا طبالين في
الأجواق الرسمية،وراقصين في مراقص الثقافة
البائسة،وجناية الأدعياء على الأدب العراقي،فشوهوا
وجهه الجميل،وأحالوه إلى رياء ونفاق،بعيدا عن أي
التزام أدبي أو أخلاقي،فكانوا كالمصاب بعمى الألوان،لا
يرى في الحياة إلا لون واحد،فيعيش في قوقعة لا يرى من
خلالها النور.
وكان لا يأنف من حمل عدته السفرية،إلى جانب
الجريدة،وعندما حاصره النظام بالجوع،عزم على نسيان
صفته الوظيفية، وعمل مصلحا للطباخات الغازية،يجوب
القرى والأرياف ليرد غائلة الجوع عن عائلته،ويقطع
عشرات الكيلومترات يوميا بين الحقول والبساتين،مناديا
بصوته ليشعر الآخرين بعمله،ويركب سيارات الحمل مع
أكياس الخضار ليطوف بين القرية والمدينة،ويزاوج بين
التعليم والدراسة ومتطلبات الأسرة،ويتحمل الأهانة
والتجاوزات من هذا أو ذاك،ويرى في خضرة المزارع ما
يشير إلى النماء والخير،وما يراه في الزيتوني الذي
يرتديه مديره صورة كالحة لإنسان عاد إلى جذوره فأصبح
قردا،فكان لا يفرق بين نباح الكلب ،ومكبرات الصوت التي
تغني عظمة القائد،ويتحول إلى راجمة،يقصفهم مسترخيا
هادئا،رغم أنه يدري إذا أنفعل انتهى،وذهب في درب الصد
ما رد.
وينقل بأسلوب أدبي رائع معانات الفقراء في بلد
البترول،وكيف تتزاحم المناكب للحصول على ما يبعد عنهم
غائلة الجوع،في صراع مرير من أجل البقاء،فترى الوجوه
النضرة لشباب بعمر الورود،كيف استحالت إلى وجوه خاوية
لفحتها الشمس،وأضر بها سوء التغذية،ويمضي الجميع في
سباق محموم لتأمين حاجتهم،وترى المهندس والمدرس
والأديب كل يلهث خلف عمل شاق،فيما يتربع الأميين،وحملة
الشهادات المزيفة،على الأرائك متكؤون ،وينقل صور معبرة
عن المعانات التي يرزح تحتها الجميع.
أن ذاكرته رغم ما تراكم في طياتها من سواد،إلا أنها
لا تزال بيضاء نقية،لم تخلف فيها الأيام إلا ذكريات
باهتة عن ماض تجاوزه،دون أن يكون له تأثير في نقاءه
الذاتي،فظل على ما هو عليه إنسان يشعر بمعانات
الآخرين،في محاولة لتناسي ما خلفته تلك السنين مما لا
بد أن يرسخ في فكره الباطن،ويؤثر على سلوكيته التي
يريد لها النقاء،دون أن تتأثر بالأوضار التي فرضها زمن
ما.
أن رحلته الطويلة في موكب الحياة أعطت صورة معبرة عن
واقع،أستطاع تجاوزه في محاولة الوصول إلى واقع جديد
،لا يتأثر بسيئات الماضي التي أصبحت صورة غائمة في
ذاكرته التي تحاول النظر إلى الحياة نظرة واقعة لا
تتأثر بسلبيات قد تترك أثرا في ذاكرته المشحونة
بالكثير،وأستطاع أن يوظف الماضي لمستقبل يختلف عن ذلك
الماضي البغيض بما حمل في طياته من صور كالحة لحياة
مليئة بالصعاب.
ألجواهري فارس حلبة الأدب
تأليف:محمد جواد الغبان /إصدار مؤسسة المدى للطباعة
والنشر/2006
إذا كان أبن رشيق القيرواني في القرن الخامس الهجري
قد قال في متنبي الشعر العربي،أنه مالي الدنيا وشاغل
الناس،فماذا سنقول في ألجواهري،وهل نجد ناقدا يوفيه
حقه بكلمة موحية،كما هي كلمة أبن رشيق،ربما فأن الأيام
حبلى بالمفاجآت ،ولكن كتاب الأستاذ الكبير محمد جواد
الغبان،ألجواهري فارس حلبة الأدب،ربما فيه بعض ما يجب
أن يقال في آخر العمالقة،وربما سيجود الشعر العربي
بنظيره بعد الف من السنين،كما جاد به بعد أبي الطيب
المتنبي،بمن يشغل الدنيا ويبهر الناس.
ثمانية عقود والجواهري ينثر درره في عالم الشعر،فهل
يستطيع أحد أن يوفيه حقه بميزان النقد،حتى لو سود آلاف
الصفحات،فهو عيلم هدار لم تسجي أمواجه في شواطئها،ولم
تركد مياهه في مساربها،،ولا يزال أرضا بكر لمن شاء أن
يقول فيه،رغم ما قيل وكتب عنه،فحصاد العمر الطويل لا
يمكن اختزاله في صفحات مهما كثرت،وأخال أن ما كتبه
ألأستاذ الكريم رؤوس أقلام عابرة لمن شاء
الاستفاضة،ومقدمة صالحة لدار معارف حاوية حافلة بمآثر
ألجواهري التي فاقت المتوقع وجاوزت التصورات،وليس قليل
على الأستاذ الغبان الجري في هذا المضمار من حلبة
الأدب،فتاريخه الأدبي السامي ،ومجلسه العلمي
الرصين،معوان على مسابقة الجياد الضمرفي حلبات السبق
والرهان،ولعل قصيدته الرائعة،وملحمته الذائعة أوفت على
ما في كتابه من شذرات،رغم جهده في أبراز الكثير من
الجوانب الجواهرية،ورسمت ملامح مهمة من محطات عمره
المديد،ولعله ساوق ألجواهري في شاعريته بما ضمنه من
صور رائعة ،وأفكار مشرقة،جعلتها من الملاحم العربية
التي تستحق الحمد والتقدير.
ولأواصر الصلة ،وجميل العلاقة بين المؤلف والمترجم
،أثر في أغناء الكتاب،وإبراز ما تحتجنه الذاكرة من
أطايب الذكريات،ومعلومات جديدة قد تغني تاريخ
الرجل،وتصحح الكثير مما أبهم وأشكل على الآخرين،ولم
يكن بين مصادره مرجع أو مصدر،بل كانت خواطر وملاحظات
استقاها من ذاكرته،ونحى فيها منحى جمع بين السيرة
والدراسة،لذلك جاء كتابه في فصلين،الأول منهما تناول
فيه ملامح من شخصية ألجواهري وشعره،فيما كان
الثاني،شريط لما اختزنته الذاكرة من ذكريات عن الشاعر
الكبير،لفترة جاوزت الثلاث عقود،حاول من خلال هذين
الفصلين أظهار أبرز الملامح للظاهرة الجواهرية الممتدة
لما يقارب القرن،أستهلها بدراسة وافية كافية عن مدينة
النجف في القرن العشرين،والتاريخ الأدبي لهذه المدينة
العلمية التي كان لها الأثر الكبير في النهضة الأدبية
الحديثة،واستطراد لمجالس النجف ومنتدياتها العلمية
والأدبية،وما أنجبت من فحول الشعر وجهابذة الأدب،ممن
كان لهم المكانة الكبيرة بين أعلام الجيل،ووسموا الأدب
العراقي بميسم لا يزال أثره في ذاكرة الأجيال،،وفيما
يلي استعراض لأهم المحطات الواردة في هذا السفر
الجليل،الذي يعد من الذخائر الأدبية المهمة الصادرة عن
شاعرنا الكبير،ونأمل أن يكون لدار المدى الزاهرة،دورها
الرائد في أبراز الكنوز الأدبية،التي تعنى بدراسة
شاعرنا الكبير،وأن تأخذ على عاتقها نشر الدراسات عن
شاعر سيظل في الذاكرة ما ظل الشعر العربي،"وهي الأمل
المرجى والمنى" في أخذ الريادة في هذا المضمار،وكفاها
فخرا أن تكون مشعلا للفكر الحر والثقافة التقدمية،وأن
تأخذ دورها في أغناء المكتبة العربية بالطريف والتا لد
من الدراسات التي تسهم في بناء الفكر النير لمواجهة
قوى الردة والظلام.
تناول المؤلف في الفصل الأول ملامح من شخصية
ألجواهري وشعره،أستعرض خلاله تاريخ النجف،وشعر
المناسبات،وأعتبر الشعر اللغة اليومية لأبناء
النجف،رغم أن بواعث نظمه قد تبدوا تافهة في بعض
الأحيان،ألا أنها كانت المجال الوحيد للتنفيس عن
البواعث الفنية لقول الشعر،وأود أن أضيف أن بيوتات
النجف العلمية العريقة،مثل آل ألجواهري وبحر العلوم
وآل كاشف الغطاء وآل اليعقوبي وآل محيي الدين،وغيرهم
يحتفظون بالكثير من المجاميع الشعرية لشعراء النجف في
أغراض طريفة ومواضيع لطيفة لا تزال حبيسة المكتبات
المنتشرة في بيوتات النجف،وفيها من الطريف التالد ما
يشكل تاريخا أدبيا للشعر ألنجفي في القرن
العشرين،وحدثني المرحوم الدكتور عبد الرزاق محيي
الدين،أن مكتبة المرحوم الشيخ قاسم محيي الدين كانت
تحتوي على مجلدات كثيرة لشعراء النجف في الأغراض
الأخوانية والمداعبات والنكت التي كانت مدار مجالس
السمر لشعراء تلك الفترة،بيعت مع مكتبته وضاع أثرها
وليس لها وجود حتى اليوم.
ولا أدري كيف تجاوز الأستاذ الغبان المعارك الأدبية
الطاحنة التي دارت بين المجددين أو الشعراء
الشباب،الذين حاولوا تجديد ما بلي من أردية
الشعر،والشعراء الشيوخ الذين حافظوا على القديم
بأخيلته ومعانيه وطرائق نظمه،وكان لتلك المعارك صداها
في المحافل الأدبية،كان فيها الشيوخ يحاولون بشتى
الوسائل طمس اللمحات المضيئة لهؤلاء الشباب،ولعل أشهر
تلك المعارك ما حدث عام1925 عندما وقف الشيخ كاظم
السوداني،وأنشد قصيدته التي هاجم فيها الشباب والتي
يقول فيها:
وشبابنا يتشاعرون وكلهم في حاجة
للشعر أن يتعلــما
دبوا دبيب النمل لا عن قوة وجروا بحلبته
عليه تحرمــــــا
فتراهم يتطاولون وبعظهم وزغ يطاول في
القتال الأ رقما
وتلاه الشيخ محمد مهدي مطر:
وكم من قائل أنا أضعنا حقوقا لا يفيها الشعر
ذكرا
فقلت له المصيبة أذهلتني أما هزتك أو سلبتك فكرا
فكف اللوم عن شبان شعر مقابلة فأنت أجل قدرا
وكان الشعر آداب فأمسى بغاث الطير تنهش فيه صقرا
أتخدش يا حمام الدوح ليثا وما تدري بأن الليث
يفرى
ورقى الشيخ مهدي الحجار المنصة ليصليهم بوابل من
قوله:
ما أعظم الشعر عندي في فوائده لكن إذا لم يؤد الحق
لم يفد
للود عندي حقوق لا أضيعها وأن أضيعت لدى
شباننا الجدد
لا تحسبو الشعر نقصا في العلوم فذا علمي كبحر وشعري
فيه كالثمد
وفي اليوم التالي وقف ألجواهري الكبير كالطود الشامخ
يرد على هؤلاء الشيوخ،وكان أول الشباب الذي ارتقى
المنصة ليمطرهم بوابل من سهامه فقال:
تلجلجت بدخيل القول السنة للعرب كانت قديما
زينة الكتب
أن أنكر تني أناس ضاع بينهم فضلي فمن
عرف(الحجار)بالذهب
كم حاسد لم يجرب مقولي سفها حتى دسست إليه السم
بالعنب
طعنته بالقوافي فانثنى فرقا يشكو إلى الناس
وقع المقول الذرب
لو تسألي عن فتى قد بذ مشيخة للشعر تنبيك عني
(حلبة الأدب)
والانا في شعر ألجواهري ظلت عالقة حتى أخريات
أيامه،فهو يسموا بنفسه وشعره،وينأى عن النزول إلى
مستويات دونها منزلته،فتراه صقرا بين الصقور،يصاول
ويجاول،أرتضى الجبال سكنا وعاف السهول لمن تساهلت في
عينه الحياة.ولعل أقرانه للجواهري بنظيره المتنبي من
قديم القول الذي تصافق عليه دارسي الأدب،وأجمعوا على
مضاهاته له ،وذلك بما منح من ألقاب كانت دون ما أهلته
نفسه أن يكون عليه،والجواهري فريد دهره ونابغة عصره،بز
الكبار وهو في ميعة الصبا وغرارة الشباب،وناطح الفحول
بنفس سامية لا تعبأ بعاتيات الرياح،والدليل ديوانه
الأول(حلبة الأدب) الذي نازل فيه عمالقة الشعر
العربي،وساماهم في أخيلتهم ومعانيهم،وربما فاق عليهم
في بعض الصور المعبرة الموحية.
ولعل في ديوان ألجواهري الكبير،الكثير الكثير مما
يشير إلى أوجه الشبه والتلاقي مع نظيره المتنبي،ألا أن
الباحث الكريم عزف عن إيرادها خوفا من الإطالة،وما
يميز شاعرنا عن المتنبي أنه أتخذ الجماهير والنضال
الوطني طريقا على عكس المتنبي الذي أمتدح الولاة
والحكام،ولم نعهده جماهيريا في طروحاته،ولعل رؤى العصر
وثقافته،وعدم شيوع الأفكار الجماهيرية الشعبية كانت
وراء ذلك،ونحن لا نطالب العصور القديمة بأفكار وتطلعات
لم تكن معروفة حينها،ولكنها كلمة يجب أن تقال في معرض
المقارنة والتشبيه،وعلينا التمييز بين طموحات
ألجواهري،وما كان يطمح إليه المتنبي،فقد كانت أقصى
أمانيه الحصول على ولاية أو وظيفة كبيرة أسوة بأقرانه
من الشعراء الذين تولوا الولايات،وتأمروا الإدارات،وقد
دفعه تهالكه إلى مديح من لا يرقى بشخصه لمستوى أن يكون
مادحا له،ولكنه جوزي عن ذلك بالإغضاء والازدراء،وما
غضبته الكافورية ألا دليل على ذلك الطموح الذي عاكسته
الأقدار،ولكن ألجواهري نال النيابة،وتقلد الوظائف
العامة،وعندما أزفت الساعة لظهور حقيقته ونفسيته
الرافضة،ركل تلك الوظائف بقدمه وعاد لواقعه ذلك الشاعر
الذي جعل من وطنه وشعبه محرابه المقدس في صلاته
الدائمة على أعتاب الوطنية الحقة التي لا تخفيها
الأستار والحواجز،وعندما رأى أن قضيته وصلت لحد لا
يمكن السكوت عنه،أنتفض ليكيل الصاع صاعين لمن شدوا
أزره على أمل إسكاته،وكف لسانه عنهم،ولعل رفضه المنصب
السامي في البلاط الملكي،وأنفته أن يكون شاعر
البلاط،بدلا من شاعر الشعب دليلا على تمسكه بقضية
الشعب،رغم علمه بعمق المعانات وخطورة التضحية،وهذا ما
لم نجده في المتنبي رغم عظمته وكبرياءه .
وقد أورد الأستاذ الغبان في الفصل الثاني ذكرياته عن
ألجواهري،وهو فصل رائع ممتع،أورد فيه ذكريات امتدت
لعشرات السنين صديقا وزميلا له،وتخلل هذا الفصل الكثير
من الشواهد الشعرية لأروع قصائد ألجواهري في المناسبات
الوطنية،كرائعته في الزعيم الوطني الخالد جعفر أبو
ألتمن،وقصائده في عبد الحميد كرامي،وهاشم الوتري
،ورثاؤه لأخيه الشهيد جعفر شهيد وثبة كانون التي عدت
من الفرائد في الرثاء العربي ،وتأبين عدنان المالكي
وما أثارت من زوابع رسمية حول الشاعر،وذهابه إلى مصر
ضيفا على عميد الأدب العربي طه حسين.وقصيدته العصماء
التي أستقبل فيها ثورة الرابع عشر من تموز
المجيدة،ونشرها في مجلة الكاتب،وهو دليل على عمق
العلاقة وأطرادها،وما تلاه من زمالة في إتحاد
الأدباء،وكان لأحداث مؤتمر الأدباء العرب الرابع في
الكويت سنة1958 وما حدث فيه من ملاحاة بين الوفد
العراقي،وبعض الوفود العربية،وموقف الحكومة الكويتية
من ثورة تموز،وانعكاسه على موقفها غير الموفق من الوفد
العراقي،وما حدث من ملابسات كادت تؤدي إلى انسحاب
الوفد العراقي،لولا الاعتذار الذي قدمته الحكومة
الكويتية،وتطرق المؤلف إلى الكثير من الأحداث العاصفة
التي دفعت ألجواهري إلى مغادرة العراق واللجوء إلى
چيكوسلوفاكيا،واتخاذه من براغ منتجعا له،ودار أقامة
حتى عودته إلى بغداد عام1968 والاحتفال الكبير الذي
أقيم لتكريمه،وشارك فيه قادة البلاد وكبار الشعراء
والأدباء،وألقى فيه ألجواهري رائعته:
أرح ركابك من أين ومن عثر كفاك جيلان محمولا على
خطر
ثم تطرق إلى انتخاب ألجواهري لرآسة اتحاد
الأدباء،وطبعات ديوانه التي ضمت قصائده حتى نهاية
السبعينيات،والدعوة لطبع أشعاره الأخرى التي نظمها في
منافيه المتعددة التي لم يحوها ديوان،وأخرها العاصمة
السورية التي توفي ودفن فيها في 27 تموز1997 عن عمر
ناهز القرن ألا قليلا.
وأخيرا نتوقف عند قصيدة الأستاذ الغبان ،بل ملحمته
الرائعة التي كتبها في تأبين شاعر العرب الأكبر،وألقيت
في الاحتفال الذي أقامه اتحاد الأدباء العراقيين في
26/7/2004 وهذه الملحمة الرائعة أهلت الغبان ليكون في
مصاف كبار شعراء العربية،فقد أودع فيها عصارة
فكره،وحوت الصور الرائعة والأخيلة الجميلة، تستحق
أن تكون في شاعر بمنزلة ألجواهري،لما فيها من أصالة
وإبداع،ويظهر توفيقه فيها من مطلعها الرائع:
أترى لواء الشعر بعدك يخفق ويجيء من يسموا
به،ويحلق
وفي الختام لابد من التوقف عند هنات قليلة لا تؤثر على
مضمون الكتاب،ولكنها تغض من جماليته،فقد كان لكتابة
بعض القصائد وتنضيدها ما أثر على أناقة الكتاب وحسن
طباعته،والعناية بإخراجه لخلوه من الأخطاء
المطبعية،وهذه الأخطاء جاءت في الصفحة 190 والصفحة 100
.
ولا يسعني ألا تقديم الشكر للأستاذ الكريم محمد جواد
الغبان على هذه السياحة في عالم ألجواهري
الرحب،والألتفاتة الكريمة التي أضافت للمكتبة
الجواهرية جديدا بما حوته من طروحات وأفكار وتصورات
جديدة عن شاعر كان في المقدمة من شعراء العصر،ويستحق
مئات الدراسات التي تتناول الجوانب الكثيرة في شعره
وأدبه،ومحطات حياته المختلفة أديبا وشاعرا وصحفيا
ومناضلا،رجل شغل الناس لثمانية عقود كانت حافلة
بالكثير مما يستحق أن يكون محلا لدراسة،وعسى أن يكون
لمؤسسة المدى الدور الرائد في الأعداد لجائزة كبرى
تمنح للمبدعين تكون بأسم شاعر العرب الأكبر،الذي له
دين وأي دين في أعناق كل العراقيين.
الحقيقة كما عاشها الحلوائي
أسم الكتاب:الحقيقة كما عشتها
أسم المؤلف: جاسم الحلوائي
الناشر:دار الرواد للطباعة والنشر
من التقاليد الرائعة لدى الساسة والمفكرين ،والزعماء
والقادة العسكريين،والمشاركين في الأحداث العامة،أو
صناعها،كتابة المذكرات،وتختلف المذكرات من واحد عنه في
آخر،تبعا لطريقته في السرد،ومكانه من صدق الكلمة،وجدية
الطرح،وكم من المذكرات ما كانت وبالا على أصحابها،لما
حوته من المغالطات،وفضح لأسرار خاصة كان الأولى التستر
عليها،وإبقاءها طي الكتمان لما فيها من أمور لا يصح
التصريح بها،أو الإفصاح عنها،مما هي ضمن المحظورات في
الجانب الأخلاقي منها على الأقل،ولكن هكذا كان وصدر
بعضها،وهو يحمل في طياته من العجر والبجر ما لا يمكن
الركون إليه،والأخذ به،على ما لأصحابها من الاحترام في
نفوس الآخرين،ولست في هذه العجالة ملزما بالإشارة إلى
هؤلاء،ولكن القراء الكرام يعرفون الكثير منهم،وما هذه
المقدمة ألا تمهيد لما أود الإشارة إليه في مذكرات
الأستاذ جاسم الحلوائي، المناضل الجسور،والشيوعي
الأصيل،الذي بوأه جده واجتهاده،الصعود إلى قمة الهرم
في الحزب الشيوعي العراقي،لجهاديته الرائعة،ومواقفه
المعروفة في سنين النضال.
ولقد كان لانحداره الطبقي،أثره الواضح في مجمل سيرته
النضالية،ونلاحظ عمق تأثير هذا الانحدار في سلوكياته
بمختلف الظروف والأزمان،وربما لهذا الانحدار أثره في
ابتعاده عن الإسفاف الذي عرفت به الطبقات المترفة،أو
الأرستقراطية،لذلك جاءت مذكراته بسيطة بساطة الحقيقة
نفسها،بسردها الأحداث كما هي دون ر توش أو تزويقات
إلفها البعض في كتابة المذكرات،أو ابتعاد عن ذكر ما
يسيء لهم أو لمواقفهم فيها.وسأمر مرور الكرام،دون
الدخول في تفاصيلها وما حوته بين طياتها،ففيها الكثير
مما يستحق الوقوف عنده في إطراء أو إضافة أو
توضيح،لولوجها في فترات حرجة من تاريخ الحزب الشيوعي
العراقي عبر مسيرته الطويلة،ولعل ما ظهر لي بعد
القراءة الأولى يدفعني للقول دون خشية،أن بعض الحقائق
الواردة فيها،صححت الكثير مما علق في ذاكرتي من أخطاء
لمستها في مذكرات بعض من كتب عن تلك الفترة،فقد أورد
البعض أمورا تمثل وجهة نظرهم،حاولوا من خلالها تبرير
الأخطاء والهفوات برميها على عاتق الآخرين،للخروج
سالمين من تبعاتها،في الوقت الذي كانوا في القمة من
المشاركين في صنعها،ألا أن الأستاذ الحلوائي لم يحاول
التنصل عن خطأ أو هفوة،بل بين مسؤوليته عن كافة
الأخطاء وتحمله لتبعاتها،رغم أنه ليس في الصميم
منها،أو السبب فيها،ولكنها المسؤولية الجماعية التي
تعني المشاركة في الغنم والجرم،والخطأ والصواب،وما
أحرى الآخرين أن يحذوا حذوه،وينهجوا نهجه ،فتلك لعمري
مزية الكاتب الأمين.
ولابد لي من القول قبل الخوض في التفاصيل،بيان مزايا
هذا الكتاب الصادر عن دار الرواد المزدهرة للطباعة
والنشر،وخلوه من الأخطاء المطبعية،وهذا أمر نادر
الحدوث في المطبوع العراقي سابقا،تستحق عليه ـ هذه
الدار ـ الحمد والثناء،والإجلال والإكبار، رغم أن
كتابة العنوان وتصميمه من الفنان فيصل لعيبي ،كانت دون
المستوى المطلوب،فهي أشبه بالأحجية،وكتابة الحروز التي
يلجأ إليها السحرة والمشعوذين، يتعذر قراءتها ألا بعد
التدقيق والتحقيق،رغم إعجابي بأخي الفنان وقدرته على
التصميم والإخراج،ولعل لغيري رأيه المغاير،ألا أن ذلك
ما تبادر إلى ذهني بعد قراءتي للغلاف.
ومن ملاحظاتي الأخرى حول الكتاب:
1ـ يلاحظ القاريء وجود فترات متقطعة لم يجري الكتابة
عنها،رغم أن تلك الفترات حافلة بالنشاط
والحيوية،ومزدحمة بالأحداث التي تدعوا طبيعة المذكرات
أيراد أحداثها،وبيان تفاعلاتها وتأثيرها،ورأيه في
الأمور التي رافقتها،لكونه من صناعها والخائضين في
غمارها،لما في ذلك من استجلاء لنقاط جديدة قد تنفع
الدارس والمؤرخ لأحداث تلك الفترة.
2ـ الملاحظ أن الأستاذ الفاضل،قد جعل لمذكراته عناوين
فرعية،استدعته تغيير السياق التاريخي السردي،وعلى سبيل
المثال لا الحصر،عند خروجه من السجن بمرسوم العفو
الصادر من حكومة الثورة في آب/1958 ،أنتقل إلى أحداث
آذار 1959 ،بفصل عنوانه الاصطدام، أورد في بدايته
حكاية الخلاف بين فرع الوطني الديمقراطي في
كربلاء،ومنظمة الحزب الشيوعي،ثم عاد لتسلسل
الأحداث،ودوره في بناء المنظمة بعد خروجه من
السجن،وكان عليه متابعة سرد الأحداث وما قام به من
نشاط في بناء المنظمة وتفعيل نشاطها في تلك الفترة،حتى
الوصول إلى ما رافقها من اصطدام مع الآخرين،ولعل هذا
الخلل نابع من نشره لمواضيع المذكرات على شكل حلقات
منفصلة،لأحداث مختلفة،كان عليه أعادة صياغتها لتأخذ
مداها التاريخي في السرد والتسجيل(ص64 وما بعدها).
3ـ كذلك العنوان الرئيسي الوارد ص47 (عشية ثورة 14
تموز)فقد سرد مذكراته اعتبارا من انتفاضة تشرين 1906
،رغم ان السياق السردي للأحداث كان متصلا، ألا أن هذا
العنوان السابق لأوانه جعل القاريء في حيرة،ولو كان
العنوان(مقدمات ثورة تموز)لا عشيتها،لكان أحرى
بالقبول،لأن عشية الثورة يعني قبل ليلة من
حدوثها،ولكنه سرد أحداث أكثر من سنة ونصف قبل
الثورة،وهو ما جعل العنوان في غير محله.
4ـ وتحت عنوان الهروب من معتقل خلف السدة ،أورد
مداخلات زواجه،وابتدأ الموضوع بتعهده لزوجته بالهروب
في حالة إلقاء القبض عليه،ثم أورد بدايات تعرفه
بها،وكان الأولى أن تكون هذه الفقرة في سياقها بعد
الزواج،لا أن تكون مقدمة للموضوع،وهذا الارتباك في
التسلسل أثر بشكل سلبي على المذكرات.
5ـ ورغم هذه المآخذ ـ على فرض وجودها ـ ألا أن في
المذكرات جوانب ايجابية حرية بالتبجيل والإشادة،فقد
أدلى برأيه في أمور شائكة يتورع الكثيرون عن الخوض
بها،منها ما رافق بعض الفتاوى التكفيرية وبواعثها
والأسباب الكامنة وراءها،ورغم أنه أوضح الشيء
الكثير،ألا أن ما لم يكتب أكثر والسكوت عنه أجمل
وأحسن،في مثل هذه الظروف،ولكن مجرد الإشارة كان إضاءة
لماحة لواقع نحاول تجاوزه ونسيانه لأسباب ذاتية
وموضوعية،قد تزول في يوم من الأيام فتظهر الحقائق كما
هي،وتبان الدوافع الكامنة وراء الكثير من الحوادث التي
رافقت تلك الفترة،بإرهاصاتها المختلفة وحوادثها
المثيرة،وهو ما سجلته في أوراقي مشفوع بالأدلة
والأسانيد.
6ـ ولعل ما هو حري بالإعجاب والإكبار،أدلاء المؤلف
بآراء سديدة حول الوضع الراهن وآفاق المستقبل،في ظل
الأحداث الجارية في العراق،فقد كان لإشاراته
المختلفة،واستنتاجاته على ضوء الواقع،وما حدث في دول
أخرى،ما يعين الآخرين في تلمس الطريق للخروج من الأزمة
الحالية التي تأخذ بخناق المواطن العراقي،ورغم إن
المذكرات تسجيل لماضي غابر،ألا أنه حاول استشفاف ما
يعين على دراسة الحاضر بكل إرهاصاته وتقلباته،والطرق
الكفيلة بمواجهته وفق رؤيا صائبة بنيت على أسس من
الواقعية المطلوبة في مواجهة الأحداث،ولعل جرأته في
كشف ما جرى ويجري في دول مجاورة،كفيل بتحذير الآخرين
من المرور بنفس الحالة التي عانى منها الآخرون،وعدم
تكرار الأخطاء القاتلة التي وقعت فيها بعض الحركات
السياسية لعدم قراءتها للواقع بصورة صحيحة،مما أدى إلى
وقوعها فريسة سهلة بأيدي القوى الرجعية
والمتشددة،وعلينا الاستفادة من تلك التجارب المريرة
وأخذ العبر منها،للخروج من عنق الزجاجة التي تمر به
الحركة الوطنية والديمقراطية في العراق.
7ـ ولعل أوضح ما ظهر للعيان في هذه المذكرات،أن مدرسة
الشيوعيين العراقيين،رغم ظروفها المادية الصعبة،تمكنت
من تخريج أساتذة في التحليل السياسي،يتعذر على
الدارسين المنهجيين الوصول إلى مستوياتهم في التحليل
والدرس،فالأستاذ الحلوائي لم يصل بدراسته المنهجية إلى
ما وصل إليه حملة الشهادات العليا في الأدب واللغة
والسياسة،ألا أن مدرسة الحزب تمكنت من أبراز طاقة
رائعة في الاستنباط السياسي بلغة عربية سليمة،ومنهجية
واضحة،يحسده عليها الكثيرين،وهذه المدرسة خرجت المئات
أن لم يكن الالآف ممن هم على شاكلته،ولعلي مدين
بالجانب الأكبر من ثقافتي السياسية والعامة،لهذه
المدرسة الوطنية،التي أصبحت علامة بارزة في تاريخ
العراق الحديث.
8ـ والمزية الأخرى لهذه المذكرات أنها اعتمدت على
الشهادات الحية،واستجلاء آراء الآخرين فيها قبل
طبعها،مما جعلها صادقة في طروحاتها،أمينة في
نتائجها،راسخة في تناولها،لم تعتمد الحدس والتخمين،أو
الرواية البعيدة عن موقع الحدث،فاستعان المؤلف ببعض
المطلعين والقريبين لتدعيم ذاكرته،وإعطاء الأمر
مصداقية أكثر،لصدوره عن مطلع عارف ببواطن الأمور.
9ـ وقد يحاول الكثيرون التغطية على الأخطاء
والتجاوزات،وإسباغ بعض التوصيفات عليها،ألا أنه تجنب
هذه الأمور،وطرح الوقائع كما هي بمصداقية عالية،ظهر
ذلك جليا واضحا في موضوعة الديمقراطية في الحزب
الشيوعي،حيث لم تفعّل تلك الديمقراطية في الحزب رغم
أنها من صميمه،وخصوصا في الانتخابات بسبب طبيعة العمل
السري،والظروف التي عمل فيها الحزب،ألا أن ذلك لا يعني
انعدامها كليا،حيث كان للكثير من القرارات طابعها
الديمقراطي السليم،وخصوصا عند توفر الظرف الملائم
لتطبيق الديمقراطية،وأن ظهور بعض القيادات الفردية كان
بسبب طبيعة الظرف السياسي غير الملائم لظهور القيادة
الجماعية،أما في فترات العمل العلني،فالديمقراطية هي
المعيار في اتخاذ القرارات،وإقرار المواقف الخطيرة
للحزب،وتجلى ذلك واضحا في رفض خط آب التصفوي،عند
الاعتراض عليه من بعض أركان القيادة والقاعدة،ومنذ
مؤتمر الديمقراطية والتجديد،سار الحزب بخطوات واسعة في
تفعيل الممارسة الديمقراطية في عمله الحزبي،ولا زال
عليها وأصبحت السمة البارزة لعمله في مختلف المستويات.
10ـ ولعل القاريء الكريم يشاركني الرأي ،بأن مذكرات
الحلوائي حفلت بالكثير من الدروس والعبر،التي علينا
الاستفادة منها في الظرف الراهن،ولعلها ستكون دافعا
للآخرين في كتابة تجاربهم وذكرياتهم،لأغناء الأجيال
اللاحقة بالخبرة،والاستفادة منها في البناء الجديد
للحزب،لأن تجارب القادة السياسيين درس رائع وممتع
ومفيد يستلهم منه الآخرين دروسا في النضال والتضحية من
أجل المباديء والمثل السامية،التي يناضل من أجلها
الشيوعيين،ولا يسعني في الختام ألا إزجاء الشكر
والتقدير لدار الرواد المزدهرة على ما قدمت من زاد
فكري وجهد مشكور في الطباعة،وأن تكون إصداراتها
بالمستوى اللائق باسمها الكبير في عالم المعرفة،وأن
تكلل جهودها بالنجاح ودوام التقدم والازدهار.
الزمان والمكان في روايات غائب طعمه فرمان
دراسة نظرية تطبيقية
تأليف الدكتور علي إبراهيم
سنة الطبع2002 دمشق
الناشر:دار الأهالي للنشر والتوزيع
من الكتب النقدية المهمة التي عالجت الزمكانية في
روايات غائب طعمة فرمان،الدراسة الرائدة التي تقدم بها
الدكتور علي إبراهيم لنيل درجة الدكتوراه، بإشراف
البروفسور ميخائيل كوركيف وتناولها نقديا أساتذة
بلغاريون،منهم البروفسور فاسيليف،وهو من الأكاديميين
المتميزين في جامعة صوفيا،والدكتور ستيفان توفانوف
،الحاصل على البكالوريوس في كلية الآداب جامعة
بغداد،وهو من المستعربين الذين اهتموا بدراسة الأدب
العراقي واستجلاء جوانبه المختلفة،لذلك كان تقيمهم
لهذه الرسالة نابع من تفهمهم لطبيعة الأدب
العراقي،وبالذات الواقعي منه،لمعرفة الدكتور توفانوف
لطبيعة المجتمع العراقي من خلال معايشته له خلال
دراسته في بغداد،وتلمسه للزمان والمكان في أدب الروائي
الكبير غائب طعمة فرمان،لذلك أستنتج وبقناعة عميقة أن
الكاتب أستطاع بذكاء أن يجد نقاط التقاطع الأساسية بين
المعارف الأدبية البلغا-عربية ،في مادة تسمح بمتابعة
النظريات العامة لحساب القوانين في إبداع المع
الروائيين العرب،وأن(الأسلوب الإبداعي لغائب طعمة
فرمان،يرتكز على المحاولة الدائمة لإعادة ذكريات الوطن
واستعراضها،على الرغم من المسافة الزمنية الطويلة التي
تفصل بين الكاتب والوطن)وكان للباحث تصوراته في الحفاظ
على العلاقة بين طريقة البحث العلمي
الأوربية،والتقاليد العربية في دراسة الفنون
والآداب،وخلص إلى أن الرواية العربية نتاج التأثير
الأوربي،وليس امتداد للروايات والمقامات والحكايات
العربية التي تفتقر إلى الأسلوب الفني للرواية
الحديثة.
قسم المؤلف كتابه إلى قسمين تناول في القسم
الأول،لمحة موجزة عن حياة غائب طعمة فرمان،وأشار إلى
بداياته،عندما كان شاعرا ،نشر شيئا من شعره في المجلات
المصرية والعراقية،وكانت محاولات رائدة ظهر فيها شاعرا
يمكن أن يكون له مكانا بين الآخرين،وتبشر بشاعرية
مبكرة يمكن لها التحليق والبروز،ولكن انصرافه إلى
الترجمة وكتابة القصة والرواية،تحيف الجانب
الشعري فيه،ونماذجه الأولى واكب فيها شعراء التجديد
فكانت على طريقة الموشح التي ذاعت تلك الأيام،وتعتمد
على تعدد القوافي،مما يعطي للشاعر فسحة للتحرر من قيود
القافية،ومن نماذج شعره قوله:
هنا لا شيء غير الحب يا طفلة أحلامي
فكم قبل هذا النهر ثغر العشب الضامي
وكم لف جلال الصمت أشعاري وأنغامي
رعاك الله يا طفلة ما أجمل دنياك
تنامين..وعين الله ترعاك
وبعد هذه البدايات الشعرية الموفقة ،أنصرف أوائل
الخمسينيات لكتابة القصة،فصدرت مجموعته الأولى"حصيد
الرحى" عام 1954 ثم أصدر المجموعة الثانية"مولود
آخر"عام 1959، وبرز في الساحة الأدبية روائيا رائدا
في روايته الرائعة"النخلة والجيران" عام1965،فنالت
اهتمام النقاد وإعجابهم،مما أهلها أن تكون في المقدمة
من الروايات العراقية،وتضاهي الروايات المصرية،وأخذت
مكانها في الدراسات التي تتناول الرواية العربية عموما
والعراقية على وجه الخصوص،وكانت البداية الأولى في فن
الرواية العراقية،رغم التجارب الأولى لفؤاد التكرلي
وعبد الملك نوري ومهدي عيسى الصقر وعبد الرزاق الشيخ
علي ومحمود الظاهر،وغيرهم التي كانت قصص قصيرة وطويلة
لا يمكن إدخالها ضمن الرواية.
وكانت ينابيع ثقافته التراث العربي،وما أطلع عليه
من الأدب الانكليزي والأمريكي،لإجادته الانكليزية،تأثر
بروايات "فوكنر" وبخاصة رواية "القرية والمدينة وبيت
الضيعة"التي كانت روايته "خمسة أصوات" مجاراة
لأسلوبها،فيما نهل من الأدب الروسي روائعه بلغتها الأم
لإجادته الروسية وإلمامه بآدابها،أضف إلى ذلك الأدب
الإيطالي والروايات العربية،لذلك كان لقراءاته
تأثيراتها على مجمل أعماله الروائية.
ويعد في طليعة الكتاب الواقعيين الذين
استلهموا الكثير من واقعهم،لذلك ترى بغداد القديمة
بأزقتها وجاراتها ماثلة في رواياته،رغم تغربه عنها
لأكثر من خمسة وثلاثون عاما،إلا أن ملامح بغداد كانت
بارزة فيما كتب من قصص وروايات،وشخصيات قصصه من
المجتمع البغدادي القديم،ولغتها بغدادية أصيلة،يمكنك
من تلمس روائح حاراتها وأزقتها في الكثير من كلماتها
التي تفردت بها دون غيرها من المدن العراقية،ورغم
تنقله بين بلدان كثيرة ،إلا أن هاجسه البغدادي ظل بارز
السمات في جميع أعماله.
وقد عمل مدرسا في لبنان،وأكمل دراسته العالية في
القاهرة،ثم رحل إلى الصين،وعاد إلى بغداد الحبيبة بعد
ثورة الشعب العراقي في الرابع عشر من تموز/1958 ،ولكن
تقلب الأوضاع السياسية،واحتدام الأجواء في بغداد،جعله
يشد الرحال إلى موسكو،ليتزوج هناك،وتكون دار
أقامته،فعمل في الترجمة لمواجهة متطلبات الحياة،وترجم
أكثر من(50) كتابا من روائع الأدب السوفيتي
والروسي،وقد عاد إلى العراق عام 1969 بعد أن أعيدت له
الجنسية العراقية التي أسقطت عنه بقرار جائر،وقد ظهرت
معاناته في روايته (المرتجى والمؤجل) فيما أعطت
رواياته الأخرى،صورة عن معانات البسطاء العراقيين في
المناطق الشعبية،بدءامن( النخلة والجيران) و(خمسة
أصوات)و(المخاض)و(القربان)و(ظلال على النافذة)و(آلام
السيد معروف)وانتهاء بروايته (المركب)،إضافة لنشاطه
القصصي والروائي وترجماته الكثيرة،فقد أصدر كتاب عن
العراق قبل ثورة الرابع عشر من تموز عنوانه(الحكم
الأسود في العراق) وصدر له في القاهرة عام1957 (لاشين
عملاق الثقافة الصينية) وأصدر كتاب(قصص واقعية من
العالم العربي) بالاشتراك مع محمود أمين العالم،وقد
أعدت روايته النخلة والجيران مسرحيا،وقدمتها فرقة
المسرح الفني الحديث،وكانت في مقدمة المسرحيات
العراقية التي نالت أعجاب واستحسان الجمهور،وكذلك
مسرحيته(القربان) التي قدمتها ذات الفرقة،وكانت قمة
الإنتاج العراقي المسرحي حتى الآن،وقد ترجمت قصصه
ورواياته إلى الروسية،وكتبت عنه دراسات أكاديمية
متعددة،وأجريت معه مقابلات وأحاديث صحفية،ضمنها الكثير
من أرائه في الأدب والحياة،وكتب عنه الكثير من البحوث
والدراسات النقدية،والمقالات التي تناولت الجوانب
الفنية والإبداعية لنتاجاته،وطريقته في الترجمة
الأدبية،التي تميزت بالأصالة والأسلوب البلاغي الرائع.
أما على المستوى الاجتماعي فقد تزوج من السيدة
الفاضلة(أينابيزوفنا)الروسية،وله ولد منها أسمه
سمير،وكانت حياته بين مد وجزر،رغم الحب المتبادل
بينهما،وكانت خلافاتهما بسبب إجهاده لنفسه في العمل
الأدبي،وعدم مراعاته لصحته،وقد أتصف بصفات حبيبة،فهو
عف نزيه،وجريء في طرح أفكاره،متواضعا في حياته
وعلاقاته مع الآخرين،أـسم بعمق الفكرة،وجزالة
الأسلوب،وكثرة القراءة،،والاقتصاد بالحديث،حريصا على
علاقاته بالآخرين،ولم يحاول الانصهار بالمجتمع
الروسي،وظل وفيا لعراقيته ما أستطاع إلى ذلك
سبيلا،توفي في موسكو يوم السبت 18/8/1990،بين أوراقه
وكتبه،وظلت الكثير من مشاريعه المؤجلة التي كان يأمل
إكمالها،من بدايات قصص ومقالات ومشاريع ثقافية مختلفة.
وقد تناول المؤلف في الفصل الثاني،بدايات الوعي
القصصي في العراق،فكما عرف العراق ريادته للشعر
الحر،فقد كانت مصر الرائدة في مجال الرواية،وكانت
رواية(زينب) لمحمد حسين هيكل،أول عمل روائي أستكمل
الشروط الفنية للرواية،رغم وجود ما سمي بروايات قبل
هذا التاريخ،إلا أنها لم تحتو على المستلزمات الفنية
للرواية المعاصرة،وكانت امتداد للحكايات والسير
والمقامات التي كتبها الأقدمون،ويستعرض المؤلف آراء
مؤرخي الأدب ليخلص إلى القول(أن القصة والرواية
بشكليهما الفني الحديث،ظهرتا في الأدب العربي نتيجة
تأثرهما بالقصة والرواية الأوربيتين) ويسلط الضوء على
بدايات القصة والرواية في العراق،في دراسة مسهبة
ابتداء من القرن التاسع عشر،ممثلة بمقامات أبي الثناء
الآلوسي،التي يراها المؤلف امتداد للحكايات والقصص
القديمة،ولا يمكن عدها ضمن النتاج القصصي الحديث،ويرى
أن بدايات القصة في العراق،ظهرت في بدايات الاحتلال
الإنكليزي،في تأثر واضح بالروايات العربية والتركية،ثم
أمتد التأثير العربي بفضل الترجمات العربية لأمهات
الأدب الأوربي،ونشرت بعض القصص والروايات
العراقية،ولكنها مترجمة أو تفتقر إلى الأسس الفنية
للرواية،وأعتبر أن قصتي عطا أمين (لوحة من ألواح
الدهر، أو فصل من رواية الحياة) و(عاقبة الحياة) أول
التجارب لرواية عراقية تتوافر فيها أسس الرواية،فيما
قدم محمود أحمد السيد محاولته الأولى في هذا
المجال(في سبيل الزواج) ثم رواية(مصير الضعفاء)سنة
1922 وبعدها (النكبات) وهي مجموعة قصصية،ثم كتب(جلال
خالد) إلى آخر رواياته،وكذلك روايات جورج يوسف،وغيرهم
من كتاب القصة،ويعتبر هذه القصص (بدايات بسيطة
وساذجة،بسبب ضعف هذه الآمال وافتقارها إلى مقومات
القصص الفنية،بل أن حقبة ما بين الحربين،أفرزت ظاهرة
تمثلت في قلة عدد الروايات التي كتبت في
العراق،وندرتها وعدم نجاح القصاصين في خلق رواية فنية
متكاملة،أو قريبة من التكامل،عدا محاولة فريدة كتبها
عبد الحق فاضل،الذي يمثل قمة ما وصلت إليه القصة
العراقية من تطور فني بالنسبة لهذه الفترة) وفي أوائل
الثلاثينيات كان لجريدة الهاتف النجفية التي أصدرها
المرحوم جعفر الخليلي،أثرها في أنماء القصة
العراقية،فأولتها الاهتمام اللازم ونشر فيها الكثير
من القصص،لأن صاحبها يعد من رواد القصة العراقية.
وتناول في الفصل الثالث الموضوعات المؤثرة في
روايات غائب طعمة فرمان،وتناول المدلول الاجتماعي
للزمكان،لوحة سيسيولوجية عن بغداد،لاحظ فيه أن الروائي
غائب طعمة فرمان،أتخذ من بغداد بزمانها ومكانها،وطبيعة
مجتمعها"فضاء أو مسرحا لأحداثها،وبذلك شكل أحد الأبطال
الرئيسيين في شبكة الأحداث والأشخاص"وجمع بين قديمها
وجديدها"حيث تجد وصفا جميلا في روايات غائب طعمة
فرمان،للأحياء الراقية الى جانب الأحياء القديمة
،الملتصقة بعضها ببعض،،وأسماء شوارعها وأحيائها
ومعالمها التي ارتبطت بالموروث التاريخي أو
الديني،مثل منارة سوق الغزل،شارع الرشيد،شارع أبي
نؤاس،شارع الكيلاني ،شارع الأمين،مقبرة الغزالي،أو
أسماء أشخاص وحرفهم،بيت"علوان أبو الجص ،دكان جرجيس
أبو العرق،دكان غلام الدباغ،سعيد أبو الفحم،مقهى حسن
العجمي،،وما أرتبط بالعهد الملكي،المدرسة
الهاشمية،حديقة غازي،سينما الملك فيصل،وأخرى ارتبطت
بالعهد الجمهوري،مطعم الجمهورية،جسر الشهداء،شارع
الكفاح،وكل هذه الأسماء وغيرها تشكل الفضاء الروائي
لرواياته".
وأشار إلى التحولات الاجتماعية،والعلاقات
السائدة،والصناعات البدائية،والحرف اليدوية،حيث تناول
رواياته الصراع بين القديم والجديد،والموقف من تحرر
المرأة ومساواتها بالرجل،ودخول الصناعات الحديثة ،التي
قضت على الكثير من المهن والحرف اليدوية،ونقل صور هذا
الصراع من خلال مشاهد حية معبرة عن طبيعة المجتمع
البغدادي،وذكر ما رافق ثورة تموز من تحولات وأحداث،حيث
برز ذلك واضحا في روايته(المخاض) من خلال الحوار بين
"مهدي عبد الصمد" السجين السياسي،وبين "كريم داوود"
بطل الرواية،يقول مهدي"ثورة تموز حدث تاريخي لا يمكن
التقليل من عظمته،ولكن..وآه من كلمة لكن".
وأشار إلى النفي وتأثيره في روايات غائب طعمة
فرمان،فقد كان لمعاناته جراء النفي الطويل أثره في
نتاجه،ولو قيض له البقاء في العراق لأستطاع مضاهاة
نجيب محفوظ في غزارة الإنتاج وعمقه،ولكنه رغم البعد عن
الوطن أستلهم الكثير من الأماكن والشخوص
في(رواياته،النخلة والجيران،خمسة
أصوات،المخاض،القربان،ظلال على النافذة،ولكنها تبدو
شاحبة في روايته "المركب"،فهو يلجأ إلى العموميات عند
وصفه للمكان،أو يلجأ إلى الاسترجاع ليعطي صورا قديمة
يعرف تفاصيلها جيدا "وذكر في مقابلة معه"أنا كتبت
رواياتي الثلاث في المنفى،وقد أكون أكثر التصاقا
بالواقع العراقي من غيرها،ولكن لا يمكن القول بشكل
عام،أن الغربة إذا كانت لمدة قصيرة ومعينة ،يمكن أن
يكون لها فضائل،أما أن تكون غير محدودة وغير معروفة
متى تنتهي،أعتقد أن فيها مساوئ كثيرة".
وتمثل شخصيات غائب طعمة فرمان،عينات اجتماعية
واسعة،سواء من الطبقات الفقيرة أو المسرة،وتمكن من
رسمها بدقة،لأنه عاش شخصياته،فهم أهله وأصدقاءه وأبناء
محلته،لذلك عندما رسمها أنطلق من الخاص ليخلق
العام،وتركهم يتحركون كما يتطلب الواقع ،وبذلك تحولوا
إلى ضمائر ورموز للقارئ أن يكتشفها ويربطها بما موجود
في الواقع،ولعلاقة المكان باللغة فقد أستخدم اللغة
الشعبية والفصحى في السرد والحوار،وميز بين لغة
الأحياء الشعبية والمناطق الراقية،وساوق بين لغة
المثقف والعادي،مما جعل رواياته ذات عمق وتأثير في
القارئ،على عكس من كتبوا بأساليب أدبية لا تنسجم وواقع
الشخصية،فجاءت شخصياتهم محنطة لا توحي بواقعها،واللغة
عنده"ليست لغة قواميس،ولا بلاغة ولا فصاحة،وقد يكون
الكاتب مالكا لثروات لغوية جيدة،لكن الشخصية التي
يصورها هي التي تفرض لغتها"،فقد أستخدم اللهجة
البغدادية في"النخلة والجيران"،لأنها تعبير واقعي عن
شخوص روايته،فيما أستخدم اللغة الفصحى في رواياته
الأخرى،عندما كان يتناول شخصيات مثقفة من شعراء وأدباء
وصحفيين،فاستخدام"لغة شديدة الالتصاق بلهجات الناس
وأحاديثهم...وبالخصوص الفئات الأكثر قهرا،ولهجاتها
التي تمتد بحميمية قصوى في أثناء السرد..ومما يؤكد هذا
الاستنتاج والاستنتاجات الأخرى أن روايته الثانية"خمسة
أصوات"أبتعد فيها عن العامية لأن أشخاصه من المثقفين".
أما القسم الثاني فقد تناول الكاتب الزمان
والمكان فلسفيا،اجتماعيا،فنيا،"فقد أختلف الفلاسفة في
تعريف الزمان والمكان،وجاءت تعريفاتهم حسب مذاهبهم
الفلسفية،فالماديون اعتبروا أن الزمان والمكان شكلان
رئيسيان،شاملان لوجود المادة المتحركة،وهما موجودان
بشكل موضوعي ،أي خارج وعي الإنسان،وترى أن المكان ذو
أبعاد ثلاثة،أما الزمان فله بعد واحد"بينما أنقسم
المثاليون إلى ذاتيين وموضوعيين،فأعتقد الذاتيون أن
الزمان والمكان مرتبطان بالوعي الفردي،بينما رأى القسم
الثاني أن الزمان والمكان مقولاتان للروح المطلقة،"وأن
فكرة وحدة الزمان والمكان وارتباطهما بالمادة،هو ما
يهمنا في دراستنا للظواهر الأدبية،..مع مراعاة النسبية
التي تفرضها تلك الظواهر،والأساليب الأدبية
والفنية،لاعتقادنا أن الحقيقة النسبية تقف إلى جانب
هذه الفكرة،وهذا ما أثبتته الدراسات واكتشافات العلوم
الحديثة".
أما اجتماعيا: لا"يمكن عزل الأدب عن التأثيرات
الاجتماعية والفكرية المباشرة وغير المباشرة"لذلك نرى
للمجتمع أثاره الواضحة على الأعمال الأدبية،لأنها نتاج
مجتمعها،وتعالج فترة معينة،في مكان ومجتمع معين،لذلك
تستوحي من ذلك المجتمع سماته وصوره،وتبقى الاختلافات
فارقة بين الحي الشعبي والحي الراقي،وقد يزاوج المؤلف
بين المجتمع التخيلي والمجتمع الواقعي،فيستلهم منهما
واقع جديد يمثل تصوراته التخيلية الواقعية،لذلك يستطيع
الناقد والدارس تقدير أن العمل الفلاني يمثل البلد
الفلاني،ويمكنه تحديد زمنه،لذلك لا يستطيع الدارس فهم
مغزى الأعمال الأدبية،إذا لم يتعرف على البيئة
الاجتماعية،دون أن يعني ذلك أن الرواية،وثيقة تاريخية
تمثل حقبة أو زمن ما،لذلك يمكن القول"أن الزمان
والمكان من الناحية الاجتماعية متلازمان،يحتويان على
صدق التفصيلات النوعية،صدق تاريخي بالمعنى اللصيق لهذه
الكلمة،وهناك بعد ذلك الحقيقة الفلسفية مفهوما وقضية
وتعميما".
وعن الزمان والمكان جماليا:حاول التوصل إلى
ملامح الفضاء الروائي من خلال المكان والفضاء والعلاقة
بين الزمان والمكان،لذلك علينا التفريق بين طريقة
السرد،والقصة المتخيلة،والقصة في الواقع،وهي تشكل
أركان العمل الروائي الأساسية،والعلاقة متبادلة
وجوهرية بين الزمان والمكان،فتقسم الأمكنة في الرواية
إلى أماكن الإقامة،وأماكن الانتقال،وأماكن الإقامة أما
اختيارية كالبيت، أو أماكن أقامة إجبارية
(السجن،الزنزانة)وأماكن الانتقال أما عامة(الأحياء
شعبية - راقية –شوارع)وأماكن انتقال خاصة
(المقهى)،فالمكان هو الفضاء الجغرافي الذي يعني مكان
أحداث الرواية، ويأخذ الفضاء الروائي" دورا أساسيا في
الرواية ،ليس بصفته مسرحا تجري عليه الأحداث،بل هو أحد
الشخصيات الرئيسية أو المعبر عن حالة الشخصية النفسية
والاجتماعية.
أما الزمن الروائي،فعندما "يستخدم المرء تعبير
العالم،فإنما يستعمل تعبيرا مكانيا،لكن التخيل القصصي
يسترعي انتباهنا إلى الزمان والى توالي الأحداث في
الزمان"لذلك لكل قصة تتابعها الزمني،الذي لا يلزم
الروائي بالنقل الحرفي،فقد يبدأ من نهاية الحدث أو
وسطه،ليخلق جانب التشويق والإثارة،أو يستخدم التحريف
الزمني للحصول على الأهداف التخيلية،وقد يلجأ لاختصار
الزمن أو أطالته اعتمادا على الحوار فيختزل وقت الحدث
الذي قد يمتد سنوات في وقت قصير لا يتعدى ثواني
معدودات،وقد يحاول من خلال السرد أطالة الزمن،فمثلا
يستطيع الإنسان أطلاق الرصاصة بثوان،ولكن سردها القصصي
يتطلب وقتا أكثر بكثير من حقيقتها،وبذلك يكون زمن
السرد أطول بكثير من زمن القصة.
الفضاء الروائي :أعتمد غائب طعمه فرمان عددا من
الشخصيات في جميع رواياته،تتحرك في مجموعة
الأمكنة،فتراه في النخلة والجيران يتحدث عن حي شعبي
فقير في منطقة (المربعة) وسماه (الصافن)في أشارة رمزية
تعطي دلالة واضحة عنه،وتنقل في روايته بين
الطولة،سليمة الخبازة،دكان صاحب أبو البايسكلات،مقهى
أحمد وهذه الأماكن ربطت الشخصيات بعضها ببعض،وبيت
سليمة الخبازة محور الرواية فيه"نخلة قميئة تبرك قرب
الحائط،وسط دائرة سوداء،نخلة عاقر مثلها تعيش معها في
هذا البيت الكبير،خرساء صماء،تتحمل المياه القذرة التي
تلقى في حوضها،ويمر الصيف والشتاء دون أن تحمل طلعا أو
تخضر سعفة" أستطاع الكاتب توظيف هذا الرمز في الإشارة
إلى عقم الحياة وتعفنها في هذا البيت،المتمثل بعقم
الاثنين،وأستطاع من خلال روايته أن ينقلها إلى أماكن
كثيرة يعطي كل منها دلالته الرمزية.
أما روايته "خمسة أصوات" فهي تنقلنا إلى أجواء
المقاهي البغدادية،مقهى بلقيس،ياسين،البريد
المركزي،السومرية،حانة النصر،بار كاردينيا،وأبطال
روايته الثانية يعيشون ذات الحارات التي عاشها أبطاله
في النخلة والجيران،ولا تختلف عنها إلا في
أسمائها،لذلك كانت رواياته تعيش في فضاءات بغداد
وأجوائها المليئة بالمتناقضات،ولأمكنته دلالاتها
المزية التي يستطيع الكاتب من خلالها،تلمس الأوضاع
السياسية والاجتماعية في البلد و"مقهى دبش مدلولا
رمزيا أيديولوجيا سياسيا،فهم يمثلان التخلف،والكرسي
الذي يجلس عليه "دبش" يمثل رمزا للسلطة المتنازع عليها
بين قوى التخلف التي يمثلها دبش،والقوى الإصلاحية التي
يمثلها "ياسر" مساعده الذي أدخل تحسينات تدريجية على
المقهى".
أما الرمز إلى القوى الثورية الساعية لتغيير
الواقع،ومحاربة قوى الردة والتخلف،تمثل في "القربان"
بـ "صباح" الشاب المتعلم الذي أراد الزواج من "مظلومة"
لا طمعا بميراثها،بل لحبه لها،وأسمها أشارة إلى ما
تعانيه المرأة في رمزه الدلالي"مظلومة"التي توحي
للقارئ بما تعانيه المرأة من ظلم و إجحاف،لذلك فأن
أمكنة غائب طعمه فرمان في رواياته جميعا،تعطي بعدا
رمزيا يشير إلى واقع اجتماعي حاول الكاتب إظهاره بما
أعطاه من إيحاءات غير خافية على القارئ اللبيب.
أما روايته "المرتجى والمؤمل" فهي تتحدث عن
المغتربين خارج الوطن،ولكنها لم تنقطع عن فضاء
بغداد،فجذور الكاتب ذات وشائج قوية بوطنه،ويمكن
اعتبارها مقارنة بين الأمكنة البغدادية،وغيرها في
المنافي الأخرى،يشعر فيها المنفي بالغربة والحنين إلى
جذوره الأصيلة،وحاول من خلال بطلها"ثابت حسين"
المقارنة بين مدينته والمدن الأخرى التي أضطر
لزيارتها،وبين بيوتها ومطاعمها وأحيائها وشوارعها وما
فيها من مرافق أخرى،"أن تصوير المكان عند كاتبنا لم
يكن وصفا مجردا،غايته أعطاء فكرة،أو صورة
فوتوغرافية،بل كانت له دلالته الرمزية الواضحة،وتعكس
حالة الشخصيات النفسية،وإحساسهم بالمرارة"لذلك نلاحظ
أن المكان أستطاع أن يعبر عن مشاعر الشخصيات،وأفكارهم
بما فيه من دلالات موحية.
الزمن الروائي:أتخذ الزمن في رواياته
مسارين،الأول هو الزمن العام،والثاني البنية
الرمزية،فأحداث النخلة والجيران تدور في زمن الحرب
العالمية الثانية والاستعمار البريطاني للعراق،وتدل
على أنها حدثت قبل خروجه بأشهر،وفيها أشارات واضحة من
خلال الحوار على الظرف الاقتصادي الصعب،بسبب
الحرب،ويمكن تحديد "خمسة أصوات" من خلال أحداثها بفترة
حكم "الجمالي" وفيضان دجلة عام1954،وورود جبهة الاتحاد
الوطني يدل على امتدادها إلى عام 1957 تاريخ انبثاق
الجبهة، أما "المخاض" ففيها أشارة واضحة إلى معالجتها
لثورة تموز،وما رافقها من تطورات،وروايته"القربان"
تشير إلى زمان وصاية عبد الإله على عرش العراق،بدليل
وصاية"حسن علوان" على أموال "دبش"،أما روايته"ظلال على
النافذة "التي كتبت عام1978 ،فهي تشير إلى أوائل
السبعينيات،وما رافقها من حوادث،وتشير روايته قبل
الأخيرة"المرتجى والمؤمل" إلى ما دار بين الأعوام1963-
1980 ففيها يذكر قصة "قطار الموت"1963،وفشل الجبهة
1973 – 1979 ،وفي روايته "المركب" التي كتبها 1978 ما
حدث بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958 -1963 حيث يقول
"رائد" ل"هاشم" " سأقول لك من أنا،بالمناسبة أنا تركت
الحزب،وهو في انتعاش،فوق النخل فوق،يعني لا يمكن أن
أتهم بالتخاذل أو الانتهازية"أو فترة العمل الجبهوي
1973-1978 .
أما البناء الزماني في رواياته،فقد أتخذ
مسارين،السرد متمثلا بالاستذكار أو الاستشراف،والثاني
إبطاء السرد أو تسريعه،ففي السرد الإسترجاعي،مهد لها
بـ" تذكرت،كان ذلك من زمان،منذ كنت شابا،حاولت..الخ
وقسم من هذه الإسترجاعات له دلالات واضحة،وأخرى تعتمد
على القرائن،وقد يطول هذا الاستذكار ويقصر تبعا للموقف
وما تمليه طبيعة الأحداث،وأشار إلى نماذج منها وردت في
رواياته العديدة،كالسرد الإستشرافي والتمهيدي
والاستشراف الإعلاني،أما النسق الزمني للسرد،فقد تطرق
فيه إلى إبطاء السرد في الحوار والوصف، وتسريع السرد
في الخلاصة،والحذف وتناول مقولة التناوب
والتزامن،وأورد الكثير من النصوص الدالة على ما ذهب
إليه.
لقد حاول المؤلف الفاضل من خلال كتابه
هذا"التركيز على الجانب الفني النظري لمقولتي الزمان
والمكان،وكيفية استخدامهما في العمل الأدبي،وكذلك
الجانب التطبيقي الذي أتخذ من الشكل أساسا لاختيار
النماذج الكثيرة من روايات غائب طعمه فرمان"وقد أستطاع
من خلال منهجه الدراسي الإلمام بهذه الجوانب،وأظهر
قدرته الإبداعية،في دراسة النص،وإخراج الشواهد التي
تؤكد ما ذهب إليه،ولمست المقدرة والكفاءة والصبر
والجهد المبذول في هذه الدراسة النادرة التي تعد لبنة
في البناء النقدي العراقي،وتفتح الطريق أمام دراسات
لاحقة تتناول الجوانب الإبداعية في أدب الفقيد،وعلى
الجامعات العراقية،أن تأخذ دورها في دراسة الرموز
الأدبية والشعرية والفكرية،بما يجعلها ماثلة في
الواقع الثقافي العراقي،الذي كان لهم الأثر الفاعل في
إنهاضه وإنعاشه وإبرازه إلى الوجود،ولعل ما حضي به أدب
الفقيد من اهتمام خارجي يكون حافزا للعراقيين في
دراسته واستجلاء الجوانب الرائعة من أدب سفير الرواية
العراقية إلى العالم ،الذي أعطى الكثير دون أن يحصل
على ما يجزي أعماله وخدماته في رفع راية العراق،وعسى
أن تقوم الحكومة العراقية بتكريم هذا الإنسان والأديب
و المفكر والمناضل،بإطلاق أسمه على ساحة أو شارع أو
معهد من معاهد العلم،فلرموزنا الحق بأن تأخذ مكانها
اللائق في العراق الجديد.
((المسيرة))
تأليف :كريم أحمد
مطبعة شهاب أربيل2006
قبل البدء باستعراض مسيرة الأستاذ المناضل كريم
أحمد،أود أن أوجه عتابا رقيقا لوزارة التربية
العراقية،التي تعاقدت مع شركات إقليمية،لطبع الكتب
المدرسية لمختلف المراحل الدراسية،وهذه الشركات لا
ترقى بمستوياتها الطباعية إلى مستوى المطابع
العراقية،وما دفعني لهذا الفضول ما طالعت من كتب طبعت
في العراق،لمؤسسات معروفة على مستوى الوطن العربي
،كمؤسسة المدى ودار الرواد،والمطابع البغدادية
والكردستانية ،لم أجد فيها شائبة أو خطأ مطبعي،رغم أن
صفحاتها جاوزت المئات،وأعادت الثقة إلى المطبوع
العراقي،الذي أتوقع له أن يأخذ مكانه اللائق بين
المطبوعات العالمية.
وصاحب المسيرة عرفته منذ أعوام طويلة،مناضلا
باسلا،شهدت له سوح النضال بالمواقف الوطنية
الرائدة،وأعطى لبلده الكثير من جهده وراحته،وذاق مرارة
الأذى والاضطهاد،وكان ضيفا مزمنا لسجون العراق
ومعتقلاته الكثيرة،وله في ربى كردستان الحبيبة،الكثير
من الشواهد والمواقف التي جعلت من عراقيته مثالا
للوطني البعيد عن ضيق الأفق القومي،بفضل الأفكار التي
آمن بها وناضل من أجلها،وأعطى صورة رائعة لما يجب أن
يكون عليه العراقي من تسامح وألفة ومحبة.
ومسيرته حافلة بالكثير من المحطات التي تستحق
الوقوف،ولكن طبيعة العرض تجعلني أركز على جوانب دون
أخرى،بحسب الأهمية التي أراها،رغم أهمية
الجميع،فالمقدمة رغم محدوديتها ،كانت مدخلا لمعرفة
طريقة تناوله للأحداث،بالاستفادة من تجارب الآخرين عند
كتابة مذكراتهم،بتجاوز الهنات التي رآها الكاتب فيما
قدم هؤلاء من صورة مشوهة لبعض الأحداث، مركزين على
أمور داخلية لا يجوز الإشارة إليها،بما تحمل في طياتها
من أمور شخصية كان الأحرى تجاوزها،والابتعاد عن
إيرادها بما تحمل من تشهير وقذف،وقد أعتمد المؤلف على
ذاكرته في سرد الأحداث،واستعان ببعض المصادر لتوثيق
بعض المواقف،وأعتمد الوقائع والأحداث في تدوين
ذكرياته،دون الاعتماد على التسلسل الزمني،وأورد ما
شارك فيه من مواقف في تجاوز للكثير من الأحداث المهمة
التي لم يضطلع بدور فيها.
وكان لانحداره الطبقي،أبلغ الأثر في توجهاته
المستقبلية،ومسارات حياته،فقد نشأ يتيما فتكفلته أسرة
أحسنت نشأته،برعاية وأشراف من جدته،فكان ذلك دافعا
للتفوق في دراسته،فأنتسب لدار المعلمين
الريفية،وللوفاء بمتطلبات الدراسة،كان عليه العمل في
العطلة الصيفية،فتخرج فيها عام 1946 ،وعين معلما حسب
العادة،وفي هذه الدار تعرف على أنماط شتى من
التفكير،كان للفكر الوطني الديمقراطي تأثيره الواضح
،مما جعله يرتبط بعلائق متينة مع الطلبة
الوطنيين،ولحادثة طريفة أثرها في انتماءه
المستقبلي،فقد شارك في مظاهرة تندد بالعدوان على
الاتحاد السوفيتي،وبلا شعور منه هتف بصوت عال(يعيش عمو
ستالين) رغم عدم انتماءه لحزب،مما حدا بمدير الدار
بعد أيام لتفتيش أغراضه بحثا عن منشورات،وعندها عرف أن
هناك حزب شيوعي يوزع المنشورات،فأخذ يبحث عمن يوصله
إلى الحزب،فتعرف على الحزب من خلال أحد أصدقائه
،وانتمى عام 1944،وكانت البداية لمسيرته الطويلة التي
جاوزت ستة عقود.
وكان له في الأتي من السنين أدوار وأدوار،فقد شارك في
الحركة الوطنية،وأسهم في نضالها،فكان على رأس
المظاهرات والإضرابات التي يقودها الحزب،وما أكثرها
تلك الأيام..!وأسهم في جمع التواقيع لأجازة حزب التحرر
الوطني،الواجهة العلنية للحزب الشيوعي المحضور،وشارك
بشكل فاعل في مظاهرة عام1946 التي أستشهد فيها
المناضل(شاؤول طويق) مما أدى إلى إسقاط وزارة أرشد
ألعمري،وعندما عهد لنوري السعيد بتشكيل
الوزارة،قاطعتها الأحزاب الوطنية وسحبت وزراءها،وظلت
المظاهرات تتواصل حتى أسقطت وزارة نوري السعيد.
وقد أنهى دراسته ذلك العام ونسب للعمل في مدرسة
كويسنجق،فأتصل بمسئوله الذي جمعه بالرفيق الخالد
فهد،وكلفه بقيادة التنظيم هناك ،وعندما أعتذر بقلة
خبرته،قال له:سيصهرك العمل،وتتعلم في مدرسة النضال
،وهكذا كان،فقد وصل كويسنجق وحاول إيجار غرفة
لسكنه،فحصل بعد عناء على غرفة تفتقر لوسائل
الراحة،فسكنها وكانت عائلة عثمان مصطفى خوشناو توفر له
الماء،فعرض عليه السيد عثمان السكن في داره،فأفرد له
غرفة وسكن هو وعائلته الغرفة الثانية،وهناك تزوج
شقيقته،وأتخذ من والدة عثمان أما له،فكانت خير عون له
في نضاله عبر عقود من السنين،بعد أن حرم من حنان
الأم،فكانت أما حانية عطوفة لم تتخلى عنه في أحلك
الظروف.
ومارس عمله في كويسنجق،محاولا لم شتات الحركة
الوطنية،حيث سعى للتعاون مع الحزب الديمقراطي
الكردستاني الذي شكل قوة في حركة النضال الكردي،وكان
أحد طلابه السياسي المخضرم والزعيم المعروف مام جلال
طالباني،الذي ظل يحتفظ له بحقوق الأستاذية حتى
اليوم،وله معه مواقف كثيرة تنبي عن عمق الترابط،والروح
المفعمة بالود رغم ما خالطها من أكدار وأوضار،وله عن
مام جلال ذكريات طيبة،فقد قدم له معلم الرياضة في
المدرسة التلميذ النابه ذو الأربعة عشر ربيعا،الذي
يفهم في السياسة،وخاصة المسألة الكردية،وقال له
المعلم،أنني أتعلم منه ولست أنا معلمه،أنه يطالع الكتب
والمجلات والجرائد اليومية،ويتتبع أخبار العالم،وحتى
المقررات ،فأنه يقرأ الدروس مقدما ويستوعبها ويفهمها
بدون معلم،فقد سئل عن موضوع في آخر الكتاب وهم في أيام
الدراسة الأولى،فأجاب عنه بشكل صحيح،لذلك كان ينظر
إليه باحترام أكبر من سنه،وسئل جلال ذات يوم أستاذه
كريم أحمد،هل الكورد أمة أم لا؟فقال له:ولماذا هذا
السوأل المفاجئ،فأجاب لأننا نتناقش مع التحرريين
ويقولون أن الكرد لم يستكملوا شروط الأمة،فقال له:من
الناحية السياسية نحن أمة،فالكردي في العراق وإيران
وسوريا وتركيا يقول أنا كردي،وأمتي الكردية.وأشترك مام
جلال في مؤتمر السباع وعمره 14 سنة،وكان أكثر نشاطا
ونضجا سياسيا ممن هم أكبر منه،والتقى به بعد ثورة
تموز1958 مفاوضا عن البارتي،وله معه لقاآت أخرى في
مختلف المراحل السياسية،كان فيها محاورا مناورا لا
يستقر على حال.
ومن المحطات التي أسهب فيها،إعدام الزعيم الخالد
فهد،فقد عرف صاحب المذكرات مؤسس الحزب والتقى به عندما
نسب للعمل في كويسنجق،وأعطاه الدرس الأول في العمل بين
الجماهير،وكان إعدامه ضربة قاصمة للحركة الوطنية،أدت
إلى تسلق بعض الكوادر غير المؤهلة لقيادة الحزب،فقادته
إلى نكسات وانهيارات عديدة،خرج منها مثقلا
بالجراح،ولكن هذه الشجرة الوارفة التي امتدت جذورها في
أعماق الأرض لا يمكن لها أن تموت،فظهرت قيادات أدت ما
عليها،وسارت بالحزب في دروب متعثرة،إلى أن قيض أن يظهر
قائد،يمتلك رؤية واضحة لينهض بالحزب من جديد،فكان
لسلام عادل الشاب الخجول،شرف قيادة الحزب في أحلك
ظروفه،فتمكن في فترة قياسية من توسيع قاعدته
الجماهيرية،وتكوين علاقات مع القوى الوطنية الأخرى.
وتطرق إلى موقفه من الانشقاقات والتكتلات التي حصلت
في تلك الفترة،وموقفه الرافض لكل ما يشم منه رائحة
الابتعاد عن الخط العام للحزب،والقيادات ذات الأفق
الضيق التي هيمنت بعد إعدام قادته،أمثال حميد
عثمان،وبهاء الدين نوري،ومالك سيف،الذين كانت الفردية
السمة البارزة في قيادتهم،مما أفرز أخطاء كثيرة ما كان
لها أن تكون لو كانت القيادة جماعية،وأورد الكثير من
الحوادث والتصرفات التي تؤيد ما ذهب إليه،منها مواقف
بهاء الدين نوري،الذي حاول فرض أرائه على اللجنة
المركزية بحكم تسلمه زمام المسؤولية،وكانت آراءه تقابل
بالرفض ألا أنه يمررها،أو يتخذها دون علم المكتب
السياسي،أو اللجنة المركزية،ورغم هذه الأخطاء فهو لا
يبخس جهوده في بناء الحزب وإصدار صحافته وزجه في أتون
المظاهرات والإضرابات،التي تعتبر مفخرة من مفاخر الشعب
وقواه الوطنية.
وكان لمشاركة الشهيد سلام عادل في مؤتمر الأحزاب
الشيوعية لدول الكومنولث في نيسان 1954،أثر في دفع
حركة الحزب إلى أمام،فقد تمكن من أبراز القضية
العراقية،ومساندة تلك الأحزاب لها،وكان لكلمته في
المؤتمر وقعها الايجابي،الذي ألهب حماس الحضور،فأعطى
زخما للحزب ،مما مهد له البروز في الساحة الدولية،وشجع
على قيام جبهة الإتحاد الوطني التي مهدت الطريق
للثورة،ففي رسالة من الحزب يوم 12تموز1958،كانت
التعليمات تدعوا إلى التهيوء للحدث،والالتحاق إلى
بغداد عند سماع نبأ الثورة،بعد تهيئة الجهاز الحزبي
للقيام بواجبه في شحذ همم الجماهير لإسناد
الثورة،والدفاع عنها،والابتعاد عن الشعارات المتطرفة
والمبهمة،أو التي تمجد هذا الزعيم أو ذاك من قادة
الحركة.وتحرك صبيحة الثورة إلى بغداد بعد أن كان منفيا
في بدرة،ليساهم إلى جانب الآخرين في دعم الثورة
وإسنادها بتحشيد الجماهير،وتشكيل المقاومة
الشعبية،وتشكيل الاتحادات المهنية،التي سيطرت على
الشارع العراقي آنذاك وقطعت الطريق على القوى القومية
والرجعية المتعاونة مع الاستعمار ودول الجوار
والقيادات الطفيلية التي تضررت من الثورة وفقدت
امتيازاتها في الهيمنة والاستحواذ وتطرق إلى الملابسات
التي أدت إلى نجاح الانقلابيين في8شباط الأسود1963 من
قتل الثورة ،وما رافق ذلك من جرائم يندى لها الجبين.
وبشرح مسهب تناول الحركة الكردية ،وامتدادها ودور
الشيوعيين في بلورة الوعي الكردي باتجاه الثورة
والمطالبة بالحكم الذاتي لكردستان العراق،ولقاءه
بالقيادات الكردية كالزعيم البر زاني،وجلال
طالباني،والخلافات الناشبة بين الحزبيين
الشقيقين،والموقف منهما،ومحاولة تقريب وجهات
النظر،وإطفاء نار الخصومات،بما يخدم الحركة
الكردية،وتطور سياسة الحزب حول المسألة الكردية،وكيف
اتخذت اتجاهات تصاعدية في فهم أوضاعها،وبلورة
توجهاتها،،وما يخدم مسيرتها،من خلال المشاركة
فيها،واتخاذ مواقف ضد السلطة بالوقوف لجانبها،والدفاع
عنها،وكان الشعار المركزي(الديمقراطية للعراق والحكم
الذاتي لكردستان)الذي رفعه الحزب مدار نضال الحركة
الكردية حتى أوائل التسعينيات،بعدها تبنى الحزب
الفيدرالية كحل جذري للقضية الكردية،وحق الشعوب في
تقرير المصير،بما في ذلك بناء دولته المستقلة.
وعقد فصلا خاصا للكفاح المسلح،وتشكيل قوات
الأنصار،ومصاعب تأمين السلاح والدعم،والانتصار الكبير
في معركة (سري حسن بك) مما جعل لقوات الأنصار مكانها
المميز في الحركة الكردية،والعلاقات بين الأحزاب
الكردية والشيوعيين وما حدثت من خلافات وأصطفافات
وتوافقات ومعالجات لما يحدث من خلاف وحله سلميا.ثم
تطرق لانقلاب تموز1968،والاتصالات الجارية لحل المسالة
الكردية التي توجت بالحكم الذاتي1970 ،وسوء نية
الحكومة،وما يحاك خلف الستار،مما أدى إلى فشله والعودة
للقتال،وأشار إلى العلاقات المتميزة بين الحركات
الفلسطينية والحزب،ودور الرفيق فخري كريم،الذي واجه
صعوبات كثيرة في أنجاز المهام الملقاة على
عاتقه،لتوفير السلاح وتدريب المقاتلين،وتأمين
معيشتهم،وتوطيد العلاقات مع المنظمات اللبنانية
والفلسطينية،وإصدار الجريدة ومجلة النهج ،إلى جانب
تأمين المالية التي تصرف في المجالات الأخرى،وإقامة
علاقة مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الذي لم يبخل
بتقديم الدعم للحزب،وكذلك اليمن الديمقراطية،وشرح
بإسهاب الصعوبات التي واجهتهم في نقل الأسلحة والمعدات
الحربية إلى كردستان،والطرق الوعرة التي اضطروا
لسلوكها،وأشار إلى ملابسات الثورة الإيرانية ،ونظرة
الخميني إلى المسالة القومية الكردية باعتبارها
بدعة،وتصفيته للقوى التي شاركت في الثورة،وبناء السلطة
على أسس غير ديمقراطية،وأنحى باللائمة على حزب تودة
الذي أنعزل عن الجماهير الكردية بسبب قيادته القاصرة
عن رؤية الواقع بتجلياته المختلفة.
وعقد فصلا عن العلاقات بين الأحزاب الكردية ودور
السلطة الصدامية في أذكاء نار الفتنة،وممالئة طرف على
حساب الآخر،والمنافسة غير المشروعة بين القوى
المتواجدة على الساحة الكردية،مما مهد مستقبلا لأبادة
الشعب الكردي بالأسلحة الكيماوية وعمليات الأنفال سيئة
الصيت.
وعن الانتفاضة المغدورة1991 أنحى باللائمة على
القيادات العراقية التي لم تستوعب المرحلة،وتتصدى
للمشاركة الفاعلة فيها،ودعمها وإسنادها داخليا
وخارجيا،ومحاولة بعض الأطراف تجييرها لأنفسهم تحت
واجهات طائفية مرفوضة عربيا ودوليا،وتنصل أميركا عن
دعمها بعد ظهور توجهاتها،مما أفسح في المجال للقضاء
عليها وما رافق ذلك من قتل وتشريد،في الوقت الذي
أستطاع الكرد أقناع المجتمع الدولي لإقامة نظام لا
يخضع للحكومة الصدامية،مما مهد لقيام إقليم كردستان.
وقد أدت التطورات في الساحة العراقية إلى ضرورة تشكيل
حزب شيوعي كردستاني،الذي مر بمراحل متعددة،فقد شكلت في
البداية (منظمة إقليم كردستان للحزب الشيوعي
العراقي)وعقدت مؤتمرها الأول عام1969،وبعد تطور
الأوضاع في كردستان،وما أستجد من أقرار الحزب
للفيدرالية،تقرر أن يكون الحزب الشيوعي
الكردستاني/العراق،ويرتبط بعلاقات تنظيمية متوازنة مع
الحزب الأم،وأنتخب الرفيق كريم أحمد لقيادته.
وفي الخاتمة آن له أن يضع عصا الترحال بعد نضال جاوز
الستة عقود،وبلوغه السن التي لا يستطيع معها العمل
بذات الهمة والطاقة الجسدية،لإنجاز واجباته
الحزبية،فطلب التنحي عن قيادة الحزب في المؤتمر
الثالث،وإفساح المجال للطاقات الشابة لأخذ دورها في
قيادة الحزب،على أن يكون جنديا أمينا لمباديء
الحزب،وكامل استعداده للقيام بما يكلف به من
مهام،وبذلك قدم هذا المناضل صورة رائعة لما يجب أن
يكون عليه الناشطين السياسيين في نكران ألذات وتهيئة
الأجواء المناسبة لتولي القيادات الشابة قيادة
الأحزاب،بدلا من أن تضمر وتموت كما هو عليه حال
الطارئين على العمل السياسي،الذين توارثوا القيادة رغم
عدم وجود المؤهلات التي تمكنهم من قيادة الجماهير.
((انطباعات وملاحظات عن مذكرات
ألطريحي))
لكل إنسان هواياته،ورغباته،وميوله
واتجاهاته،والعراقيون من الشعوب التي عرفت بحب
المطالعة ،ولعلي من المحسوبين عليهم بما توفر لي منذ
نشأتي بوجود أخ يكبرني كان من المولعين بالقراءة حد
الإدمان، ووجدت في داري الرفوف العامرة بالكتب على
اختلافها في الشعر والأدب والقصص والروايات والتاريخ
والبلاء الأسود السياسة، لذلك ما أن قرأت الحرف حتى
ارتميت في أحضان الكتب ناهلا منها الضار والمفيد، وكان
محور رغباتي الأدب والشعر وقراءة السير والمذكرات
لذلك تحتوي مكتبتي حاليا على أكثر من ثلاثمائة عنوان
تتناول سير ومذكرات الساسة والقادة والمفكرين، أعيد
قراءة بعضها تزجية للوقت وطلبا لفائدة . وعندما أعلنت
مؤسسة المدى الثقافية عن إقامة معرضها على قاعة الحزب
الشيوعي العراقي في الأندلس، وبتخفيض مغر، سارعت
لزيارة المعرض ،وقطعت مئات الكيلومترات ،رغم صعوبة
الوضع الأمني آملا ان أشتري بعضا منها ،ولكن اصطدمت
بالأسعار الباهظة التي لا تتلاءم ودخول طبقتي ،فعدت
بخفي حنين، واشتريت منها ما يتلاءم وحاجتي
وإمكانياتي، ورجعت بذكرياتي إلى الوراء ،يوم كانت دار
الحرية للطباعة والنشر تقيم معارض الكتب بتخفيضات
عالية ،وأسعار زهيدة كنت وقتها اشتري مئات الكتب دون
ان تؤثر على ميزانيتي المرهونة براتبي المحدود ،ومن
الكتب التي ابتعتها (مذكرات محمد حسين ألطريحي ) الذي
ليس مجهولا عندي، فهو شخصية وطنية معروفة ، قدم
لبلاده الكثير وشارك في النضال الوطني عقود من السنين
،واختار المعسكر التقدمي في علاقاته، وله دور في تأسيس
جماعة الأهالي في العراق إلي جانب الأفاضل عبد القادر
البستاني وعبد الفتاح إبراهيم وحسين جميل وغيرهم من
أقطاب الحركة الوطنية الديمقراطية ،وظل إلى أخريات
أيامه مؤمنا بالشعب وقواه الوطنية ،ومن دعاة التحرر،
وأفذاذ الوطنين المشاركين في ثورة مايس 1941 بما يحمله
من فكر تقدمي أضفى على الثورة جوانب مضيئة، وكان من
كتاب الأهالي المرموقين ويكتب مقالاته بأسماء مستعارة
لعدم جواز مشاركة الموظفين في الأمور العامة
،والسياسية على وجه الخصوص .
وقد حقق المذكرات وعلق عليها الأستاذ
الدكتور محمد حسين الزبيدي الذي عرفته مربيا فاضلا
وكاتبا حصيفا فيما قدم من بحوث ودراسات ،وبعد قراءتي
للكتاب ،كانت لي بعض الانطباعات والملاحظات ،وهي لا
تقلل من قيمة الكتاب العلمية ألا أنها تصلح ما فيه من
هنات بسيطة لا يخلو منها مطبوع ومما هو جدير بالإشارة
قلة الأخطاء المطبعية في الكتاب وهو دليل على عناية
الناشر بتصحيحه وهذا من النادر القليل في
المطبوع العراقي الحافل بالكثير من الأخطاء وفيما يلي
بعض الانطباعات العامة على الكتاب :
1-لوحظ خلو الكتاب من الفهارس التفصيلية التي تعين
القارئ على معرفة محتويات الكتاب ،وتساعد الدارس في
الحصول على ما يريد بسهولة ،وهي من متممات التأليف
،حتى انه خلا من فهرس موضوعان الكتاب ،الذي هو بديهية
لا يمكن تجاوزها .
2-خلو الكتاب من العناوين الفرعية بحيث بدت الكثير من
المواضيع متصلة أو كانت الفواصل غير موضحة بعنوان مثال
ذلك ما ورد في ص40 و من ذكرياتي أيضا : و كان الأولى
ان يكون العنوان (حصار ضاحية الكوفة ) أو (تدمير
الباخرة فاير فلاي)
3-ان السياقات المتبعة في الهوامش كتابتها في أسفل
الصفحة أو نهاية الفصل ,ألا ان الدكتور الفاضل أرجاها
إلى نهاية الكتاب مما جعل الاستفادة منها متعذرة لان
على القاري ترك الموضوع و الرجوع إلى نهاية الكتاب
لمعرفة ما يراد في الهامش مما يؤدي إلى الانقطاع في
متابعة الموضوع و تشتيت فكر القارئ .
4- تعذر علينا الفصل بين عمل الدكتور الزبيدي و عمل
كاتب المذكرات فهل هي بأسلوب الدكتور ام كان جهده
منصبا على إخراجها و التعليق عليها ام تدخل في كتابتها
فلا يوجد فاصل يشير إلى عمله فيها و قد وردت إشارات
لتدخل ابنة المؤلف
( سهى ) في الهامش و لا يوجد ما يشير إلى ما عمله
الدكتور الفاضل حتى انه لم
يجشم نفسه عناء كتابة تقديم للكتاب
و كنت أتوقع الكثير من التعليقات لاستأذنا الفاضل لما
اعرفه عنه من تضلع في التاريخ الحديث و ما رفد به
المكتبة العربية من كتب أضاءت الكثير من الجوانب
المهمة في تاريخ العراق المعاصر .
وهناك ملاحظات وهنات بسيطة ظهرت في ثنايا الكتاب
،أشير إلى البعض منها،وقد تجاوزت بعض الأخطاء المطبعية
البسيطة التي لا تخفى على القاري اللبيب:
1)في المقدمة ص7 جاءت هذه الجملة زائدة لا مكان لها في
السياق،وقد أقحمت، ألا إذا كانت موصولة بجملة أخرى،لم
ترد في المقدمة(ويبقى الدكتور الزبيدي من أقرب
الأصدقاء)
2)ص10 وردت أبيات محيي الدين أبن عربي:
كنت قبل اليوم أنكر صاحبــــــي
إذا لم يكن دينه إلى ديني
داني
والصحيح: لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
إذا لم يكن ديني إلى
دينه داني
3)جاء في ص13 أن الأسرة نزلت النجف في القرن السادس
الهجري،وبعد سطور قالت(وأول من نزل النجف من أجدادي
على عهد الدولة المزيدية،التي قامت في القرن الرابع
الهجري في ضواحي الحلة،الشيخ داود ألأسدي)ونلاحظ أن
الفرق بين التاريخين قرنين من الزمان.
4)جاء في ص16 يقول محمد،(ولدت في 12 تموز1908 في العهد
العثماني في مدينة النجف الأشر ف،في محلة البراق
،محلة الطريحيين،ودفن فيها،وعند جامع الشيخ فخر
الدين...)القول لمحمد كما يدل في البداية،ولكن دفن
فيها،من هو الذي دفن؟إذا كان محمد يجب أن يكون القول
بين قوسين،لأن قائله غير صاحب المذكرات،وإذا كان غيره
،يجب الإشارة إليه،ثم ما معنى(وعند جامع الشيخ)هذا
التشويش أدى إلى ضياع المقصود في هذه الفقرة.
5)ص19 جاء فيها(يتدرب فيها الدراويش،وينتشرون في أنحاء
إيران،ينشرون التشيع)ولأصوب أن يقال(لنشر التشيع)بدلا
من ينشرون،لأن تعاقب المتشابهات يضعف تركيب الجملة.
6)ص20 جاء فيها(أسس الصفو يون الزور خانه....وأستخدم
الصفو يون هذه الطريقة للأعداد الجسماني،أما الطريقة
الثانية فكانت للأعداد النفسي) ولم يذكر لنا ماهي
الطريقة الثانية، المكرسة للأعداد النفسي،مما يشير إلى
وجود نقص في الموضوع.
7)ص21 يقول(وقد أفاد هذا السور أهل النجف،عندما قامت
ثورة نجم البقال في آذار1918 عندما حاصرت...)وأرى وجوب
حذف(عندما) الثانية والقول(وحاصرت) لأنها زائدة.
8)ص26 وردت زيارة( المحبة) وصوابها(المحيا) أو 15
شعبان.
9)ص29 ورد عنوان(نص البرقية مصورة بتوقيعات رؤساء
القبائل والأعيان)ولكن هذه الصورة نشرت في مؤخرة
الكتاب ص369 وكان الواجب الإشارة إلى ذلك.
10)ص46 جاء فيها(واستأجرت غرفة في خان البحراني لبيع
التتن وكانت تقع هذه الغرفة في الطابق الثاني)وكان على
الدكتور الفاضل تصحيح ذلك وتكون(في خان البحراني الخاص
لخزن التبغ وكانت تقع في الطابق الثاني) بحذف (هذه
الغرفة) لأنها زائدة لا يستدعيها السياق،وتبديل التتن
بالتبغ لأن الأولى عامية ،أو وضعها بين قوسين.
11)ص54 البعثة العسكرية إلى إنكلترا:كانت البداية
مشوشة،لا توحي بما يريد الكاتب،وأعتقد أن ذلك حدث
أثناء الطبع،بسقوط جزء منها ،وقد يكون(أرسل طلاب
المدرسة...)
12)ً87 يقول(وسافرت بعدها إلى بغداد،وعندما دخلت
بلغراد،وجدت أنها صغيرة تشبه الحلة)والصحيح بلغراد لا
بغداد،وهو خطأ مطبعي بلا شك.
13)ص110 جاء فيها)وقد
القي القبض عليه وأمام التهديد والأغراء بتعينه مفوضا
للشرطة أن يتعاون معهم)والصواب(قرر التعاون معهم) وفي
ذات الصفحة(وكل الذي طلبوه منه أن يأتي لهم بمقال أو
منشور يرسله للطبع ويستنسخوه ثم يأخذه إلى الطباخ
ليكون مستمسكا خطيا لدى الشرطة عند المحاكمة،وهذا ما
قام به حيث ظهر تعاونه في القاعدة وصورة منه في
الشرطة)والصواب (حيث ظهر المقال المستنسخ لدى
الشرطة،في جريدة القاعدة،مما أكد التهمة)
14)وفي ص111 جاء فيها(وأبعد إلى إيران لأنه من أصل
قفقاسيا الإيرانية) والصواب(من قفقاسيا الإيرانية)
أو(من أصل قفقاسي) أو(من أهل قفقاسيا الإيرانية).
15)ص120 جاء فيها(فقد قاطع الحزب الوطني ونشر بيانا في
جريدة الثبات أعلن منه رأيه من ضرورة المقاطعة،وأوضح
أن رأيه بأنه لا يختلف في رأي الجمهور)ولأصوب(ونشر
بيانا في جريدة الثبات أعلن فيه رأيه بضرورة
المقاطعة،وأنه لا يخالف رأي الجمهور).
16)ص132 وقد ورد بيت الشعر الذي قاله المرحوم الشيخ
محمد علي اليعقوبي بهذه الصورة:
أمسى بكانون في الشام اصطيافكما
والناس في تموز أو آب
تصطاف
والصواب: والناس في آب أو تموز تصطاف
17)ص137 جاء فيها(وهذه عادة الأوساط المحافظة في
بريطانيا والأرستقراطية) والأصح(وهذه عادة الأوساط
المحافظة والأرستقراطية في بريطانيا).
18)ص255 جاء بيت الشاعر أحمد الصافي ألنجفي بهذه
ألصوره:
صادرات بلدتي العمائم
وواردات بلدتي الجنائز
والصحيح: وصادرات بلدتي عمائم وواردات بلدتي
جنائــــز
19)ص290 ورد(وهي مياه غير معقمه،وغير مصفاة،مما يجعلها
أن تكون ملوثة وتنتشر الأمراض المعدية)وفي هذا المقطع
الكثير من الأرتباكات التي على المحقق الفاضل إصلاحها.
20) ص292 تكرر خبر سفره بالقطار من البصرة إلى
بغداد،وأعيد نفس الخبر في ص303 وكان الأولى حذف
أحداهما.
21)ص295 جاء فيها(وكان صاحبنا يقدم التعازي لمأتم
الحسين) والصواب يقيم التعازي لمأتم الحسين.
22)ص297 جاء فيها(وأعدم مع وزراءه الأحد عشر وزيرا)
وكلمة وزير زائدة ،إذ سبق التعريف بصفة المعدومين
بأنهم من الوزراء.
23)وفي ذات الصفحة:(ولما قضى على مها باد)والصحيح على
جمهورية مها باد.
24)وفي نفس الصفحة(بأجراء انتخابية نيابية)
والصواب(انتخابات نيابية)
25)ص300 جاء فيها(لم تهظمه الحكومات الشرقية بعدلا
كالحكومات الغربية)وأعتقد أنها (بعدل)أو بعدالة).
26)ص311 جاء فيها(وذات مرة كدت دخلت أحد مخافر الشرطة)
وصوابها(كدت أدخل)أو(كنت دخلت).
27)نفس الصفحة:جاء البيت التالي:
وكان لي متسع واسع
في الأرض ذات الطول والعرض
وصوابه: لكان لي منطلق واسع
28)ص313 جاء فيها)ثم
قلت أيضا له) ولم يتضح من هو المخاطب،وإنما هي أبيات
كان يرددها مع نفسه ،وقد ورد البيت بهذه الصورة:
والسجن ما لم تخشه لجريمة شنعاء
نعم
المنزل المتسور
والصواب: والسجن ما لم تخشه لجريمة
شنعاء نعم المنزل
المستورد
29)ووردت أبيات الشاعر المرحوم الزهاوي،وفيها الكثير
من الأخطاء وصوابها:
أمطري لؤلؤا سماء سرنديب
وفيضي آبار تكر ور
تبرا
أنا أن مت لست أعدم قوتا
وإذا عشت لست أعدم
قبرا
همتي همة الرجال تـــــــــــــ
رى العيش في المذلة
كفرا
هذه بعض الهنات والملاحظات التي ظهرت بعد القراءة، وهي
لا تغض من قيمة الكتاب،وطبيعة عرضه وإخراجه،وإنما هي
أكمال للكمال،ولابد لي في النهاية ،من الإشارة إلى أن
هذه السيرة المبتسرة،للأستاذ ألطريحي ،تميزت بالصدق
والموضوعية ،وابتعدت عن الكثير من الجوانب السلبية
التي علقت في الكثير من مذكرات الساسة،الذين حاولوا
نسبة الأعمال العظيمة لأنفسهم،وإلصاق التهم
بالآخرين،والتنصل عن الأخطاء التي ارتكبت في فترة
ما،ولو توسع المرحوم ألطريحي في عرض أحداث تلك الفترة
بروحيته هذه لكان في السيرة الكثير من النفع للباحثين،
ورغم ذلك فأنها برأيي ،نموذج للسيرة الصالحة التي يجب
أن يقتدي بها الآخرين ،فقد أظهرت الكثير من الأمور ا
لخافية ،عن نشاطات الأهالي وكتاب جريدتها،وأضاءت
الكثير من الجوانب المعتمة في نشاطات بعض الجمعيات
والنوادي ،التي شكلت في تلك الفترة،وقد ترفع صاحب
المذكرات عن ذم المعارضين،أو الإقذاع في الرد على
المناوئين،والإشارة إلى الفضائح،وما أكثرها في تلك
الحقبة،وهو يظهر بلا شك حقيقته السامية في الابتعاد
عما يسيء للآخرين،ونسيان الإساءة،والترفع عن الضغائن
والأحقاد،وهو أمر جميل في من يكتب مذكرات، وخصوصا في
فترة عاصفة من تاريخ العراق السياسي،كانت تحمل في
طياتها الكثير الكثير ،وهذا ما أعطى للمذكرات قيمتها
العلمية والتاريخية،وإمكانية الاستفادة منها في كتابة
التاريخ،ولعل أبدع ما في الكتاب نشره أسرارا عن تشكيل
بعض الأحزاب و الجمعيات ،لم تكن معروفة للكثيرين،ولعل
أغرب ما فيها قيام الحزب الشيوعي بطبع جريدته القاعدة
في المنزل الملكي،،بواسطة طباخ الملك الذي أنتظم في
صفوف الحزب، وهو مكان بعيد عن الشبهات ، ولعل الأغرب
اعتقاد الطباخ الملكي بإمكانية كسب الوصي عبد الإله
إلى الحزب الشيوعي.
ختاما لابد من الإشادة بالدور الرائد الذي قامت به
مؤسسة المدى الثقافية في طبع الكثير من الآثار الخالدة
لكبار القادة والمفكرين،وإسهامها في نشر الفكر العلمي
التقدمي،ولولاها لما رأى الكثير من المؤلفات المهمة
النور،وأملي بأن تعيد النظر بأسعارها ،حتى تكون كتبها
بمتناول الفقراء أمثالي.
ودعواتي بالتوفيق والنجاح للقوامين عليها،فهي القشة
التي يتمسك بها الغريق في هذا البحر المتلاطم من الفكر
ألظلامي والضبابي،الذي سمم العقول والأفكار وأعادنا
عشرات السنين إلى الوراء.
تأملات في قصائد ذياب آل غلام
صدر إلى الأسواق ديوان جديد للشاعر العراقي المغترب
ذياب مهدي غلام،حمل عنوان(حياة الأيام) ضم بين دفتيه
قصائد رائعة حملت في طياتها النجوى والحب والحنين
والعشق الأزلي لتراب عراقي بلله ندى السماوات ففاحت
روائحه،لتبث الدفء والحنين،ويضمخ رياها كل
المسامات،لينغرس عميقا ويمدها بنسغ الحياة،وتتهادى
نسمات الحب بين كلمات القصائد ومقاطعها بنشيج صامت
وآهات،لمرابع ما كان لها أن تغادر ذاكرته المثقلة
بالكثير من العوالم،فكان "عنبر الشامية" يمر عبر لهاث
الكلمات،ليعطي صورة رائعة لحنين المغترب إلى سماءه
الأولى التي ما عاد يلاءم ذائقته إلا ظلالها الهادئة
التي طرزت كل شيء.
أنه ديوان حب،حب زاوج بين المرأة والوطن،والمرأة
لديه ليست امرأة عمر أبن أبي ربيعة،أو نزار
قباني،بعشقهما الذي ينظر إلى جسد المرأة دون أن يلج
إلى عوالمها،ولا عشق العذريين الذي يتسامى عن النظرة
غير البريئة،أنه ينظرها كإنسانة لها وجودها وكيانها
كشريك فاعل في المجتمع،تساهم فيما يساهم الرجال،وتعمل
إلى جانب الآخرين على قدم المساواة ،أنها الأخت والأم
والرفيقة،والزوجة ،والحبيبة،وليست من نساء شعراء
الغزل الذين يطوفون عوالم جسدها بحثا عن لذة جامحة،أو
نظرة تبطن في داخلها ما يتطلبه النساء من الرجال،لذلك
ترى صوره وأن بدت في ظاهرها موحية بما يعتمل في نفوس
العشاق،إلا أنها تعبر عن عشق آخر،فالمرأة لديه رمز
للنماء والحياة والوطن والحضن الدافئ الذي يمتلك أكسير
الحياة.
وفي طيات الديوان ترى آثار الماضي بما تحمل في داخلها
من أساطير تتزاحم لتأخذ حجمها في ذاكرته،فيكون لأشور
حضورها،ولنفر شموخها،ولسومر القها،ولنخيل البصرة ظلاله
الحانية التي احتوته بأفيائها،وشبعاد بعزها
وشموخها،وعروس الفرات تتهادى ناهدة عن صدرها،فكان
يستوحي منها التراث العبق بشذى التاريخ،ولا ينسى جذوره
ومرابع صباه،فالشامية ذات التاريخ الآسر،والنضال
المجيد لعقود من السنين،تتمثل في ذاكرته بأجوائها
المعطرة بروائح العنبر الذي أخذ أسمها فأصبح علامة
دالة عليها،ولا ينسى معشوقته النجف التي عاش فيها
سنوات فتوته،وأيام نشأته الأولى،وعرف فيها شاعرا فنانا
له وجود ملحوظ بين مثقفيها:
عيوننا تطوف إليك.. تختصر المسافات
رافعة أياديها بالدعاء
ترتل في شبكات الانترنيت
تبحث عن الذات السليبة
ضاع الوشم من صدغ الجبين
وسيماء الوجه
تلاشى أثر السجود
وكفت عن البوح مناقير القطا
ورغم بعده عنها،وتغربه عن أجوائها،إلا انه لا زال
يناجي آثارها،ويتابع أخبارها ،ويتلمس ما يجعله يعيش في
أجوائها،فهو يختصر المسافات في طوافه الروحي ليكون في
صميمها،يتنسم عبيرها عبر الشبكة العنكبوتية التي تدني
البعيد:
ستعود السنونوات
تقيم زقورتها
من طين دجلة
وعلى زخارف القباب
تغفو...
ويحلم بالعودة إليها كما تعود(الطيور الطايرة الديرة
هلي)لذلك ترى عشقه الأبدي يطوف في ثنايا قصائده،ويلوح
بكبرياء وشموخ آثار حب جارف،ما كان له أن يكون لولا
بصمات تركت آثارها في ذاكرته،ليس للأيام أزالتها مهما
طال الزمن وبعدت المسافات:
تتفتح أزاهير الذكرى
حين يكون المنفى شحيحا
هل أكون سوى
حرف ضاع بين طلاسم شفتيك
ويأسوا في (خمره الأخضر) على الضياع الذي لف غموض
عراقه الحبيب،فيستنطق التاريخ ليصف الهجمة الشرسة
بكلاب الحوأب في تضمين للمأثور العربي،بقيام كلاب
الحوأب بالنباح على الخارجين عن الإجماع الوطني،في
تمييز واضح لهم،بأنهم يمثلون الجانب السيئ في العراق
الجديد،وإشارة واضحة إلى الأعمال المشينة التي يمارسها
نفر ضال في سرقة الوطن والمواطن:
نسغ هو القلب
تلعقه كلاب الحوأب
مسكين قمري الأخضر
يسرقه الغجر
قلائد يصلب
لطرق أبواب الصدر
تتيه في أزقة بغداد
ويستخلص من الموروث الشعبي صور معبرة عن واقع مر يمثله
التشظي،وضياع المقاييس،ليستعير من عالم ألف ليلة وليلة
عوالم السحر،صور يضفيها على الواقع لتبدوا أكثر إيحاء
من الكلام بما تحمل في داخلها من تجسيد حي:
خرز تناثرنا
عرافة رمت تميمتها والحصاة
مسالك للتائهين..الصابرين..المنفيين..
الخونة..البغاة..التفات.......مسالك للضمائر
ويرى العراق في كل شيء،في صحوه ومنامه،في ليله
ونهاره،لم تصبيه متاهات الحضارة الغربية بصخبها
وضجيجها،فما زال كالراهب المتبتل يغني سماوات العشق
الأبدي،يراها ماثلة في عيون الحبيبة وهمساتها،بين
جنبيها حيث يترامى القلب في الجانب الأيسر من جسدها
الذي ينظره الآخرون بعيون تلتهم الظاهر منه،فيما يرى
كيف يتربع الوطن داخله، بين شغافه،وفي سويدائه:
تحت نهدك الأيسر
لا شيء يرف سوى عراق
ويرى أسراب النساء يتلمسن طريقهن نحو شواطئ
الدفء،ليوقدن (شموع الخضر) نذورا لعودة الغائب،ليمخر
قلبه في العباب الزاخر ،يرسوا في عينيها اللتين يمثلان
شواطئ الأمان في سفره المضني في هذه الحياة:
حينها ستعود الأمهات
لعتبات الشواطئ
فيوقدن للخضر..شموعه المرتقبة
حينها سيغدو قلبي زورقا
وعيناك شاطئين
أما (نرجسية أرض السواد) فهي استذكار لأيام سلفت،كان
فيها في صلب الأحداث،عندما كان يرسم بريشته الغد
الزاهر،لتعلوا الرايات،وتتقدم المواكب،ويرى الحلاج
مصلوبا في مدن البؤس،فيما يغفوا الذين لا يشعرون بحجم
المعانات:
يا جذوة العناق في الضفاف
يا حسرة لمسيرة الرايات
تصلب بينهم الطغاة
كم حلاج في الصدر
سمروه بالخواتم.... والنرجسية تغفوا
ويرى في أسراب الأمهات المتوجهات إلى حيث الملاذ
الروحي،الذي يجدن فيه الخلاص،متوسلات بعودة العابرين
إلى الشاطئ الآخر،يرفعن أكفهن بالدعاء تحت(ميزاب
الذهب) صارخات من قلوب ثاكلة(وينك يداحي الباب)وأستطاع
هنا توظيف الحس الشعبي بتقديمه صورة تحمل في طياتها
الكثير من الأيحاآت لما مر به العراق من سنين عجاف،كان
اليتم والثكل والحزن والأسى يخيم بظلاله السوداء على
كل شيء،فلا يجد الإنسان مندوحة من التعلق بأوهن
الأسباب،ليجد الراحة النفسية،والخلاص من واقعه
المأساوي:
حزانى... يتوافدن مبرقعات بثياب الحداد
شهقات الثكالى..تحت (ميزاب الذهب)
تعرج الأفئدة كبراق التوسلات
(وينك يداحي الباب)
وفي حمأت هذا الطوفان الروحي في عالم السحر والذكريات
وطيوف الأحبة وأسراب الثاكلات،وشواطئ الدفء والحنين
التي أضطر لفراقها،ومن بين أنقاض التداعي تبرز الذكرى
الحبيبة رافعة رأسها،لتبث في داخله الأمل والذكرى
والمستقبل،ليغني بعنفوان المناضلين،ذلك الألق الزاهي
في سماوات العشق،والمارد الذي خرج من بين الأنقاض
ليعلن البداية الجديدة،ويسجل تاريخا وضاء،معمد بدماء
الشهداء،وأنات المعذبين،ويرسم صورة زاهية(لحلمه) فتكون
الذكرى نافذة للحلم بمستقبل جميل وضاء:
حين حلق النرجس... من سماوات العيون
هرب البحر من زرقته...لفضاء الحب..للوسن المجنون
هناك انتشرت فراشات ..الضوء وغرد الحسون
حين يستيقظ وطني من قمعه
يغطي(من السما) والحلوى
ختى يعم وطني حلم الطفولة
حين يكون الناس في طواف أرضهم
وطني حر للجميع..وشعبي يغني
هناك تعزف الشفاه..للكون...(هلهولة)
وفي (كلمات على رصيف الغربة)نتيه في متاهات
الغربة،ففي أويقات الغروب يستذكر النائي وطنه،الذي
أبتعد عنه،ليطوف نع الطيور المهاجرة التي تتخذ من
الغسق الساجي دليلا في سفرها إلى عوالم الأحبة،فيما
يبحر هو نحو وطنه ليرى المعادلة العجيبة،والحيرة
الكبرى،في من يركب من،هل يركب السلطان حمارا،أم حمارا
يمتطي الآخرين:
يأتي الغروب
تنأى الطيور بعيدا
غسق كخد الغجرية
يلطخ بالاحمرار
ركب السلطان الحمار
أم ركبنا الحمار
ولنتركه في حيرته بين الحمير ،فسواء أركبنا الحمار أم
ركب علينا الحمير،فالحمار أثمن رأسمال في الجبل،ولعله
أجدى لصاحبه من حمير ناءت بأثقالها ولكنها تبحث عن عصا
الجلاد.
رباعيات الخيام
عمر الخيام من أشهر شعراء الفرس على الإطلاق،وقد نال
هذا الصيت العظيم بفضل ما كان له من علم وأدب
وحكمة،ولقب في حياته بألقاب فخمة،فكان يسمى"حجة الخلق"
والإمام والفيلسوف والحكيم،ولقبه غياث الدين وكنيته
أبو الفتح،وكلمة الخيام تدل أنها لقب له أو
لعائلته،ويقال أن والده كان يصنع الخيام أو
يبيعها،والمشهور أنه ولد بنيسابور من بلاد فارس،وهي
مدينة عظيمة آهلة برجال العلم والأدب،وفيها الكثير من
أئمة العلم والفلاسفة والأطباء،والفقهاء.ونشأ في عصر
الدولة السلجوقية الكبرى أواسط القرن الخامس
الهجري،وعاصر السلطان ألب أرسلان،والسلطان ملك
شاه،وعهد إليه أمور (الرصد) ومات في سلطنة سنجر
سنة526هج.
وقد صرحت التراجم التي دونها المؤرخون،بأن الخيام
كان متمتعا بشهرة واسعة في عصره،وقد نال هذا الصيت
العظيم بفضل ما كان له من علم وأدب وحكمة،وعرف أنه حاد
الطبع،عصبي المزاج،وأن رباعياته المشحونة بشكوكه
وأوهامه وآلامه وتخيلاته وصيحاته واشتغاله في حل
المشكلات الفلسفية والعلمية،تدلنا على أنه لم يكن
متمتعا بمزاج معتدل،وإنما تغلب عليه الغلظة وحدة
الطبع.
وكان متعدد المواهب،فهو فطنا ذكي الفوآد،سريع
الحافظة،قوي الذاكرة،وقد دلت رباعياته
ومؤلفاته،وإطلاعه الواسع في مختلف العلوم والفنون،على
عقل راجح،وقريحة نادرة،وعبقرية فذة،وكان متظلعا
بالفلسفة والطب وسائر العلوم الشائعة،وفاق لداته،وبز
أقرانه وأترابه من معاصريه،ولما شاعت أرائه
الفلسفية،وذاعت نظرياته في الحكمة، صدم الناس بهذه
الحقائق الناصعة،فوصموه بالزندقة ،وطعنوا في
عقيدته،وظنوا فيه الظنون.
نظم الخيام الشعر بالعربية والفارسية،ومن شعره العربي:
سبقت العالمين إلى المعالي بصائب فكرة وعلو همه
فلاح بحكمتي نور الهدى في ليال للضلالة مدلهمة
يريد الجاحدون ليطفئوها ويأبى الله ألا أن
يتمـــــه
وأشتهر برباعياته التي نظمها على وزن الدوبيت،فهي
مضان فلسفته،ومستودع آراءه،وقد فتنت الألباب فجعلته في
مصاف كبار الشعراء،وأشهرهم على الإطلاق،وقد نظمها في
أزمنة وأمكنة مختلفة،وكانت نفسه تتمثل في كل رباعية
تمثلا خاصا،فيقول في كل حادثة كلمة ،ولذلك تجد كل
رباعية مستقلة بذاتها،لا علاقة لها بما قبلها أو
بعدها،وقد ترى تناقظا ظاهرا بين رباعيتين،فتارة تراه
مؤمنا مطمئنا،ومرة تجده مرتابا مضطربا،وهو أشبه بأبي
العلاء المعري في لزومياته،وهذا يدل على كونه شاعرا
حقيقيا تختلج في قلبه أفكار شتى.
والذين نظموا الرباعيات في إيران كثيرون،ولكن الخيام
بزهم،وتكاد تكون المصدر الوحيد لفلسفته،والمعبر عن
شعوره،وتتضمن كل ما خالجه من شكوك ووساوس ونزعات
وهواجس،فعبرت عن آراءه في الجبر والاختيار،والبعث
والتناسخ،والدنيا والروح،وهناك شبه كبير بين فلسفته
وفلسفة المعري،وكثير من التلاقي في أفكارهما،ويمكن
للدارس المقارنة بينهما،وتلمس أوجه الشبه ،يقول
المعري:
هفت النصارى والحنيفة ما اهتدت
ويهود حارت والمجوس مضلله
اثنان أهل الأرض ذو عقل بـــــــلا
دين وأخر ديّن لا عقــل لـــــــه
وقوله:
ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة
وحق لسكان البسيطة أن يبكوا
تحطمنا الأيام حتى كأننـــــــــــا
زجاج ولكن لا يعاد له سبـــك
وقوله:
أهوى الحياة وحسبي من معايبها
أني أعيش بتمويه وتدليس
أكتم حديثك لا يشعر به أحد
من رهط جبريل أو من رهط إبليس
وقد ترجمت رباعيات الخيام إلى معظم لغات
العالم،كالفرنسية والنمساوية و الإنكليزية و الروسية
والإيطالية ،أما ترجماتها العربية،فأول من ترجمها نظما
الشاعر وديع البستاني،وأعقبه الشعراء، محمد السباعي،و
محمد الهاشمي،و أحمد الصافي ألنجفي،و جميل صدقي
الزهاوي،وأحمد رامي،وأحمد زكي أبو شادي،وغيرهم، وقد
أجمع مؤرخي الأدب وكبار الشعراء والأدباء على أن أصح
الترجمات على الإطلاق،هي ترجمة السيد أحمد الصافي
ألنجفي،الذي أرانا المعجز في ترجمته الجميلة
الرائعة،ولو طلب إلى الخيام أن ينقل رباعياته إلى
العربية،لما أستطاع أن يعربها كما عربها المرحوم
ألنجفي،ولولا قرابة قوية بينهما في التفكير
والصفات،لما اٍستطاع الصافي أن يترجم الخيام،فالصافي
خيام العرب،ومن يطالع شعر الصافي يجد روحه أكثر شبها
بروح الخيام،والنصوص الواردة ،مختارات من ترجمة الخيام
التي نشرت باللغتين العربية والفارسية،ففي الحساب
والعقاب له أراء تبدوا خارجة عن المألوف الشائع إلا
أنها في حقيقتها صيحة لها ما يبررها في حقيقة
الأشياء،وتثير تساؤلا مشروعا في معرض التساؤل
والتشكيك:
ألهي قل لي من خلا من خطيئة
وكيف ترى عاش البريء من الذنب
إذا كنت تجزي الذنب مني بمثله
فما الفرق ما بيني وبينك يا ربـــــي
وفي الخمر طرح صور موحية،ربما كان لشاربي الخمر ولعهم
فيها وترديدهم لها،وقد أثارت الكثير من الشكوك في
مسيرة الشاعر،الذي عرف بالنسك والزهد والالتزام
بالفروض الواجبة،يحاول البعض تبريرها بما للمتصوفة
والزهاد،من جنوح لذكر الخمر في أشعارهم،باعتبارها
الخمر الإلهي الذي وعد به الإنسان،وقد أورد الكثير من
الصور الموحية التي ندر مثيلها فيما قيل في الخمر
لغيره من الشعراء:
أن تواعدتم رفاقـــــــي لأنس وسعدتم بالغــــــادة
الحسناء
وأدار الساقي كؤوس ألحميا فاذكروني في شربها بالدعاء
****
أن تلاقيتم أخلاي يومــــــــــــــا فأطيلوا
ذكراي عند اللقـــاء
وإذا ما أتي لدى الشرب دوري فأريقوا كأسي على
الغبراء
****
يا باقيا رهن الرياء ورائجـــــــا لقصير عيشك
فــــي عناء متعب
أتقول أين الروح من بعد الردى هات المدام وأين
ما شئت أذهب
نفسي تميل إلى ألحميا دائمــــا والسمع يهوى
معزفا وربابا
ان يصنعوا كــوزا ثراي فليتهم ان يملؤه مدى
الزمان شرابا
ويبرر عشقه الطاغي لربات الجمال،وتناول الخمرة،بأن
أبواب التوبة تستوعب من يخطي،ولكن سواء قبلت توبته أو
لم تقبل،فهو سائرا في الطريق الذي أختاره رغم علمه بما
يترتب عليه من حساب:
لا عشت إلا بالغواني مغرما وعلى يدي تبر
المدام الدائب
قالوا سيقبل منك ربك توبــة لا ألله
يقبلها ولا أنـــــا تائب
****
كم للذي بسط الثرى وبنى السما مــــــن لوعة
بقلوبنا وعذاب
كم من شفاه كالعقيق وطــــــــرة كالمسك
أودعها حقاق تراب
****
ولعل ولعه العجيب بالخمر يدفعنا للتساؤل عن ماهية هذا
العشق،هل هو نابع عن تجارب حسية،أم خيال شاعر
مرهف،مازج بين الخيال والحقيقة،فأستوحى هذه الصور
الرائعة:
أجعلوا قوتي الطــــــلا وأحيلوا كهرباء
الخــــــدود للياقوت
وإذا مت فاجعلوا الراح غسلي ومن الكرم فاصنعوا
تابوتي
والطمع الذي جبل عليه الإنسان جعل الشاعر يتساءل عن
جدواه،إذا كانت نهايته الموت،ولماذا هذا التكالب
والاستغلال للآخرين،إذا كانت المنافع قاصرة على حياة
لابد أن تنتهي إلى زوال :
هب الدنيا بما تهواه كانت وكنت قرأت أسفار
الحيــــاة
وهبك بلغتها مئتين حولا فماذا بعد ذاك سوى
الممات
ويناقش بأسلوب جدلي رائع،المدعين الذين ينعون على
الناس تصرفاتهم،ويعيبون أعمالهم ،وهم في الحقيقة أسوء
ممن ينعون عليهم،فشارب الخمر لا يقارن بالسفاح الذي
يفتي بقتل الناس:
نحن يا مفتي الورى منك أدرى لم تزل عقلنا مدى
السكر راح
أنت تحسوا دم الأنام ونحـــسوا دم كـــرم
فأيــــنا السفــــــاح
وفلسفته في الحياة والموت،حافلة بالتشاؤم،وتشوبها
مرارة الإحساس بالعدمية،وعبثية رحلة الإنسان في
الحياة:
لا يورث الدهر إلا الهم والكمــــدا واليوم أن
يعط شيئا يستلبه غدا
من لم يجيئوا لهذا الدهر لو علموا ماذا نكابد
منه ما أتوا أبــــــدا
ويدعوا إلى التمتع بأطايب الحياة،فما تخبئه الأيام،فيه
الكثير مما يجعلك تفكر في أيامك دون الخشية مما
سيكون:
لا تخش حادثة الزمان فأنهــــــــــا ليست
بدائمة علينا سرمـــــدا
وأغنم قصير العمر في طرب ولا تحزن على أمس ولا
تغشى غدا
ولا ييأس مما يضمره الله لعباده من العفو،فالجود أن
يعطى من يستحق العطاء،وهو المخطيء الذي سيحظى من
الكريم الرحيم ما يجنبه العذاب:
يا رب أنك ذو لطف وذو كرم ففيم لا يدخلن المذنب
الخلدا
ما الجود أعطاء دار الخلد متقيا أن العطاء لأصحاب
الذنوب ندا
ويأسى لحال الإنسان المتكبر،فهو لا يعلم أن مصيره
سيكون ذات المصير لمن هو دونه منزلة في المجتمع،وعندما
يضمحل جسمه ويغدو ترابا،سيكون حاله حال الآخرين،جرة من
الجرار التي لا يستطيع أحد تمييز مصدرها،هل هي لهولا
كو،أو لحمال فقير:
مررت بمعمل الخزاف يوما وكان يجد بالعمل الخطير
ويصنع للجرار عرى ثراها يد الشحاذ أو كف الأمير
وربما يتجاوز الحدود في تساؤله عن كنه العدالة،عندما
يقوم من أبدع في عمل فني رائع،بتحطيمه،وإحالته إلى
هباء:
هل ألجام مهما تم صنعا ودقة يرى كسره من كان
منتشيا سكرا
ففيم يرى الخلاق ساقا لطيفة ورأسا وكفــــا
ثم يكسرها كسرا
وينعى على بعض العلماء انصرافهم لأعمال لا تخدم
الإنسان في حياته،ويبتعدون عن الأعمال العظيمة التي
يتطلبها الواقع،ويحتاجها الإنسان،وقد وجدت فكرته صداها
في أراء الكثير من العلماء الذين خاضوا الأمور
العامة،وسعوا لإسعاد الآخرين:
أن كنت تفقه يا هذا الفقيه فلــــم؟ تلحوا
فلاسفة دانــــــوا بأفكار
هم يبحثون عن الباري وصنعته وأنت تبحث عن حيض
وأقذار
والدهر الخؤون ،والأقدار القاسية،هي التي جعلت
الأغبياء والسذج واللئماء ينعمون بالعيش الرغيد،في
الوقت الذي يلاقي الكرماء وأصحاب العلوم والمثقفين
العنت والقهروالأضطهاد:
يا دهر هل بالذي تأتيه تعترف ألم تزل بزوايا
الظلــــم تعتكف
تعطي اللئيم نعيما والكريم عنا لا شك أما حمار
أنت أو خزف
وهناك الكثير من الصور الرائعة التي لم نتناولها في
هذه العجالة،عسى أن تكون موضوعا قادما نتناول فيه
جانبا آخر من فلسفة الخيام
.
سعود الناصري وداعا
لا أدري لماذا يندفع إلى مخيلتي هذا البيت الرائع
لشاعر العربي قديم كلما رحل أحد مبدعينا :
لأن أموت فبعد الموت تندبني وفي حياتي ما زودتني
زادي
ولو
سئل النقاد العرب الأقدمون عن أصدق بيت قالته العرب
لما تجاوزوا هذا البيت بقليل أو كثير،فهو ينطبق على
الواقع العراقي منذ بدء التاريخ،فالأديب والشاعر
والفنان أو العالم الكبير يعيش مهملا في زوايا النسيان
والحرمان،لا يذكره الا المقربون منه أو المعجبين
به،ويتناساه الآخرين،وهذا هو حال كل مبدعينا منذ فجر
التاريخ،فقد عاشوا حياة أقل ما يقال أنها موحشة
مملة،فإذا رحلوا أنتبه الناس لهم،فيكيلون لهم الحمد
والتبجيل،ويرفعون لهم أعلام المجد،وتتصدر أسمائهم
وسائل الأعلام وتذاع أخبارهم وتدرس أثارهم وبعد أيام
يلفهم النسيان ويذهبون كأمس دابر لا يذكره ذاكر،ولا
أدري أين كانوا عنهم عندما كانوا أحياء يعيشون في عوز
وحرمان وتعاسة،ولو أردنا الاستشهاد بالأمثلة لكلت
الأصابع عن الكتابة،وأخيرا وليس آخرا طفا على سطح
الأحداث المبدع سعود الناصري،فما أن غيبه الثرى في 25
حزيران الجاري،حتى ازدحمت الصحف والفضائيات والمواقع
الإلكترونية بالكتابة عنه،وعن أعماله ونضاله وإبداعه
في المجالات الفنية والأدبية،ولو سألنا الآلاف من
شبابنا الجديد عن سعود الناصري،لما وجدنا من يعرفه الا
القليل،وهذا من النوادر في عالمنا الغريب،أن يعيش
الإنسان منسيا فأن مات أو قتل،تذكر النقاد انه كان
وكان:
وأجمل من هذا ومن ذاك قولنا إذا ما ذكرناه لقد
كان أنسانا
ولكن من هو سعود الناصري،وما تأثيره على الواقع
العراقي،وأنا أقول نعم،سعود الناصري عاش غريبا في
وطنه،ورحل بعيدا عن وطنه،فاحتضنته مقبرة الغرباء في
دمشق،التي أدعوا لتغيير أسمها الى مقبرة الشهداء،فقد
احتضنت هذه البقعة الطاهرة العشرات من أشد المناضلين
صلابة في مقارعة الدكتاتوريات الغاشمة التي تعاقبت على
حكم العراق،وكبار المفكرين والأدباء العراقيين،فقد
طووا ثراها شاعر العرب الأكبر ألجواهري،وشاعر الحب
والجمال والوطنية الدكتور مصطفى جمال الدين،وأديب
الفلاسفة وفيلسوف الأدباء المفكر الكبير هادي العلوي
وغيرهم ممن غابت عني أسمائهم من ألإنجاب الذين قدموا
لوطنهم وشعبهم الكثير،وأضاعهم العراق بسبب السياسات
الرعناء للنظام السابق.
لقد عشق الناصري الفن وهام به منذ نعومة
أظفاره،فأنتسب لمعهد الفنون الجميلة في
الخمسينيات،ومارس العمل الصحفي وهو فتى غض ونشر
كتاباته في صحيفة الرأي العام التي أصدرها ألجواهري
الكبير،وصحيفة البلاد التي أصدرها فقيد الصحافة
العراقية وشيخها الأستاذ المرحوم روفائيل بطي،وهاتين
الصحيفتين تخرج من مدرستهما كبار الصحفيين،والمجيدين
منهم،وعمل في إذاعة بغداد،وأنتقل الى موسكو أوائل
الستينيات ليحصل على الدبلوم في العلوم الفلسفية من
معهد موسكو للعلوم الاجتماعية سنة 1965،ثم حصل على
ماجستير الصحافة من جامعة موسكو،ليعود الى العراق عام
1968 ويعمل في صحيفة الجمهورية،فيرفعه جده واجتهاده
للأشراف على الصفحة الأخيرة فيها،حتى عام النكسة 1978
عندما ضويق الأحرار والوطنيين الشرفاء،وحوربوا في
أرزاقهم، فأستشهد من أستشهد ،وأسقط سياسيا من
أسقط،وهرب الآلاف من الجحيم ألصدامي،فأضطر للهجرة خارج
العراق بعد أن فاضل بين الموت والسقوط والهجرة،فكانت
موسكو محط رحاله،وهي التي احتضنت الى جانب الدول
الاشتراكية الأخرى آلاف المناضلين الشرفاء،من القوى
الوطنية المختلفة،شيوعيين ويساريين،ممن اضطروا للهجرة
ومواصلة النضال لإسقاط الدكتاتورية،وبعد الطوفان
الكبير وانهيار المنظومة الاشتراكية،كان عليه أن
يهاجر مرة أخرى،فكانت عاصمة الضباب لندن مستقره
الأخير،فأنتقل إليها عام1992 لاجئا سياسيا ليمارس دوره
الوطني بكل فاعلية في صفوف المعارضة العراقية،ويحارب
من موقعه الجديد بسلاحه المخيف الذي يرعب الطغاة
والمستبدين،فكان قلمه السلاح الذي دق مسامير الانهيار
في نعش الحكم الجائر،ولكن :
وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع
فقد شاء القدر أن تتردى حالته الصحية بسبب الكلية
اللعينة، ويضطر لأجراء عملية جراحية في سوريا،ويلفظ
أنفاسه الأخيرة بين مباضع الجراحين،ليقول كلماته
الأخيرة وهو ينازع سكرات الموت،مودعا من أحب :بعين
الله يا عراق،لابد للصبح أن ينبلج ويعود لك ألقك
وصفائك وأيامك الجميلة التي غيبها الإرهاب.
لقد كان الناصري مناضلا صلبا شهدت له سوح النضال،فقد
خاض غمار العمل السياسي في سن مبكرة،فانتمى الى الحزب
الشيوعي العراقي،وكان ذروة نشاطه في اتحاد الطلبة
العام،وأصبح عضو سكرتارية الاتحاد،ومسئول لجنة الأعلام
والنشر،ثم أشرف على إصدار صوت الطلبة الناطقة باسم
الاتحاد عام 960،وأنتخب رئيسا لرابطة الطلبة العراقيين
في موسكو،ورئيس اتحاد منظمات طلبة البلدان العربية في
الاتحاد السوفيتي،وكان من الهيئة المؤسسة لرابطة
الكتاب والصحفيين والفنانين الديمقراطيين،وشارك في
مؤتمرها التأسيسي عام1980،وأصدر صحيفة (الأبيض)
الالكترونية.
هذا بعض مما كانه سعود الناصري،واليوم بعد أن حزم
حقائبه وسافر السفر الأخير،تنداح أمام ناظري صور
وذكريات عن الكثير من الأحبة الذين طواهم
الردى،وغادروا هذا العالم،بعد أن كانت تحدوهم الأماني
لرؤية عراق رافل بالمحبة والأمن،خاليا من التعسف
والتسلط،والإقصاء والتهميش وإلغاء الآخر،فإلى كل من
عاشوا عذابات العراق،وأيامه حلوها ومرها ،وناضلوا من
أجل إسعاد شعبه وتحرره،ها هو العراق يشق طريقه بين
الأشواك والعوسج ،ليصنع غده الزاهر،بسواعد أبنائه
الوطنيين الشرفاء،بعيدا عن المسميات الوافدة من وراء
الحدود،وعهدا أنكم ستبقون في ذاكرة الأجيال،وفاء لما
قدمتم في نضالكم العنيد من أجل بناء وطن حر وشعب
سعيد،فلا زالت راياتكم العتيدة ترفرف في سماء
العراق،وستبقى شامخة تناطح عاتيات الرياح.
سياحة عدنان الظاهر في عالم المتنبي
هناك من يسوح في البلدان كاشفا غرائبها، مشيرا
لعجائبها،ذاكرا طبائع أهلها وأساليب حياتهم،مشيرا إلى
تضاريسها وتاريخها ومشاهداته فيها،وقد أتحفنا أستاذي
الكريم الدكتور عدنان الظاهر بسياحته الرائعة في عالم
المتنبي الرحب،كالغطاس الماهر،يجمع من لؤلؤه ومحاره
فيرينا المعجب من أثاره،ونوادر أسماره وأخباره،وليس
ذلك بغريب على أستاذ العربية الذي سرقه الاختصاص،ومربي
الأجيال الذي تخرج الآلاف ممن أصبحوا شيئا في عالم
الفكر والأدب،فالكثير من الطلبة العراقيين ،عرفوا في
أستاذهم النباهة،وحسن الخطاب،وجميل التعبير،والثمرات
الأدبية التي تغني ذائقتهم،لذلك ليس صعبا عليه أن يلج
عالم المتنبي،ويغوص في بحاره التي بعدت شواطئها على
غير الماهرين،فجاءت أرائه في محلها من عالم
الحداثة،فليست دراسته من النوع الكلاسيكي الممل،ولا من
الجديد المخل،ولكنها شذرات فكرية أثمرت هذه
الثمار،وعنايته بالمتنبي،وصحبته له تختلف عن صحبة
الآخرين،فالمتنبي على ما يبدوا أسلم قياده لأستاذي
الجليل،وأخذ يحاوره ويناوره ويحادثه ويزوره،فأخرج لنا
هذه الروائع،التي ترى فيها سياحته مع المتنبي في عالم
الخيال،والاستنتاج والدراسة،وطريقته في البحث،هي من
متممات هذا العصر،لبعدها عن الطرائق الكلاسيكية في
الدراسات الأدبية،فقد أحيى المتنبي في هذا القرن وطاف
معه العالم الحديث، من خلال استقرائه لأشعاره وتأريخه
المليء بما يثير الكثير من الاستنتاجات والظنون،وبحثه
في نسب المتنبي من المواضيع المهمة التي تحتاج إلى
الكثير من الدرس والتحليل والاستقراء،فقد تضاربت
الأنباء في نسبه، فمن نسبه إلى(كندة) الحارة
الكوفية،ومن ينسبه جعفيا،وآخر علويا،رغم أن الأخ
المرحوم عبد الغني الملاح أصدر كتابه "المتنبي يسترد
أباه" ذهب فيه مذاهب شتى،وبين بما توافر له من أدلة
استقرائية- استنتاجيه –تاريخيه،أنه أبن للمهدي
المنتظر،للأسف الشديد فقدت نسختي من الكتاب ولم يتسنى
لي العثور عليه هذه الأيام،فأن فيه من الاستنتاجات ما
يرقى إلى مستوى الحقائق في أثبات هذا النسب،أستخلصه من
شعره وسيرته وأخباره الواردة في كتب التاريخ
والأدب،فيما ذهب الدكتور "طه حسين" إلى أكثر من ذلك
عندما ذكر أن المتنبي مولود غير شرعي لأحد
العلويين،وأن مولده شاذ،وقد أدرك المتنبي هذا
الشذوذ،وتأثر به في سيرته،وهذا الرأي على غرابته،وعدم
صموده أمام النقاش،يظهر مدى الاختلاف في هذا النسب
الشائك،وفي شعر المتنبي الكثير مما يوحي برفعة
نسبه،وأنه في القمة من الأنساب العربية:
لا بقومي شرفت بل شرفوا بي وبنفسي فخرت لا بجدودي
وبهم فخر كل من نطق الضـاد وعوذ الجاني وغوث الطريد
ولا يستطيع أحد مهما علت منزلته أن يضع أسرته وقبيلته
فوق النسب العلوي،لما تعارف عليه الناس من قول للرسول
الكريم بأفضلية قومه على جميع الجنس البشري،لأنهم
خلقوا من طينة غير طينة البشر،وهذا البيت صريح الإشارة
إلى علو نسبه الذي يربو على نسب الناطقين بالضاد،وليس
لغير العلويين من يقول غير هذا القول،وقوله في رثاء
جدته:
وأني لمن قوم كأن نفوسهم بها أنف أن تسكن اللحم
ولعظما
وفي محضر من سيف الدولة الأمير الذي يرى في نفسه فوق
ما في نفوس الآخرين،وله من الاعتداد ما يجعله في القمة
بين الزعماء،لا يتورع المتنبي عن الفخر في مجلسه،وكأن
ما له من الدالة الكبيرة ما يجعله فوق أعظم الملوك:
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا بأنني خير من تسعى به قدم
ولعل القارئ يلمس العنفوان الطاغي في قوله "خير من
تسعى به قدم"فهذا لا يقوله إلا مدع،أو يجد في محتده ما
يجعله فوق الجميع،ولعل في قوله،سيعلم الجميع،أخبار لما
يحدث في المستقبل عندما يشهر أمره ويعلم الجميع منزلته
السامية ونسبه الرفيع.
وقوله منذرا متوعدا في غده الأتي - الذي لا ندري ما
هو- ولم يستثني فيه أحدا،دليل على سمو هذا النسب،وحقه
المضاع الذي لا يستطيع أحد الرد عندما يطالب به:
سيصحب النصل مني مثل مضربه وينجلي خبري عن صمة
الصمم
فما هو هذا الخبر الذي سينجلي عن متنبي آخر له حق لا
يرد الا بشفار السيوف:
لقد تصبرت حتى لات مصطبر فالآن أقحم حتــــــــــى
لات مقتحـــم
لأتركن وجوه الخيل ساهمة والحرب أقوم من ساق
علــــى قـــدم
أيملك الملك والأسياف ضامئة والطير جائعة لحم
علــــــــى وضـــم
من لو رآني ماء مات من ظمأ ولو عرضت له في النوم لم
ينـــــــــم
ميعاد كل رقيق الشفرتين غدا ومن عصى من ملوك العرب
والعجم
فأن أجابوا فما قصدي بما لهم وأن تولوا فما أرضى
لهــــــــــا بهم
فهل يطلب الشاعر من الملوك عطاء بالتهديد والوعيد،أن
لم يكن له مطلب سام تقصر دونه الأعمار،أستلبه منه من
تربع على العرش.
واتهامه بالنبوة من المفارقات العجيبة التي تنبئ أنه
دعا لأمر عظيم،له تأثيره على المتسلطين تلك
الأيام،ولأجل إسقاطه جماهيريا أتهم بهذا
الاتهام،والتكفير من الأسلحة المستعملة في كل زمان
ومكان،وهي طريقة العاجز عن المواجهة بإطلاق التهم
جزافا،فليس من المعقول أن يدعي المتنبي النبوة،وهو على
أتم المعرفة بأن الرسول الكريم سد الأبواب لمدعي
النبوة بأن لا نبي بعدي،ولكن يبدوا أنه صرح بما في
نفسه من هاجس النسب،فبادره الآخرين باتهامه في صميم
عقيدته،وإلا فأن قوله الذي يؤولون فيه ادعاءه النبوة
لا يحمل في طياته هذا المعنى:
أنا في أمة تداركها الله غريب كصالح في ثمود
ولعل من دلائل نسبه العالي الذي لا يستطيع إشهاره أو
البوح به،لما في ذلك من هدم لثوابت عليها بعض أصحاب
الفرق الدينية،وتكذيب لمسلماتها الثابتة التي لا يجوز
التفريط بها أو أظهار ما يخالفها:
أذاقني زمني بلوى شرقت بهــــا لو ذاقها لبكى ما
عاش وأنتحبا
وأن عمرت جعلت الحرب والدة والسمهري أخــا
والمشرفي أبا
فهو يعد لحرب طويلة الأمد للحصول على ما أستلب من
حقه،الذي لا يستطيع الجهر به،لعدم وجود الأدلة التي
تثبته،ووجود الأعداء المحيطين به،الذين يحصون عليه
أنفاسه وحركاته وسكناته،ويتربصون بآل بيته
الدوائر،ويجد نفسه أسمى وأجل من الآخرين،بما توفر له
من هذا النسب الباذخ،والمقام الرفيع:
ودهر ناسه ناس صغار وأن كانت لهم جثث ضخام
وما أنا منهم بالعيش فيهم ولكن معدن الذهب الرغام
وفي رثاء جدته ما ينبئ عن سر خفي في نفسه،فقوله:
بكيت عليها خيفة في حياتها وذاق كلانا ثكل صاحبه
قدما
لماذا يبكي عليها خيفة،وما سبب أن يبكي الإنسان على
من يحب خوفا من أمر ما؟وما هو ذلك الأمر الذي يجعله
يخشى على جدته من القتل،فليس من عادات العرب قتل
المرأة لطلب الثار،أو عداء لحفيد،ولكنها تحتجن سرا
يخشى الآخرين أذاعته، ونسبا تحاول إخفاءه والتستر
عليه،لما في إظهاره من خطر يؤثر بلا ريب على جهة لا
تريد أظهار ذلك النسب،لأسباب يمكن الحوم حولها،إذا
ذهبنا أكثر في تسبب الأسباب،وإفساح المجال للخيال
بالذهاب بعيدا،فوراء هذا النسب شخص عظيم في إظهاره ما
يوجب الخشية من حساب عسير،وفي شرح الأستاذ محمود محمد
شاكر لبيتي المتنبي في رثاء جدته:
طلبت لهـــا حظا ففاتت وفاتني وقد رضيت بي لو
رضيت بها قسما
فأصبحت أستسقي الغمام لقبرها وقد كنت أستسقي الوغى
والقنا الصما
يقول"أكانت العجوز( رضي الله عنها) قد رغبت إلي أن
أكتم أمر نسبتي العلوية إلى أن يشاء الله،ولكن خالفتها
وأثرت فراقها لعلي أصيب بعيدا عن الكوفة ما لم أدرك
بها،فخرجت أطلب لها حظا أي فضلا وخيرا في رد شرف
انتمائنا إلى العلويين،ولكن شاء ربك أن تفوتني بها
الأحداث فتموت" وأتساءل لماذا قال الكاتب رضي الله
عنها،وهو دعاء خاص بذوي العلم أو النسب الديني الأمامي
المشهور،أما قوله:
هبيني أخذت الثار فيك من العدا فكيف بأخذ الثار فيك
من الحمى
أذن كان للعجوز أعداء يحاولون الفتك بها،أو أعداء
حاربوها ،وهو قادر على مهاجمتهم لو كان موتها نتيجة
كرههم،ولكن كيف له بأخذ الثار من الحمى،التي ليست شيئا
ماثلا يمكن مطالبته بثأر،ويدفعنا ذلك إلى الاسترسال
بالتساؤلات،كيف يكون لعجوز طاعن بالسن أعداء يحاولون
إيذائها،ولماذا أصبحت عدوا لهم،إن لم تكن تخفي سرا
دقيقا يخافون إفشائه،وقوله:
ولو لم تكوني بنت أشرف والد لكان أباك الضخم كونك
لي أما
فما هو هذا النسب الأثيل الذي تفتخر بانتماء حفيدها له
فيزيدها فخرا أن لم يكن نسب علوي،يستمد وجوده من
الرسول الكريم،ويكرر وجود الأعداء الذين يحاولون النيل
منها، وعجزهم عن ذلك جعلهم يفرحون أو يشمتون لموتها:
لئن لذ يوم الشامتين بموتها لقد ولدت مني لأنفكم
رغما
وهؤلاء قد ساءهم ولادته كما يشير البيت الأخير،فقد ولد
رغما عنهم،فمن هؤلاء الشامتين،ولماذا أرغموا
بولادته،أن لم يكن لها سر عجيب قد يقلب الكثير من
الموازين والمتواضعات التي عليها بعض المعتقدات
الدينية التي تسالم عليها الجميع.
وهو لا يفصح عن طلبه في ترجله الطويل،حيث يجمع
المؤرخون على أنه كان طالبا لولاية أو أمرة تأسيا
بصنوة أبو تمام الذي منح ولاية الموصل،ويعزون لها
خيبته في الحياة،ولكن ما يطلبه على ما يبدوا أسمى من
الولاية،وأكثر من ولاية البريد،أنه يطلب ما هو أجل
وأسمى من هذه الصغائر:
يقولون لي ما أنت في كل بلدة وما تبتغي؟ما أبتغي
جل أن يسمى
كأن بنيهم عالمون بأنـــــــني جلوب اليهم
مـــــــن معاداته يتما
ولكن من هؤلاء الذين يجلب إليهم اليتم والثكل،هل هم
بقالو الكوفة،أم سقاءي دمشق،أو مكارية مصر،أنهم بلا شك
أكبر من أن يكونوا بهذه المستويات فهو يبتغي أسمى
الأشياء،وأسماها هي الخلافة أو أمرة المؤمنين،التي أذا
طالب بها ستسيل دماء كثيرة،وسيكون مصير أبناء الزعماء
اليتم ،فالحرب التي عزم عليها لن تؤتي ثمارها إلا
بإبادة الرأس والذنب.
وفي زوايا التاريخ الكثير من الإشارات على وجود ولد
للأمام المهدي،يرى البعض في المتنبي هذا
الوليد،ويستدلون على ذلك،بأمارات تاريخية واضحة،فقد
اختير نقيب الطالبيين سنة 354هج ،وهي السنة التي قال
فيها المتنبي،وكان الطالبيين يركنون في أمورهم إلى
وكلاء الأمام الأربعة،وبعد وفاة آخرهم سنة329 هج،لم
يختاروا نقيبا،والسر الذي أحاط بمقتله لم يدرس بعناية
من قبل الدارسين،والرواية المتهافتة لاغتياله من فاتك
لا تصمد أمام الواقع ،وإشارة صنوه ألجواهري لا تخلو من
ومضة مشككة بذلك عندما قال:"يد لفاتك الف خلفها رفعت".
وعسى أن يكون لأستاذي الكريم لقاء مع المتنبي ليفصح
لنا عن حقيقة نسبه،فالمتنبي كما ألمحت قد أتخذ له
صديقا أمينا بعد أن عز الصديق،وتمنياتي له بالموفقية
والعمر المديد ليقدم لنا الجديد في عالمنا الجديد.
(من أدب المراسلات)
للشعراء الشعبيين في الحلة الفيحاء ،تاريخ عريق
حافل بالكثير من الآثار الخالد،وعلاقات وطيدة مع شعراء
المدن الأخرى،لا سيما مدينة النجف الأشرف ،حاضرة
العالم الإسلامي،ومدينة العلم التي تبوأت مكانها
السامي في عالم الزعامات الروحية.
والحلة الفيحاء ليست غريبة عن العلوم الدينية،فقد
كانت مركز الدراسات الإسلامية والحوزات العلمية لقرون
عديدة،وكانت قبلة العالم الإسلامي،تخرج في معاهدها
الدينية جهابذة العلماء، وفطاحل الشعراء،وأكابر
الأدباء والمنشئين في فنون البلاغة المختلفة،وأصبحت
مدينة العلم الأولى في العراق بلا منازع،وحفلت بكبريات
الأسر العلمية والأدبية والدينية،لا تزال أثارهم حية
في معاهد العلم وحلقات الدرس،ولا زالت مؤلفات علماؤها
الأعلام الأساس في الدراسات الفقهية والأدبية،وحفلت
كتب التاريخ والسير بأسماء الألأف من مشاهيرها
وأعلامها،والإشارة إليها بوصفها حاضرة العلم والثقافة
والأدب لقرون،
وما يعنينا الإشارة إليه هنا،ما دار من رسائل
ومراسلات بين العلامة الشيخ عبد الحسين محيي الدين
ألنجفي وعلم من أعلام الشعر الشعبي في الحلة
الفيحاء،الملا حسين الحلي،الذي كان من الشعراء
المجيدين،له الكثير من الشعر العامي المتسم بجزالة
اللفظ،،وطرافة المعنى،ودقة التصوير،وأحكام النسج،وكان
ممن يستعين بهم الشيخ وادي الشفلح المتوفى
سنة1268هج،في إدارة أملاكه وتعهد شؤونه،وهو كاتبه
الأثير،والشاعر المنافح عن قبيلته زبيد العربية
القحطانية،التي حكمت المنطقة في القرن التسع عشر
وامتدت أمارتها من صحراء النعمانية حتى السماوة.
والشيخ عبد الحسين المتوفى سنة 1271هج،كما وردت
ترجمته في شعراء النجف للخاقاني وشعراء ألحله وماضي
النجف وحاضرها وأعيان الشيعة،وغيرها من المراجع،فهو من
أشهر شعراء العراق في القرن الثالث عشر الهجري،كان
سريع البديهية،مليح النادرة،رقيق الأسلوب ،ذا ديباجة
مشرقة،له مساجلات ومطارحات مع أغلب شعراء عصره،وله
مراسلات ومعارضات مع صديقه الشاعر الكبير عبد الباقي
ألعمري،أتسمت بالأصالة والإبداع.
نظم الشيخ عبد الحسين إضافة للشعر القريض،الموال
والركباني والأبوذية والميمر وغير ذلك من فنون الشعر
الشعبي،وأجاد في الكثير من قصائده ومقطوعاته الموجودة
لدينا،عاصر الزعيمين الكبيرين وادي الشفلح أمير
زبيد،وذرب آل مغامس آل شلال المتوفى سنة1267هج زعيم
خزاعة،وكان الزعيمين متضادين إذا صحب أحدهما سخط عليه
الآخر،وذات يوم نشبت الحرب بين ذرب ووادي فأرسل الشيخ
عبد الحسين هذا البيت إلى ذرب وعشيرته مع أحد
أتباعه،وعندما وصل ذلك الرجل إلى مضيف الشيخ ذرب –وكان
الخزاعل مجتمعون- نزع كوفيته وعقاله ورماهما على الأرض
وأنشد:
يشرهين النواهي دوم وأعرض
(أوضح)
عليكم طال شره العتب وأعرض
(توسع)
يا ليث بصدركم طال وأعرض
(أعترض)
يروح الثأر وين أهل الحمية
فلما سمع الخزاعل هذا البيت ثار ثائر هم ،فاعتلوا
سروج خيولهم وأنقظوا على عساكر الشيخ وادي وانتصروا
عليها انتصارا عظيما،فلما علم وادي بالأمر سخط على
الشاعر ،وأهدر دمه،وأرسل من يغتاله في النجف،فضاقت
الدنيا في عينيه،وتوجه ذات يوم متخفيا ودخل على
(واد)وأنشد قصيدته التي يقول فيها:
سد الفرات بعزمـــــة الأسكندر واد يمد
نداه فيض الأبــــحر
قل بأس واد لا تقل كسرى ولا سابور يفتح في
مدائن قيصر
فلما وصل إلى قوله:
نفس الزمان به فلمــــــا جئته قصد الوفادة
قلت يا نفس أبشري
عرفه الشيخ وادي فقام إليه وعانقه،ثم عاتبه على مدح
عدوه،وأمر له بالكثير من المواد والنقود،فقال له الشيخ
عبد الحسين:(يا محفوظ خلي لها ملح)يريد أن العطاء
تجاوز حده،فقال: أعطوه طنا من الملح.
وكان الملا حسين كاتب الشيخ وادي غائبا، فلما علم
بالأمر أرسل الى الشيخ عبد الحسين هذه الأبيات من
الميمر يستطلعه الأمر:
يا شبل محيي الدين بــحر علومه
العلم
معرفت وادي وياي شنهي علومه أخباره
بالظفر ناشر دوم دهره علومـــه
راياته
عف ونجيب وبالعلــــــــه يتبختر
***
وادي المكارم دوم بحر الجوده
الجود،الكرم
والمار يمه لــــــزم يملي
جوده قربة الماء
عزنا يبن بحر العلــم
بوجوده تواجده
ودوم اليصحبه بالمعالي يفخـــر
فأجابه الشيخ عبد الحسين:
أحنه البدور البالسمــــــــه
هلينه سطعنا
وأحنه السحاب عله الخلق هلينه
نزول المطر
وأحنه الذي لضيوفنه
هلينـــــــــه الترحيب
والغير من شاف الضيوف تكدر
***
وأحنه الذي رب العرش ما منه
الأمان
والبطل منكم بالبخت مو
منـه ليس منا
أن كان فاسقكــــــم شتم
مؤمنه المؤمن
من قبل أبو سفيان سبه الحيدر
***
يمناك تيار البحر يا وادي
يا متعب أجياد الزمل يا وادي
ندمان كلمن خاصمك يا وادي
تاج الرياسه بس عليك مگـدر
وكتب الملا حسين الى الشيخ عبد الحسين ذات يوم:
يا من قريت العلوم الغامضه وابحثت
فتشت
بدروسها وبقدح فكرك عليها بحثت
البحث
يلي خلف عن سلف للغانمات اورثت
الأرث
واللي عن الغالطه بعلم الفصاحه
يهب ينهض
ودلال صفو المحبه لكل راجي
يهب يعطي
اخشى من أقدح زنادي لو شراره
يهب يلتهب من أرض بابل وانته بالنجف
ورثت تحترق
فأجابه الشيخ عبد الحسين قائلا
يحسين ياما بنيت عله المجــره دار
داره
وعليك يا ما برج أم المعالـــــي دار
التف
دايم وجودك يمن شاد المجد ليه دار
بيت
أريد طالــــــع سعودك بالكوكب نار
أضاء
وأعرف زنادك يملا حسين مابيه نار
النار
ولاى خاف منه يورث لو تشبله
نار حريق وبحر الموده جرف مايه عليكم
دار أنصب
***
يحسين يلي قطـــع ويــاي تبيينه
بيانه
وياما وياما نخلط العنب
عالتينه التين
من جور الايام دون الربع شتينه
تخلفنا
وأحنه الذي نمتطي يوم الوغه الصفنه
الخيل
والناس تفخر لون وگــفت عله صفنه
بجانبنا
وياما بلبس الهدوم الغاليه
صفنـــــه الصيف
واليوم بأسمال لبس الصيف شتينه
الشتاء
***
وكتب الشيخ عبد الحسين الى الملا حسين هذا الموال:
يحسين سوگ الأدب هلي كسد باره
غير رائج
وأدعيت مفلس ولا آجـــد فرد بـاره
عمله عثمانيه
أعـــــــــوذ بالله من دهري وتدباره
تدبيره ما شفت سوگ الأدب رايج
بحفله ومجد يجد بالسير
ألا ل(وادي) العــــلا والمرجله
والمجد الرفعة
بالله خلي يحاچي البيگ وادي
المجــد المجد
وأحكي ب(شير جمال)أشلون تدباره
حل المشكلة
وشير جمال هذا كان له دين على الشيخ عبد الحسين ،فلما
قرء الملا حسين قول الشاعر ضحك فسأله الشيخ وادي عن
سبب ضحكه فقرأ له البيت،فسأله ومن هو(شير
جمال)هذا،فقال له الشيخ حسين أتسأل عن شير جمال النجف
أم شير جمال الحله،فقال (واد) أهو واحد أم أثنان،فقال
له الملا:أما شير جمال النجف فله على الشيخ عبد الحسين
ألف (قران)وأما شير جمال ألحله فله علي
خمسمائة(قران)فضحك الشيخ وادي وأمر للشيخ بألفي قران
وللملا بألف قران فقال الملا حسين:
روحي بمدحي لوادي أنتشق مجـده
نسيم نجد
ودوم الملا تهتدي بساطع سنه مجده
المجد
(وادي)البيت المروه والكرم نجـــده
نلقاه
سور العراق الذي مرصود أبد
بأسمه الأسم
خليت لأهــــــل الرتب بجباهها
وسمه علامه
الناس كلها نجم وانتـه الأرض
وسمه السماء
للندب عبد الحسين بواجبك نجده
اعانه
وكتب الشيخ عبد الحسين الى الملا حسين يصف له معاناته
وما يكابده من هذه الحياة من ضروب الأذى والحرمان:
دهري چواني عله الضلعين چوي الطاو
الطاوه
ولا زال دفتر حظوظي بالدفاتر طـــــــاو
مطوي
وكميت سعد المثلنه دوم يسقي نقـــــــــاو
مرض يصيب الخيل
چم دوب أعاني سعير بالهوى ويلي
ويليه
من جور دهر المعاند بالقهر
ويلــي الويل
أنتــه بلايــه فلس نقاش يــــــا
ويلي يا ويلتي
وآنه من الأفلاس صاير با حسين
أنقاو أنقاض
***
چليت ما حاربت بأيام دهري وعشت
العشو
واليوم ما عاد ينفعني زماط وهشــت
المفاخره
ياريتني ما بگيت بهالزمان
وعشــت العيش
أجلي بلايه نفــــــــــــع للساقطين
منان المنة
حاير ولحــــــد عرفني منين أنه
ومنان من أين
من عگب ما چان للشاور شرابي
منان المن وزن
أضحيت أشرب من الخرده وشرابي عشت
بدون ثمن
(فوضى الألقاب)
طلع علينا الأستاذ سلام حربة في فضا آت ثقافية
الفيحاء بعددها 146 الصادر في28/2/2007 بكلام مفلسف عن
الثقافة العراقية والمفكرون الجدد،ولعل الصواب بجانبه
في الكثير مما طرحه،وأشار إليه،ولكن هل قعقعة الألقاب
وليدة عصرنا الراهن ونتاج ثقافتنا المعاصرة،أم هي
موروث تعاقب بمرور العصور والأزمان،وهل تمنح الألقاب
استنادا لقيم محددة،أم أنها مجارات لهذا وذاك،وفق أطر
المجاملة وتبادل المواقف للعاملين في الجوانب الفكرية
المختلفة،وهل من يوصف بالمفكرين
هم مفكرون فعلا،هذا ما يستحق المناقشة،والخوض
فيه،والأستاذ الكريم وقع على مكمن الداء ،وأصاب كبد
الحقيقة،فالمفكر هو من ينتج المعرفة،ويبتكر الجديد،وهو
خلاصة المجتمعات الروحية،وعصارة الإبداع الحضاري
والمعرفي،ولكن هل في من وصموا أنفسهم من يقع ضمن تلك
المواصفات،أو وصل بإبداعه الفكري لاستحقاق هذا
اللقب،لو ستعرضنا من نعتوا أنفسهم بالمفكرين،واصدعوا
رؤوسنا بأحاديثهم عبر الفضائيات لوجدنا جلهم أن لم يكن
أكثرهم من الطارئين على ساحة الفكر،وظهورهم هذه الأيام
نتيجة فراغ ثقافي كبير أباح لمثل هؤلاء احتلال
الساحة،لابتعاد المفكرين الحقيقيين عن الرقص على أشلاء
الضياع الذي أصاب الفكر والثقافة،وفقدان الأسس
والاعتبارات التي عليها المعول في وضع الرجل المناسب
في المكان المناسب،وشيوع المعايير البعيدة عن المهنية
الغارقة في حمأة التشظي في الفكر المعرفي،لمتصدري
الولائم الباذخة في أسواق النخاسة الثقافية،وهؤلاء
امتداد للعقلية السلفية التي راجت عبر قرون التخلف
والارتداد،التي تميزت بمنح الألقاب الفخمة دون وجه
حق،ولو طالعنا المخطوطات والمطبوعات الحجرية للفترة
المظلمة،لوجدنا ألقاب ما أنزل الله بها من سلطان،وتحت
يدي الكثير من هذه الكتب التي لا يمكن إعطائها صفة
العلمية،وهي من تأليف جناب الأمام العلامة والحبر
الفهامة،نتيجة عصره ونابغة دهره،من جمع فأوعى،وأصاب
وأدعى....إلى أخر هذه (الجنجلوتية) الفارغة،وعندما
تدخل في صميم كتابه،تجده من الفهاهة والفجاجة
والضحالة،ما لا يستحق الوقوف عنده في نقل أو
اقتباس،وفي المجالات الأخرى نلاحظ كثرة الألقاب
وفخامتها،وتعدد الأسماء وتنوعها،دون أن تدري من منحه
اللقب الكبير،وما هو الأسلوب المتبع،والكفاءة التي
أوجبت منحه إياه،وأن هذه الفوضى غير المحسوبة،أدت إلى
طفرات أخشى أن تودي بالجميع،لتصبح الألقاب كلمات فارغة
غير دالة على شيء.
ولعل أعجب هذه الألقاب العلمية،وأكثرها إثارة ما ظهر
هذه الأيام عبر وسائل الأعلام المختلفة،بأسماء ما أنزل
الله بها من سلطان،فما أن كتب أحدهم مقالا ،أو أبدى
رأيا،أو أشار بكلمة،حتى أصبح بقدرة قادر محلل سياسي،أو
خبير إستراتيجي،أو باحث ثبت،ولعل لقب الأستاذية الجليل
أخذ بتداوله من لا يصلحون طلابا في معاهد العلم،وهذه
الفوضى الخلاقة،جعلتنا نغرف من بحر للألقاب العلمية،لم
يصل إليه الكثير ممن أفنوا أعمارهم في الدراسة والبحث
العلمي،في الوقت الذي كان عميد الأدب العربي طه
حسين،يكتب أسمه(حافيا) من كل الألقاب العلمية التي
أستحقها بجدارة،ولم يطرز كتبه أو مقالاته أو بحوثه
بأكثر من (طه حسين) وهو من هو في عالم الفكر
والثقافة،وغيره كثيرون تخلوا عن ألقابهم العلمية لا
ترفعا أو استكبارا ،ولكن تواضعا في التعريف واعتماد
على ألمعية القراء،ولو كان لدينا من يصمون أنفسهم
بالمفكرين فعلا ،لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه من تخلف
في مجالات الحياة،وعلى كثرة الأسماء التي طفت على
السطح،أو قيض لها الظهور في زحمة الأعلام،فلم أجد فيهم
من يستحق هذا الاسم الكبير،وقد ظهر أحدهم ذات يوم،وأنا
أعرفه طفلا صبيا ويافعا فتيا إلى أن بان والشيب
ناصع،فإذا به يقرن لنفسه لقب المفكر،ويفاجيء المشاهدين
بقوله أنا المفكر..الكبير!!،ولم أعهدة مفكرا،أو أديبا
أو باحثا،ولكنها ضيعة المقاييس وبلبلتها في العراق
الجديد،ولعل أكثر ما ساءني ظهور أحدهم وهو لم يبلغ
الحلم،ويطرح نفسه على أحد الفضائيات كمفكر..كبير،بعدها
لعنت الفكر والمفكرين وتمنيت أن أكون جاهلا حتى وأن
سرت على أربع،فإذا كان هؤلاء المتفكرون الصغار يعطون
لأنفسهم ما ليس فيها دون خشية من لوم أو عتاب،وإذا كان
هذا (المتشايخ) مفكرا فماذا نقول عن السيد الصدر،وعبد
الكريم الزنجاني،وكارل ماركس،وغيرهم من أصحاب النظريات
التي كانت شيئا في الفكر الإنساني،وماذا نصف عشرات
الأسماء،ممن خرجوا بنظريات وأفكار رائدة في الفكر
والمعرفة،وأغنوا الفكر الإنساني بآرائهم السديدة
وأفكارهم الرشيدة،وأتساءل هل هناك معايير وأسس أو
ضوابط توقف هذا الزحف الكارثي في الإغارة والسلب في
وضح النهار،لألقاب فخمة سطا عليها من تسلقوا السلالم
وتسوروا الأسوار في غفلة من الزمن،وهل يمكن وضع قوانين
اعتبارية توقف هذه الحمى،وتردع من هب ودب،ليضع أمام
أسمه ما شاء من الألقاب والصفات والنعوت،ما كان
لأمثاله الاقتراب منها في يوم من الأيام،وهل نستطيع أن
نعاملهم كمزورين أو منتحلين،أسوة بمن ينتحل شهادة
أكاديمية،ولنتساءل ،ما هي الأسباب الكامنة وراء هذه
الأدعاآت ،وهل في قيمنا المجتمعية الداعية لتأليه
الأشخاص سببا وراء هذا التهافت في منح الألقاب،والعيش
في قعقعتها الفارغة،وإذا كان الأستاذ سلام حربة قد وجه
حرابه لمن منحوا أنفسهم لقب المفكرـ ومعه الحق ـ فما
باله في المجالات الأخرى لفوضى الألقاب الفخمة التي
تعطى لهذا أو ذاك لأوهن الأسباب، فتقرن لأسمائهم صفات
تزيد على مجرد التفكير،وتصل مرحلة التأليه،وكل هذا
نتيجة الفراغ الفكري الذي يعيشه أغلب هؤلاء،فالمجتمعات
الضيقة المتقوقعة على نفسها تنتج قيمها الاعتبارية
التي لا تستند إلى أسس واقعية،وتعيش في حمى الرطانة
الفكرية التي تجعلها حبيسة العنعنة الفارغة البعيدة عن
القيم المثلى للمجتمعات المتفتحة على الثقافات
المختلفة،ولو خرجنا عن قوقعتنا الضيقة ـ وهذا ما
سيكون ـ لتولد لدينا ما يجعلنا بموازاة الآخرين في
تفكيرهم وتصوراتهم،بما يجعل الولادة الجديدة خالية من
التصورات السابقة التي بنيت على فراغ.
أن الثقافة الجديدة التي قرعت أبوابنا بمساربها
المختلفة،ستجعلنا ولا شك بعيدين عن الفكر الضيق،الذي
عشعش طيلة قرون،وأن ثورة المعلومات ستجعلنا نضحك على
الكثير من مألوفنا،الذي جعلنا أسرى المتاهات التي لا
توصل لمرا فيء الحقيقة،وسيجد الكثير من هؤلاء
المتفكرين أنفسهم في وهدة تنبي عن ضحالة تفكيرهم وعقم
تصوراتهم،وسيحيلون أنفسهم على التقاعد بعد أن يكتب
أمام أسماءهم" مفكر سابق" كما يوصف من ترك
وزارته،ليلفه الإهمال والنسيان.
وداعا... فؤاد التكرلي
رحل بصمت الروائي الرائد فؤاد التكرلي غفي العاصمة
الأردنية عمان،عن عمر جاوز الثمانون عاما،بعد معانات
شديدة فرضتها طبيعة الأوضاع في العراق،والتكرلي من
رواد القصة والرواية في العراق،ولد سنة 1927 في بغداد
لأسرة متوسطة كانت لها مكانة اجتماعية مميزة وتوجهات
دينية فقد كان جده لأبيه نقيبا لأشراف بغداد،ودرس في
مدارسها،وأنهى دراسته الإعدادية ليلتحق بكلية الحقوق
ويتخرج فيها سنة 1949،وعين كاتبا في دوائر القضاء،ثم
أصبح قاضيا،ليشد الرحال إلى فرنسا في رحلة دراسية
ليصبح خبيرا في وزارة العدل العراقية،وعمل ملحقا
ثقافيا لبلاده،أحيل بعدها إلى التقاعد، ثم أضطر للسفر
إلى الأردن لتكون رحلته الأخيرة،أنتقل بعدها إلى
الرفيق الأعلى بعد مرض لم يمهله طويلا.
ورغم شهرته الواسعة واعتباره من رواد القصة في العراق
إلا أنه كان مقلا في أنتاجه الأدبي،ولعل مرد ذلك
انشغاله بأعباء الوظيفة،فقد نشر أولى قصصه(همس مبهم)
في مجلة الآداب اللبنانية سنة 1950 ،وتلاها
بروايته(بصقه في وجه الحياة) التي بدء بكتابتها سنة
1948 ونشرها في بيروت سنة 1980 لما فيها من أفكار
جريئة خشي مغبة أذاعتها ،وأصدر عام 1960 مجموعة قصصية
بعنوان(الوجه الآخر) ليصدر بعدها روايته الرجع البعيد
عام 1980،ثم أصدر عام 1995 (خاتم الرمل) و(المسرات
والأوجاع )سنة 1995،وصدرت له مجموعة حواريات
بعنوان(الصخرة) ومجموعة قصصية اسماها(موعد مع النار)
وآخرها روايته(اللاسوآل واللاجواب)عن دار المدى
للثقافة والفنون والأعلام سنة 2007،وقد كرم من مؤسسة
المدى بجائزة تقديرية،وحصل على جائزة العويس .
وهو آخر من تبقى من جيل الرواد،أو جيل الخمسينيات بعد
رحيل الروائي غائب طعمه فرمان،وعبد الملك نورى،ومهدي
الصقر ومحمد روزنامجي وشاكر خصباك ونزار عباس،وهو من
الجيل الذي تجاوز ما عليه الجيل السابق،جيل الرواد
محمود أحمد السيد وعبد الحق فاضل وجعفر الخليلي وذو
النون أيوب،حيث نحى بالقصة منحى آخر وأرسى دعائمها على
أسس فنية ثابتة تجاوزت التجارب الأولى التي أصدرها
الجيل الأول لكتاب القصة في العراق.
وكان مقلا في أنتاجه الأدبي،وحصيلة مسيرته الأدبية
التي تجاوزت النصف قرن عدد قليل من الروايات والقصص
القصيرة،لانصرافه لعمله الوظيفي واعتبار الكتابة
هواية،وكان لا يكتب إلا إذا اختمرت في ذهنه أبعاد
الرواية،وقد يستمر لسنوات في كتابة رواية واحدة كما هو
الحال في الرجع البعيد التي أخذت منه عشرة سنوات،تناول
من خلالها فترة عصيبة في تاريخ العراق الحديث،نحى فيها
منحا رمزيا جنبه الكثير من التعقيدات التي تفرضه
السلطات العراقية،وقد استفاد من عمله في دوائر القضاء
والمحاكم لتختزن ذاكرته تجارب شتى أعانته في كتابة
رواياته التي نلاحظ فيها،القضايا القانونية التي
يكتبها بطريقة تجنبه المسائلة لمعرفته بالقوانين
المرعية،فقد تناول في رواياته المختلفة الكثير من
القضايا التي تتعلق بقضايا الشرف وغسل العار،والزنا
بالمحارم،والجرائم الغامضة،وقضايا الإرث
والاحتيال،وينح فيها لدراسة النفس وتحليلها على ضوء
النظريات العلمية الحديثة،ليغص في أعماق الإنسان
واجترار ما يعتمل داخله من مشاعر وأحاسيس وإرهاصات
نتيجة خلفيات وترسبات من حياة الطفولة أو الصبا
والشباب،ولعلاقته بالوسط الديني بحكم انحداره العائلي
كان مطلعا على خفايا هذا الوسط،التي أستطاع إظهارها
على حقيقتها في قصصه،وفي قصته الأولى العيون الزرق
يتناول أعقد قضية يتجنب الخوض في تفاصيلها
الكثيرون،فاستطاع سبر أغوارها والسير في منعرجاتها دون
أن يكون لأحد حق المسائلة أو التشهير،فهي تحكي قصة
فتاة إيرانية جاءت مع والدها وشقيقها لزيارة العتبات
المقدسة في العراق،ولطول السفر ومشاقة أضطر شقيقها إلى
العودة من حيث أتي،لتستمر الأسرة في طريقها ويلقون
رحالهم في خانقين حيث تموت والدتها،فيضطر والدها
لإيداعها لدى عائلة تقوم لأداء أعمال منزلية
لها،وعندما يعاود والدها مسيرته تلتقي في بعقوبة بشاب
في محطة السفر تحلب انتباهه عينيها الزرق فيغازلها
بأدب مبديا إعجابه بها،محملها إياها بوادر الرغبة
والاحتشام،وعندما يتوجه والدها إلى كربلاء المقدسة
لزيارة المراقد الشريفة،تصاب بمرض يضطره لإيداعها لدى
أحد رجال الدين الذين لمس غيهم الورع والتقوى ومخائل
النجابة،ولكن هذا الرجل كان يحمل في ذلته نوازع
شتى،ليأخذها ذالك الرجل إلى رجل دين آخر يعقد له عليها
بما يسمى زواج المتعة،ليفترسها ليلا بعد أن أغمي
عليها،ثم يتداولها الكثيرون بهذه الطريقة.
فيما تناول في روايته الأخيرة(اللاسوأل
واللاجواب)صورة الحياة ابان فترة الحصار،وما عانى
المواطن العراقي خلالها من جوع وحرمان وافتقاد لأبسط
الحاجات الإنسانية،وما جرت على المجتمع من تقلبات لا
تزال آثارها تأخذ طريقها في الكثير مما يجري في
العراق،ولا زالت تداعياتها تشكل القاسم المشترك لما
عليه الإنسان العراقي من تأخر وتخلف،فقد استهدفت بناء
الإنسان وتمكنت بطريق أو آخر هد ذالك البنيان المتكامل
وأحالته إلى حطام،وأضاعت الكثير من العلائق الاجتماعية
،وعصفت بالكثير من الأعراف التي كانت ثمار سنوات طويلة
من الجهد والبناء،وأختار لها معلما دفعته الحاجة ليعمل
سائق أجرة،تراوده نوبات يحاول خلالها تلمس واقعه وما
سيئول أليه أمره،فلا يرى في المستقبل إجابة لتساؤلاته
الملحة ليعود بذاكرته إلى الوراء باحثا عن سبب
إخفاقاته التي دفعته إلى ما يشبه الجنون.
وكانت له رؤيته الواقعية في اختيار شخوصه والأماكن
التي جعلها مسرح لتحركها،فكان أبطاله من الطبقة
المتوسطة التي ينتمي إليها،في حرص على استقراء التاريخ
العراقي المعاصر والاستفادة منه في بناء المحاور
الرئيسية في رواياته ليرسم صور مختلفة للحياة
البغدادية،حتى أنك تستطيع أن تتلمس حواري بغداد
وأزقتها وشخوصها في كتاباته،ويحاول الدخول إلى خبايا
نفس الإنسان وإبراز مكنوناتها لمعرفة طبيعة الصراع وما
في خلفياته من آثار اجتماعية وتربوية ونفسية.
وأعتمد اللهجة الشعبية في رواياته وقصصه الأولى ،إلا
أنه لجأ إلى الفصحى في الحوار رغم أن شخصياته من أوساط
شعبية،راغبا في أعطاء رواياته بعدا جغرافيا بسبب صعوبة
فهم اللهجة الشعبية في الدول العربية الأخرى،رغم ان
لغته الحوارية أتسمت باللغة المبسطة البعيدة عن
التعقيد،وبذلك يمكن اعتبار هذا الاتجاه تطورا في اللغة
الحوارية للقصة العراقية.
وفي علاقاته مع معاصريه تبرز الحميمة بأجل
صورها،فتراه دائما ذاكرا للجميل فيهم،لم تؤثر فيه
تفاعلات المعاصرة،وما تفرضه من صراع صامت،مما هو مألوف
بين المعاصرين،ويحاول في مقابلاته الإعلامية أيراد
الجوانب الإيجابية،والإشارة إليهم بالتقدم والفضل،ففي
سوآل للدكتور علي إبراهيم عن اقتران أسمه بالقاص عبد
الملك نوري،والرأي القائل ان نوري قاص غير موهوب
قصصيا،ولكنه أستطاع بالجد والمران والمثابرة أن يكتب
قصصا قيمة،قال"صداقتي مع عبد الملك نوري بدأت عام 1949
حين كنت في الثانية والعشرين من عمري،وامتدت إلى عام
1998 حين وافى الأجل ذلك الصديق العزيز،وما هو الشبه
بيننا، في الأمور الشخصية لا شيء تقريبا،وكأدباء فهناك
كما تفضلت الموهبة والتزامن والموضوعات ومحاولة
التجديد،أما المعالجات والأسلوب فالاختلاف واضح
بيننا،وحول المقولة التي أوردتها فلا أظنها
صحيحة،والعكس هو الصحيح،فهو قاص موهوب لكنه لم يكن
يملك الصبر والجد لكي يحقق موهبته،كان عجولا نافذ
الصبر،...وعندما يقارن الدكتور شجاع العاني بين شخوصي
وشخصيات عبد الملك نوري فيجد أن الأخيرة تنكسر كما لو
كانت آنية من زجاج ترمى على ارض إسمنتية صلبة،في حين
أن الأولى تبدوا قادرة على الصمود،... الأمر الذي
يجعلني أكثر واقعية من عبد الملك نوري"القص العراقي
بعيدا عن سماواته ص109.وفي سوأل عن الراحل غائب طعمه
فرمان قال"أن الصديق غائب طعمه فرمان أول من كتب رواية
عراقية ذات مواصفات فنية مقبولة،والنخلة والجيران فتح
في الرواية العراقية،إلا أن أعماله الأخرى أخذت تترجرج
أهميتها الفنية بشكل من الأشكال،وفي ظني أنه ما كان
يعوزه هو العودة إلى وطنه العراق والاستقرار به بضع
سنوات...إلا أننا يجب إن نقوّم بحذر إنتاجه ككل،وأن
ننظر بتساهل إلى حداثته الفنية،فالرجل-كما هو معروف-
ملتزم سياسيا،وقد أتخذ خطا خاصا به في التعبير
الفني،غير إن ذلك لا ينفي رياديته الروائية وأهمية
مسيرته العامة:ص114’وعن محمد خضير يقول"أنه أبرز كتاب
القصة في الستينيات،وكان نشر مجموعته القصصية"المملكة
السوداء"مؤشرا بليغا على الدرجة العالية من الفن التي
بلغها هذا القاص باعتقادي"ص115.
وأخيرا فالراحل الكريم رغم إنتاجيته الأدبية
المحدودة إلا أنه يبقى بين القلة التي استطاعت السير
بالرواية العراقية إلى أمام،وأن يكون علامة بارزة في
الفن القصصي في العراق.
الأهالي ما لها وما عليها
الحيادية كلمة وجدت في القواميس دون أن نجد لها مكانا
في عالم الحقيقة والواقع المعاش،لأن الإنسان لا يستطيع
أن يكون حياديا والتخلي عن ثوابته أو عدم الانحياز
لرأيه أو عاطفته مهما أوتي من العلم ورقى إلى مستويات
التحضر،وما الحياد الإيجابي الذي جعل في وقتها واجهة
عريضة لتجمع الكثير من دول العالم إلا دليل على ما
أقول،فلم يستطع جواهر لال نهرو وجمال عبد الناصر
وجوزيف بروز تيتو إلى الخلوص نهائيا عن توجهاتهم
المنحازة والوقوف على الحياد الإيجابي شعارهم
التليد،فكان لهم انحيازهم إلى أحد المعسكرين،ولم يقيض
لحركتهم النجاح ووأدت في مهدها،لذلك عندما أدلي برأيي
حول صحيفة لها في نفسي الأثر الكبير لا أستطيع أن أكون
بعيدا عن الانحياز إليها أو التعاطف معها،فأرى في
عيوبها(أن وجدت) مواطن من الحسن والجمال:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي
المساويا
لذلك سأحاول في هذه العجالة أن أشير إلى أمور قد تصب
في مصلحتها وتدفع بها للارتقاء أكثر عن مستواها
الحالي،رغم تميزها عن الصحف الأخرى بالطرح الجريء
والنقد البناء،،والدخول في قلب الهدف،وما تحتجن من
سهام قوية تصيب المرامي وتقع في الصميم.
فقد تميزت بالجرأة في طرح الرأي،دون أن تخشى ما
يتطاير حولها من بالونات أو ما يصيبها من رذاذ، إذ ترى
المطير يهوى بمطارقه القوية على مسماره (أبو العشر
أنجات) لينخر الجماجم الخاوية،فيصيب منها المقاتل
بأسلوبه الساخر الجريء،وقدرته الفذة على أسكتناه الصور
الصارخة التي يستلهمها من واقعنا المريض،فترى مساميره
تغوص في وحول الفساد الإداري لتظهر ما تفوح من روائح
تزكم الأنوف،أو ينافح عن الحريات ليضع النقاط على
الحروف فيما يجري من خرق سافر لحقوق الإنسان،أو يقلب
الدنيا ولا يقعدها ليقول كلمة حق تتحشرج في
الصدور،فكانت مساميره والحق يقال من أفضل المسامير
التي يمكن أن تسهم في بناء العراق الجديد.
أما الزاخوي الذي نفتخر بعراقيته رغم ضائقة لقبه الذي
أتمنى أن يكون العراقي ليكون أسما على مسمى،فهو يجعل
الإنسان محور اهتمامه وفي المقدمة من تفكيره دون أن
ينسيه ذلك هاجس الوطن،ويرى الإنسان أثمن رأسمال - في
زمن أصبح فيه أقل قيمة من الحيوان الأوربي – وأكثر
أهمية من حفنة تراب لا أهمية لها بدونه،لذلك يوجه
سهامه لتصيب أللبات والنحور،في هجمة عاتية دون محاباة
لأحد أو مجاملة لجهة أو انحياز لفئة،وكشف أمور الواقع
الكردستاني ومعانات الإنسان هناك دون أن يعير أهمية
لزعل فلان أو غضب علان،ولكنها كلمة حق تلجلجت على
لسانه كقذيفة لتصيب المرامي وتنال الأهداف.
وما يكتبه الأستاذ عبد الهادي ألساعدي من مقالات
تجاوزت الخطوط الحمر أو كما يقول هو الخط الساخن،فهي
تضع الأصبع على موقع الداء دون أن تغفل عن أيجاد
الدواء،فهو يلتقط الفريد الشارد والطريف
الوارد،والحادثة التاريخية ليصوغ منها خاطرة موحية
تسهم في بناء الحاضر وتكشف مواطن الخلل والزلل في
الكثير من جوانب الحياة،واشهد لقد وجدت في كتاباته من
العمق ما جعلني أضعه في القمة بين كتاب العمود
الأسبوعي المتميزين،ومنه تعلمت الكثير من مواطن الدخول
والخروج،حتى بت لا أخشى المفاوز المظلمة أو المنزلقات
المهلكة.
أما الدكتور عبد الجبار الملا صالح،فمقالاته الرصينة
المتسمة بالعلمية ،والرصانة والعمق والمهابة،فهي تنبئ
عن تمرسه وشدة تحرجه،لولا بقية من فكر ملكي جعله ينظر
للأمور بعين واحدة،أخرجته عن تلمس مواطن الحق في شطحات
لا يسلم منها إنسان،رغم ما تميزت به مقالاته من رصانة
علمية،وقدرات فنية،تستند لدراسات أكاديمية له الباع
الطويل فيها عبر عقود من السنين.
ولكن هل أستطيع استعراض الجميع،كالدكتور عبد الخالق
حسين والأستاذ الأعسم والسيد الشلاه،والشاطي وغيرهم من
أفاضل الكتاب والباحثين،فأن ذلك يحتاج لوقت وحيز دونه
ملف أو ملفات،ولكنه أجمالا فأن ما تميزت به الأهالي
احتوائها لهذه الخيرة الخيرّة من أفاضل الكتاب
والباحثين،من ذوي التوجهات والمشارب المختلفة جمعتهم
خيمة الأهالي بتوجهاتهم الوطنية الواضحة البعيدة عن
الانغلاق والتقوقع والتحيز والتعصب وأخشى أن تجعلنا
الأهالي ليبراليين بعد أن سرنا لعقود في دروب
الثوريين،فنكون في آخر السرب اللبرالي ننهج نهجه
ونترسم دربه في الانفتاح والشفافية والحوار وقبول
الرأي الآخر،وهو خلاف ما نشأنا عليه من فكر ثوري وهجوم
عاصف،وكلمات كأنها حمم البراكين.
ورغم كل ما قدمت من محاسن وأوجزت من حسنات، فأن
الطريق لا زال طويلا للتقدم نحو الأحسن والأكمل
والأفضل لتكون بحق في رأس القائمة من صحف هذه الأيام،
لذلك أرى ولعلي ملحفا أكثر من اللازم أن:
1-العناية بموقع الجريدة على الإنترنيت،فالصحيفة وأن
كانت صادرة في العراق لها قرائها ومتابعيها في خارج
العراق،كذلك يتطلب الأمر أن يكون موقعها أكثر تطورا
وتقنية لتكون بمتناول القراء خارج الوطن،فهو يفتقر إلى
الآليات التي تجعل القارئ يستطيع الوصول إلى ما يريد
بيسر وسهولة،فهي تفتقر إلى الحصول بدقة على كتابات
كتابها عند البحث في مكان البحث،وأرشيفها لا يتحلى
بالسهولة عند التصفح والطباعة،ويحتاج إلى المزيد من
الجهد للوفاء بمتطلبات القارئ،لذلك يجب السعي لتطويره
وتحديثه وفق المواصفات الفنية التي تجعله أرقى مما هو
عليه الآن.
2-أقترح أن يضاف لموقع الجريدة على الإنترنيت،موقع
الأهالي ليكون رديفا للمواقع العراقية الأخرى،في نشر
الخبر الجديد والمقال الهادف،ويأخذ مكانه بين المواقع
للإسهام في بناء العراق الجديد،ونشر الوعي
الفكري،وإشاعة الثقافة الوطنية،فأن هذا الواجب الملح
يجب أن يكون في قائمة الأولويات لدى أسرة الأهالي
وملتقاها الثقافي الذي نتمنى له أن يكون أكثر
فاعلية،والخروج عن العاصمة إلى المحافظات كما جرى في
مؤتمرها في بابل الذي كان من أكثر المؤتمرات فاعلية.
3-انتظام الصدور:ولل |