|
حركة الانصار ما كان لها وما كان عليها في الفترة (1979 – 1988 ) - (
القسم الثاني
(
لطيف حسن
- (4)الحزب
يقاتل بلحمه عاريا
كانت محاولة قيادة الحزب بعد انتقالها الى كردستان هو توجيه العمل
الحزبي من داخل قواعد الانصار ، ووضعت في أولوياتها تنشيط العمل
الحزبي في بغداد وباقي المحافظات الجنوبية ، وكانت هذه المهمة صعبة
للغاية واشبه بالمستحيل آنذاك في الجو البولوسي الذي اطبق على كل
شبر من العراق ، وكانت تجد محاولاته المتكررة في هذا المجال فشلا
بعد اخر ، وهو امر متوقع ان تكون نتائج العمل بهذا الشكل في ظروف
هجمة بوليسية شرسة لامثيل لها ، موجهه من نظام وحشي هيستري فقد
صوابه كالنظام البعثي الصدامي ،
تم
في البداية القاء القبض واعدام وتغييب عدد من قيادة الحزب التي
تركت للعمل في الداخل ( عايده ياسين ورفاقها ) وسقط بيد العدو فيما
بعد الكوادر العديدة الاخرى التي ارسلت للتنظيم ، منهم من اعدم
بدون رحمة ، ومنهم من سقط بيد العدو ليجند للأندساس و للتجسس على
الحزب ، والقسم القليل منهم نجح في الوصول الى ركائز ومواصلة التنظيم
الخيطي اللا مرئي والغير فاعل ، أشباح ركائز ، موجودة و منتشرة لكنها
معزولة بشدة عن مجالها الحيوي (عمال وطلبة وشباب ومرأة) الذي تحول
العمل فيها حكرا لمنظمات حزب البعث ، واطرها لصالحه منذ تجميد منظمات
الحزب الديمقراطية في هذا المجال . الا ان الحزب رغم الاحباطات
التي تلقاها في عمله لاعادة التنظيم في بغداد والجنوب ، ظل دؤبا
ومتواصلا في العمل بدون كلل لتحقيق الاتصال الصعب مرة اخرى بالجماهير
التي عزلت عنه قسرا ،
ان الحزب عندما تحول الى جسم للأنصار ، ود اينمو لحركتها بعد الضربة
، بقي على حاله هذا بدون تطور كبير ، الى أن توقفت الحركة بفعل
الانفال ، لم ينجح الحزب في مسعاه ان يحول منظمة الانصار ( التي
تشكلت من كوادر واعضاء الحزب بشكل أساسي ) الى حركة وسياج جماهيري
حول جسم الحزب كما كان يأمل منها ، أو كما هو الحال عند البيشمه ركه
في الاحزاب الكردستانية
بقيت المنظمة ( عدا تنظيم الاقليم ) معزولة في معظم المناطق عن
جماهير المنطقة القليلى العدد اصلا ، سكان الشريط الحدودي الضيق
المهجر اصلا ، وزيارات الانصار للمدن الكبيرة قليلة اغلبها زيارات
ضرورية لتنفيذ عملية مثلا ، او زيارات سرية لبعض الركائز لاتتم في
وضح النهار ، وبالتنسيق الكامل مع التنظيم الحزبي في الاقليم ، وحتى
تشكيل الركائز و التنظيمات الحزبية في مناطق تواجد الانصار كان
حكرا على الاحزاب القومية الكردية ، وخط احمر غير معلن رسم للانصار
على ان لايتجاوزوه ،
تأسست
منظمة الانصار كمنظمة محاربة بالآساس ، وبقيت طوال الفترة تحارب
بجسم الحزب العاري ، بدماء ولحم قياداته وكوادره واعضائه ، ( وهم
عدد محدود وثمين لايعوض ، لم يزدد عددهم كثيرا بعد الضربة ، هم
باختصار كل ماحافظ عليه الحزب من أفضل نخب رفاقه الذين التسقوا به
مصيريا ، ولعبوا فيما بعد دورا هاما في اعادة تنظيمات الحزب
وتنشيطها في كافة انحاء العراق بعد زوال النظام ) ولم يتحول الانصار
الى منظمة جماهيرية نامية منفصلة عن جسم الحزب ، الاسباب كما اعتقد
كانت ذاتية وموضوعية
.
أ- الاسباب الذاتية
:-
-
لم يكن الحزب الشيوعي العراقي ، فرع كردستان آنذاك في تقديري الشخصي ،
فرعا فاعلا ومؤثرا في ساحة الجماهير الكردستانية ، وقد وجه النظام
الفاشي لتنظيماته ايضا ضربة ، حاله حال تنظيمات الحزب في بغداد
والمحافظات الجنوبية ، لذلك لم يأخذ مكانه الفاعل بين الجماهير
الكردية التي كانت لها همومها القومية ، و يملأ حجمه الحقيقي الى
جانب الاحزاب الكردستانية الاخرى ، كان مهمشا من قبلها بأعتباره من
وجهة نظرهم فرعا لحزب عراقي اولا وامميا ثانيا ، اي لايمثل في
رأيهم النطلعات الانية لحركة التحرر القومية الكردية ، فهو فرع لحزب
اهدافة مؤجلة ، هو بأختصار حزب عراقي تقليدي مهمش في كردستان ،
يحترم تاريخه النضالي الى جانب الثورة الكردية الاولى بقيادة مله
مصطفى البارزاني ، التي شارك فيها الانصار بعد عام 1963 ، في معارك
شهيرة حاسمة ، والتي اصبحت اليوم من التاريخ ، ولم يكن مستعدا بما
يكفي عندما انتقل الحزب بأكمله ، وبسرعة من التحالف نع السلطة الى
الكفاح المسلح ضدها ، فالفرع استعان بالانصار القدامى الشيوخ
لتشكيل نواتاة المنظمة في الاقليم ، و لم يسنح الوقت ليمهد جماهيره
بما يكفي لهذا التحول ، لربما لعب رفاق الاقليم دورا مهما في ايصال
رفاق الداخل الملتحقين الى قواعد الانصار، وقدم مساعدات لوجستية
للحركة في بدايات تشكيلها واستمر ، الا انها لم تغير من واقع الفرع
الضعيف الصلة بالجماهير الكردية عموما آنذاك
.
ب – الاسباب الموضوعية
:
-تعدد
المهمات وكثرتها التي كانت امام الحزب لحلها ، وكلها مهمات ذات
اولوية قصوى أستجدت أمام الحزب ، لامتصاص قوة الضربة ، والاستيقاض
من حالة الاسترخاء الذي كان عليه في ايام الجبهة ليكتشف انه لايملك
خطة مسبقة واضحة للأنسحاب المنظم ، من مثل التحول السلس الى التنظيم
الخيطي ، الانسحاب بدون خسائر كبيرة من العلن الى الظل لرفاقه على
نطاق واسع ، الدخول وهو في موقع المعارضة في تحالفات وطنية جديدة
سليمة مع قوى معارضة اخرى تلتقي معها في هدف ( انهاء النظام الفاشي
واقامة البديل ، الحكم الديمقراطي والفدرالية لكردستان ) ، ان الغرق
في حل هذه المهمات مجتمعة في آن واحد ، وفي ظل تسلط وارهاب الدولة ،
لم يكن متاحا تضميد الجراح سريعا ، والانتقال بمنظمات الحزب من التراجع
الى الوضع الطبيعي ، ومنها ( منظمة الانصار ) لتحويلها كما يفترض ان
تكون الى منظمة جماهيرية في منطقة تواجدها
.
-تشكيل
منظمة الانصار كوعاء تحافظ على جسم الحزب من التشتت والتآكل ، ومارافق
تنفيذ هذه المهمات من ارباك وفوضى ، لاسيما التشابك بين طبيعة الحزب
كفصيل سياسي ، وبين طبيعة الانصار كحركة عسكرية ، الذي افرز صراعا ت
داخلية في قوات الانصار بين السياسي والعسكري من جانب ، وتشكيلات
تنظيم الداخل والتشكيلات التي تؤمن بالنزعة العسكرية فقط من جانب آخر
، وبروز تناقضات من مكونات تركيبة الانصار أنفسهم كخليط غير متجانس
، من مثل العناصر العسكرية والفلاحية بالضد من العناصر المثقفة
ومبدعى المدينة ، كان هناك اشبه بالمستحيل ان يفصل بين الانصار
كونهم فريق عسكري جماهيري بحت ويطور على هذا الاساس ، وبين الحزب كحزب
، وبالتالي ازالة هذا التشابك المعقد فيما بينهما بسحب الانصار الى
خارج جسم التنظيم ، أي أبقاء منظمة الانصار بعد تحويلها الى منظمة
جماهيرية طابعها عسكري ، تشكل السياج الحامي حول الحزب
.
-
أغتراب الأنصار من غير ابناء كردستان عن المكان ، وكانوا يشكلون
الاغلبية ، وعزلتهم الموضوعية عن محيط الناس بسبب عائق الثقافة
واللغة ، والفهم المفقود للآخر بين الاثنيين.
بمعنى لم تكن لهم جذور في المنطقة
.
- (5)السباحة
ضد التيار
.
عندما اختار الحزب الشيوعي العراقي مضطرا ، الانتقال الى مواقع
المعارضة مع النظام وشكل قواة الانصار ، وبدأ نهج الكفاح المسلح ،
واجهته مشكلة الأ قناع والحصول على الدعم من الدول الاشتراكية
السابقه والحركة الشيوعية وحركات التحرر لهذه الخطوة ، وفهمها بشكل
صحيح وواقعي دون محاولة زج الحزب في اطار التياسر والتطرف الثوري
ونزع الشرعية عنه كحزب اممي يمتثل لمصالح وأهداف الاممية , و
عليه ان يوازن و لايغلب عليها مصالحه الوطنية ، ويحذر من ان
تتعارض مع التوجهات العامة للحركة
.
ان القطيعة مع النظام الفاشي ، والانتقال الى مواقع المعارضة كانت
بمثابة بداية السباحة ضد التيار الذي تعوم عليه المنظومة الاشتراكية
وحركات التحر الوطني العالمي بقيادة الاتحاد السوفيتي آنذاك ، الذي
كان يعتبر واستمر يعتبر نظام البعث الصدامي آنذاك والذي كنا في تحالف
معه ، جزء عضوي وطليعي من حركة التحرر الوطني ، وتربطه به علاقات
تعاون ومصالح وطيدة في مختلف المجالات ، وهما يسران معا تحت مظلة
العداء للأمبريالية الامريكية ، لتحقيق الاشتراكية في عراق المستقبل
،
استمر الاتحاد السوفيتي و معها المنظومة الاشتراكية في علاقاتهم
الرسمية المتطورة مع النظام الصدامي والدعم المتواصل الذي لم ينقطع
له رغم الضرية التي وجهها هذا النظام الى الحزب الشوعي العراقي ،
وفضل التزام مصالح الدولة الرسمية على التزام التضامن الاممي
المفروض وجوده لدعم الحزب، وكان يمد الحزب بالعون المادي على
استحياء شديد وبتكتم ، والعون العسكري في الحصول على السلاح كان يجرى
عن طريق طرف ثالث هي المقاومة الفلسطينية في لبنان .، وليس بشكل
مباشر دفعا للأحراج أمام النظام العراقي
وكان لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية موقفا شجاعا ومشرفا الى
جانب الحزب الشيوعي العراقي و دعمت حركة الانصار الشيوعيين العراقيين
بالتسليح والتدريب العسكري وفتح عدد من دورات ضباط خاصة ، كان لخريجي
هذه الدورات الاثر الكبير في قيادة وتطوير العمل العسكري في حركة
الانصار لاحقا .
- ( 6 )أستشهدت
من عندنا اذاعتان
.
من الاشياء التي وصلتنا من الاتحاد السوفيتي كدعم ، غير السلاح ، جهاز
للبث الأذاعي ، لدعم أعلام الحزب وحركة الانصار ، كانت أذاعة ارسال
قديمة ، عملت في يوم ما في مواقع الانصار الروس اثناء الحرب
العالمية الثانية كوسيلة للأتصال اللاسلكي ، كانت اذاعة أثرية بمعنى
الكلمة ، ثقيلة مصفحة بصندوق حديدي واقي ، مطلية باللون الاخضر
العسكري ، قوية البنيان بحيث انها سقطت مع البغل الذي يحملها اثناء
نقلها من بهدنان الى مقر الاعلام في ناوزنك ، سقطت متدحرجة من
اعلى الجبل الى الروبار في قعر الوادي ، ولم يتعرض الجهاز الى ضرر
جدي ،
وكانت هذه الاذاعة المشاكسة يصعب الحصول على ادواتها الاحتياطيه ،
فاذا ما احترقت منها لمبة مثلا ، ولم يكن لدينا احتياط لهذه اللمبه ،
يعني ان الاذاعة ستتوقف الى حين غير معلوم ، فلم يكن الحصول على
اللمبه او بديل للمبه من الاسواق متاحا ، فقط من مصدر تصنيع الجهاز
، وهو مصدرللتصنيع العسكري السوفيتي موديلها قديم جدا ، يكاد ان
يكون انتاجها متوقف ، وهوائيها (الانتين ) كان يحتاج الى مكان
مرتفع ومساحة طولية واسعة لنشرها ،
وقد
جرى اتلاف هذا الجهاز في احداث بشت آشان 1983 ، وحل محله في عام 1984
جهاز اذاعة حديث اصغر حجما واخف وزنا و افضل في الامكانيات ومدى
الأرسال بما لايقاس ،، جرى شراءه من لندن على ما اعتقد . ولم يكن
مصير الاذاعة الجديدة افضل من مصير الاذاعة الاولى في النهاية ، اذ
جرى التخلص ايضا منها الى الابد بدفنها مع اجهزة وحاجيات الاعلام
النفيسة الاخرى اثناء اجتياح الجيش لمقرات الانصار في حملة الانفال
عام 1988 .
لقد استفاد الاعلام من القدرة المحدودة لاجهزة الاذاعة التي ذكرتها
استفادة قصوى لبث يومي منتظم لمدة ساعة ، باللغتين العربية والكردية
، تكرر اذاعته في موعدين مختلفين في نفس اليوم ، وكانت السلطة تولي
اهمية كبيرة للتشويش عليها بأجهزتها المتطورة ، لعرقلة استماع الناس
اليها ، وكانت تسمع في كل انحاء العراق ، وتصل تغطيتها الى اجزاء
من دول الجوار ، كالقامشلي السورية وبعض مناطق شمال الكويت
كانت اذاعتنا الأضعف في التقنية ومدى البث من اذاعتي اوك ، وحدك ،
والامكانيات التي كانت متوفرة لأذاعتي اوك وحدك عالية جدا ونموذجية
لانهما كانتا تبثان من مكانيين مريحين ، و من مدن وقرى كبيرة ان كانت
عراقية او ايرانية ، بعيدة نسبيا عن ساحات المعارك والاحداث المباشرة
ومحمية جيدا .وقد توفر للعاملين فيها كل امكانيات الراحة وأسباب
العمل المتطور
وقد عمل في الاذاعة خلال السنوات العشرة هذه ، العديد من الانصار
والنصيرات بصفة مذيعين ومذيعات باللغتين العربية والكردية ، اذكر من
المذيعين في القسم العربي ، مفيد الجزائري وجاسم خلف وعواد ناصر
وداوود امين وايسر شوقي ، ونوروز لفترة قصيرة وغيرهم آخرين ، و في
القسم الكردي شاخوان وزوجته ، ابنة أحمد باني خيلاني ، لااذكر اسمها
الانصاري الان ، ورفيق صابر ومحمود الدباغ ، وأستيرة ( به رشه نك )
و أيضا اخرين ولفترات قصيرة ., وكان يقوم بعض المذيعين من هؤلاء
بتحرير المواد المذاعة وكتابة التعليقات ، كمفيد الجزائري وعواد ناصر
ومحمود الدباغ وشاخوان وغيرهم . وقد سقط اكثر من شهيد من الاعلام ،
ومن الاذاعة بالذات اذكر من هؤلاء الشهداء المهندس عمار والمذيع ابو
سعيد. ومن القسم الكردي ايضا مع الاسف لااذكر اسماؤهم الان
.
توالى الاشراف على عمل الاذاعة وقيادة الأعلام كل من ، بهاء الدين
نوري ، مهدي عبد الكريم ، ماجد عبدالرضا ، كاظم حبيب ، وآخرهم كان
عبدالرزاق الصافي
كانت
أذاعتنا الوحيدة اذاعة قتالية ميدانية موجودة في موقع النضال
الانصاري المباشر ، نجحت رغم بساطة وتواضع وبدائية الامكانيات في
ان تخلق خلال عملها تقاليد عمل وكوادر وقدرة برمجة ممتازة لما هو
متاح لها من امكانيات شحيحة ، تدرب كوادرها تحت تأثير ظروف
العمل الاذاعي الميداني الفقير جدا والصعب في ساحة المعركة ، الغير
مسبوق كتجربة في كل شيء ، وامتاز اداء العاملين فيها بصفة الابداع
والاختراع والتجريب في كل المناحي لتمشية عملها على الوجه الاحسن
، بفرعيها التقني ، المهندسون والفنيون والتشغيل ، وهيئة التحرير
، والمذيعين
ولم يبخل الحزب في تقديم خبرته التي اكتسبها في المجال الاذاعي
الى بعض ألآحزاب الكردية الحليفة ، كالحزب الاشتراكي الكردستاني
، فقد استعار هذا الحزب الصديق من اعلامنا ثلاثة من العاملين فيه (
محرر ومهنس ومذيع ) وكنت احدهم ارسلت بصفة محرر ، بقينا في مقراتهم
لمدة تزيد على الثلاثة اشهر لمساعدنهم في نصب و تشغيل أذاعتهم
الجديده ، وتدريب كادر أختاروه من بيشمه ركتهم لتمشية وتسيير عمل
الاذاعة في كل امورها التفصيلية لاحقا ، من هندستها فنيا وأسس
عمل التحرير الاذاعي والاخراج ، أضافة الى برمجة العمل اللاحق
فيها .
وكانت هيئة تحرير المادة الاذاعية ( اخبار وتعليقات واركان اذاعية )
قد تدربت على عملها في ظروف لاتتكرر في العالم ، ونجحت بجدارة
بتغذية الاذاعة بالمواد اليومية التي لم تنقطع ، اعتمادا على
التحرير اليومي المتواصل في الليل اعتمادا على متابعة الحدث واقتناص
الخبر من رسائل و تقارير المنظمات الحزبية التي ترد للقيادة و ومن
الانصات للراديو لمستجدات الاحداث ، ولم تكن الصحف والمجلات اليومية
تصلنا لتكون مصدرا مريحا للخبر ، و كانت تشكل لنا حقا ثروة حقيقية ان
وصلت صدفة حزمة من الصحف القديمة نسبيا .، وكانت صحف ومجلات النظام
التي تصل الى المكتب السياسي في البريد الحزبي ترسل مباشرة للآعلام
للأستفادة منها في الاذاعة اولا ، ومن ثم نعبدها بوجه السرعة لاطلاع
القيادة عليها ,
وكان العمل الذي يؤديه الاعلامي النصير مضاعفا اذا قورن بعمل النصير
العادي ، فأضافة الى قضاء جزء كبير من الليل على ضوء اللمبة النفطية ،
او مصباح اللوكس في تحرير المادة التي ستسجل في اليوم الثاني ،
يتم التسجيل في الاستوديو صباحا ، ثم يأتي الاجتماع اليومي لهيئة
التحرير ، ويشغل الفنيون من المهندسون اجهزة البث ، وبعدها بدون فرصة
راحة تأتي ألأمور الروتينية العادية لتمشية وضع الفصيل من نوبات
الحراسه الى خفارات الخبز وخفارات الطبخ وما الى ذلك والتي لم يكن
يستثنى منها احد .
وكان
مهندسوا الاذاعة الاكثر بذلا للجهد والتعب في الفصيل ، فالوصول الى
موقع الارسال يتطلب جهدا ولياقة وطاقة غير متوفرة عند الجميع لانها
تقع بين الاشجار في اعلى مرتفع من الجبل حيث يكون المحل مختارا لكي
يكون صالحا لنصب أنتين الآرسال ( الاريل ) وتنصب قريها خيمة جهاز البث
، وكان يتطلب الصعود والنزول لموقع البث اكثر من مرة في اليوم ،
اضاافة لحراسته جهدا يوميا غير عادي
.
- (7)شماعة
الحزب ، والبراءة
توقفت الحركة في الانفال ، او عند انتهاء الحرب العراقية – الايرانية
العبثية بلا غالب او مغلوب ، أجبر الانصار بعد هذه الحرب مباشرة ، على
ترك المواقع القتالية في معارك غير متكافئة ، او بالأحرى في اجتياح
واسع للجيش استخدم فيه الطيران والقصف المدفعي والغازات السامه ،
منهم من رجع الى بيته من سكان مناطق كردستان ، والاغلبية الاخرى
عادت من حيث أتت أ
أتت
الى دول الجوار ، اكثريتهم توجه الى سوريا ، وبعضهم سلك طريق
أيران نحو الاتحاد السوفيتي سابقا ، او الى افغانستان ومن ثم الى دول
المنظومة الاشتراكية كمحطات بأتجاه عالم ومستقبل مجهول ،
وكما كان الحال في الزج غير المنظم لهم في الحركة ، كان خروجهم
الاضطراري من كردستان بعد توقف الحركة ، قد شكل ازمة ايضا وضغطا على
الحزب ، سيما في جانب مواصلة صرف المخصصات الشهرية القليلة لهم الى
ما لانهاية ، ولم تعد امكانية تشغيلهم في بعض الدول العربية متوفرة
كما كان في السابق ، فقد زالت الجمهورية اليمنية الديمقراطية ،
الداعم الشجاع للحركة ، ولم تعد لحركة المقاومة الفلسطينية في بيروت
كما في سابق عهدها دورا مهما في الساحة اللبنانية الرسمية لتشكل
سندا لظهرها ، والمنظومة الاشتراكية سبق وان بدأ انهيارها بعد اطلاق
كورباشوف لبريستويكته الشهيرة التي هزت العالم ، وهزت معها ايضا بهذا
الشكل وذاك قناعات بقايا الانصار وكثير من الشيوعيين بالأمل و
المستقبل ، والمقاعد الدراسية والمنح العلمية المتوفرة عند الحزب
للشباب لم تكن تكفي لامتصاص حتى القلة منهم ، فتوجهوا افواجا افواجا
الى دول اللجوء الغربية التي فتحت لهم ذراعيها في البداية ، ولقيت
هذه الخطوة تشجيعا وترحيبا من الحزب ، واخذ ينظم عمليات اللجوء هذه
بنفسه لمن يرغب ، ويتحمل بعض تكاليف سفرهم ، وفي احيان كثيرة كل
التكاليف باعتبارها ديون ( تسدد فيما بعد عند تحسن الاحوال ، علما
ان اكثريتها لم يسدد لحد الان ) ، بهدف تخفيف الاعباء المالية عن
الحزب و التي اصبحت مصادرها شحيحة ، وكانت عملية تشجيع الانصار على
اللجوء قد تركت انطباعا قاسيا في نفوسهم على ان الحزب قد تخلى عنهم
.
لم ينجح الحزب في معالجة آثار الانفال المربكة و المدمرة ، و وطأة
انهيار المثل والقيم القديمة المرافقة لانهيار المنطومة الاشتراكية
على نفسية النصير المنسحب كسيرا توا من المعركة ، ولم تكن لدى الحزب
اجابات مقنعة على تساؤلاتهم كلها ، لانه نفسه كان تحت تأثير الصدمة
العامة التي تعرضت لها الحركة الشيوعية آنذاك ، وكان من الطبيعي ان
النصير في هكذا اجواء مربكة أن يبدأ يفتش عن المسؤول عن كل ماحدث
ليتصالح مع نفسه ، وان عجز في الوصول الى الجواب ، يفتش عن الشماعة
التي يعلق عليها كل اخطاء الماضي والحاضر والمحتملة في المستقبل ، فلم
يجد امامه غير الحزب ، دون ان يدرك ان المسؤول الشماعة المفترض هو
ضحية ايضا ، بل اشد ضحايا الزمن الذي مضى الان ، والذي حاول ان يتوقف
بشجاعة وشفافية عند اخطائه في عدد من الوثائق التقيمية ، التي من اهمها
كانت تجربته في الجبهة الوطنية ، ووثيقة احداث بشتاشان ، و تجربة
حركة الانصار .، كلها اخطاء ، بعضها اخطاء كادت ان تؤدي بحياة الحزب ان
استمرت ، لكن الحزب تحدث عنها بشجاعة علنا لتجاوزها والنهوض بالحزب
مجددا ، وهذا مالم تتجرأ و تفعله في وقت سابق كل الاحزاب الشيوعية وغير
الشيوعية في المنطقة
.
انفض معظم الانصار عن الحزب بعد انتقالهم الى دول اللجوء واستقلوا
عن الحزب ماديا ، وابتعدوا عن التنظيم بمسافات مختلفة ، مستخدمين
شماعة أخطاء الحزب التي تتحمل كل شيء ( من الحجج الحقيقية والغير
حقيقية لتبرير هذا الابتعاد) ، دون ان يتوقفوا بشجاعة عند سبب واحد
قد يكون صحيحا ومبررا تماما ، وهو تأثير وضع العامل الذاتي ، أي
فترة الكهولة التي يمرون بها بعد هذه السنين الصعبة من البذل المخلص
والتضحية بأغلى ما يملكون ، وما يرافق هذه الفنرة من تعب صحي
ونفاذ القدرة و ضعف الطاقة على المواصلة ، كما كانوا شبابا ايام
الانصار ،
ليس
مايعيب الانسان ان يتغير بمرور الزمن ، بل هو قانون الحياة يحتم
ان يتحول البشرمن حال الى حال ( نحو الافضل او الاسوأ ، هذا موضوع نسبي
)، فأمكانية العطاء والمساهمة ونمط التفكير غير ثابتة عند الانسان
، وهي عرضة لتأثير المصالح الشخصية المتغيرة في الظروف الجديدة ،
( منها مسؤولية العوائل والابناء الذين ولدوا و تربوا في الغربة ،
والأرتباط بمصالح العلاقات المتكونه في المجتمع الجديد ، أضافة الى
هم الكدح والعمل اليومي لسد رمق الاسرة ومتعلقات تأمين مستقبلها ،
يثقل عليها امراض الكهولة الزاحفة بقوة ، التي تضعف من اندفاعة
الشباب الاولى .(
وكما
هو معروف أن جميع الانصار اليوم ، أصغرهم قد تجاوز سن الخمسين .،
والتغيير الذي اصاب البعض في رأيي ، مشروع وطبيعي لانه يتعلق
بوسع الانسان وحدود مديات المواصلة ، وما مطلوب ليس واحدا من الجميع
، لكن من غير المقنع عدم الاعنراف بتواضع انصاري بهذه الحقيقية (
الطبيعية اصلا ) ، ولا اقول تواضع شيوعي التي اصبحت تحدث كلمة
شيوعي حساسية وحكة في الجلد ، واللجوء بدلا عن ذلك الى شماعة اخطاء
الحزب الجاهزة ، لتعليق الحجج المنسوجة والمتوهمة التبريرية عليها
،
مايحزنني في غرفة ينابيع العراق البالتاكية ان الانصار القدامى ذوي
التاريخ الذي لاينكره احد عليهم كمقاتلين أبطال ضحوا بأثمن فرصة
منحتهم الحياة لهم ، هي فرصة فترة الشباب التي لن تعوض والتي
انقضت في عزلة الجبل الموحشة ، والمقارعة الشرسة للفاشية بالسلاح ،
وهي تضحية شخصية مشرفة أصبحت جزئا من تأريخه الشخصي وتاريخنا الناصع
المشترك مع الحزب ، الذي يجب علينا جميعا ان نفخر به و نصونه بكثير
من الأعتزاز ، والحرص من التشويه والاسائة اليه بدون ان ندري ،
سيما في هذه الفترة الحرجة التي تتكالب الرجعية بكل تلاوينها
والمحتل لاقصاء دور الحركة اليسارية عن مستقبل عراقنا ،
ان
هؤلاء الأ نصار الاعزاء ومعظمهم من اصدقائي ، نجدهم في كل مرة يدخلون
فيها الغرفة يبدأون حديثهم بكليشة مكررة اشبه باعلان البراءة السيئة
الصيت من الشيوعية ، والتنكر لتاريخهم الشخصي الذي يشرفهم ويشرف
الجميع دون ان يكونوا مضطرين الى ذلك ، أو طلب أحد منهم ذلك ،
ويؤكدون في مقدمات حديثهم على انهم غير ملتزمين او ليسوا بشيوعيين ،
أوأنهم شيوعيين ولكن ليسوا بحزبين ، واحيانا بانهم ماركسيين فقط ، وغير
ذلك ،
الكل في الغرفة يعرف بعضنا البعض ، وماعادت اسرار ، هذا صامت ومستمع
فقط ، وذاك متحدث ومستعد ان يتداخل في كل موضوع ، و هذا مازال في
التنظيم والاخر خارجه لسبب ليس من الضروري ان نعرفه ، لأن قضية
البقاء في الحزب او تركه كما هو معروف ، قضية اختيار شخصي حر له
علاقة بالقناعات التي هي ليست ثابته بالضرورة ، والنظام الداخلي
للحزب كفل هذا الحق بوضوح ، بأعتبارها علاقة ( اختنيارية ) مما
لايستدعي من النصير العزيز ، التعب و صرف وقت في كل مرة يدخل فيها
الغرفة ليعلن ويؤكد البراءة مجددا تحت يافطة الشفافية والديمقراطية
التي تسمح لنا ان نقول ما نريد ، وكل شيء ، وعندما تكون هذه المقدمه
مكررة افهم منها انها مغرضة وتهدف للأساءة لا للحزب فقط ، بل
للمتحدث نفسه الذي لايربطني به الا تاريخه المشرف كشيوعي نصير
ومضحي ،
او
ان يكون له قصد برىء آخر لايوضحه ، سيما انه لايسبب هذه البراءة أو
يسبب تركه التنظيم ، واذا ما اراد التبرير فيلجأ كالعادة الى الاسهل
( شماعة الحزب الجاهزة التي تتحمل كل شيء ) وموضوعة أخطاء وتصرف
القيادة ، وما الى ذلك من أقاويل تردد بهذا الصدد في كل زمان ومكان
منذ تأسيس الحزب ، وحتى هذا التاريخ ، لترسيخ فكرة وانطباع عام في
الغرفة بأن سبب تركه للتنظيم الذي كان يحبه حتى الموت كما يعلن ،
يعود الى مؤسسة الحزب الحالية بذاتها الغير جديرة بالمسؤولية ،
والتي تتحمل لوحدها مسؤولية ابتعاده ، ولايذكر لنا طبعا ظرفا اوسببا
شخصيا آخر يعرفه غير معلن احتفظ به لنفسه ، على الارجح انه هو السبب
الخفي الحقيقي .
مع كل هذه المواقف التي اجدها متشنجة تجاه الحزب ، والملاحظات التي
ذكرتها حولها ، يبقى هذا الطبف الواسع الجميل من الانصار القدامى
الذين تركوا التنظيم لاسباب عديدة ( محقين بها او غير محقين ) ، هم
الاقرب الى الحزب ، يحلمون ويتحدثون بذاكرته وتراثه ، وما زالوا
ملتسقين به بلا فكاك ، حريصون ( رغم ان ارجلهم تقف خارج الحزب ) على
الالتفاف بقوة حوله ، وفي اعماقهم مازالت جذوة الحب القديم للحزب
مشتعلة ، ومن غير العدل فهم البعض لمواقفهم في غرفة البالتوك
بالمواقف الانتهازية أوالانهزامية أوالتبريرية وغيرها من التهم
المتسرعة الجاهزة ، رغم انهم احيانا و بدون ان يدركوا ذلك ، يصطفون
في كثير من الاحيان مع طروحات ونوايا اعداء الحزب الغير بريئة
الرامية لايذاء الحزب ، والتي لم تنقطع في يوم من الايام
.
|