|
مسيرة الجمال والنضال-58-
فيصل الفؤادي(أبو رضيه(

الهجوم الأخير والخروج من كردستان
بين حين وآخر كنا نسمع الأخبار حول مدى استعدادات النظام للهجوم على
مناطقنا، وبالفعل بدأ الهجوم على المنطقة التي كنا نحن فيها (مناطق
لولان التي شملت ارموش وموقع دجلة). كنا نقول لرفاقنا هؤلاء سوف يهجمون
علينا فيردون قائلين: لا إنهم يهاجمون القوات الإيرانية فقط ولا
يهاجموننا. قلنا: وما هي الضمانة؟ قالوا: نحن نعرف هؤلاء عشائر
(البرادوستية) وغيرهم وهم يعرفون مواقعنا. وبعد يومين أو ثلاثة جاء أمر
إلى الإداري (سعيد عرب) بتوزيع ما لديه من ملابس في المخزن إلى الرفاق
تم توزيع الجواريب والفانيلات وبعض المعلبات وذلك لتدهور الأوضاع ، أما
نحن فقد قرر م| س ( المكتب السياسي ) رجوعنا إلى مقراتنا في بهدينان.
في منتصف آب رجعنا في ظروف غاية في الصعوبة والتوتر، وتحت تحضيرات
الحرب علينا، بعد أن توقفت الحرب العراقية الإيرانية في إعلان من
الطرفين وبمساعدة الأمم المتحدة وبشكل رسمي. لقد انتهت الحرب يوم 8 / 8
/ 1988 وبعد ذلك توقفت الحرب بشكل نهائي يوم 25 آب من نفس السنة، كان
توقف الحرب يعنى أن دورنا قد جاء، هذا ما كنا نقول. كنا مجموعة من ستة
رفاق (لقمان الذي وصل توا من العلاج من إيران، كريم، سامان، جاسم، وم.
فائز المسؤول وهو أساسا مريض ثم كاتب هذه السطور الإداري.(
في زحمة تلك الظروف وعبور (كلي ره ش) حتى (الدشت كوستا) إلى منطقة (كلي
عادل بيك)، تجمعنا هناك حيث كانت الطريق مغلقة مرة أخرى وكنا من مختلف
الأحزاب إضافة إلى الأهالي من قرى بهدينان. بقينا ثلاثة أيام تحت شمس
محرقة حيث لا توجد أشجار يمكن الاحتماء بها، وإنما كما يقولون أشجار
دفلة صغيرة (يا دوب تكفي واحد أو اثنين). بعد ذلك جاء أمر الأتراك بفتح
الطريق، من اجل إيذائنا، فتح الأتراك الطريق الساعة الثانية عشرة ظهرا،
في أوج ارتفاع درجات الحرارة الحارقة، في نفس الوقت وقع أو مرض الرفيق
م. فائر وأخذت حرارته ترتفع. لم نكن نعرف ماذا نفعل، إلا إننا وضعناه
على ظهر الحيوان الذي كان معنا وسرنا مع الأهالي والبيشمركة الآخرين،
حيث وزعنا أنفسنا بينهم لكي لا يكشفنا الأتراك ويعرفون إننا شيوعيون.
وزعنا
أنفسنا بحيث يكون سامان الذي كان يجيد اللغة الكردية مع فائز، وتوزع
البقية مع الجميع مع الناس الفارين من حرب الفاشست وجحيمه. بعد حوالي
ثلاث ساعات وصلنا قرية زيتة العراقية بأمان، لكننا كنا متعبين وجائعين
جدا، أما رفيقنا المريض ازدادت حالته سوءا، بدأت تنتابه حالات متواصلة
من الارتجاف. لم نكن نعرف ما الذي أصابه، ما هو مرضه، كنا نرى أن
الحرارة المرتفعة قد أنهكته، الحرارة بعينها التي هي أثرت عليه.
كنا
نشعر في هذه القرية بالأمان، لكن التأخير ليس في صالحنا مع اشتداد
المرض أدرك الرفيق أن ما كان يحدث له هو أمر خطير، وان الخطر جدي، لقد
غطت الرفاق موجة من الحزن وأنا بشكل خاص حين قال لي: (بلغ الرفاق
تحياتي!) ثم نطق اسمه الصريح. مع إنني شديد الصبر ورغم محاولتي تطمينه
بان الأمور بسيطة، إلا أن دموعي أخذت تسقط دمعة اثر دمعة، بعدها انهمرت
بحيث لم اعد أسيطر عليها. لم أكن اعرف ماذا اعمل. كانت ساعات وأيام
صعبة، والأصعب أن تواجه حالة كهذه، لكن بعد حوالي أربعة أيام تحسن
قليلا بسبب اللبن والحليب والمعلبات والعناية البسيطة التي كانت متاحة
حينها.، ضحكنا طويلا عندما قال لي (يا رفيق أبو رضية اكتلتني بالمعلبات
ليش ما تشتري لي على الأقل دجاجة) قلت له (اسكت فلوس ما عدنه وهسه نريد
نتجه للمقر)، لكن تحسنه الطفيف لم يعطنا الأمل في شفائه، وعلى أساس ذلك
الموقف أرسلنا ثلاثة رفاق إلى مقر القاطع لكي يرسل الرفاق من هناك
دكتور قلنا لهم إننا سنتحرك بعدهم، والأفضل أن نلتقي الدكتور في
الطريق. ذهب جاسم ولقمان وكريم وبقيت أنا وسامان والمريض سرنا بعدهم في
المساء حيث كنا نحمله على البغل بعد ثلاثة أيام التقينا مع الدكتور أبو
تضامن في قرية (كاروكاه) وكان معه مرافقان بعد ذلك قدم للمريض الدواء
اللازم فارتأح مريضنا بعض الشيء، سرنا سوية بعد أن أصبح أكثر تحسنا مع
مرور الوقت، كان اللقاء دافئا بين الدكتور وم. فائز فقد تبادلا الحديث
والتعليقات الطريفة.
حين وصلنا إلى المقر قالوا لنا: انتم تذهبون إلى مقر الفوج الثالث سرنا
إلى هناك وبقي مريضنا في مقر سرية المقر في نيروه، التقينا مع المسؤول
الأول آنذاك (أبو عادل) الذي اخبرنا بضرورة الرجوع إلى سرية المقر خاصة
وان الظروف أصبحت سيئة، وهنا لا بد أن أسجل أن رجوعنا كان في أصعب ظرف
مررنا به.
ففي
هذا اليوم وهو الثالث والعشرين الرابع والعشرين من آب عام 1988 حين
قررنا الرجوع من مقر الفوج الثالث في (كلي هسبه في متين حتى منطقة
نيروه على الزاب) وكنا أربعة رفاق وهم أنا وأبو نادية (مقدام) وعمودي
وأبو ماجد، قلنا إن الظرف لا يسمح بالذهاب الآن، لكن القرار قرار.
أخذنا
بعضا من الخبز والمعلبات وكنا صباحا قد ذهبنا لندبر شيئا من المشروب في
آخر أيامنا حيث لا نعرف ماذا سيحدث لنا في قرية (ميسكه المسيحية) التي
تقع قرب فوجنا، كادت تحدث مشكلة مع شخص من القرية لكن تمت تهدئه
الأوضاع.
سرنا عبر الطريق العادي وبعد ثلاث ساعات ونصف شاهدنا القرى خالية من
أهلها فقط البعض من الدجاج والحيوانات تمرح في المزارع، عندما جلسنا
للاستراحة في قرية (يك ماله) شاهدنا رجلا وامرأة يحملان بقية أمتعتهم
الثمينة وكانت معهم بعض الحيوانات كانت الساعة حوالي الحادية عشر ليلا،
قررنا بعد ذلك الذهاب إلى مقراتنا. لم نكن نعرف شيئا عن الأوضاع
والأحداث المتسارعة علينا أن نستغل كل دقيقة من الوقت حيث الأخبار
تتوارد ناقلة تقدم الجيش والجحوش إلى المنطقة وجميع القرى بأهاليها
كانت تتسارع بالانسحاب.
بعد
مناقشة وتحليل للأوضاع في تلك الساعة، قال الرفيق أبو ماجد: يجب ان
يكون لدينا مسؤول لمفرزتنا وأنا اقترح أن يكون الرفيق أبو رضية لكن
عمودي قال: لا، لا يوجد مسؤول بيننا بل نحن الثلاثة قيادة وأنت
القاعدة، لأننا نعرف الطريق إلى القاطع وأنت لا تعرف، بعد أن ضحكنا على
هذا المقترح غادرنا باتجاه المقر وصلنا إلى ملخته (القرية المالحة)،
وقال أبو نادية أنا الحرس الأول وانتم ناموا ! لم يكن في ذلك المكان
غير البعض من القرويين وبعض البيشمركه من الديمقراطي. يبدو أنهم جاءوا
قبلنا وكذلك الرعاة ومعهم بعض الحيوانات.
دار
نقاش طويل بيننا حول الأوضاع العسكرية، لكننا كنا متعبين فنمنا مع
سلاحنا في العراء، بعد ساعة أيقظني أبو نادية للقيام بدوري في الحراسة،
حتى الساعة الثامنة تقريبا من يوم الرابع والعشرين من آب غادرنا المكان
قرب المفرق تفرقنا عمودي وأبو نادية يذهبان إلى مقر القاطع في زيوه من
الجهة الخلفية لمقر الحزب الديمقراطي وأنا وأبو ماجد إلى مقر المكتب
السياسي لحزبنا في منطقة نيروه عبرنا الزاب وكان معنا كثير من الأهالي
مع مواشيهم يعبرون باتجاه نيروه والحدود التركية.
في نفس اليوم تم قصف مقر السرية بثمانين صاروخا انطلقت من راجمات وعلى
دفعتين، لم نكن نعرف هل القصف كان يتم من العمادية أو (ديرلوك) أو من
(سرية سري زه ري) وقعت الصواريخ جميعها بالقرب من مقر فصيل السجن حيث
يوجد الرفاق السبعة (أبو نادية، عمودي، أبو وسن، أبو جواد، منذر، أبو
سعد، سلام مروكي.(
في
الساعة الثالثة أو الرابعة بعد منتصف الليل وصل إلينا الرفيقين أبو
نادية وسلام مروكي (لا اعرف لماذا سمي بهذا الاسم، يقال انه كان يحب
أكل المركه) وجدناهما متعبين ومنهكين، كان وضعهما مرتبكا، حيث تحدثا
لنا عما جرى لهم (عندما قصفوهم كانوا في الكبره( مكان صيفي تضلله أغصان
الأشجار ) والآخرون كل واحد في مكان نومه. ضرب مقر زيوه أربعون صاروخا
من الراجمة ولم نعرف مصدرها، بعد حوالي نصف ساعة قصفونا بأربعين صاروخا
آخر سقطت قريبا منا لم نكن نعرف هل كانت صواريخ تحمل مواد كمياوية أم
لا، لكن حالة من الفوضى والارتباك حدثت بيننا جميعا، عمودي رمى بنفسه
من على السفح الذي كان قريبا من القاعة وإثناء رميه نفسه لا احد يعرف
أين هو حتى الساعة الخامسة، بعد تفحص جسده متحسسا إياه بيديه فاكتشف
انه لم يصب بأذى حيث أوقفته شجرة أثناء الدحرجة وبقي فيها أما منذر فقد
كان يصيح بأعلى صوته وسقط في المقبرة القريبة لقاعة الفصيل (حيث كان
يرقد الشهيدان أبو رزكار وأبو فؤاد) أبو وسن سقط في الساقية القريبة
أيضا، وبقي أبو جواد الذي سقط قريبا من البستان أسفل القاعة، أما
الرفيق أبو سعد فقد استطاع أن يعبر الزاب بواسطة المعبر الرئيسي
الموجود عليه، لكنه كان يعتقد أن الجيوش قد أحاطت به وانه محاصر، لذلك
فقد انتحر في الجانب الثاني من الزاب، وقد دفنه أهل المنطقة في نفس
المكان. كانت مأساة قد حلت بهذه المجموعة التي كانت تعتقد أنها محاصرة.
لقد
استشهد ثلاثة رفاق هم (أبو جواد، أبو وسن وأبو سعد)، وهي بالنسبة لنا
كارثة كبيرة خاصة وان ما حدث كان في آخر يوم من الانسحاب وانتهاء سنوات
الكفاح المسلح، تم جلب الرفيقان عماد ومنذر.
ذهبت
مباشرة بعد وصول أبو نادية لمساعدة الرفاق في مقر زيوه ، تم دفن
الشهداء أبو وسن في الساقية وبشكل سريع وأبو جواد قريبا من البساتين،
تبين بعد ذلك انه غاز الأعصاب الذي استخدمه النظام في قصفه الصاروخي،
هذا السلاح الكيمياوي المحظور دوليا الذي لا يستطيع ضحاياه السيطرة على
أنفسهم ، هكذا تعرضنا لواحدة من جرائم النظام البشعة الغادرة.
|