|
رمضان الخير
بقلم الدكتور السيد علاء الجوادي

اطعام الفقراء في رمضان
من اهم اهداف شهر رمضان المبارك هو ضرورة ان يحس الغني بمعاناة الفقير
الجائع. ويعلمنا القرآن الكريم من خلال تخليد مواقف اهل بيت النبوة
بهذه القضية. وتقصدت ايراد هذه الرواية ضمن البحث من باب الاعتبار
بسلوك اهل البيت الاطهار. قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز:
ويطعمون
الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله، لا نريد
منكم جزاء ولا شكورا * إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا * فوقاهم
الله شر ذلك اليوم * ولقاهم نضرة وسرورا * وجزاهم بما صبروا جنة
وحريرا* سورة الإنسان آية 8 - 12
وحسب تفسير الزمخشري رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما، إن الحسن
والحسين عليهما السلام مرضا، فعادهما سيدنا رسول الله صلى الله عليه
واله وسلم، في ناس معه، فقالوا: يا أبا الحسن، لو نذرت على ولدك، فنذر
علي وفاطمة، عليهما السلام وفضة جارية لهما إن برآ مما بهما، أن
يصوموا ثلاثة أيام، فشفيا، وما معهم شئ، فاستقرض علي من شمعون اليهودي
ثلاثة أصوع من شعير فطرزت فاطمة صاعا، واختبزت خمسة أقراص، على عددهم،
فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل، فقال: السلام عليكم أهل
بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني، أطعمكم الله من موائد
الجنة، فآثروه، وباتوا لم يذوقوا، إلا الماء، وأصبحوا صياما، فلما
أمسوا، ووضعوا الطعام بين أيديهم، وقف عليهم يتيم فآثروه، ثم وقف عليهم
أسير في الثالثة، ففعلوا مثل ذلك، فلما أصبحوا أخذ علي، عليه السلام،
الحسن والحسين عليهما السلام، وأقبلوا على رسول الله صلى الله عليه
واله وسلم، فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع، قال: ما أشد
ما يسوؤني ما أرى بكم، وقام فانطلق معهم، فرأى فاطمة في محرابها، قد
التصق ظهرها ببطنها، وغارت عيناها، فساءه ذلك، فأنزل الله جبريل، وقال:
يا محمد، هنأك الله في أهل بيتك، فاقرأ السورة
وروى الواحدي في أسباب النزول في قوله تعالى: ويطعمون الطعام على حبه
مسكينا ، قال: قال عطاء عن ابن عباس: وذلك أن علي بن أبي طالب، أجر
نفسه يسقي نخلا بشئ من شعير ليلة، حتى أصبح، وقبض الشعير.
ورواه ابن الأثير في أسد الغابة في ترجمة فضة النوبية جارية فاطمة
الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبعد هذه المقدمة الايمانية وفي اجواء رمضان المبارك حيث يحس الناس
احساسا واقعيا بالم الجوع ورجوعا الى الكثير من التجارب الناجحة في طول
الكرة الارضية وعرضها، نطرح هنا مشروع الامن الغذائي للفقير المحتاج،
ويتقوم هذا المشروع بالعناصر او الاطراف المهمة الاتية:
1-
الدولة ومؤسساتها المختصة.
2-
المرجعيات الدينية بكل الوانها.
3-
منظمات المجتمع المدني.
4-
الاغنياء واصحاب المليارات ورجال الاعمال.
5-
عموم الناس.
وكل طرف من هذه الاطراف قادر وبيُسر على تقديم الدعم المالي للمحتاجين.
حتى الانسان العادي لو انفق مبلغا بسيطا فان هذا المبلغ سيتحول الى
مبلغ ضخم جدا لو اضيف بعضه لبعض.
الهدف الكلي من هذا المشروع هو ضمان خلو العراق والجاليات العراقية في
خارجه من الجوع انطلاقا من الإيمان بحق الإنسان العراقي بالحصول على
الغذاء الكافي المتوازن لحياه كريمة، ولكي يضمن كل محتاج حصوله على
الطعام المناسب في الوقت المناسب وبدون انقطاع. ومن العار الشنيع على
كل عراقي ان يبات هو شبعا واخ عراقي اخر او اخت عراقية اخرى له يبات
جائعا. وينبغي ان تعطَ الأهمية لكل من لا يستطيع الكسب مثل:
*
الأرامل
*
الأيتام
*
من لديهم مرض مزمن لا سيما الامراض السرطانية وامراض القلب والامراض
العقلية.
*
المعاقين وما اكثرهم في عراق الحروب والازمات
*
كبار سن.
*
المهجرين من بيوتهم
*
ألاسر التي فقدت عائلها ولا مصدر لها للرزق
ولانجاح مثل هذا المشروع ينبغي لنا الالتفات الى النقاط التالية:
•وينبغي
ان يشارك كل طرف وحسب موقعه وامكانياته بنصيبه في هذا المشروع والهدف
هو القضاء على الجوع ودعم السلة الغذائية للفقراء وبطريقة تحفظ كرامتهم
وانسانيتهم وصحتهم. عبر التعاون بين كافة الأفراد والقطاعات الرسمية
والأهلية والخاصة.
•والتوعية
بمشكلة الجوع، القائمة على الأبحاث والدراسات وتحفيز العمل التطوعي
والدفاع عن حقوق المستحقين واستقطاب التمويل اللازم لتوفير المساعدات
الغذائية وباستمرارية لما للجوع من آثار اجتماعية واقتصادية معوقة لنمو
المجتمع ومسببة لكل انواع الفساد بالمجتمع.
•نحتاج
من خلال خطة منظمة الى عمليات توعية للمسؤوليين وللاثرياء بحرمة إهدار
الطعام، ويشمل ذلك توجه للفنادق وللمطاعم الكبيرة وغير الكبيرة ولأفراد
المجتمع بأكمله ونشر الوعي بين الفئات المثرية في المجتمع.
•نحتاج
الى توعية الكبارا والصغار في مجتمعنا في كيفية التعامل مع الطعام من
حيث تقليل اتلاف الغذاء وهدره واستغلال الفائض بالأسلوب المتحضر خاصة
في المؤتمرات والأفراح والحفلات والمناسبات والولائم والتاسيس لعادات
سليمة في تناول الأطعمة الطعام.
•الاستفادة
من الخبرات المحلية والاقليمية والعالمية بهذا المجال.
رمضان مدرسة بناء للانسان
هذا هو الصوم جنة من كل الامراض والسيئات والاثام. وفائدة كبيرة
للانسان. انه دورة تربوية تثقيفية سنوية للفرد والمجتمع، فينبغي لنا
جميعا ان نستفيد منها باكبر درجة ممكنة. حتى يكون صيامنا صياما حقيقيا
وليس صياما شكليا لا يتشمل الا على العطش والجوع والتعب.
ينبغي ان يكون صومنا صوما يحدث تغييرا في نظام التغذية الذي اعتاده
الإنسان طوال السنة مما يجعله يعيد النظر فيما ألفه من سلوك، وفيما
ينطق به من كلام أو يقوم به من عادات غير صحيحة او صحية.
ينبغي ان يكون صومنا صوما لبناء الشخصية الانسانية وتطويرها وتقوية
للإرادة والصبر عند المسلم. في الوقت الذي يكون به إمساك الصائم نفسه
عن شهواتها طاعة لله خلال شهر رمضان فانه كذلك يمثل رياضة روحية كبيرة
وتدريبا لإرادته حتى يصبح متحكما في شهواته وغرائزه وتصبح تحت تصرفه
فيوجهها نحو الخير.
ينبغي ان يكون صومنا بمثابة مدرسة تربوية للسمو بالنفس وكبح شهواتها
ورغباتها والاستعلاء على ضرورات الجسد الطاغية على انسانية الانسان
والتي تتجسد بالعديد من العادات السيئة المكتسبة وان تعطيه مناعة ضدها
والابتعاد عنها.
ينبغي ان يكون صومنا دعوة حقيقية لتحقيق المساواة بين مختلف فئات
المجتمع والبعد عن الاستغلال المادي والجشع والسرقة والتفريط بالمال
العام وان تكون دعوة كي يتقاسم الغني والفقير الاحساس بالجوع والعطش،
وان يزرع في نفوس الأغنياء الشعور بآلام الفقراء المحرومين.
ينبغي ان يكون صومنا محضنة لتقوية الروابط الأسرية في مثل هذه
المناسبات وتوطيد العلاقات بين الجيران من خلال الزيارات وتبادل
التهاني والدعوات.
ولنجعل من رمضان اعلان عهد في التكافل الاجتماعي، والشعور بالوحدة
والتضامن بإفطار المحتاجين وإكرامهم.
وليكن رمضان المبارك وسيلة من وسائل الترشيد في المجتمع للتخفيف من
نفقات البيت بسبب تخفيض وجبات الأكل اليومية وتخفيف المصروفات العامة.
لنجعل من الصوم مستشفا لمعالجة الامراض العويصة الصعية من خلال تخلص
الجسد من النفايات السامة التي تتجمع في أمعائه وتقوية أجهزة التفريغ
وتحسين وظيفة الهضم وعلاج امراض السمنة والمحافظة على طاقة الجسد
وترشيد توزيعها حسب متطلبات الجسد
وعلى صعيد الروح لنجعل من رمضان المبارك مدرسة لترسّخ الإيمان في
القلب، وتشدّيد عُرى التقوى في داخل الإنسان.
ولنتذكر نحن اهل العراق في شهر رمضان سلوك رسولنا نبي الرحمة ومكارم
الاخلاق في هذا الشهر الفضيل ونجعل من رمضان مدرسة في التهذيب
الاجتماعي الذي ابتعد عنه كثيرون للاسف الشديد لنتذكر عندما مرّ رسول
الله صلّى الله عليه وآله فسمع امرأة تسبّ جاريةً لها، فدعاها إلى أن
تأكل طعاماً، فقالت تلك المرأة: أنا صائمة يا رسول الله!
قال لها: كيف تكونين صائمة وقد سببتِ جاريتكِ؟!
إنّ الصوم ليس من الطعام والشراب، وإنّما جعل الله ذلك حجاباً عن
سواهما من الفواحش، من الفعل والقول يُفطر الصائم. ما أقلَّ الصُوّام،
وأكثر الجُوّاع.
ولنتذكر قول رسول الله صلّى الله عليه وآله: ما مِن عبد صالح يُشتَم
فيقول: إنّي صائم، سلامٌ عليك، لا أشتمك كما شتمتني، إلاّ قال الربّ
تبارك وتعالى: استجار عبدي بالصوم من شرّ عبدي، فقد أجَرَتُه من النار.
وفي ذلك دعوتان:
الاولى: هو كف اللسان عن الناس
والثانية: تحمل الانسان الرسالي لسب الناس له.
ونقول ختاما ان في التعامل مع الصوم مراقٍ ودرجات يمكن اجمالها بثلاثٍ
هن:
الدرجة الاولى
الصوم الشكلي او الظاهري ويكون بترك الطعام والشراب وبقيّة المفطرات،
على ما قرّره الفقهاء من الواجبات والمحرّمات.
الدرجة الثانية
وفي هذه الدرجة اضافة للصوم الانف الذكر فان جوارح الانسان جميعها تصوم
من مخالفات اوامر الله عز وجلّ ونواهيه.
الدرجة الثالثة
وفي هذه الدرجة اضافة لما سبق ذكره فان الانسان يصوم ويبتعد ويهجر كل
ما يشغله عن الله.
ان الصيام الحقيقي هو الصيام عن الذنوب، والعزوف عن المحرّمات. ذاك هو
صوم القلب الذي هو خير من صيام اللسان، وصيام اللسان الذي هو خير من
صيام البطن. ومن معالم صيام القلب ابتعاد الانسان عن التفكير.
نسأل الله ان يتقبل منا صالح الاعمال في شهر رمضان المبارك. والحمد لله
رب العالمين
|