|
بين زمنين
تقي الوزان
عام 1991 , وأثناء عملية تحرير الكويت من قبل القوات الأمريكية
وحلفائهم , كنا في كمب للاجئين في السويد . كنا نحاول ان نوضح للآخرين
من غير العراقيين حجم الظلم الذي انزله النظام الصدامي بالكويت ,
وقبلهم العراقيين والإيرانيين . تصدت لنا مجموعة من اللاجئين العرب ,
كانوا يقدسون صدام , واخذوا يتعرضون لنا , وتدخلت إدارة الكمب لإيقاف
تجاوزهم علينا . وبعد أيام عرضت التلفزيونات فيلم يظهر فيه جندي عراقي
أسير يقبل بسطال الجندي الأمريكي , واخذ الأخوة العرب يتجاوزون علينا
أكثر , واعتدوا على احدنا بالضرب المبرح , لكوننا جبناء نقبل البسطال
الأمريكي ولم ندافع عن الوطن , ويقصدون صدام . لم يدركوا ان اغلبنا من
بيشمركَة الحزب الشيوعي , وقضوا أجمل سنوات عمرهم في معارضة النظام
الصدامي , وتحملوا مع عوائلهم كل صنوف العذاب والموت كي لا يصل الهوان
بالعراقي إلى هذا الحد , واضطرت إدارة الكمب لإبلاغهم بانهم سيسفرون
الى البلدان التي قدموا منها ان هم كرروا اعتدائهم علينا
.
لم نتبرأ من الجندي العراقي المسكين , وحاولنا إفهام الآخرين مدى
انسحاق هذا الجندي من قبل آلة الإرهاب الصدامي , كانت المرارة تسحقنا
, والذل يلجم أفواهنا , كنا ندافع باستماتة لكي نوقف نزيف كرامتنا ,
آلاف السكاكين الصدامية والأمريكية تنغرس في قلوبنا وسط ذلك الظلام
الدامس , لا نرى علاماتها , نفرق بينها من شدة الطعنة , وكلما كانت
الطعنة أعمق , وأكثر تمزيقا , ندرك إنها طعنة بعثية . لا احد يلومنا ,
استنزفت كرامتنا , ولم يبقى ما نفاخر به غير الذل والامتهان , ولو جاء
كَلكَامش لضحكوا عليه , واخبروه : بأنك لو كنت بعثيا لما سرقت الأفعى
منك أعشاب الخلود , ليس المهم ما سعيت لأجله , بل ماهو بين يديك . كيف
السبيل لإفهامهم بمحنة كَلكَامش ؟! كيف يفهمون ان سبب بلائنا هو بحيرات
النفط تحتنا , وليس لديهم عشر خيراتنا , ولكننا نهرب إليهم ونلوذ
برحمتهم من سطوة أبناء جلدتنا , كيف يدركون ان كل أنهارنا ومياهنا لن
تتمكن من إزالة الأوحال التي لصقت بكرامتنا , وجعلت منها عورات نخجل من
إظهارها . عرضت لقطات الجندي عدة مرات , ثم رفعت ولم تعرض بعدها ,
لإدراكهم ما تسببه من الم , لحجم الامتهان من كرامة البشر
.
صباح يوم الانتخابات في 7 آذار , عرضت فضائية العربية لقطات عنونتها :
أول رجل ينتخب في البصرة , لألفات النظر أكثر في التركيز عليها , وقطعا
انه لم يكن اول المنتخبين , لان المسئولين يدفعون آلاف الدولارات
للقنوات الفضائية كي يحضون بأبهة الناخب الأول الفاشوشية . كان قد قارب
السبعين من العمر , يلبس العقال , وسترة عتيقة متربة , والضعف واضح في
نظراته , وتكسر صوته . كان يشكو بمرارة وألم من ضعف الحال , ويتوسل
المسئولين على ان يمنحوه المساعدة الشهرية الشحيحة كل شهر , وليس كل
ثلاثة اشهر . ويسأل : من أين نأكل ؟! وانحنى على الميكرفون وقبله بتوسل
. أثارت هذه أللقطات العار الذي شعرنا به ونحن نشاهد الجندي العراقي
قبل ما يقارب العشرين عاما
.
هل يدرك الساسة العراقيون , وبالذات من استلم , ومن سيستلم السلطة الآن
, ان : لا فرق بين البسطال الأمريكي وبين مايكرفونات قنوات العهر
والفضيحة العربية , ومثلما عرضت أللقطة الأولى عدة مرات ورفعت , عرضت
قناة العربية أللقطة الثانية عدة مرات ورفعتها أيضا , لنفس السبب .
فهل يدرك هؤلاء السياسيون : ان نتيجة البؤس العراقي واحدة , ومن لا
يرتضي مقارنته بصدام عليه العمل بجد لإزالة أسباب هذا البؤس . هؤلاء
ليسوا منافسين لكم , او خصوم سياسيين , حتى تجري محاصرتهم بعيشهم
وكرامتهم , انهم الرايات التي تكشف عن سفالة الحكام العراقيين , هذه
العلامات لايمكن إزالتها بدهون المكياج والعطور , بل تحتاج الى عمليات
جراحية لكي تستأصل وتمحى آثارها الى الابد.
|