|
|
||||
|
|
||||
|
طباعة الصفحة |
لترجمة الموضوع أنظر أسفل الصفحة |
23-08-2009 |
||
|
To translate see the bottom of the page |
||||
|
كان كامل شياع شجاعا في اختياره فكر المستقبل كريم مروة أصدقائي في العراق الحبيب، أهلي في وطني الثاني، رفاق دربي ووجعي، رفاق أملي المثخن بالجراح، أملي وأملكم، الذي لن تقوى الأعاصير، مهما اشتدت، على لوي عنقه وعنقنا فيه، ولوي عنق التاريخ القادم الذي يبشر بغد مشرق، في عراق ديمقراطي حر، وفي لبنان ديمقراطي حر، وفي فلسطين دولة حرة ومتحررة، وفي عالم عربي متحرر من أنظمة الاستبداد، ومن كل أنواع الظلاميات، ومن كل أنواع التدخل الخارجي في شؤونه وشجونه. من لبنان الجمال والحرية، الذي يحاول أن يتعافى من آلامه وجراحه، من عاصمة الثقافة، بيروتنا وبيروتكم، التي استعصت، والتي ستظل تستعصي، على الغزاة، وعلى الدخلاء، وعلى الظلاميين والقتلة، أتوجه إليكم يا أصدقائي، باسمي، وباسم اللبنانيين الشرفاء، من دون استئذانهم، بتحية حب ووفاء وعزاء وتضامن. يصعب عليّ الكلام، يصعب إلى حدود الاستعصاء، في حضرة الغياب القسري، في حضرة الشهادة والشهيد، في حضرة هذا المثقف الشجاع، كامل شياع، مقتولاً بكاتم الصوت، غدراً وجبناً ونذالة، باسم إرهاب يستمد أصوله وجذوره من كهوف التاريخ، ومن ترسانة نظام الاستبداد والطغيان البائد. رحل كامل شياع، يا للفاجعة. رحل، مثلما رحل قبله مثقفون كبار، ومفكرون وقادة كبار. رحل هو، ورحلوا هم، بالطريقة ذاتها، بكاتم الصوت ذاته، في فترة أولى، ثم بالعبوة الناسفة تحت مقاعد السيارات، في فترة لاحقة. رحل هؤلاء الكبار، الواحد منهم تلو الآخر. لكن القتلة ما زالوا يمارسون فعل القتل، من دون رادع، ويعبثون ببلداننا، ويعيثون فيها ضلالاً وظلاماً ودماراً وفساداً. هل تذكرون حسين مروة، ومهدي عامل، وجورج حاوي، وسمير قصير، هؤلاء الصفوة الخيرة من المثقفين والمفكرين والقادة، الذين تحبونهم وتقدرونهم؟ في حضرة الشهادة والشهيد تفقد الكلمات معناها وجدواها، أو تكاد. لكن الأمل الراسخ فينا، الأمل بالغد المشرق القادم، الأمل الذي نحن محكومون به، سرعان ما يعيد إلى الكلمة دورها، ووزنها وفعلها. ودور الكلمة، الكلمة الحرة، الكلمة الشجاعة، هو، دائماً، أقوى من الرصاص، وأقوى من كاتم الصوت، وأقوى من العبوة الناسفة. كلا، ليس قدرنا أن نعيش هكذا في حقول الألغام، وفي صحراء العبوات الناسفة، وفي زواريب كواتم الصوت. ليس قدرنا أن نعيش في انتظار أدوات الموت هذه، تأتي إلى صفوفنا، من دون إنذار، لتنتزع من قلوبنا ومن شرايين الحياة فينا أشرف الناس من كبارنا، وأطيب الناس من أهلنا البسطاء. كلا، أيها الشهيد الذي نودع، يا كامل شياع، ويا رفاق كامل شياع، في العراق وفي لبنان، وفي كل مكان في هذا العالم العربي القابض على جراحه، الغارق في آلامه وأوجاعه، المفجوع بأحلامه الممزقة. كلا وألف كلا. كلا، ليس هذا قدرنا. سنقاوم، وسننتصر، وسندخل في التاريخ الآتي حتماً، أقوياء على خصومنا من كل الأنواع والأجناس والأشكال. سنصنع مستقبلنا بيدنا. سنبنيه حجراً حجراً، مدماكاً مدماكاً. لم يكن كامل شياع مثقفاً عادياً. وما أكثر المثقفين، وما أكثر أنواعهم، في عالمنا العربي، وفي العالم المعاصر. كان كامل مثقفاً من نوع مختلف عن السائد. لم يكن وحيداً في تميزه. لكنه كان ينتمي إلى تلك الصفوة القليلة من المثقفين، الذين لا يعرف الخوف طريقاً إلى عقولهم وإلى قلوبهم وإلى مصادر الحياة العامرة في شرايينهم. كان كامل شياع شجاعاً في اختياره الفكر الذي يمثل المستقبل. وكان شجاعاً في اختياره الطريق إلى تحقيق الأهداف المتصلة بذلك الفكر. وكان شجاعاً في الانتقال من منفاه القسري الهادئ إلى وطنه الغارق في المعاناة، إلى الصفوف المكتظة بالناس الطيبين من شعبه. وكان شجاعاً في اختياره أنواع العمل الثقافي والسياسي، الأنواع التي تحتاج من صاحبها أن يكون مبدعاً في ميدان عمله، وأن يكون قادراً على حمل أعباء المغامرة في ممارسة إبداعه، سواء تمت تلك المغامرة بحساب دقيق للمفاجآت فيها، أم تمت من دون حساب، حين يكون ذلك الحساب للعواقب وللمفاجآت صعباً. وكان شجاعاً في البقاء في قلب العاصفة، لا في أماكن المشاهدة من بعيد. وكان شجاعاً في ذهابه، بالهدوء وبالصفاء اللذين يشكلان نمط حياته وسلوكه، إلى شارع المتنبي، ليرى فيه تاريخه الثقافي القديم، تاريخ مكتباته، وتاريخ مقاهيه الثقافية، ليراها تستعيد حياتها وبهاءها في ذلك الشارع، وليستحضر، وهو يتجول في الشارع، ذكريات من كانوا قد عاشوا تلك الفترة الذهبية من تاريخ بغداد، ومن تاريخ هذا الشارع الجميل بالذات، وساهموا بإبداعاتهم في إغناء التراث الثقافي العراقي والعربي. التقيت كامل شياع قبل ثمانية أعوام، في كردستان، عندما كنت أشارك وإياه في وفد المثقفين العرب الذين اختاروا، بمبادرة جميلة من مبادرات فخري كريم، أن يزوروا الإقليم، ليشاهدوا بالعين المجردة معاناة الشعب الكردي، وآثار الجرائم التي ارتكبها نظام الاستبداد بحق هذا الشعب. وما أكثر جرائم هذا النظام في العراق، كل العراق، جنوباً وشمالاً، شرقاً وغرباً ووسطاً، على امتداد أربعين عاماً من استيلائه على مصائر العراق وعلى مصائر شعبه. كان ذلك اللقاء الأول الذي جمعني بكامل هو البداية في رحلة الصداقة التي ربطت بيننا. اكتشفت فيه، من دون جهد، سمات المثقف الاشتراكي، الذي صمد بحزم وبقوة وبنظرة ثاقبة وواثقة إلى المستقبل، حين هزه، مثلما هزني وهز الملايين في بقاع الأرض، سقوط التجربة التي أعطاها هو، وأعطيناها معه وقبله كل عمرنا. واكتشفت فيه طباع وخصال الإنسان الرائع، الوديع، الخفيف الظل، القوي الحضور، الواثق بنفسه وبفكره، من دون ادعاء، والقادر، بذكاء وبتواضع، على الإنصات إلى المختلف معهم، من دون حدة في النقاش، ومن دون تنازل سهل عن المواقف، وبكامل الاستعداد، من دون تردد، للانتقال إلى الموقف النقيض عندما يرى فيه ما يقنع. واكتشفت فيه عمق الثقافة وسعتها، وتنوع ميادينها، وتنوع مصادرها. أحببت هذا الإنسان إلى حدود العشق فكرياً وثقافياً وإنسانياً. وصار من بين أصدقائي الكثر واحداً من أكثرهم قرباً إلى قلبي وعقلي ووجداني. ثم تعددت لقاءاتنا في بيروت مرات عديدة. وتكررت تلك اللقاءات في الأسابيع الثقافية لمؤسسة المدى، في أربيل، وفي سائر مدن إقليم كردستان. وكثرت المشاريع الثقافية التي تحدثنا حول ضرورة العمل لإنجازها، حيث تتاح الإمكانية لذلك، سواء في العراق، أم في لبنان، أم في كليهما، أم في أماكن أخرى من عالمنا العربي الواسع الأرجاء. رحل كامل شياع، في منتصف الطريق إلى حريته وحرية بلده وشعبه. لكن الأحلام التي عاش من أجلها ستظل قائمة في وجدان شعبه، وفي وجدان أصدقائه ورفاقه من المثقفين ومن النخب السياسية، الذين سيتابعون حمل الراية التي كان شريكهم في حملها، راية الحرية والتقدم والسيادة والسعادة للعراق ولشعبه الطيب الأبي. رحل كامل شياع، لكن الأمل الذي رافقه على مدى حياته، لا سيما في السنوات التي قضاها في العراق بعد سقوط نظام الطغيان والاستبداد، سيظل هو ذاته، الأمل في أن نرى العراق متحرراً من الاحتلال، ومن كل أشكال التدخل في شؤونه، من أية جهة أتى، ومتحرراً من الاستبداد ومن بقاياه، ومتحرراً من الإرهاب بكل أشكاله، ومتحرراً من التخلف، ومن أفكاره، ومن صيغه، ومن سائر أشكال تجليه في الطائفية والعشائرية والزبائنية، وفي سائر الآفات التي تنخر مجتمعاتنا العربية، من الخليج إلى المحيط. رحل كامل شياع. لم يعد موجوداً بيننا. لكننا لن ننساه، ولن ننسى كل ما ارتبط بحياته وبسيرته من جميل. وما تركه لنا من سيرته كثير وراسخ في وجدان كل منا، نحن أصدقاءه ومحبيه، وراسخ في وجدان شعبه العراقي. وهل ينسى أمثال كامل شياع، وحسين مروة، ومهدي عامل، وجورج حاوي، وسمير قصير، وتلك الكثرة الكبيرة ممن غادرونا بالقسر، و بالقهر، وبالغدر، وبالجبانة؟ يا أصدقائي، ويا رفاقي، ويا أهلي في العراق الحبيب، إننا، إذ نعيش اليوم في المعاناة، ونبكي على من رحلوا من كبارنا في الفكر وفي الثقافة وفي القيادة، ونتذكرهم، فإننا سنظل نعيش بهم ومعهم. سنظل نعيش مع كل ما ارتبط بسيرهم من جميل وعظيم. وبهذا النوع من الوفاء لهم نكون أوفياء لرسالتهم، وأوفياء للحلم الذي عاشوا من أجل انتصاره، وغادروا الحياة وهم يهتفون للحرية وللحق وللحياة وللغد الأفضل والأجمل والأرقى، الغد القادم حتماًَ. طبت حياًَ وشهيداً يا رفيقي وصديقي كامل شياع.
|
||||
|
|
||||
|
|
||||
|
Translation program |
||||
|
عند عدم ظهور برنامج الترجمة يرجى تحديث الصفحة بالضغط على الأيقونة "Refresh" أو بالضغط F5 |
||||
|
||||