|
شهادات في كتاب
-
"فنانون من أجل كامل".. من اجل وطن تسكنه الثقافة
عند كامل شياع، المثقف، المشروع الثقافي الوطني التنويري، السياسي الذي
سكنه هاجس الوطن أينما حل وأيا كانت الظروف، التقى سبعة عشر فنانا
وفنانة يعيشون في ايطاليا وبريطانيا وهولندة وفرنسا والسويد والمانيا
واسبانيا، وبمبادرة من منظمة الحزب الشيوعي العراقي في ايطاليا
وبمشاركة المصورة الايطالية ماركريتا فيردي، التقوا محتفين بشهيد
الثقافة العراقية.
لقاء الفنانين التشكيليين العراقيين، كان في كتاب أنيق و بحجم متوسط ضم
بعضا من نتاج إبداعاتهم؛ لوحات ومنحوتات، عنوان الكتاب " فنانون من أجل
كامل". وهم: عفيفة لعيبي، يوسف عبادي، سليم عبد الله، فاضل البدري،
حسام البصام، فوزي الدليمي، رسمي الخفاجي، سعد علي، جبر علوان، علي
عساف، بهاء الدين احمد" بالدين"، كاظم دخيل، فؤاد علي، سامي غافل، بشير
مهدي، آزاد نانكلي، أحمد شريف. مراسل طريق الشعب حاور أربعة من هؤلاء
المبدعين الذين أحبهم كامل وأحبوه، ووجدوا فيه نبل الصفات التي تجذرت
وتوحدت فيه.
طريق الشعب طرحت بعضا من أسئلة قراء كتاب " فنانون من أجل كامل" الذين
أثنوا على صدوره مقتنى نفيسا باللغات العربية والانكليزية والايطالية:
ما أسباب احتفاء هذه النخبة من الفنانين بشخصية كامل شياع؟ كامل شياع
صاحب مشروع ثقافي تنويري.. ما سبل تحقيق هذا المشروع؟ ثم ماذا يعني
استشهاد كامل شياع للفنان المبدع.؟..
مشروع كامل هو المشروع نفسه الذي ميز الحزب الشيوعي العراقي على مدى
تاريخه العريق: مشروع توطيد الفكر التنويري، الفكر العلماني، فكر
العدالة بكل صفاتها..
الفنان سليم عبد الله
كان كامل يؤمن برسالته بإعادة هيكلة الثقافة العراقية وترميم الخراب
الذي أصابها لعدّة عقود وضرورة التخلص من العقلية القديمة وتبعات
النظام البائد، و يتطلع إلى ثقافة حرّة ديمقراطية علمانية غير طائفية.
الفنان فوزي الدليمي
ما قدمناه في الكتاب قليل بحق كامل، هذا المبدع الذي هضم الثقافة
الأوربية وبقي مخلصا لثقافته الوطنية، آمل أن تنبثق مؤسسة ثقافية باسم
كامل شياع.
الفنان بهاء الدين أحمد
إن استشهاد كامل يحفزنا لمضاعفة الجهود من اجل انتصار الثقافة
العلمانية الديمقراطية في العراق.
الفنان رسمي الخفاجي
الفنان سليم عبد الله:
قبل كل شيء، يطرح الفنان على نفسه وعلى الواقع الذي ينتمي له، أسئلة
كثيرة، هذه الأسئلة تتحول إلى مشروع أو مشاريع. الجمال يتجلى لنا
بأشكال عديدة منها التاريخي أو الطبيعي أو الأخلاقي. لقد حاول الكتاب
الذي بين يديكم، المهدى لذاكرة كامل، أن يعبر عن الجمال بمظهره الأسمى:
ذاكرة الحب أو حب الذاكرة لمن أحببنا ولمن حاول أن يجد لنا أجوبة على
أسئلتنا الكثيرة، عملً كامل ليوفر للمبدع العراقي أفضل الظروف في
التعبير عن هواجسه.. عن استشرافاته.. عن مشاعره التي تبغي وحدة
الضمير... الجماعي- الفردي... هذا هو العمل السياسي الخلاق، وهو سر
نجاح كامل.
نحن نعرف جميعا أن مشروع كامل هو المشروع نفسه الذي ميز الحزب الشيوعي
العراقي على مدى تاريخه العريق: مشروع توطيد الفكر التنويري، الفكر
العلماني، فكر العدالة بكل صفاتها. و أن خصوصية كامل كانت قدرته على
الإصغاء، و التي عن طريقها كان يحاول أن يجمع الثقافة العراقية حول
مشروع إعادة بناء الشخصية العراقية التي ظلت زمنا طويلا ضحية الفساد
والخوف والموت والفقر تحت معادلة بسيطة تقول: إن المثقف لا يمكن إلا أن
يكون المدافع عن الحقيقة وهي فكرة النور والتنوير ذاتها، إلا أن يكون
مع من أضعِف اجتماعيا و اقتصاديا و قوميا.
لم تكن لي علاقة صداقة بكامل إلا خلال فترة قصيرة في ايطاليا عندما جاء
إليها عام 1979، إضافة إلى تلك الأخبار المتعارف عليها بين العراقيين
حين لقائهم «شلون فلان شلون صحته وشي سوي». وعودته للوطن كانت بمثابة
عودتنا جميعا. وأقول: كنت اشعر أن خياره في العودة للوطن. هو العمل
السياسي الحق، هو الرغبة في التغيير عندما تأتي فرص العمل. أن مرحلة ما
بعد سقوط النظام الديكتاتوري على كل مآسيها وعذاباتها و مطباتها تمنح
السياسي الشريف فرصة بناء مستقبل أفضل وفرصة الانتقال من التنظير إلى
العمل، الانتقال من المجرد إلى المشخص.
لحظة وصول خبر الجريمة البشعة التي أودت بحياة كامل أحسست أن واجبي
كفنان أن أقف مع مشروع كامل وهو مشروع الحزب الشيوعي وان أقول: سوف لا
أنسى حلمك الذي هو حلم آلاف الشبيبة التي تعمل يوميا وهي محفوفة
بالمخاطر. ولهؤلاء نعطي دعمنا وإيماننا وصوتنا، وعبرهم ستحيى ذاكرة
كامل وذاكرة ممن خطوا خطوة المطلق خطوة المستحيل، عبرهم.
ربما تنتصر الأفكار النبيلة التي من اجلها استشهد كامل ورفاقه. لذا
قررت أن افعّل بطاقتي الحزبية تضامنا مع من يستمر على نفس النهج و
احتجاجا ضد قوى الشر والظلام..
الفنان بهاء الدين احمد
تعرفت على الشهيد كامل عام 1979 في مدينة فلورنسا الايطالية، وساهمنا
بالكتابة في مجلة "البديل" التي كانت تصدر عن رابطة الكتاب والصحفيين
والفنانين الديمقراطيين العراقيين. كما عملنا عدة أنشطة مختلفة، سياسية
و فنية، بينها معرض ضم 20 فنانا، وفعاليات موسيقية هدفها التضامن مع
شعبنا العراقي في نضاله ضد النظام الدكتاتوري آنذاك، فعاليات لقيت
تجاوبا ملحوظا من الجمهور الايطالي. ورغم اهتماماته الأدبية ككاتب
وصحفي، ازداد اهتمام الشهيد كامل بالفن التشكيلي الذي أخذ يقرأ عنه
باللغة الايطالية.
كان كامل يتصف بالصراحة والجرأة في التعبير عن رأيه، وإحساس صادق
بالوطن وارتباطه به والذي ظل هاجسا لا يفارقه، وطالما يكرر رغبته
بالعودة للعراق، وشخصيا كنت أحبذ البقاء في ايطاليا من اجل مواصلة
نشاطي الفني إلا أن كامل لم يوافقني على رأيي. كان كامل صديق الفنانين،
مثقفا وصادقا ومؤدبا، ورغم علاقاته الاجتماعية مع عدد كبير من الأصدقاء
إلا انه حرص على لا يكلف أحدا منهم في أمر شخصي. اذكر مرة وفي وقت كان
فيه بلا مورد، أن صادفته جالسا مع صديق استشهد أيضا، جالسيْن على احد
أرصفة مدينة فلورنسا الساعة الثانية بعد منتصف الليل، استغربت للأمر
وٍسألته عن سبب جلوسهما على الرصيف، أجابني : بصراحة ليس لدينا مكان
نأوي إليه، علما بأنه يعرف عنوان بيتي، إلا انه لا يريد الإثقال على
احد.
لم يطل كامل البقاء في ايطاليا حيث غادر إلى بلجيكا لدراسة الفلسفة.
وهناك التقينا مرة أخرى عام 1992 وأسسنا مع الفنان سعد علي وفنانين
آخرين التجمع الفني العراقي. ووجدته أيضا مسكونا بهاجس الوطن الرازح
تحت سيطرة النظام الدكتاتوري.
وكان يفكر وطوال عدة سنوات بمشروع ثقافي متطور رغم يقينه بوجود من
يعارض مثل هذا المشروع.
ما قدمناه في الكتاب قليل بحق كامل، هذا المبدع الذي هضم الثقافة
الأوربية وبقي مخلصا لثقافته الوطنية، آمل أن تنبثق مؤسسة ثقافية باسم
كامل شياع مدعومة من قبل وزارة الثقافة والمثقفين العراقيين، من جانبي
مستعد للتبرع بأفضل أعمالي لهذا المشروع، ساهمت في الكتاب بعملين
احدهما باسم الكوميديا الإلهية مجسدا فيه " الجحيم" حيث الظروف التي
تعصف بالوطن والتي فيها خسرنا كامل شياع.
فوزي الدليمي
ربما لم يدرك قتلة كامل شياع حجم الخسارة وفداحتها علينا نحن أصدقاؤه
وعلى الثقافة العراقية عندما قاموا بفعلتهم النكراء. ما زلتُ لا أصدق،
رغم مرور ما يقارب العام على غيابه، أن كاملا قد رحل عنا والى الأبد.
هل رحل حقا ولن نراه بعد الآن؟ ما زال صوته يتردد في أرجاء بيتي في
ميلانو، المدينة التي عاش فيها أكثر من عام في أوائل الثمانينيات.
كان قد جاء يبحث عن عمل و يستجلي إمكانية التسجيل في الجامعة لإكمال
دراسته. وجدتُ له العمل في القسم العربي لدار نشر صغيرة كنتُ أعمل فيها
وسكن مؤقتا في شقة صديق سوري اسمه غسان. كان محبوبا من الجميع (وهل
هناك من لم يحب كامل؟)، مثابرا ودقيقا في عمله فخصص صاحب دار النشر شقة
بغرفة واحدة ومطبخ يسكنها مجانا إلى أن تتحسن أحواله. حاولنا، أنا
وكامل، أن نقوم بتفعيل القسم العربي فأصدرنا بعض المطبوعات اشتملت على
أعمال أدبية وفنية وأدلة سياحية...الخ. وفي هذه المناسبة اقترح عليّ
كامل وبعض الأصدقاء المقربين مثل عرفان رشيد وسليم عبد الله أن أصدر
مختارات من نصوصي الشعرية التي كتبتها في أوائل السبعينيات قبل رحيلي
عن العراق عام 1974 ، فصدر الكتاب بعنوان (لي ولكم) وقد أشرف على
تصحيحه كامل بنفسه وصمم غلافه الفنان علي عساف والتخطيطات الداخلية
للنحات سليم عبد الله.
هذا كان أول عهدي بكامل. وقد نشأت علاقة صداقة متينة فيما بيننا واستمر
التعاون المشترك في مختلف الأنشطة، فأسسنا مع آخرين أول مركز ثقافي
عربي في ميلانو، أذكر من بينهم الفنان المصري المعروف عادل السيوي (كان
مقيما في ميلانو آنذاك) والصديق السوري غسان عزام وغيرهما. كما شاركنا
في تأسيس القسم العربي لراديو بوب (الراديو الشعبي) الذي كان يبث كل
مساء باللغة العربية وقد غطينا بشكل واف الأحداث والأخبار التي كانت
تأتي من لبنان اثر الغزو الإسرائيلي عام 1982 وكنا نبث الأناشيد
الحماسية الفلسطينية دون خوف وكأننا في بلد عربي.
أما على المستوى العراقي فكان كامل لا يكل ولا يمل وقد تميز بنشاطه
وحضوره في جمعية الطلبة العراقيين (كان عضوا في اللجنة التنفيذية
ومحررا في مجلتها – السباع-)، إضافة إلى حضوره الفعال ضمن "رابطة
الكتاب والصحفيين والفنانين الديمقراطيين العراقيين" ومشاركته في تنظيم
أنشطتها من ندوات ومعارض فنية كنا نقيمها من أجل السلام وضد القادسية
المشؤومة. وحتى بعد انتقاله إلى بلجيكا بقينا على اتصال فكان يأتي
لزيارتنا في ايطاليا وأذهب أحيانا لزيارته في مدينة "لوفان" فيستقبلني
أجمل استقبال ويستضيفني في بيته ويخدمني مبتسما فرحا بوجودي إلى درجة
الإحراج.
كان كامل يؤمن بجدية وأهمية العمل السياسي والأنشطة الثقافية في
المنفى، فكان يتحرك على عدة محاور ولم ينقطع يوما عن الدراسة والكتابة
فنشر العديد من النصوص والمقالات في الصحافة العربية والعراقية (أين
ذهبت مقالاته المنشورة وغيرها من النصوص التي لم تنشر بعد؟)، وكان
يطلعني أحيانا على مشاريعه الكتابية التي نضجت فكرتها فتصبح محورا
للنقاش وتبادل الآراء. وكان رحب الصدر لا يدحض رأيا مخالفا بل يأخذ به
ويجعل منه منطلقا لتأكيد أفكاره واستنتاج الثوابت التي يسعى إليها.
عندما دخلت جيوش الاحتلال الأمريكية وقوات التحالف إلى العراق ثم سقوط
النظام البائد، كانت فكرة العودة إلى الوطن قد نضجت عند كامل. كان قد
أسرّ لي يوما، وعلى الأرجح لأصدقاء آخرين، إنه قد استنفد تجربة المنفى
ولم يعد لديه أي مشروع يبرر استمراره (ما عدا ابنه الياس) الذي بدأ
يكبر ويستطيع أن يتدبّر حياته بنفسه، إضافة إلى أن الياس كان يتفهم
الأسباب التي دعت والده لاتخاذ قرار العودة. ولم يكن في نيّة كامل أبدا
أن ينقطع عن ابنه وأصدقائه الذين عاش معهم في المنفى. كان يتواصل
باستمرار، يكتب الرسائل ويتصل هاتفيا وبين فترة وأخرى يأتي إلى أوربا
بزيارات رسمية وغير رسمية، وفي كل مرّة يبدو أكثر قناعة في أهمية العمل
داخل الوطن رغم الصعوبات الكثيرة والمخاطر التي كان يواجهها يوميا. وفي
كل مرّة كان خوفي يتزايد عليه. فكتب نصه المشهور "عودة إلى الوطن" ردّا
عليّ وعلى كل الذين كان لديهم تحفظات (مشروعة؟) على هذا الخيار. فكتبت
قصيدة "مملكة الشكوك" أهديتها إليه وضعت فيها كل شكوكي وتحفظاتي. في
الواقع أغلب أصدقاء كامل كانوا يخشون عليه ويطلبون منه أن ينتبه على
نفسه لأنهم يدركون الظروف الأمنية الحرجة والوضع الخاص الذي كان يتحرك
فيه.
هذا غيض من فيض عن كامل الذي عرفته، الرجل الذي شاركنا في الأوجاع
والمسرّات. وقد ارتأينا، نحن رفاقه وأصدقاؤه من فنانين عرفوه وكانوا
رفاقا له في تجربة المنفى أن نصدر هذا الكتاب – الكتالوج لكي نردّ له
ولو جزء يسيرا من الدين الذي تركه في أعاتقنا، وقد استطاع كامل أن
يجمعنا ثانية وهو غائب كما كان يفعل في حياته. كان كامل يؤمن برسالته
بإعادة هيكلة الثقافة العراقية وترميم الخراب الذي أصابها لعدّة عقود
وضرورة التخلص من العقلية القديمة وتبعات النظام البائد. كان يتطلع إلى
ثقافة حرّة ديمقراطية علمانية غير طائفية. لعل القتلة نسوا أن يقتلونا
جميعا نحن أصدقاؤه ورفاقه من الذين آمنوا بفكره ومشروعه النبيل. مات
كامل وليس لي غير أن أبكي بصمت فقدانه، وإذا كان ثمة عزاء فهو أن أرى
وقد تحقق ولو جزء من هذا المشروع النبيل الذي قدّم حياته من أجله.
رسمي الخفاجي
إن الحديث عن الشهيد كامل شياع هو حديث عن المشروع الثقافي التنويري في
العراق، ولا يمكن فصل احدهما عن الآخر. و اغتيال الباحث والمفكر كامل
شياع هو محاولة لاغتيال مشروعه الثقافي الذي بدت آفاقه تدب بين
المثقفين العراقيين سواء في الداخل أو الخارج.
لقد وردت في مقدمة الكتاب "فنانون من أجل كامل" والموقعة من قبل منظمة
الحزب الشيوعي العراقي في ايطاليا ما يلي:
لقد أراد قتلة كامل إعاقة مشروع الثقافة الوطنية التنويرية الذي تبناه
وسعى بوعي وقناعة عميقة لترسيخه بالرغم من التحديات والمصاعب الجسيمة،
وتؤكد الجريمة بحد ذاتها، ومشاعر السخط غير المسبوقة التي فجرتها في
الوسط الثقافي، الآفاق الواعدة لهذا المشروع وأهميته الحاسمة في الصراع
مع القوى الرجعية والطائفية وسواهما، والساعية لفرض مشروعها
الاستبدادي، بدءا من فرض هيمنتها الفكرية على محافل الحياة في العراق."
لكن هذه القوى نسيت أو تناست عبر التاريخ ودروسه من أن مشروعا بدأه
كامل لن ينتهي بقتله، وكامل لن يبدأ مشروعه من الصفر بل كان حاملا له
ومبشرا به عندما كان يعيش في الغربة، وهو ما يفسر انتقاله المباشر من
بين مئات المثقفين إلى العراق بعد سقوط الطاغية، لذا لن تكون عودته
اعتباطا، أو رد فعل عاطفي، ولم يكن له طموح شخصي في ذلك، بل انه فهم
اللحظة المناسبة لتحقيق مشروعه الثقافي على ارض الوطن، والذي هو مشروع
كل المثقفين العلمانيين. وكان يدرك تمام الإدراك أن ذلك سيكلفه حياته،
وهو ما كان يتناوله في رسائل عديدة كتبها في بغداد.
الآن وبدون شك رحل كامل وبقي المشروع، ولا بد من متابعته، لأنه مشروع
الثقافة العراقية، وان أي إهمال أو غياب لهذا المشروع، إنما هو غياب
للثقافة العراقية التنويرية، ومن هذا المنطلق لابد من:
1- جمع كل ما كتبه الشهيد كامل وإصداره في كتاب، كي يصبح مصدرا للتعريف
به.
2- عقد الندوات والمؤتمرات لدراسة هذا المشروع على مستوى الداخل
والخارج للتوصل لكتابة وثيقة مفصلة تحدد التوجهات العامة لهذا المشروع
وآليات تطبيقها.
3- على وزارة الثقافة باعتبارها مؤسسة البناء الفوقي للثقافة العراقية
أن تتبنى ذلك المشروع، وإدخاله حيز التطبيق. وان تبادر إلى إنشاء مؤسسة
ثقافية باسم الشهيد كامل، وان تتبنى إقامة نصب تذكاري للشهيد في إحدى
ساحات بغداد تحمل اسم كامل شياع تخليدا له واعترافا بدوره الثقافي في
العراق. وأخيرا فانا على ثقة كبيرة من أن هذا المشروع سيواصل الطريق
وبأشكال مختلفة ما دام هناك مثقفون علمانيون ديمقراطيون في العراق
وخارجه.
في واقع الحال ليست هذه النخبة من الفنانين فقط، بل أن أغلبية المثقفين
في العراق وخارجه احتفت وتحتفي وبأشكال مختلفة بالشهيد كامل، وان هذه
المجموعة كانت قد تشمل أضعاف هذا الرقم لولا حصر المبادرة من قبل منظمة
الحزب بالفنانين في ايطاليا أو ممن عاشوا فيها لفترة سابقة كما فعل
الشهيد كامل، حيث كانت محطته الأولى بعد الهجرة القسرية، إن جميع
المشاركين في هذا الكتاب هم ممن عاشوا وناضلوا سوية مع الشهيد كامل وفي
ظروف غربة قاسية في بدايتها، ولهم من الذكريات الجميلة التي تركها كامل
في عقولهم وقلوبهم، لاسيما سماته كشخص لا نظير له في التسامح والتواضع
وصدق الابتسامة التي لا تفارقه عندما تلتقيه، فليس هناك ثمن لمجازاته،
وان ما فعلناه هو جزء من وفاء واعتراف بدور الشهيد. وما أتمناه أن تكون
بداية لمبادرات أخرى من المثقفين العراقيين كل حسب طريقته، لاسيما ونحن
على أبواب الذكرى الأولى لاستشهاده. كما أن من واجب وزارة الثقافة أن
لا تتغاضى عن هذه المناسبة وان تقيم مهرجانا ثقافيا يتناسب ومكانة
الشهيد باعتباره احد أركانها الأساسيين.
"ماذا يعني استشهاد كامل شياع"؟
هناك قول شهير لوزير الثقافة الألماني في العهد النازي" غوبلز": عندما
اسمع كلمة ثقافة أتحسس مسدسي...
هكذا تحسس الجهلة والنازيون الجدد مسدساتهم فأطلقوا النار على رمز من
رموز الثقافة العراقية.
إن استشهاد كامل خسارة كبيرة للشعب العراقي وللثقافة العراقية. لقد كان
كامل بالنسبة لنا كمثقفين وفنانين في الخارج الرابطة الأساسية مع
الحركة الثقافية في الداخل، بل كانت إحدى توجهاته لإعادة ما خربه
النظام الدكتاتوري ولتحطيم الحواجز بين المثقفين في الداخل والخارج،
وكان هذا احد عوامل اغتياله،
إن استشهاد كامل يحفزنا لمضاعفة الجهود من اجل انتصار الثقافة
العلمانية الديمقراطية في العراق. وتشهد بذلك ردود الفعل التي تركها
استشهاده بين المثقفين العراقيين وهو ما لم يتركه استشهاد أي سياسي أو
مثقف عراقي في مرحلة ما بعد صدام ، ولذلك يستحق لقب شهيد الثقافة
العراقية التنويرية.
|