Print Article

طباعة الصفحة

لترجمة الموضوع أنظر أسفل الصفحة

21-12-2008

To translate see the bottom of the page

غلق النافذة

 

ملاحظات حول "الاتفاقية الأولية" بين وزارة النفط وشركة شيل لمشروع غاز الجنوب

فؤاد قاسم الأمير

 

مضى ما يقارب  العام، لم أكتب خلاله عن المسألة النفطية العراقية، وذلك منذ أن نشرت دراستي التي كانت تحت عنوان "حكومة إقليم كردستان وقانون النفط والغاز"، والتي صدرت لاحقاً في كتاب تحت نفس العنوان، وبإضافات بسيطة، وذلك في كانون الثاني 2008. لقد طلب مني العديد أن أساهم مع من ساهموا ونشروا مقالات ودراسات، حول الأمور المتعلقة بمسألة النفط والغاز العراقي، كان الكثير منها ذا قيمة عالية، وكتبت بموضوعية غرضها إغناء النقاش ولمصلحة العراق، و لكن ومع الأسف كان البعض الآخر محض "شتائم" خالياً من أي فحوى يمكن الاستفادة منه. أكملت في هذه الأثناء كتابي "ملاحظات وآراء حول الاتفاقية العراقية الأميركية"، والذي صدر في أواسط تشرين الثاني 2008، حيث توصلت وللأسباب المذكورة في الكتاب إلى ضرورة عدم التوقيع على أية اتفاقية "أمنية"، أو "إستراتيجية"، أو "طويلة الأمد"، مع الولايات المتحدة، لأن الأمر يضر بالعراق ضرراً بليغاً، كذلك قد توصلت إلى استحالة إمكانية التوقيع على مثل هذه الاتفاقية، لو تم الالتزام فعلاً بما جاء في الدستور العراقي الحالي، وعدم الالتفاف عليه أو التزييف لما يسمى بالتجربة "الديمقراطية" الحالية !!. وأود أن أوضح بأنني إضافة لانشغالي بالكتابة حول الاتفاقية العراقية الأميركية، وهي المسألة الأهم جداً - بنظري- في تحديد مستقبل العراق والعراقيين، فإنني لم أرغب أن أكتب عن أمور النفط العراقي لسببين: السبب الأول هو لاعتقادي أن من الضروري أن يكون التأكيد الإعلامي على الموضوع الأهم، وهو الاتفاقية، وضرورة تركيز ذهن المواطن العراقي عليها، إذ عند توقيعها سيكون أسهل على الاحتلال المضي مجدداً في محاولة تمرير قانون النفط والغاز بصيغته المعيبة والمرفوضة والتي وافق عليها مجلس الوزراء في 15/2/2007 (مع ملاحقها). أما السبب الثاني، هو تضارب المعلومات والمفاهيم النفطية التي التقطها من الجهات المختلفة، سواء مما تم نشره في وسائل الإعلام أو من خلال الرسائل والتبادل الشفهي، حول العقود التي وقعتها وزارة النفط، مثل عقد تطوير حقل الأحدب، في محافظة واسط، مع الصين، أو عقد تطوير غاز الجنوب مع شركة شيل، أو العقود قصيرة الأمد التي كان في نية وزارة النفط المعلنة، توقيعها مع الشركات النفطية العالمية الكبرى، والتي كانت تملك نفط العراق قبل تأميمه، وذلك لغرض "تطوير" الحقول النفطية العاملة حالياً وتحسين الأداء فيها !!، والتي ترك - لحسن الحظ – توقيعها ليتم ذلك ضمن عقود طويلة الأمد !!، والتي سميت من قبل الوزارة "دورة التراخيص الأولى"، والمنوي التوقيع عليها في العام القادم. ويؤسفني القول أن الأمور لا تزال تسير في نفس النهج السابق، حيث اعتمد "الخفاء" و"السرية"، وبدون "مبرر"، مما يثير دائماً التساؤل والريبة، ويؤسفني أكثر القول، بأن في كل مرة تنكشف هذه المعلومات "السرية"، نرى هناك "مبررا" للذي قام بها لكي يخفي هذه المعلومات عن المختصين وعن الجماهير !!.

لقد استطعت الحصول على نص العقد الموقع مع شركة شيل، في 22/9/2008، وعند دراسته رأيت أن من الواجب الكتابة عنه الآن، إذ ظهر لي - على الأقل – ان الأمور تتجه نحو مسار يضر بالعراق، وقد يكون هذا المسار، حتى ضد النيات الحسنة للسيد وزير النفط. ولو استمرت الوزارة على هذا النهج، فإنها سوف تنحرف "عما أعلن عنه" وزير النفط في مقابلات عديدة، و"وعد بتنفيذه"، ولاقى استحسان حتى ممن خالفوه سابقاً، والذين قد يخالفونه مجدداً فيما لو استمر السير بهذا النهج وللأسباب التي ستأتي في سياق هذه الدراسة.

إن هذه الدراسة هي بالأساس عن العقد الموقع مع شركة شيل، حيث أطلعت على نصه الكامل باللغة الإنكليزية، ولكن ستتضمن - وكما هي عادتي في الكتابة – بعض الملاحظات المتعلقة بالموضوع والأمور المحيطة به، ليتسنى لنا إعطاء صورة أوضح للقارئ، إضافة لمحاولتي المتواضعة في توفير ونشر ثقافة نفطية عراقية. علماً أن النص نشر في 2/11/2008 في موقع "الغد"، ولقد تأخرت في نشر هذه الدراسة عمداً، تجنباً للخلط مع الضجة الدائرة حول الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة، ومحاولة جهات عديدة في مواقع قيادية متنفذة في الحكومة والبرلمان والحياة السياسية الحالية، وبضغط ودفع قويين من المحتل، الانحراف عن الدستور وبصورة مكشوفة ومفضوحة لفرض الاتفاقية على العراقيين، وهذا ما تم، حسب اعتقادي، وسأشير إليه لاحقاً.

1-    "الاتفاقية الأولية" مع شركة شيل

ليعذرني القارئ إذا ما وجد أن هذه الفقرة من الدراسة طويلة، فالغرض من هذا "التطويل"، هو إعطاء صورة واضحة للفقرات التي أراها مهمة وتحتاج إلى توضيح، مع تعليقات بعضها مهمة في سياق قراءة هذه الاتفاقية، وستتم مناقشة الأمور المهمة الأخرى، في فقرة لاحقة. أما من يريد الاطلاع على كامل صيغة الاتفاقية، فهي موجودة باللغة الإنكليزية على موقع "الغد"، وكذلك موجودة كملحق لهذه الدراسة ، الملحق رقم ( 2 ) .

 

أ‌-       المقدمة

تم في 22/9/2008 توقيع اتفاقية بين وزارة النفط وشركة شيل لتطوير الغاز والكهرباء Shell Gas & Power Development ، وهي شركة تابعة لشركة شيل الهولندية النفطية العملاقة. الاتفاقية مكتوبة باللغة الإنكليزية، ومكتوب عليها "سري Confidential"، ولا أعرف أين "السرية"، إذ أن هذه السرية المكتوبة على الاتفاقية تخالف معنى السرية الموجود نصاً في الاتفاقية. إن عنوان هذه الاتفاقية هو "مقدمات اتفاقية HOA) Heads of Agreemen) ، أو اتفاقية أولية"، وسنسميها في سياق الدراسة بالاتفاقية الأولية، وتتألف من مقدمة وتعاريف، ومن (18) مادة وثلاثة ملاحق.

تقول مقدمة الاتفاقية أنها اعتمدت على عرض proposal مقدم من شركة شيل إلى وزارة النفط في 22/1/2008، تحت اسم "عرض للاستفادة من غاز الجنوب"، ويقترح العرض إنشاء "مشروع مشترك Joint Venture ، أو شركة مشتركة"، وسنسميها  في هذه الدراسة "الشركة المشتركة"، وهذا المشروع هو لتقليل الغاز المحروق في الجنوب وتجميع"أي" غاز موجود في الجنوب، وتحويله إلى منتجات للاستخدام الداخلي أو التصدير. وتقول المقدمة أيضاً "أن الطرفين يرغبان بالدخول في الاتفاقية الأولية، لغرض الدخول في مفاوضات أخرى، وهي تعطي الأسس الرئيسية التي تبنى عليها الاتفاقية النهائية"، مع الأخذ بنظر الاعتبار "أن للطرفين الرغبة في الدخول في اتفاقيات نهائية محددة definite agreements"، وبضمنها "الحصول على جميع المصادقات اللازمة للوصول إلى اتفاقية نهائية تكون نافذة المفعول". إن هذه الجمل في مقدمة الاتفاقية تعني في فهمي أن ما تم توقيعه هو اتفاقية أولية، نافذة المفعول فقط فيما يتعلق بالفقرات الموجودة فيها، وتنتهي بانتهاء مدتها. أما الاتفاقيات النهائية التي ستعتمد أسسها على هذه الاتفاقية الأولية، فهي غير ملزمة الآن، إذ لم تقدم أصلاً لكي يتم الحصول على المصادقات اللازمة عليها، مع ملاحظة أن الاتفاقية الأولية تتحدث عن "اتفاقيات نهائية"، بصيغة الجمع.علماً أن المقدمة تشير إلى أن مجلس الوزراء كان قد صادق على الاتفاقية الأولية في كتابه المرقم (329) في 7/9/2008.

 

ب – مواد (بنود) الاتفاقية الأولية

سنذكر أدناه مواد الاتفاقية حسب تسلسلها:

(1) الغرض purpose :

لإنشاء شركة مشتركة طويلة الأمد، لمدة (25) سنة، قابلة للتمديد. وتكون في جنوب العراق، في محافظة البصرة، وأية مساحة أخرى يتم الاتفاق عليها.

إن النص يقول "لمدة طويلة"، و"أية مساحات أخرى يتفق عليها"، والتي قد تعني  خارج محافظة البصرة !!!.

 

(2) مجال العمل scope :

 وهذا يشمل التأكد من أن البنية التحتية تكفي للغاز المنتج حالياً وفي المستقبل، وذلك للحصول على الغاز الجاف، والغاز السائل LPG ، والهيدروكاربونات المكثفة condensate ، (وسنسميها السوائل المكثفة). وثم تطوير إنتاج وتصدير "الغاز الجاف المسيل LNG Liquefied Nature Gas"، للفائض عن الحاجة المحلية لهذا الغاز. وبنفس الوقت "البحث عن طريقة بديلة لتصدير الغاز الجاف".

 ما نفهمه لحد الآن هو أننا نتحدث عن تصنيع الغاز المحروق (وهو الغاز المصاحب للنفط associated gas)، والذي ينتج عرضياً عن العمليات النفطية، وذلك بجمعه وتصنيعه وعزله إلى المواد المشار إليها أعلاه. وكما يتضح أيضاً أن مسألة تسييل الغاز الجاف، وتصديره كسائل LNG هي مسألة غير محسومة لحد الآن، وقد يعتمد مثلاً نقله بالأنابيب.

ولكن هذه المادة تستمر تتحدث في الفقرة (أ)، عن احتمال تطوير حقول غازية في جنوب العراق، أي أن الاتفاقية هنا لا تتحدث عن الغاز المصاحب المحروق، ولكن عن حقول غازية (بدلاً من حقول نفطية)، لا يحرق منها الغاز. إن هذا الأمر مسألة مهمة وخطرة وتجنبت وزارة النفط الحديث عنها في البيانات الصحفية، إذ أنها كانت تتحدث دائماً عن الغاز الذي يحرق هباءاًً. وسنتحدث عن هذا الأمر لاحقاً.

 

(3) – اتفاقية تطوير غاز الجنوب، ومبادئ الشركة المشتركة :

أولاً:  ستتكون حصص الشركة المشتركة Joint Venture ، (51%) من حصصها لشركة غاز الجنوب (المملوكة بالكامل للدولة - وزارة النفط)، و(49%) من حصصها إلى الشركة شيل، و(الشركات المندمجة معها affiliates). وان الشركة المشتركة ستتشكل وتعمل وفق القانون العراقي للشركات العامة المرقم (22) لسنة 1997، والقانون العراقي للشركات الخاصة المرقم (21) لسنة 1997، ووفق أي قانون آخر يعطي الشركة المشتركة التخويل اللازم. وكل طرف يمول حصته من الموجودات الحالية للمشروع (بعد تقييمها)، والباقي (إن وجد) سيمول نقداً.

نلاحظ هنا بأنه لا يوجد تمويل من شركة شيل للمشروع، إذ أن كل طرف يمول حصته، أما ما يتعلق بموجودات شركة شيل الحالية فسيتم التطرق إليها في الفقرة (9)، حيث سيتم شراء بعض المعدات وشراء خدمات من قبل شيل لغرض المشروع.

 

ثانياً:  إن هذه الشركة المشتركة ستحتكر جميع الغاز المصاحب (وهنا تسميه الاتفاقية الأولية بالغاز الخام Raw Gas)، المنتج من شركة نفط الجنوب، ومن أية شركة أخرى عاملة في الجنوب، عدا ما سوف يستعمل داخل هذه الشركات النفطية لأغراضها الداخلية. نلاحظ أنها تتحدث عن غاز "الجنوب"، وليس غاز "البصرة".

نفهم من الفقرات المتعلقة بهذا الموضوع، أن الشركة المشتركة ستحتكر عملياً كل الغاز المحروق في الجنوب، مهما كان مصدره، بالإضافة لما ذكرناه في الفقرة السابقة عن أنها ستتصرف أيضاً بغاز الحقول الغازية !!، وسوف لا يسمح لأي منافس آخر حكوميا كان أم غير حكومي. وقد يفهم أيضاً من العبارات الموجود في هذه الفقرة انه قد لا يسمح مثلاً بحقن الغاز لأغراض خزنه، إذ أن هذا الأمر لا يعتبر من الاستخدامات الداخلية للشركة النفطية، ولكن قد يسمح بحقن الغاز لتحسين أداء استخراج النفط. والأهم من ذلك كله، أن في جميع فقرات هذه "الاتفاقية الأولية"، لم يحدد معنى "الجنوب"، إذ أن الاتفاقية ذكرت أولاً غاز البصرة، ثم امتدت لتحتكر غاز الجنوب بدون تحديد حدود المحافظات المشمولة بهذا الاحتكار !!.

 

ثالثاً: إن سعر الغاز الخام المشترى من قبل الشركة المشتركة، (وفي الاتفاقية يستعمل كلمة تعويض compensation ، وليس سعراً)، سيكون مرتبطاً بالأسعار العالمية من خلال الآلية التالية:- التعويض عن الغاز سيكون نسبة ثابتة من العائدات المستلمة من الشركة المشتركة نتيجة مبيعاتها (للغاز، والغاز المسيل LNG، والغاز المسال LPG، والسوائل المكثفة)، والمنتجة من هذا الغاز الخام، إن مبيعات هذه المنتجات ستكون بالأسعار العالمية، وبهذا يؤثر تغيير الأسعار العالمية في قيمة التعويض للغاز الخام. إن الشركة المشتركة تبيع هذه المنتجات للسوق المحلية وأيضاً بالأسعار العالمية، سواء تم البيع مباشرة للمستهلكين، أو تم البيع إلى وزارة النفط بالأسعار العالمية، والوزارة تبيع هذه المنتجات إلى المستهلكين بالأسعار التي تريدها.

نلاحظ أن أسعار التصدير وأسعار السوق المحلية متساوية، والاتفاقية لا تتحدث عن البيع بالأسعار العالمية، وإنما بأسعار "مرتبطة Linked" بالأسعار العالمية، وقد يعني أن هناك خصم لهذه الشركة عن الأسعار العالمية. إن مشكلة الأسعار سواء بالنسبة للغاز الخام أو المنتجات سيتم مناقشتها لاحقاً.

 

رابعاً: يؤكد الطرفان أن الشركة المشتركة، ستكون الشركة الوحيدة للغاز في المنطقة الجنوبية، سواء للاستهلاك المحلي أو التصدير.

 

(4) – لجنة الإدارة المشتركة JMC Joint Management Committee

تشكل اللجنة أعلاه من ثلاثة مدراء عن كل من الطرفين، لتنفيذ الاتفاقية، ويتم تسميتهم خلال (30) يوماً، وتسمية أحدهم ليكون الرئيس المشارك للجنة co-chairman التي تجتمع شهرياً وعند الحاجة. إن هذه اللجنة تشرف على نشاط الشركة المتعلق بالخطط والكلف ومصادقتها ومتابعة تنفيذها. إن جميع قرارات هذه اللجنة سوف تتم بالإجماع.

والفقرة الأخيرة من هذه المادة، تبين بأن هذه اللجنة ستشرف على المجموعة العاملة على تحضير الاتفاقيات النهائية، باستخدام نفس طريقة المصادقات على القرارات (أي بالإجماع).

عند النظر لما جاء في هذه المادة، حول تشكيل اللجنة وطريقة عملها والمهام المناطة بها، لا نجد فيها ضيراً كبيراً باعتبار أن هذه الاتفاق أولي، ويتحدث عن أمور معظمها متعلق بالخطط والتصاميم، مع وجود مصاريف ومشتريات قد تكون باهضة كما سنرى لاحقاً، إذ أن الإجماع في اتخاذ القرارات هنا قد يكون مهماً وضرورياً. ولكن ما يجلب النظر، أن الصيغة موضوعة بشكل كأن هذه الطريقة في اتخاذ القرارات ستنفذ في الاتفاق النهائي. على الأقل هذا ما فهمته أنا إذ أن الصيغ المتعلقة بهذا الأمر ليست واضحة تماماً. على أية حال، في حالة تكوين شركة يكون للحكومة العراقية حصة تزيد عن النصف (وهنا 51%)، فهذا يعني أن رئيس الشركة يجب أن يكون من الجانب العراقي، ولا يكون رئيساً مشاركاً co-chairman ، بل رئيساً وحيداً، كما وان القرارات لا تتم بالإجماع، فالقرار النهائي هو للجانب العراقي، وإلاّ فلا يوجد أي معنى لحصة الـ 51%. فكما هو معروف في الشركات العالمية، أن مسألة الحصول على حصة تزيد عن الـ 51% (حتى ولو كانت هذه الزيادة ضئيلة جداً)، هي مسألة أساسية ليست متعلقة بالأرباح الناجمة عن هذه الحصة الزائدة عن نصف الحصص، فهذا أمر تافه، ولكن هذا الأمر متعلق بالسيطرة على الشركة وقراراتها وطريقة عملها. لهذا إذا كانت النية أن تكون الاتفاقية النهائية مشابهة لهذه الاتفاقية بما يتعلق بهذه الفقرة، فعند ذاك سيلحق العراق ضرر كبير، ولا يمكن القبول به بتاتاً إذ أن ذلك يناقض مفهوم الشركات، ويعتبر تنازلاً كبيراً من العراق عن أهم فقرة في الشركة. وكل أملي أن فهمي للفقرة هو فهم خاطئ، وإن كان كذلك فالمفروض وضع هذه الفقرة بشكل واضح تؤكد ما قلته أعلاه عن معنى وجود حصة تزيد عن الـ 50%.

 

(5) – التزامات شركة شيل :

ضمن مهام هذه الشركة هو التقييم والتأكد من وضع المنشآت الموجودة فعلاً حالياً لتجميع ومعالجة الغاز، في حقلي شمال الرميلة وخور الزبير، كذلك ولكافة البنى التحتية الممكن استعمالها والموجودة ضمن مشاريع الغاز السابقة، بضمنها محطات الكبس، وإعادة إعمارها. كذلك تقييم خطط لتصدير الغاز الجاف، والجدوى الاقتصادية من بناء منشآت تسييل الغاز لأغراض التصدير. وكذلك إعداد التصاميم الأولية للمشروع بعد أخذ ما موجود بنظر الاعتبار.

في تقديري أن غالبية هذه المهام يمكن تنفيذها من قبل الكادر العراقي، أو أية جهة استشارية مختصة.

 

(6) – التزامات وزارة النفط :

إن ما يجلب الانتباه في بعض المواد السابقة وفي هذه المادة هي أن فقراتها تبين وجود "اتفاقيات نهائية"، وليس "اتفاقية نهائية"، وكمثال فإن الفقرة (5) من هذه المادة تقول: أن الوزارة "تتخذ كافة الخطوات الضرورية للتقدم بتوقيع اتفاقيات نهائية فيما يتعلق بالتعاون، بضمنها (اتفاقية تطوير غاز الجنوب)"، و لا نعلم عن فحوى الاتفاقيات النهائية الأخرى !!.

 

(7) – التزامات مشتركة :

تقول هذه المادة بأن " يلتزم الطرفان، وخلال فترة الاتفاقية الأولية، بأن لا يساهم أي منهما، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في أي مشروع آخر، يتعلق بتصدير الـغاز المسيل LGN من جنوب العراق. وطالما كانت شركة شيل تقوم بالتزاماتها بموجب هذه الاتفاقية الأولية HOA، ولم يسلم لها إنذار تحريري، بأنها لم تنفذ التزاماتها، فإن الوزارة سوف لا تقوم بأية نقاشات مع جهة ثالثة، بنية الدخول في مشروع يشابه المشروع المبين في هذه الاتفاقية الأولية".

إن هذه المادة تحت عنوان "الالتزامات المشتركة"،ويبدأ منطوقها بجملة "يلتزم الطرفان..."، وهي لا تتحدث عن تصدير الغاز المسيل فقط وإنما عن المشروع المبين في الاتفاقية، أي جميع عمليات تجميع الغاز وتصنيعه وتصدير الفائض. ولكن عند النظر ملياً في هذه المادة، فإنها في الواقع تلزم الجانب العراقي فقط، إذ لا يمكن بالمرة لشركة شيل أن تتحدث عن مشروع مشابه إلاّ مع وزارة النفط، لهذا فإن التزامها هنا هو تحصيل حاصل !!، أما التزام الجانب العراقي فهو أمر آخر. لقد أغلقت هذه المادة الباب تماماً في إمكانية "النقاش" حول مشروع، أو"دراسة" تأهيل المشاريع القديمة، والبحث عن تكنولوجيا جديدة في الأمور المتعلقة بغاز الجنوب. إننا نتحدث هنا عن مشروع عملاق، وقد تصل المبالغ المقدرة له، وحسب ما جاء في الوكالات الإخبارية العالمية، بحوالي (3،5) مليار دولار، وفي الوقت نفسه فإن هذه الاتفاقية قد وضعتنا في زاوية، بحيث أننا لا نستطيع في هذه الفترة، أي قبل الوصول إلى "اتفاقيات نهائية"، أن نعيد النظر حتى في تقديراتنا وحساباتنا لنرى إن كنا على صواب عند توقيع الاتفاقية الأولية.إن إعادة النظر في الحسابات، والتي تتضمن الكلف والشروط التعاقدية وأسعارالغاز الخام والمنتجات والمعدات المطلوبة، والالتزامات العقدية، قد تتطلب المحادثات والمناقشات والمفاوضات مع شركات أخرى، ولكن هذا الباب قد أقفل تماماً. لهذا السبب جاءت بعض التعليقات في بعض المقالات، والمنشورة عن هذه الاتفاقية، من أن التزام الجانب العراقي هو التزام نهائي، وليس  التزاما أوليا، إذ لو كان التزاماً أولياً لما أقفل هذا الباب، وأضاع على الجانب العراقي مدة عام كامل للوصول إلى الاستنتاج النهائي، الذي قد يقرر درباً آخراً للسير فيه.

 

(8) – الكلف والمصايف Cost and Expenses :

تقول هذه الفقرة بأن كل طرف يتحمل كلف عامليه وبضمنهم كلف موظفي "لجنة الإدارة المشتركة"، المذكورة في الفقرة (4) أعلاه وكذلك كلف ومصاريف الطرف الثالث الذي يستخدمه كل طرف (بضمنها الشركات التابعة له affiliates)، ويقرر لاحقاً أية كلف ومصاريف تسترجع لاحقاً. وبالنسبة لكلف ومصاريف الطرف الثالث، فإن "لجنة الإدارة المشتركة" تقرر مسبقاً، وقبل الطلب من الجهة الثالثة لتنفيذ أي عمل، على آلية المبالغ المسترجعة لاحقاً.

نلاحظ أن هذا العقد لا يتضمن كلفة أو سعرا، وكأن العمل مجاني، ولكن بالواقع أن الأمر غير ذلك، فإن المبالغ المصروفة سيتم استرجاعها، سواء تمت الموافقة على "الاتفاقيات النهائية" أم لم تتم، وذلك عند انتهاء أو إنهاء "الاتفاقية الأولية"، وكما سيتوضح لاحقاً. مع ملاحظة أن الحصة الكبرى من هذه الكلف والمصاريف تعود لشركة شيل،مع جزء بسيط يعود لوزارة النفط.

 

 

(9) – شراء معدات معينة "حرجة" مطلوبة سريعاً Procurement of Certain Equipment :

تقول هذه المادة، بأن شركة شيل قد حددت مسبقاً واقترحت إمكانيات عديدة لشراء مواد، ومعدات حرجة، لغرض زيادة إنتاج الغاز، قبل إنشاء "الشركة المشتركة"، وأثناء فترة "الاتفاقية الأولية". وتقول هذه المادة أيضاً، بأن شركة شيل وأثناء فترة تنفيذ الاتفاقية الأولية، سوف تحدد إمكانيات شراء سريعة أخرى، كي تقدم إلى "لجنة الإدارة المشتركة" لأخذ الموافقة على شرائها. وتضيف الفقرة، بأن شركة شيل ستدخل في عقود حقيقية، لمواد، وخدمات وبضائع، وذلك بعد أن أخذ موافقة اللجنة أعلاه. إن شركة شيل ستتحمل جميع كلف هذه المواد والمعدات وستحتسب كموجودات، وضمن حصتها في الشركة. في حالة إلغاء الاتفاقية الأولية، (إلاّ إذا اتفق على طريقة لتجميدها)، فإن الوزارة ستدفع إلى شركة شيل كل التكاليف التي تحملتها لشراء هذه المعدات.

بالواقع لا أعرف كيف يتم الشراء وتحمل التكاليف، في فترة "الاتفاقية الأولية" غير الملزمة، وذلك قبل أن يتم توقيع "الاتفاقية النهائية" الملزمة. وكما يظهر من فحوى هذه المادة، فإن بعض المعدات قد تم شراؤها فعلاً. إن اتخاذ مثل هذه الخطوة لو كانت لغرض تأهيل المشاريع الغازية الحالية وتشغيلها بطاقتها الكاملة في الوقت الحاضر، وبغض النظر عن احتمال عدم توقيع الاتفاق النهائي، وذلك لسد الحاجة الآنية للغاز في محطات الكهرباء ومعامل الأسمدة والبتروكيمياويات ولتصدير الفائض، فإن ذلك قد يكون أمراً مفيداً بافتراض أن المعدات والأسعار مناسبة وتنافسية، ولكن قد يكون المقصود بهذه الخطوة وضع الجانب العراقي أمام الأمر الواقع، وأن شراء هذه المعدات لا يسد الحاجة الآنية وإنما علينا الانتظار لحين توقيع الاتفاقية النهائية وإكمال المشروع لكي يستطيع الاستهلاك المحلي الاستفادة من منتجاته، فعند ذلك يكون هذا العمل أمراً مرفوضاً، ومضراً.

 

(10) – شريك جديد New Partner :

تذكر الاتفاقية أن وزارة النفط أبدت رغبتها بوجود شركة عالمية أخرى تضاف للشركة المشتركة، وأن شيل ستعمل كل ما في وسعها لتقديم مثل هذا المشارك الإضافي، وستقود المفاوضات مع الشريك الجديد المحتمل. إن الشريك الجديد يجب أن يحظى بموافقة الطرفين، وأن تكون له إمكانيات تكنولوجية ومالية تمكنه من تنفيذ التزامات "الشركة المشتركة" و"الاتفاقية الأولية"، وسيتم انضمام الشريك الجديد في خلال ثلاثة أشهر من تاريخ توقيع الاتفاقية الأولية.

من الملاحظ أن في كل فقرات هذه المادة لم أجد ما يؤكد إلى أن حصة الشريك الجديد ستكون من ضمن حصة شيل، أو سوف لا يعطى  له من حصة الجانب العراقي أي شيء. ولكن  ما أفترضه - وبحسن نية - ، وباستنتاج منطقي بأن حصة هذا الشريك سوف تكون من ضمن حصة شيل، إذ أن هذه الاتفاقية كانت كريمة جداً تجاه شركة شيل، حيث أعطتها 49% مقابل أمور لم أجدها بالمهمة، ولا أعتقد أن هناك من يفكر بزيادة حصة الجانب الأجنبي، وان ما جاء في نص هذه المادة من "أن وزارة النفط أبدت رغبتها" لا يعني أنها ستتنازل عن جزء من حصتها، ولكن هذا التأويل محتمل أيضا !!.

 

(11) – مدة الاتفاقية :

إن مدة الاتفاقية (12) شهراً تبدأ من تاريخ أول اجتماع للجنة المشار إليها أعلاه، إلاّ إذا تم إيقافها بموجب فقرة عقدية، أو تم تمديدها باتفاق الطرفين.

 

(12) – السرية Confidentiality :

تبين هذه المادة بان جميع المعلومات المتبادلة بين الطرفين والمتعلقة بالاتفاقية الأولية ذات طابع سري أو بتعلق بالملكية confidential or proprietary nature ، أو أن أية معلومات ناتجة عن مفاوضات (بضمنها الشريك المحتمل الجديد)، تبقى سرية. و لا تعطى هذه المعلومات إلى جهة ثالثة إلاّ بموافقة الجانب الآخر، حتى عندما يتطلب العمل ذلك مع الشركات المشاركة للطرفين أو للمشارك الجديد بعد أن تتم مشاركته، أو عند العمل مع المستشارين والخبراء وبهذه الحالة تكون المعلومة فقط لهذا الغرض. كذلك يمكن إعطاء هذه المعلومات، وبموافقة الطرف الآخر، عندما تكون المعلومة من ضمن التي يجب إعطاؤها تحت طائلة القانون مثلاً إلى المحكمة أو البورصة وغيرها من الجهات.

وهذه المادة تنطبق ايضا على أية دراسة أو تقرير أو خطط تتم تحت الاتفاقية الأولية. وعندما يريد أي طرف إعلان معلومات تقنية أو معلومات متعلقة بالملكية، فعليه إعلام الطرف الآخر بأنه سيقوم بذلك، وأن يتم ذلك من خلال اتفاق يتضمن السرية أيضاً. وثم يعرف هذه المعلومات التقنية Technical Information ، بأنها تعني معلومات ذات طابع ملكية خاصة، وليست معلومات ذات طابع عملي أو اقتصادي أو مالي.

من الواضح لنا أن تعريف "السرية" جاء في الجمل الأخيرة، وهو ما يتعلق بالأمور الفنية ذات الملكية الخاصة (مثل حق المعرفة know - how وبراءة الاختراع وما شابه ذلك). وبرأيي أن نشر هذه الاتفاقية لا يقع بأي شكل من الأشكال ضمن بنود السرية، ولهذا  سربت ونشرت. علماً أن في غالبية الدول المتطورة، ولغرض أن تكون هناك شفافية في العمل، فإن قوانينها تجبر الشركات على نشر مثل هذه الاتفاقيات، حتى لو تضمنت أسعاراً، أو تجعل الوصول إليها سهلاً لمن يريد ذلك.

 

(13) – القانون النافذ Governing Law :

حسب هذه المادة فإن الاتفاقية الأولية سيتم حكمها، وتفسيرها وترجمتها وفقاً للقوانين العراقية، وفي حالة أي اختلاف لا يمكن حله ودياً، فإن الطرفين سيحلان الأمر من خلال التحكيم لدى غرفة التجارة العالمية، من خلال ثلاث محكمين، باستخدام اللغة الإنكليزية، ويكون مكان التحكيم في جنيف، والحكم ملزم للطرفين.

قد تكون هناك مشكلة قانونية عند اعتماد أن تكون "الشركة المشتركة"  عراقية، ومسجلة لدى "مسجل الشركات"، ولذلك يجب اعتماد ما تسمح به القوانين العراقية المعنية.

 

(14) – التعديلات

 

(15) - التنازلات Assignments :

 

(16) – المسؤولية القانونية Liability :

 

(17) – الحالة القانونية Legal Status  :

تقول هذه المادة بأن الطرفين يتفقان على أن الاتفاقية الأولية هذه لا تشكل اتفاقاً ملزماً قانوناً، ولا تضع التزاما على الطرفين لكي يدخلا في اتفاقيات نهائية مقبلة كما وأن الطرفين يتفقان على أن هناك فقرات عديدة إضافية يجب حلها قبل إتمام اتفاقيات نهائية بينهما. برغم ذلك فإن مواد الاتفاقية الأولية الحالية، والمرقمة (17) الحالة القانونية، و(7) الالتزامات المشتركة، و(8) الكلف والمصاريف، و(9) شراء معدات ومواد، و(12) السرية، و(13) القانون النافذ، و(14) التعديلات، و(15) التنازلات، و(16) المسؤولية القانونية، فإنها ملزمة قانونياً لكلا الطرفين..

والذي يفهم من "ملزمة قانونياً"، في الجملة الأخيرة، بأنها ملزمة قانوناً للاتفاقية الأولية الموقعة فعلاً.

 

(18) – إلغاء العقد Termination :

تقول هذه المادة بأن الاتفاقية تمدد تلقائياً لمدة ستة أشهر، إلاّ إذا قدم أحد الطرفين إلى الآخر طلباً تحريرياً بإنهائها وذلك قبل مدة لا تزيد عن (90) يوماً من انتهاء الـ (12) شهراً، وإلاّ إذا تم الاتفاق على اتفاقية نهائية قبل ذلك التاريخ، أو إذا مدد العقد بموافقة الطرفين وتقول أيضاً، أنه برغم إنهاء هذا العقد، فإن كلا الطرفين سيبقى ملزماً بالمواد العقدية المرقمة (8) الكلف والمصاريف، و(9) شراء معدات ومواد، و(12) السرية، و(13) القانون النافذ، و(19) المسؤولية القانونية.

 

 

2- توضيح بعض الأمور المتعلقة بموضوع استخدام الغاز

قبل البدء بكتابة هذه الفقرة، أود أن أؤكد ما سبق أن ذكرته في كتاباتي السابقة، من أن من يسمى ب "المعارضة"، أو من يسمى ب "الموالاة"، فإن كليهما يعتبران جزءاً من النسيج السياسي أو الاجتماعي العراقي الواحد، ومن يؤمن بالعمل الديمقراطي عليه أن يأخذ هذا الأمر بالاعتبار وبرحابة صدر، إذ قد يتم تبادل المواقف في انتخابات مقبلة وفي ظروف سياسية أخرى. ولكي تكون هناك ديمومة في المؤسسات السياسية والاقتصادية والخدمية، يفترض على كل طرف أن يسمع ويناقش الطرف الآخر، إذ من غير المعقول أن كل طرف يأتي للحكم سوف يبدل جذرياً ما قام به الطرف الذي سبقه، أو يلغي عقوداً أو اتفاقيات أو معاهدات، والأكثر مرارة هو أنه قد لا يستطيع أن يقوم بذلك بسبب الصيغ العقدية، وعند ذاك ستفشل "العملية الديمقراطية". ومثال على ذلك، كان بودي أن أطلع على هذه الاتفاقية من موقع أو نشرات وزارة النفط نفسها، وكذلك لا يزال بودي أن أطلع على عقد تطوير حقل الأحدب مع الصين، أو ماذا سيتم فعلاً في "عقود دورة التراخيص الأولى"، أو "الثانية" وغيرها من الأمور التي تهم كل مواطن. أما القول بأن نشر مثل هذه الأمور سيؤدي إلى "القال والقيل"، فهو رأي خاطئ وأثبتت التجارب السابقة ذلك، وخصوصاً في الأمور النفطية، بل أن العكس هو الصحيح،  فعدم النشر وإخفاء المعلومات هو ما يثير "القال والقيل"، ويزعزع الثقة. إن المعلومات ستنشر وتعلن بشكل أو بآخر، مهما حاولت بعض الجهات إخفاءها وذلك بفضل الإعلام العالمي والإنترنت ومتتبعي الأخبار من الصحفيين والمراسلين. وأحسن مثال هي مسودة "قانون النفط والغاز"، إذ أن المناقشات التي تمت بعد النشر أغنت الموضوع، وأعطت ثقة ودعما لمواقف داخل وزارة النفط نفسها بأمور تتعلق بقانون النفط، أو عقود المشاركة، أو مركزية القرار النفطي، أو موقف الأقاليم من المسألة النفطية. لم تكن غاية الخبراء والمختصين النفطيين الموجودين خارج السلطة، وأغلبهم خارج العراق لظرف أو لآخر، لم تكن غايتهم "الهدم"، بل "التصحيح"، فالغالبية العظمى منهم، وبالأخص الجادين وذوي الخبرة، لم يعارض "لغرض المعارضة" أو احتلال "كرسي"، ولذا تم إعطاء الحلول والبدائل، ووقفوا "ضد" أو "مع" وزارة النفط، تبعاً لمواقف وتوجهات الوزارة. والمفروض، أن الجميع جادون في طروحاتهم، و ان الجميع محبون لوطنهم، ومن كل الأطراف، يعرفون أن المعارضة أو التأييد الذي يبنى على موقف "طائفي"، أو "قومي" أو "ديني" أو "حزبي" أو "تاريخي"، هي معارضة مرفوضة وتعني "عقم" الفكر والحجة، فالمعارضة أو التأييد لرأي لا يقوم على أساس أن "فلان"، الذي طرح الفكرة، هو من "الطائفة، أو الدين، أو المجموعة... أو كان كذا وكذا"، وإنما يجب مناقشة الفكرة المطروحة وليس الشخص الذي طرحها، وهذا الأمر يأخذ بعداً وطنيا خاصةً في الأمور النفطية، والتي هي تخص جميع الشعب العراقي، بالإضافة إلى وجود عدد كبير من المختصين ومن جميع "الملل والنحل"، لا يمكن استبعاد أي منها، أو الشك بنياتها، ولهذا أكرر بوجوب الاستماع وقراءة ومناقشة الرأي الآخر للوصول إلى الرأي الصائب...

 

*                    *                    *

 

لقد اعتمدت في كتابة هذه الملاحظات عن "الاتفاقية مع شيل"، على صيغة الاتفاقية، وعلى الكثير من المقالات والدراسات التي نشرت، وخصوصاً الجادة منها والتي أوضحت الأمور وأعطت الحلول. ولقد أهملت عمداً جميع المقالات والدراسات والردود التي احتوت على "قذف"، و"سلبية تامة" تجاه الرأي المقابل، كما اعتمدت على تقارير حول "السياسة الوقودية" في العراق، واقتصادياتها، وما هو موجود فعلاً من مشاريع بالنسبة لتطوير الغاز، وليعذرني أصحاب هذه المقالات والدراسات لعدم ذكر أسماءهم، فالقائمة تطول، مع شكري الجزيل لكل من قدم لي يد المساعدة مباشرة بتزويدي بالمعلومات، أو بصورة غير مباشرة عن طريق النشر. إن إعطاء صورة عامة لمسألة الوقود في العراق يوصلنا إلى الاستنتاجات المطلوبة من هذه الدراسة.

 

 أ- موازنة وقود الاستهلاك الداخلي في العراق

ليعذرني القارئ عن استعمال تعابير تقنية في بعض الأحيان، وسأحاول تقليلها قدر الإمكان، ولكن لا بديل عندي من استعمال بعضها لتوضيح الصورة العامة لوضع الوقود، من ناحية مصادره وتصفيته، وتوزيعه، ومشاكله.

 

(1) نوعية النفط الخام العراقي، وطابع المصافي الموجودة

تصنف النفوط العراقية، على العموم، بالنفوط متوسطة الكثافة. علماً أن لدينا نفوط ثقيلة وكذلك نفوط خفيفة ولكن باحتياطيات قليلة. كما أن بعض نفوط شمال العراق، وبالأخص كركوك، تحوي نسب عالية نوعاً ما من الكبريت وأن الغاز المصاحب المنتج من هذه النفوط يحتاج إلى معالجة للتخلص من الكبريت (في معمل استخلاص الكبريت في كركوك). كما أن نسب الغاز المصاحب المنتجة مع النفط في نفوط الجنوب عموماً، هي أعلى من نفط كركوك أو بقية نفوط الشمال مع وجود استثناءات، تصل أحياناً إلى أكثر من (600) قدم مكعب قياسي (17 متر مكعب) لكل برميل نفط ينتج من الحقول الجنوبية.

إن النفوط العراقية متوسطة الكثافة، تنتج عند تصفيتها، بالتقطير البسيط العادي، إلى ما يقارب من 50 - 55% مما يسمى الفيول أويل fuel oil (النفط الأسود)، والبقية هي ما تسمى المنتجات الخفيفة، وهي البنزين والنفثا، والكيروسين (النفط الأبيض ووقود الطائرات النفاثة)، والكازأويل (زيت الغاز)، كما تنتج كميات قليلة من الغاز التي يستفاد منها في الحرق داخل المصافي وإنتاج الغاز السائل. إن مصفى الدورة ثم إكماله في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، أما مصفى البصرة ومصفى بيجي فلقد تم إكمالهما في السبعينيات، وهي لهذا تعتبر ذات تكنولوجيا قديمة (إذ لم تستخدم إلاّ التقطير البسيط)، ولكن منتجاتها كانت تفي بمتطلبات السوق العراقي، ولم تكن هناك حاجة لإجراء عمليات معقدة في المصافي لتحويل المنتجات الثقيلة (النفط الأسود) إلى منتجات خفيفة، عدا وحدات خاصة لمعاملة النفثا لتحويلها إلى منتجات خفيفة أخرى، حيث لم يكن هناك استعمال تجاري للنفثا، ولهذا يضطر إلى إخضاعها لما يسمى بعمليات الاصلاح reforming ، لتحويلها إلى بنزين عالي النوعية. إن للنفط الأسود استخدام عال في محارق محطات الكهرباء البخارية، ومحارق معامل السمنت ومعامل الطابوق، ومعامل الجص وغيرها، كما ينتج منه زيوت المكائن، والشحوم والشمع، والقار (القير)، ولم يكن هناك فائض من هذه المادة لكي يفكر بتطوير المصافي في العراق. أما االبنزين المنتج طبيعياً فكان يعامل بمادة رابع أثيلات الرصاص (المحرمة حالياً في غالبية الدول المتقدمة بسبب الرصاص السام)، وذلك لتحسين الرقم الأوكتيني octane number ، والذي هو دليل لنوعية البنزين، وكلما ازداد هذا الرقم كلما تحسن البنزين. وأن النفثا بعد اصلاحها تنتج بنزين ذو رقم أوكتيني عالي، وهذا بدوره يضاف إلى البنزين المنتج من خلال التقطير، ويباع للمستهلكين. أما الكيروسين (النفط الأبيض)، فإنه يستعمل للتدفئة وللإنارة وكذلك كوقود للطائرات النفاثة بعد تحسينه. علماً أن البنزين والكيروسين يعاملان للتخلص من الكبريت قبل طرحهما للاستهلاك المحلي، إذ أن هناك نسبة عالية من الكبريت في النفوط العراقية، وخصوصاً في نفوط الشمال، كما أسلفنا. أما الكازأويل gas oil (زيت الغاز)، فيستعمل بصورة رئيسية لسيارات النقل الثقيلة وساحبات القاطرات والمولدات الكبيرة في المناطق المنعزلة.

إن التطورات التي حدثت في العراق في السنوات العشرين الأخيرة، وهي الزيادة في استهلاك البنزين بسبب ازدياد السيارات، والاعتماد في الوقت الحاضر على مولدات الكهرباء البيتية الصغيرة التي تستهلك البنزين، وكذلك الزيادة في استهلاك زيت الغاز والنفط الأبيض. ويمكننا القول وبصورة عامة أنه كلما تطور البلد كلما احتاج إلى كهرباء أكثر وإلى منتجات نفطية خفيفة أكثر. لهذا ظهرت حاجة ملحة إلى تطوير المصافي العراقية، ولكن مع الأسف لم تتم تلبية هذه الحاجة حتى الآن، رغم أن تعليمات وزارة النفط والتي صدرت قبل أكثر من ثلاث سنوات، تنص على أن تكون نسبة النفط الأسود المنتج في المصافي الجديدة لا تتجاوز 30% (بدلاً من النسبة الطبيعية البالغة 50 - 55%)، والذي يعني أن تكون في المصافي وحدات خاصة لتكسير cracking و اصلاح reforming للفرق بين النسبتين للنفط الأسود (أي معاملة 20 - 25% من النفط الأسود المنتج)، لتحويله إلى منتجات خفيفة. علماً أن المصافي في الدول المتطورة، وخصوصاً الولايات المتحدة، تصل نسبة المنتجات الخفيفة فيها إلى 90% أو أكثر من النفط الخام نتيجة التكسير والاصلاح. إن هذه العمليات تؤدي إلى إنتاج منتجات نفطية خفيفة ومنها بنزين عالي الجودة جداً، مما لا يحتاج إلى إضافة رابع أثيلات الرصاص لتحسينه.

من الواجب ملاحظة أن عدم استهلاك، أو التقليل من استهلاك أي منتج، يضع المصفى في وضع صعب وقد يؤدي إلى إيقافه، إذ أن خزاناته ذات سعة محدودة، فمثلاً، (وهذا ما حدث مراراً)، أن في حالة توقف محطة كهرباء الدورة لفترة طويلة، لأسباب تقنية أو أمنية أو للإدامة السنوية، فإن ذلك قد يؤدي إلى توقف مصفى الدورة، أو التقليل من إنتاجيته، لأن خزانات النفط الأسود في كل من المصفى ومحطة الكهرباء تكون تم ملؤها، وليس هناك منفذ آخر لتصريف هذه المادة، مما قد يضطر أحيناً لإيقاف المصفى، وهذا التوقف بدوره يؤدي إلى تقليل المنتجات الخفيفة الأخرى التي عليها طلب من المستهلك. علماً أن عملية إيقاف وتشغيل المصفى ليست بالأمر الهين، بل أنها عملية شاقة جداً. وفي الظروف الاعتيادية فإن الموازنة في المنتجات تحتاج إلى جهد وتخطيط عاليين، فمثلاً لا توجد حاجة للنفط الأبيض في الصيف أو أن الحاجة للبنزين في الصيف أكثر منها في الشتاء، وغير ذلك من الأمور، إذ لا يمكن تحويل منتج إلى آخر إلاّ بحدود ضيقة جداً، ولذا يضطر إلى اعتماد إنشاء خزانات كافية للخزن في فترة قلة الحاجة، واستهلاك المخزون في فترة زيادة الحاجة، ولكن في السنوات الخمس الأخيرة اعتمد على استيراد المنتجات الخفيفة المطلوبة، وبهذا فإن عمليات التخطيط أصبحت أقل ثقلاً !!.

 

(2) الغاز الطبيعي

عندما نتحدث عن الغاز الطبيعي، فإننا نتحدث عن نوعين من هذا الغاز، النوع الأول، هو الذي ينتج مع إنتاج النفط كمادة عرضية، ولا يمكن تجنب إنتاجه فهو عملياً مذاب في النفط، وتحت ضغط الحقل، ويصعد مع النفط، كما يصعد مثلاً غاز ثاني أوكسيد الكاربون مع سائل البيبسي كولا عند فتح القنينة. يفصل هذا الغاز عن النفط بعد خروجهما سوية من البئر في عازلات خاصة. أما النوع الثاني، فهو الغاز الذي يتم إنتاجه لوحده من حقول غازية، أو الذي يتم إنتاجه لوحده أيضاً من غاز القبعة cap gas في الحقول النفطية، حيث يكون هذا الغاز في الطبقة العليا التي تغطي النفط، ويسمى أيضاً "غاز القبة"، حيث يوجد محصوراً في أعلى القبب النفطية. وبالرغم من وجود عدد من الحقول الغازية في العراق، ولكن ليس من المنطقي الإنتاج منها، طالما توجد هناك كميات هائلة من الغاز المنتج مع النفط، أي من النوع الأول، والذي يسمى "الغاز المصاحب"، ولا يمكن استهلاكها جميعاً، ولذا نراها تحرق هباءاً. وليعرف القارئ أن في البلد المتطور الذي يحافظ على ثرواته، فإنك لن تجد هذا المنظر "الخلاب"، الذي تجده قرب الحقول العراقية ليلاً، حيث تجد الإنارة على أشدها ومن مسافات بعيدة نتيجة حرق الغاز المنتج مع النفط.وعندما تعرف أننا نحرق ثروة هائلة، فإنك لن تجد هذا المنظر خلاباً، بل تجده منظراً مؤلماً يدل على عدم الشعور بالمسؤولية بضرورة الاستفادة من هذه المادة، أو على الأقل حفظها بإعادة حقنها للاستفادة منها مستقبلاً.

لقد كان هناك صراع مستمر، ولكن ليس قوياً، مع شركات النفط الأجنبية، قبل التأميم وفي أواخر الستينات من القرن الماضي، بضرورة عدم حرق الغاز المصاحب، أو التقليل من حرقه بالاستفادة منه من قبل الشركات، أو إعادة حقنه في الحقول النفطية أو الناضبة. علماً وفي أحيان كثيرة يكون من الضروري فنياُ حقن الغاز لزيادة إنتاجية الحقل من النفط، كما يحدث عند حقن الماء لزيادة الإنتاجية. ولو نظرنا إلى المراسلات بين وزارة النفط والشركات ، في ذلك الوقت، نجد أن في العديد منها، مطالبات من الوزارة بتقليل الحرق أو إعادة حقنه، واعتماد التشريعات العالمية بهذا الخصوص وخصوصاً الفنزويلية، ومنذ أربعينيات القرن الماضي، حيث تمنع هذه التشريعات حرق الغاز وتفرض غرامة عالية على من يقوم بذلك. وكان جواب الشركات دائماً بأن هذا الحرق لا يمكن تجنبه، ويمكن للحكومة العراقية أن تأخذ هذا الغاز وتستفيد منه إن أرادت ذلك، وهو جواب "مقنع"، عندما لا نجد هناك تشريعاً يمنع الحرق، علماً صدر تشريع في 1970يتعامل مع هذه المسألة، وسنتحدث عنه لاحقاً، ولكنه كان تشريعاً مائعاً. وفي أثناء مفاوضات التأميم حاولت الحكومة العراقية طلب تعويضات عن الغاز المحروق سابقاً ولكن دون نتيجة تذكر. وما حدث بعد التأميم هو على العموم استمرار لما كان الحال قبله ولكن بدرجة أقل بسبب استعمال الغاز في محارق محطات الكهرباء والسمنت وإنشاء معامل الصناعات البتروكيمياوية التي تعتمد الغاز، مثل صناعة الأسمدة النتروجينية (الأمونيا واليوريا)في البصرة وبيجي، وصناعة الأثيلين ومنتجاته من البولي أثيلين، والبولي فينايل كلورايد في معمل البتروكيمياويات في البصرة، وكانت هناك توسعات كبيرة في هذه الصناعات لم يتم إكمال تنفيذها بسبب الحرب مع إيران والتدمير المنظم للصناعة العراقية في سنة 1991 في حرب الكويت، وثم جاء الحصار وبعده التدمير الأكثر الذي حدث بعد الاحتلال، حيث أهملت الصناعة تماماً، وسنتحدث عن هذا الأمر لاحقاً وبتفصيل أكثر. إن 28 سنة من الدمار للبنية التحتية العراقية حمل وزارة النفط، وعن حسن نية، على التفكير بمشروع غاز الجنوب، حيث يحرق حالياً (700) مليون قدم مكعب قياسي (مقمق) يومياً، (أي ما يقارب من عشرين مليون متر مكعب في اليوم الواحد)، فقط من نفط البصرة، وفي ظروف الإنتاج النفطي الواطئ جداً في الوقت الحاضر، والذي يقارب من (1،9) مليون برميل يومياً فقط.

 

*                    *                    *

 

هنا يجب أن نوضح أن الغاز والنفط هما من تركيب كيمياوي واحد، فهما مواد هيدروكاربونية، (أي من الهيدروجين والكربون)، تصعد تدريجياً من وجود ذرة كربون مع أربعة ذرات هيدروجين في الميثان، وتصعد إلى ذرتين كربون (في الإيثان)، إلى ثلاثة ذرات كربون (في البروبان)، إلى أربعة ذرات كربون (في البيوتان)، وجميع هذه المركبات الأربعة هي في حالة غازية في الظروف الجوية الاعتيادية، ولهذا تسمى الغاز. وعندما تصعد ذرات الكربون إلى خمسة ذرات فما فوق تكون المركبات سائلة في الظروف الجوية الاعتيادية وهي التي تشكل النفط، وعندما تصل ذرات الكربون إلى أرقام عالية جداً يكون الهيدروكريون في الحالة الصلبة في الظروف الجوية الاعتيادية ويشكل مادة القير، أو مادة الشمع البرافيني وغيرهما.

يلاحظ القارئ والمتابع لأمور النفط والغاز، أن الوحدات المستعملة في القياسات لا تزال تستخدم النظام الإنكليزي القديم، مثل القدم والميل، والبرميل والباوند والطن البريطاني، والسبب في ذلك أن الصناعة النفطية تقع عملياً تحت النفوذ الأميركي بكل نواحيها الفنية والتجارية إذ هي مركز الثقل في هذه الصناعة منذ بدايتها، وبضمن هذه الصناعة المصافي وصناعة البتروكيمياويات، وأن الولايات المتحدة لم تستخدم لحد الآن النظام المتري خلافاً لكل العالم. لقد تحولت بريطانيا عن النظام البريطاني إلى النظام المتري، ولكن الولايات المتحدة، (وبالتالي الصناعة النفطية)، لا تزال تستخدم النظام البريطاني القديم، رغم أن غالبية التكنولوجيات العالمية في هذه الصناعة، بمختلف مراحلها، هي أميركية.

 

*                   *                    *

 

لنرجع إلى الغاز العراقي...

بسبب شحة النفط ووجود كميات كبيرة في العالم من الغاز المصاحب ومن الحقول الغازية، ولأن الغاز أنظف إلى البيئة من النفط، وأسهل حرقاً، فلقد حدث تطور كبير في السنوات الثلاثين  الماضية، وذلك بالتحول إلى استعمال الغاز واستغلال الحقول الغازية، وخصوصاً في الولايات المتحدة وأوربا، وتم مد عشرات الألاف الكيلومترات من أنابيب للغاز في مختلف العالم، خصوصاً في نقل الغاز الروسي إلى مختلف أنحاء أوربا. إضافة لذلك ولكي ينقل الغاز لمسافات بعيدة جداً، مثلاً من دولة قطر، إلى مختلف أنحاء العالم تم تطوير عمليات تسييل الغاز وتحويله إلى ما يسمى "الغاز الطبيعي المسال Liquefied Natural Gas LNG"، لامكان نقله بالبواخر الخاصة. كل هذه التطورات جعلت من "الطبيعي" أن تفكر وزارة النفط في تطوير الحقول الغازية، مثل ما تم في إقليم كردستان، وبمعزل عن الحكومة المركزية عند تطوير حقلي غاز "كورمور" و"جمجمال" في الوقت الذي يوجد غاز يحرق هباءاً في حقول كركوك !!. كما وتخطط الحكومة المركزية على تطوير حقل "عكاس" في الصحراء الغربية، وكذلك أحد نتائج هذا التفكير، هي الاتفاقية الأولية مع شركة شيل بما يتعلق بغاز الجنوب، واحتمالات تصديره.

نرى أن علينا إعطاء القارئ فكرة عن مبلغ الخسارة في حرق الغاز في الحقول العراقية، حيث قدّر أن ما يحرق حالياً من الغاز في الجنوب يقارب الـ (700) مليون قدم مكعب قياسي مقمق يومياً، (أي حوالي 20 مليون متر مكعب قياسي). ولو اعتمدنا المكافئ الحراري للغاز والنفط، كمقياس لما تعادله هذه الكمية من الغاز المحروق، لوصلنا إلى أن الغاز المحروق هباءاً يعادل ما يزيد عن (124) ألف برميل من النفط يومياً تحرق هباءاً، (حيث أن برميل النفط يعطي 5،8 مليون وحدة حرارية بريطانية، وأن 1000 قدم3 غاز يعطي 1،03 مليون وحدة حرارية بريطانية). وبهذا تكون:

الخسارة اليومية (6،2) مليون دولار، والسنوية (2،3) مليار دولار، (بافتراض أن سعر النفط 50 دولار/البرميل)، أو (4،6) ملبار دولار سنوياً، (بافتراض أن سعر النفط 100 دولار/البرميل)، أو (6،9) مليار دولار سنوياً .

إن سعر النفط الحالي والبالغ حوالي (50) دولار للبرميل الواحد، هو سعر غير منطقي، أملاه الركود الاقتصادي العالي، والأهم من ذلك استمرار منظمة أوبك بإغراق السوق العالمي بالنفط، وعدم التزام بعض دولها بالتخفيض البالغ (1،5) مليون برميل/اليوم الذي قررته أوبك قبل فترة قصيرة، في الوقت الذي كان يجب أن يكون التخفيض (2،5) مليون برميل يومياً على الأقل حسب رأي المعنيين في ذلك الوقت، واليوم يجب أن يكون التخفيض أكثر من ذلك بكثير. إذا كان البعض يعتقد أن سعر (150) دولار للبرميل هو "فقاعة"، ( 80 - 100) دولار للبرميل هو بالتأكيد ليس"فقاعة" . لقد انخفض النفط إلى ثلث سعره ولكن المواد على النطاق العالمي لم تنخفض أكثر من (20 – 30%)، إذ بارت هذه المواد وتوفق إنتاجها، وما يجب أن يتم في النفط هو شأنه شأن أية مادة أخرى، وذلك بسحبه من الأسواق، ليبقى سعره منخفضاً بانسجام مع المواد الأخرى وليس إبقاء وجوده في السوق وبكميات هائلة. وفي السابق كانت تحرق القهوة الفائضة للإبقاء على الأسعار والآن لا نحتاج إلى حرق النفط، وإنما إبقائه في المكامن للإبقاء على الأسعار. إن السعر المنطقي هو حوالي ( 80 -100) دولار للبرميل، وباعتقادي سوف يصل إلى هذا السعر في أواخر العام القادم إذا اتخذت أوبك موقفاً فعالاً. على أي حال هناك خسارة نتيجة حرق الغاز تعادل ( 3 - 4) مليار دولار سنوياً من حرق (700) مقمق يومياً. ولو ضاعفنا إنتاج النفط، فإن كمية الغاز المحروق سوف تزيد عن الضعفين وسنصل إلى خسارة مالية تقارب ( 8 ) مليار دولار سنوياً، نستطيع تجنبها لو استفدنا من الغاز المحروق باستعماله كلياً داخل العراق، وأن السوق يستوعب ذلك لو وجدت البنية التحتية اللازمة، أو على الأقل إعادة حقنه، وكما سنوضح ذلك.

 

(3) موازنة استخدام الوقود في العراق

لا يمكن اعتبار الظرف الراهن كمقياس لاستهلاك الوقود، فالطاقة الكهربائية لا تكفي لأكثر من ربع الحاجة الفعلية في فترة الذروة في أحسن الأحوال، بالرغم من أن دوائر الكهرباء تدعي بأنها تنتج نصف الحاجة المحلية في فترة الذروة. إن كل فرد عراقي سيقول لك مباشرة بأن هذا الادعاء غير صحيح، إذ لو كان ذلك صحيحاً لحصلنا على الكهرباء في تموز وآب على (12) ساعة في اليوم الواحد، وليس (3-4) ساعات في أحسن الأحوال!!. إضافة لذلك فإن الغالبية العظمى من معامل السمنت لا تعمل، كما وأن الطاقة الإنتاجية لمعامل الأسمدة والبتروكيمياويات لا تزيد معدلاتها عن30% من طاقاتها. لهذا فإن كل التقارير تقول بأن من الممكن استهلاك - محلياً- جميع الكمية المحروقة حالياً، بعد أخذ الظروف التي سنذكرها بنظر الاعتبار، وقد نحتاج للاستهلاك الداخلي من الغاز حتى إلى ضعف الكمية المحروقة حالياً.

بسبب الوضع الحالي للنفط الأسود، حيث أن استعماله الوحيد تقريباً في المحارق، ولا يمكن التوقف عن استعماله لئلا تتوقف المصافي، لذا فإن الأولوية  في الاستخدام تكون له، علماً أن المنطق يقول يجب أن تكون الأفضلية  في الاستخدام هي للغاز المحروق هباءاً، ولكن المعوقات المذكورة أعلاه تجعل الأفضلية الأولى للنفط الأسود، والأولوية الثانية، وذلك في حالة عدم توفر النفط الأسود لسبب أو لآخر، تكون للغاز المحروق هباءاً، (أو الغاز الجاف المنتج منه)، وفي الظروف الاستثنائية جداً، وعندما لا يتوفر النفط الأسود أو الغاز المصاحب، هناك بديل ثالث وهو استخدام النفط، وهو الأمر الواجب تجنبه كلما كان ذلك ممكناً. هناك تعليمات واضحة، كانت قد وضعت في السبعينيات من القرن الماضي من قبل وزارة النفط، وعمم وجوب تطبيقها على وزارة الصناعة والمعادن، والتي كانت تضم في حينه محطات الكهرباء، وعلى جميع مستهلكي الوقود الكبار، بضرورة أن تتم تصاميم المحارق بحيث تستطيع المناورة باستهلاك الوقود وفق الأولويات الثلاث المذكورة أعلاه. لقد حدثت في بعض الأحيان مشاكل في توفير الغاز في المنطقة الشمالية، خصوصاً عندما تم تشغيل معمل الأسمدة النتروجينية في بيجي في الثمانينات، حيث كان يجب توفير الغاز للمعمل وليس أي بديل آخر، فهو هنا يستخدم كمادة كيمياوية وليس كوقود، والغاز المستخدم يجب أن يكون من الغاز الحلو Sweet gas ، أي خال من الكبريت، فعند ذاك كان يعتمد على غاز القبة في حقل "جمبور" (ضمن الحقول الشمالية)، فهو حلو في الطبيعة، ولا يحتاج إلى معاملة الخاصة للتخلص من الكبريت في معمل استخلاص الكبريت في كركوك. علماً أن هذا الأمر يجب تجنبه، إلاّ في الضرورة القصوى، إذ يعتبر هدراً للاحتياطي الغازي الذي يجب الاحتفاظ به. هذ ولقد تم مؤخراً تطوير الحقلين الغازيين في كورمور وجمجمال من قبل حكومة إقليم كردستان، وكما بينا في كتابنا "حكومة إقليم كردستان وقانون النفط والغاز"، والغاز فيهما من النوع الحلو، وتم ذلك بالرغم من وجود غاز لا يزال يحرق في حقول كركوك والحقول الشمالية الأخرى !!.

إن الحلول لتحقيق هذه الموازنة ولكي تكون صحيحة، هي:

أولاً: البدء بالعمل في حقول الجنوب حيث كمية الغاز المحروقة عالية جداً، وسنرى في الفقرة التالية أن هذه الإمكانيات موجودة وكاملة، ولكنها دمرت جزئياً خلال الحروب وفترة الحصار الاقتصادي، ولا تحتاج إلى كل هذه السنين أو إلى المشاركة مع شركة شيل لتأهيلها، وكذلك إكمال شبكة الأنابيب الغازية القطرية، التي قد تبلغ حالياً آلاف الكيلومترات، وذلك للوصول إلى كل مناطق العراق، والربط لاحقاً مع الشبكات الغازية الإقليمية، للمساعدة في تصدير الغاز في حالة وجود فائض.

ثانياً: البحث عن إمكانيات لتصدير النفط الأسود الفائض، لكي لا يكون عائقاً في تحقيق الموازنة الوقودية، وكما أوضحنا سابقاً إذ أن عدم استهلاك النفط الأسود قد يؤدي إلى إغلاق المصافي أو تقليل الإنتاج منها في حالة توقف محطات الكهرباء عن العمل. إن تصدير النفط الأسود لوحده ليس بالعملية السهلة ولكنها ممكنة بمزجه مع النفط الخام وبكميات قليلة، وفي هذه الحالة تنشأ مشكلة في احتمال الاضرار بنوعية النفط المصدر، ولذا فإن هذا الأمر يحتاج إلى دراسة خاصة من قبل وزارة النفط (وحسب علمي توجد مثل هذه الدراسات). والحل الجذري والأهم هو تحويله إلى منتجات خفيفة، جزءاً أو كلاً، ولقد تحدثنا عن هذا الموضوع. إن هذا الأمر لا يشمل المصافي الجديدة فقط، وإنما إضافة وحدات خاصة الى المصافي الحالية. إننا نسمع بخطط بناء مصاف جديدة، لا يتجاوز النفط الأسود المنتج منها  30% من النفط الخام، ومنذ أكثر من ثلاث سنوات، ولقد استلمت وزارة النفط عروضاً بهذا الخصوص من شركات عالمية، ولكن ، حسب علمي ، لم يتم لحد الآن إلإحالة الفعلية ، والبدء بإنشاء أي مصفى من هذا النوع، رغم التصريحات العديدة. ولا أعلم هل ان الأمر متعلق بالقانون الذي صدر للسماح للأجانب والقطاع الخاص ببناء مصاف، وإذا كان التأخير لهذا السبب فهو أمر مرفوض، إذ نحن بحاجة إلى مصاف متطورة وأن وجودها من مسؤولية الدولة، وإذا لم ينفذها القطاع الخاص، يكون تنفيذها من مسؤولية الدولة.

في كل الأحوال يجب، ولحين إكمال المصافي دراسة إمكانية تصدير النفط الأسود وبصورة جدية، لاستعمال الغاز بدله.

ثالثاً: يجب عدم السماح لإنتاج الغاز من الحقول الغازية، إلاّ في ظروف خاصة جداً ولكميات محدودة وقليلة، طالما أن هناك غازاً يحرق والمفروض بوزارة النفط أن تعمل على إصدار قانون بذلك، أو ان تضمنه في قانون النفط والغاز، إن مثل هذا القانون يجب أن لا يكون مرناً، ويتضمن عدة تفسيرات. أما مسألة دخول الدولة في تصدير الغاز، فهذا أمر جيد، ويمكن ولوج هذا الأمر بعد التيقن من إمكانيات التصدير، والتأكد من استغلال جميع الغاز المصاحب. والأفضل البدء بتصدير الغاز إلى الدول المجاورة من خلال الأنابيب، وليس بالطريقة الأصعب والأغلى، وهي التسييل، وسنتحدث عن هذا الأمر لاحقاً. علماً أن الغاز ليس بضاعة بائرة، وأن الطلب عليه يزداد باطراد لنظافته وسهولة التعامل معه.

هذا وسنتحدث لاحقاً عن مسألة مهمة وملحة وهي إعادة حقن الغاز المحروق هباءاً والتشريعات الصادرة حوله.

 

(ب) مشاريع غاز الجنوب الموجودة حالياً

نرى من الضروري تبيان المعلومات أدناه، حول ما موجود فعلاً من مشاريع لاستغلال غاز الجنوب، لنتمكن في نهاية الدراسة من الوصول إلى الاستنتاج الأصوب.

 

 

 

(1) المقدمة:

لقد ذكرت نصف الحقيقة عندما تحدثت عن حرق الغاز هباءاً، وأن الحكومات المتعاقبة لم تحل هذا الأمر واستمر حرق الغاز حتى هذا اليوم. بالواقع لقد تمت مشاريع عديدة للاستفادة القصوى من الغاز، ولقد حدث هذا الأمر في فترة زمنية متأخرة جداً، بحيث لم تستطع وزارات النفط المتعاقبة، أو الاقتصاد العراقي ككل الاستفادة من نتائجها أو تناول حتى جزء بسيط من ثمارها، وذلك بسبب السياسات المدمرة لنظام صدام، والتصرفات الهمجية المجرمة للولايات المتحدة، التي أدت إلى الحروب والحصار والاحتلال، والدمار الشامل المتعمد والمنهجي للبنية التحتية للصناعة النفطية، ولمجمل الصناعة والزراعة والخدمات في العراق، واستمر الاحتلال بفرضها على القوى السياسية العراقية بشكل أو بآخر.

لم تستطع الحكومات السابقة للتأميم من فرض شروطها، في عدم حرق الغاز، على الشركات العالمية المالكة لامتيازات نفط العراق، ومنها شركة "شيل"، وذلك إما بتصنيعه أو إعادة حقنه، وترك الغاز المحروق رهنا بتصرف الحكومات العراقية. فبدأ التنفيذ الأول للمشاريع في الستينيات من القرن الماضي، وببطء شديد، إذ تم إنشاء معمل استخلاص الكبريت من غاز الحقول الشمالية، حيث إن غاز حقل كركوك هو حامضي، ويحتاج إلى تحلية، (أي التخلص من الكبريت)، للتمكن من استخدامه، ومن ثم نقله إلى معمل التاجي للغازات النفطية، الواقع شمال مدينة الكاظمية، وذلك لإنتاج البروبان والبيوتان (لإنتاج الغاز السائل وتعبئته)، والبنزين الطبيعي الذي يرسل إلى مصفى الدورة لمزجه مع البنزين المنتج لديهم. أما الغاز الجاف الناتج، فلقد تم إيصاله إلى شبكة من الأنابيب تصل إلى محطات الكهرباء ومعامل السمنت والمعامل الكبيرة الموجودة في بغداد ومحيطها، علماً أن حرق غاز الشمال استمر بعد ذلك وبكميات أقل، إلى أن تم إنشاء وتشغيل معمل الأسمدة النتروجينية، (الأمونيا واليوريا)، في بيجي في الثمانينات من القرن الماضي، وقبله تم إكمال وتشغيل محطة كهرباء بيجي، ورغم ذلك بقي بعض الغاز المصاحب يحرق هباءاً.

 

 

 

(2) غاز الجنوب

أما ما يتعلق بغاز الجنوب، وهو الأكثر حرقاً وهدراً وبمراحل، فلقد بوشر في منتصف السبعينيات بما يسمى المرحلة الأولى من مشاريع استغلال الغاز المصاحب في الجنوب، وذلك لإنتاج الغاز السائل في خور الزبير، وتوصيل الغاز  الجاف المنتج إلى مصانع الأسمدة النتروجينية في أبي الخصيب وخور الزبير، وكذلك توصيل الغاز الجاف إلى مصانع البتروكيمياويات في البصرة، ومعملي الورق في البصرة والعمارة، ومحطات الكهرباء في النجيبية والهارثة والناصرية، وذلك من خلال شبكة أنابيب، أحدها أنبوب الغاز الذي مُدّ من الرميلة إلى حديثة، بالتوازي مع الخط الإستراتيجي لتصدير النفط. ولكن رغم إكمال هذا المشروع فلقد استمر حرق الغاز هدراً في الجنوب، وبكميات كبيرة جداً. لهذا بدأ العمل على إنجاز المرحلة الثانية من مشروع غاز الجنوب، وذلك  من خلال مشاريع صغيرة مجزأة، حيث تم إعداد التصاميم لها والإشراف على تنفيذها، وتنفيذ قسم منها، من خلال "شركة المشاريع النفطية"، إحدى شركات وزارة النفط، والتي كانت منشأة ثم توسعت لتصبح مؤسسة، وثم تحولت إلى شركة تابعة للوزارة، ولها إمكانيات فنية عالية جداً لتصميم وتنفيذ المشاريع النفطية، وكانت تضم عدداً كبيراً من خيرة المهندسين والمختصين العراقيين. وباعتقادي، وبرغم مغادرة أو تقاعد أعداد غفيرة من المهندسين والمختصين الذين كانوا يعملون فيها، فإنها لا تزال قادرة على العمل وبكفاءة لا بأس بها، للإشراف على تنفيذ المشاريع النفطية من خلال عقود خدمة service contracts مع الشركات الهندسية العالمية المختصة.

تم إكمال المرحلة الثانية من مشروع غاز الجنوب في أواخر الثمانينيات، وذلك أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وفي منطقة البصرة الخطرة التي كانت تتعرض دائماً لأعمال القصف والأعمال الحربية. علماً أن مسألة تعرض مواطني البصرة إلى أخطار المعارك والتنكيل من قبل السلطة، أصبحت جزءاً من قدر هذه المدينة، ولا أعتقد أن هناك عائلة أو بيت فيها لم يلحقهما الضرر، بشكل أو بآخر، خلال السنوات الخمس والأربعين  الماضية، ولكن رغم ذلك ظل أهلها على تعلقهم الشديد بالعراق ووحدته.

لعل مشروع غاز الجنوب خير مثال على التدمير المستمر الذي حدث للصناعة العراقية، نتيجة الحرب العراقية الإيرانية خلال 1980- 1988، والتدمير المنهجي الذي حدث للعراق في حرب ما بعد احتلال الكويت في 1990-1991، حيث دمر الأميركان  ما دمروا، ثم تبعه الحصار الظالم القاسي والذي استمر من العام 1991 إلى الاحتلال الأميركي في 2003، واستمر التدمير بعد الاحتلال أيضاً، ومنذ 2003 وحتى الآن، حيث لم يتخذ أي مسؤول إجراءات جدية للعمل على إعادة تعمير المشروع أو تأهيله، وبدلاً من ذلك تم الذهاب الآن، وبعد كل هذه السنين، إلى أكثر الخيارات ضرراً - باعتقادي – (عدا خيار إبقاء الغاز محترقاً)، وذلك بتسليم المشروع عملياً إلى شركة أجنبية هي شركة شيل، التي كانت من أوائل الشركات التي تم تأميمها، حيث تم تأميم حصة "شركة النفط الملكية الهولندية" أولاً في عمليات شركة نفط البصرة، التي تملك 60% من حصة شركة شيل، وذلك بموجب القانون (90) الصادر في 21/10/1973، وبعد ذلك تم إكمال تأميم جميع حصصها وفي جميع الشركات النفطية التي كانت عاملة في العراق.

 

*                    *                    *

 

من الأفضل، ولاطلاع القارئ على حجم مشروع غاز الجنوب، بمرحلتيه، أن نذكر نبذة عن هذا المشروع العملاق، الذي لم يشغّل أبداً بطاقته التصميمية، أو حتى قريباً من ذلك.

إن هذا المشروع يحتوي على جميع عناصر المشروع الناجح، وذلك كمشروع لاستغلال الغاز، وكان سيصبح أفضل جداً، لو تم إكمال تنفيذ التوسعات التي بدأ بها في صناعة الأسمدة والبتروكيمياويات ومحطات الكهرباء التي تعتمد على مشروع غاز الجنوب، والتي انتهى الأمر بها إلى "النسيان" بعد حرب الكويت وقصف العراق، وبعد استمرار الحصار. إن هذا المشروع كان قد اقترح من قبل شركة شيل في 22/1/2008، كما جاء في الاتفاقية الأولية، أو "نتيجة عمل سنوات عديدة مع وزارة النفط"، كما قال منير بوعزيز (الشخص الذي وقع الاتفاقية الأولية عن شركة شيل)، في تصريحه إلى مجلة "أخبار النفط والغاز Oil and Gas News" في عددها الصادر في تشرين الثاني 2008. وهذا المشروع المقترح لا يتجاوز مشروع غاز الجنوب المنفذ والموجود فعلاً على الأرض، ومنذ أواخر الثمانينات من القرن الماضي، ولكن يحتاج إلى إعادة تأهيل. وبالواقع فإن "الاتفاقية الأولية" تتحدث عن إنتاجية أقل من طاقة المشروع الموجود، وقد تصل لاحقاً إلى ما مصمم له أصلاً، وترتفع عند تجاوز الإنتاج من الحقول الجنوبية حدود (3 – 3,5) مليون برميل يومياً من النفط. الشيء الإضافي الوحيد في مقترح شيل هو "دراسة" أمكانية تسييل الغاز الجاف "الفائض" لغرض التصدير، مع دراسة بدائل أخرى للتصدير مثل التصدير بواسطة الأنابيب. ومن المرجح أن تسييل الغاز لغرض التصدير لن يتم قبل (4-5) سنوات على الأقل، لعدم وجود غاز فائض كاف لغرض التسييل، كما أن التصدير بالأنابيب أكثر واقعية في هذه الظروف، (إن وجد فائض للغاز)، وذلك في حالة العمل لتنفيذ ما جاء من مقترحات في الفقرة 2أ (3) "موازنة استخدام الوقود في العراق"، أعلاه.

إن منشآت المشروع الحالي الموجودة لغاز الجنوب، مصممة على معاملة الغاز المصاحب (الرطب) المنتج مع إنتاج نفطي يعادل (3) مليون برميل يومياً.

من المفضل أن نذكر هنا العمليات المطلوبة لتصنيع الغاز المصاحب وبصورة موجزة جداً:

إن "الغاز المصاحب" لإنتاج النفط، ويسمى أحياناً "الغاز الرطب"، أو "الغاز الخام"، يتألف من الميثان والإيثان والبروبان والبيوتان، (وهذه المركبات الهيدروكربونية الأربعة هي بحالة غازية في الظروف الاعتيادية، أي تحت ضغط جوي عادي وبدرجة حرارة 25 درجة مئوية)، وكذلك يحتوي الغاز المصاحب على سوائل البنتان، (الهيدروكربون ذو الخمس ذرات كاربون)، وما أثقل منه ويسمى بالبنزين الطبيعي. يتم فصل المنتجات المختلفة من غازات وسوائل، بواسطة عمليات مختلفة تعتمد الكبس (لزيادة الضغوط)، والتبريد إلى (30 – 40) درجة مئوية تحت الصفر، وعلى عمليات التقطير أيضاً.

ينتج الغاز المصاحب مع النفط، ويفصل عنه في الفاصلات الموجودة في الحقول النفطية، كما يجري التخلص من الغالبية العظمى من الماء العالق بالغاز والنفط المنتج، ويرسل الغاز إلى وحدات فصل السوائل. يوجد مركزان لتجميع الغاز الرطب في الحقول الجنوبية، المركز الأول في حقل الرميلة الشمالي، وبطاقة تصميمية تعادل (680) مقمق (مليون قدم مكعب قياسي) يومياً، والثاني في منطقة حقل الرميلة الجنوبي (مركز خور الزبير)، لجمع غاز جميع الحقول الموجودة في تلك المنطقة وبطاقة تصميمية تعادل (700) مقمق يومياً. وكلا المركزين للغاز يرسلان ما يعادل حوالي (1400) مقمق من الغاز الرطب إلى وحدات موجودة في خور الزبير، مقر "شركة نفط الجنوب"، حيث تعامل في الوحدات الأولية لفصل السوائل، (والمقصود بالسوائل هي البروبان فما فوق الأثقل منه)، رغم أن البروبان والبيوتان هما من الغازات في الظروف الجوية الاعتيادية، ولكن وبسبب العمل في درجات حرارة منخفضة وضغوط عالية يكونان ضمن السوائل. يخرج من هذه الوحدات الغاز الجاف، (الميثان والإيثان)، ويرسل إلى الشبكة القطرية للغاز الجاف، وبكميات تصل إلى (700 – 750) مقمق يومياً، ومنها يوزع الغاز الجاف، من خلال شبكة طويلة من الأنابيب، إلى محطات الكهرباء، وإلى المنشآت الصناعية الكبرى، ومنها معامل البتروكيمياويات والحديد والصلب والأنابيب الحلزونية في البصرة، ومعامل الأسمدة النتروجينية في خور الزبير وأبو الخصيب (حيث يوجد أول مصنع للأسمدة شيد في العراق، ودمر في الحرب العراقية - الإيرانية، وكان هناك مشروع لإعادة تأهيله)، وإلى معامل الألمنيوم في الناصرية، ومعامل الورق في البصرة والعمارة، وإلى معامل السمنت.

أما السوائل الباقية، فتفصل إلى البروبان والبيوتان، والبنزين الطبيعي. إن البروبان والبيوتان، يكونان "الغاز السائل LPG Liquefied Petroleum Gas"، حيث الطاقة التصميمية لكليهما تبلغ حوالي أربعة ملايين طن سنوياً. إن الغاز السائل يتكون من البيوتان مع نسبة من البروبان، وتتغير هذه النسبة تبعاً لحرارة الجو، إذ في الظروف الباردة تزداد نسبة البروبان وفي الظروف الحارة تقلل هذه النسبة. يستعمل الغاز السائل للاستهلاك الداخلي المحلي من خلال تعبئته باسطوانات صغيرة أو كبيرة ويباع مضغوطاً لأن استعماله يتم في الظروف الجوية الاعتيادية، ويرسل الفائض منه إلى أنبوب الغاز السائل القطري الممتد من الجنوب إلى الشمال. والفائض من البروبان والبيوتان يصدران من خلال ميناء تصدير خاص موجود فعلاً. وهناك منشآت قائمة للخزن في مجمع التصدير، وعملية الخزن ليست بالسهلة، وكمثال فإن خزن البروبان يتم في درجة حرارة واطئة جداً تبلغ (40) درجة مئوية تحت الصفر.

أما بالنسبة للبنزين الطبيعي، والمقدر إنتاجه تصميمياً بحوالي (1,4) مليون طن سنوياً، فيمكن تصديره من خلال نفس الميناء المذكور أعلاه، أو إرساله إلى مصفى البصرة، ليتم مزجه مع البنزين المنتج في المصفى، ويباع للمستهلك مع إضافة رابع أثيلات الرصاص tetra ethyl lead TEL ، مع وجود خزانات كبيرة في ميناء التصدير لحفظ الكميات الفائضة واللازمة للتصدير، ولجميع هذه المنتجات.

إن هذا المشروع  كبير جداً، وتقدر كلفة المرحلة الثانية منه فقط بحوالي (2) مليار دولار، وبأسعار ما قبل عشرين سنة، دفعت بالكامل في حينه ضمن المنهاج الاستثماري. يا ترى كم سيتم تقييمه في هذه "الشركة المشتركة" الجديدة المنوي إنشاؤها مع شركة شيل، ليكون جزءاً من حصة العراق في الشركة ؟؟!!.

إن ما حدث لهذا المشروع يمثل فعلاً الوضع المأساوي للعراق، ففي الوقت الذي وصلت فيه أول باخرة في أواخر تموز 1990، لتحميل البروبان والبيوتان، (الغاز السائل)، ليتم تصديره، حدث غزو العراق للكويت في الثاني من آب 1990، واضطرت الباخرة إلى التوقف عن التحميل ومغادرة العراق، ونستطيع أن نتصور مدى خيبة أمل الكادر العراقي الذي عمل على إكمال المشروع، بدون أن يرى ثمار عمله، وعلى المليارات من الدولارات التي أنفقت عليه، وبالتأكيد ازدادت هذه الخيبة أضعافاً مضاعفة  عندما رأى ما حدث لاحقاً لهذا المشروع. لقد تُرك – عمليا -ً هذا المشروع ولم تتم الاستفادة منه إلاّ بحدود ضيقة جداً، وتعرض للدمار في مرافق عديدة منه، ولم يتمكن الكادر العراقي من إعادة تأهيله في فترة الحصار الاقتصادي التام على العراق، رغم إكمال تصليح وإعادة تشغيل معمل فصل السوائل في الرميلة الشمالي وإعادته للعمل بطاقة أقل بكثير عما مصمم له، وذلك في بداية الحصار الاقتصادي. واستمر الحال على ما هو عليه حتى بعد صدور قرار مجلس الأمن (1284) الصادر في 17/12/1999، والذي "أكد" على ضرورة توفير الأموال اللازمة لتأهيل الصناعة النفطية المدمرة، وان يقوم مجلس الأمن بإرسال مختصين لتحديد الحاجة الفعلية لهذه الصناعة، وحاول المجلس أن "يقلص" ! من الإجراءات القاسية القرارات المميتة للبنية التحتية العراقية التي كانت تصدرها  "لجنة المقاطعة"، والتي قام بها ممثلا الولايات المتحدة وبريطانية في هذه اللجنة، ولكن لم توفر السيولة النقدية اللازمة لتأهيل مشروع غاز الجنوب. واضطر مجلس الأمن، مرة أخرى، في قراره (1293) الصادر في 31/3/2000 إلى زيادة المبالغ اللازمة لشراء قطع الغيار للصناعة النقطية، ولم تشمل هذه الزيادة، متطلبات تأهيل مشروع غاز الجنوب. ثم أصدر مجلس الأمن القرار (1454) في 30/12/2000، حيث حدد فيه المواد الممنوع توريدها للعراق، وهي كثيرة جداً، ولكن لم يلغ شرط موافقة "لجنة المقاطعة"، التي استمرت بطغيانها، ولم تسمح للعراق باستيراد قطع الغيار أو تأهيل المعامل الصناعية المتوقفة، ويمكن للقارئ أن يطلع على تفاصيل قرارات مجلس الأمن الجائرة، والقرارات الظالمة الصدارة عن "لجنة المقاطعة" التابعة له، وذلك في كتابي "آراء وملاحظات حول الاتفاقية الأمنية المقترحة بين العراق والولايات المتحدة"، والصادر عن "دار الغد" في تشرين الأول 2008.

لم تتخذ الحكومات العراقية المتتابعة الإجراءات اللازمة، لتصليح وتأهيل مشروع غاز الجنوب باعتباره مشروعاً نفطياً تنطبق عليه قرارات مجلس الأمن أعلاه، ولم تدفع بهذا الاتجاه بالمرة، كما وأن من المؤكد أن "لجنة المقاطعة" اعتبرته مشروعاً غير نفطي، وأن إعادة الحياة له كانت ستعيد الحياة إلى معظم المعامل الصناعية الضخمة ومحطات الكهرباء، مما اعتبرته إحياءاً للبنية التحتية العراقية ولمنفعة فعلية للاقتصاد العراقي وللعراقيين، وهذا ما كانت تضع هذه اللجنة "الفيتو" عليه دائماً !!.

إن أهم الفقرات التي تم تدميرها في مشروع غاز الجنوب، وأصبحت عاجزة تماماً عن العمل وتحتاج إلى تبديل هي "كابسات الغاز"، والتي تمثل عنصراً أساسياً في المشروع، ولقد دمرت مع ما دمر من المشروع في حربي 1991 و2003. لقد تمت دراسات في وزارة النفط لتأهيل مشروع غاز الجنوب في سنة 2004، مع "مساعدة" الشركة الأميركية "كيلوك براون أند رووت KBR" ، ولكن لم يمض بتنفيذ التأهيل. في تقديري إن السبب الرئيسي في عدم المضي بهذا الأمر، هو تنفيذاً للتوجه والسياسة الأميركية في محاولاتها لخصخصة الصناعة العراقية، وهذا المشروع يفيد الصناعة العراقية التي كان المحتل، (وباعتقادي) لا يزال يعمل على خصخصتها بشكل أو بآخر. وكمثال على مدى الحاجة لتنفيذ هذا المشروع، فإن الطاقة التصميمية لمصنع البتروكيمياويات تحتاج إلى (92) مقمق يومياً من الغاز الجاف، أو (107) مقمق يومياً من الغاز الرطب، إذا لم يتوفر الغاز الجاف. أما معمل أسمدة خور الزبير فيحتاج إلى (80) مقمق يومياً من الغاز الجاف (أي حوالي 94 مقمق من الغاز الرطب)، علماً لم يتم تأهيل معمل أسمدة أبو الخصيب، أي أن كلا معملي البترو والأسمدة يحتاج إلى (172) مقمق من الغاز الجاف. ولقد تعطل لفترة طويلة تشغيل مشروع البترو، أو اشتغل بطاقات إنتاجية واطئة جداً بسبب عدم إمكانية وزارة النفط تجهيز الغاز له وبضغط عال، والآن ومن خلال حلول آنية يتم تشغيله بطاقات واطئة. وحسب المعلومات المتوفرة لدي فإن الغاز المصاحب الخام المستلم في تشرين الأول 2008 كان في حدود (250) مقمق يومياً فقط. وكان في خطة شركة غاز الجنوب أن يتحسن الوضع في تشرين الثاني الماضي، بحيث يتوفر حوالي (400) مقمق يومياً من الغاز الخام، وبذا تتمكن الشركة من إرسال حوالي (300) مقمق يومياً إلى شبكة الغاز، ومنها حوالي (20) مقمق يومياً من الغاز الرطب. من هذه الكمية من الغاز، يستطيع معمل البترو أن يحصل على (45) مقمق يوميا (أي حوالي 45% الحاجة التصميمية)، وأن يحصل معمل الأسمدة على (70) مقمق يومياً، (أي حوالي 77% من حاجته التصميمية). إن الاهتمام بإعطاء كميات كبيرة للأسمدة النتروجينية، هو الحاجة الماسة للأسمدة، إذ قمنا في السنوات الأخيرة باستيراد مختلف أنواع الأسمدة ومنها اليوريا، بعد أن كنا مصدرين كبار لهذه المواد. على أية حال، فإن حتى هذه النسب الواطئة من الإنتاج في معملي البترو والأسمدة لم يتم تحقيقها. من المؤسف أن نذكر أن حصة الغاز الواجب إعطائه إلى محطات الكهرباء، ذهبت في معظمها إلى محطات الكهرباء الداخلية التي تخدم شركة نفط البصرة، إذ خطط لها استلام (78) مقمق يومياً، ولم تستلم المحطات الوطنية إلاّ جزءاً بسيطاً من هذا الغاز. هنا يتضح أن الغاز المصاحب الذي أمكن الاستفادة منه، لم يتجاوز الـ 30% من الغاز المنتج، والباقي المقدر (700) مقمق يومياً يحرق هباءاً.

إن الاحتمال الأكبر والمنطقي في تأخير تأهيل مشروع غاز الجنوب وعدم تنفيذ الخطط في قيام الجانب العراقي بإكمال نواقصه وتأهيله من خلال عقود خدمة service contracts ، وبدون مشاركة أي أجنبي، سيما وأن جميع تصاميمه متوفرة، هو أن المخطط الأميركي لمساعدة الحكومة العراقية في "تحسين اقتصادها" !!، إذ اعتبروا أن "مشروع غاز الجنوب"، ضمن الصناعة الواجب خصخصتها، حيث أن الأميركان "سيساعدون العراق" في التحول من "اقتصاد الدولة" إلى "اقتصاد السوق" !!. لقد تحدثت عن هذا الموضوع  في كتابي "مقالات سياسية واقتصادية في عراق ما بعد الاحتلال"، وكذلك في مقدمة كتابي "ثلاثية النفط العراقي"، حيث أمر بريمر عدم تمويل مثل هذه الصناعات الحكومية أو المختلطة، لإعادة تأهيلها، إذ أن الغاية كانت، ولا تزال، هي بيع هذه المعامل، ويا حبذا بالنسبة لهم - أن يكون البيع على شكل سكراب أو شبه سكراب. وكما يظهر لي، بأن الواجب عليّ العودة إلى الكتابة عن الصناعة العراقية، إذ ما أراه الآن هي أن الضغوط لا تزال مستمرة على وزارة الصناعة والمعادن، أو من خلالها، للتخلي عن الصناعات الكبرى وإهمالها وعدم توفير الاستثمارات اللازمة لإعادة الحياة لها، ليتحول تفكيرنا إلى خصخصتها وبيعها بصيغة أو بأخرى، وأن السياسة الحالية لوزارة الصناعة والمعادن لما يسمى "التأجير" أو "المشاركة" في صناعات قسم منها صناعات إستراتيجية مثل الكبريت، وفي هذه الحالة الخاصة فإن الأمر ليس تأجيراً، وإنما الرجوع إلى سياسة ما قبل عام 1967، إذ أن إعادة تأهيل مناجم الكبريت وتصفيته لا تحتاج إلى مبالغ عالية. ولا أعلم ماذا سيشمل مشروع وزارة الصناعة والمعادن هذا؟، هل سيشمل البترو والأسمدة؟، إذ شمل غالبية صناعة السمنت!!. إن ما يجب التركيز عليه في الاستثمار الأجنبي أو الخاص، هو وجوب بناء معامل جديدة، مثل ما حدث في معمل سمنت بازيان، وليس خصخصة الصناعة القديمة وخصوصاً صناعات مثل استخراج الكبريت، أو الأسمدة، أو البترو.

إن الأمر الغريب بالنسبة لمشروع غاز الجنوب، وحسب المعلومات المتوفرة لدي، فإن علاوة على ما ذكرناه من دراسة إعادة تأهيله في عام 2004، بالتعاون مع KBR، فإن مجموعة من الشركات اليابانية قامت بإعداد دراسة تفصيلية حول مشروع غاز الجنوب وقدمت للوزارة في سنة 2007 عرضاً لغرض إعادة تأهيله بكلفة (160) مليون دولار، من ضمنها استبدال كابسات الغاز، ولكن بعد كل هذا رجعنا إلى شركة شيل، وليس في بداية سنة 2008 كما تقول "الاتفاقية الأولية"، ولكن من المحتمل أن يكون بتخطيط تم من قبل شركة شيل قبل سنوات، كما يقول من وقع هذه الاتفاقية عن شركة شيل، وكما ذكرنا سابقاً.

 

(3) التشريعات القانونية المتعلقة بالمحافظة على الغاز

لغرض إنهاء هذا الجزء من الدراسة نرى اطلاع القارئ على التشريعات القانونية المتعلقة بالمحافظة على الغاز وعدم حرقه هباءاً "قدر الإمكان" !!.

لقد صدر في 14/12/1970 قانون صيانة الثروة والمواد الهيدروكربونية المرقم 229 لسنة 1970 في وقت كان النفط العراقي بيد الشركات الأجنبية، وكانت هناك ضغوط من العراقيين العاملين في وزارة النفط وغيرهم، لإصدار قانون ملزم للشركات الأجنبية يتضمن المحافظة على الغاز المصاحب وعدم حرقه، ولكن مع الأسف جاء القانون دون الطموح.

تضمن القانون المواد التالية المتعلقة بالموضوع أعلاه.

* المادة (16)

يجب على الجهة العاملة اتخاذ جميع الإجراءات الممكنة لاستعمال الآبار الجافة أو غير التجاري كآبار مراقبة، أو آبار حقن، أو لأغراض مشابهة ...

* المادة (33)

يشترط في الإنتاج من المكامن الهيدروكربونية  إعادة الفائض في المكمن وإذا لم يكن ذلك اقتصادياً فيجب الانتفاع من الغاز.

* المادة (38)

على الجهة العاملة اتخاذ الإجراءات الممكنة للاستفادة من الغاز المصاحب للنفط المنتج لأي من الأغراض التالية:

أ‌-                      إدامة النفط داخل المكمن طبقاً للأساليب الفنية المتعارف عليها في الصناعة النفطية.

ب‌-                 حقنه في الطبقات الحاوية تحت الأرض طبقاً للأساليب الفنية المتعارف عليها في الصناعة النفطية.

* المادة (39)

على الجهة العاملة استحصال موافقة الوزارة في حالة قيامها باستعمال الغاز الطبيعي بما فيه الغاز المصاحب للنفط المنتج في مشاريع صناعية أو تجارية أو للاستعمال المحلي أو استعماله كوقود في منشآتها.

* المادة (40)

إذا لم يكن بالإمكان الاستفادة من الغاز وفق المادتين (38) و(39) من هذا القانون فللوزارة الحق في استلامه مجاناً في نقطة خارج المنطقة الصناعية للجهة العاملة ويتم تحديد النقطة المذكورة بالاتفاق بين الوزارة والجهة العاملة.

* المادة (41)

أي غاز مصاحب للنفط المنتج لا يمكن الاستفادة منه وفق المواد (38) و(39) و(40) من هذا القانون يجب التخلص منه بطريقة مأمونة.

* المادة (42)

لا يجوز للجهة العاملة في حالة عدم استعمالها جميع الغاز المصاحب للنفط أن تنتج الغاز غير المصاحب للنفط إلاّ بناءاً على طلب من الوزارة أو بعد استحصال موافقتها.

 

من أعلاه نرى أن القانون يعتبر خطوة للأمام، ولكن هناك فقرات ملزمة مثل المادة (42) بعدم استعمال الغاز غير المصاحب، وإدخال فكرة الحقن للغاز المصاحب في المواد (16) و(33) و(38) ولكن جاءت بصورة غير ملزمة.

 

ثم جاء قانون الحفاظ على الثروة الهيدروكربونية المرقم (84) لسنة 1985 (والصادر في 21/10/1985)، وذلك بعد ما يقارب من (12) سنة بعد تأميم النفط، ولكن جاء أيضاً مخيبا جداً للآمال والتوقعات. فلقد ألغت المادة (65) منه، القانون (229) لسنة 1970 المذكور أعلاه، وعملياً بدلت فقراته لتنسجم مع حالة النفط مؤمماً، ولكن لم "يرد" القانون أن "يلزم" الحكومة الحفاظ فعلاً على الغاز، كما جاء في عنوانه، وجاءت مواده المعنية بهذا الخصوص، بشكل مطاطي وغير ملزم، ولا يمكن الدفاع عنها بأي شكل من الأشكال، حتى بالادعاء بأن صدوره كان في أوج الحرب العراقية – الإيرانية، حيث الظروف المالية الصعبة ولهذا لا يمكن تنفيذ فقرة إعادة حقن الغاز المصاحب. إن هذا الدفاع عن القانون أمر مرفوض، لأن من المفروض أن يصدر هذا القانون بعد فترة وجيزة من التأميم لا بعد (13) سنة، وأن "يحافظ" فعلاً على الثروة الهيدروكربونية من الضياع ولا يسمح بتاتاً بالحرق للغاز المصاحب وضياع مليارات الدولارات هباءاً.

وفيما يلي المواد القانونية المتعلقة بالموضوع:

 

* المادة (1)

أولاً – يهدف هذا القانون إلى المحافظة على الثروة الهيدروكربونية من التلف والهدر واستغلالها وفق الأسس العلمية السليمة فنياً واقتصادياً.

ثانياً – يقصد بالثروة الهيدروكربونية النفط الخام والغاز المصاحب والغاز الحر ومشتقاتها.

* المادة (35)

لا يجوز إنتاج الغاز من القبب الغازية إلاّ في الحالات المبررة فنياً أو اقتصادياً أو بموافقة الوزارة في حالة الحاجة القصوى إلى الغاز.

* المادة (36)

تتخذ الإجراءات الضرورية والناجعة اقتصادياً لاستثمار الغاز المصاحب وخزن الفائض أو التخلص منه بطريقة مأمونة وفق خطة مصادق عليها.

 

بالرغم من أن حرق الغاز المصاحب وفي كل الظروف يعتبر عملاً غير صحيح، ولكن لم توضع المواد المتعلقة بذلك بصيغة يعاقب عليها القانون، وإنما تركت عملية الحرق سائبة. ولكن الأمر في الوقت الحاضر يأخذ أبعاداً أخرى، إذ أن أسعار الغاز بارتفاع وأن الطلب عليه يتزايد وسيكون الوقود المنافس للنفط خلال العقدين القادمين، ولو أنه يتوفع أن يكون النفط والغاز هما الوقود الرئيسي وإلى الستينيات من هذا القرن، حيث يحتمل الوصول إلى بدائل للطاقة لا ينجم عنها الاحتباس الحراري بسبب حرق الفحم والمواد الهيدروكربونية. كما أن المواد الهيدروكربونية في نضوب مستمر ويتوقع انتهاء احتياطيها من النفط والغاز في تلك الفترة. هناك توضيحات عديدة حول هذا الموضوع في كتابي "الطاقة: التحدي الأكبر لهذا القرن". نرى أن من المهم، ومن الآن، دراسة وتنفيذ إعادة حقن الغاز المحروق هباءاً وبجدية تامة،وإصدار قانون لا لبس فيه لمنع حرق الغاز، أو إنتاج غاز القبة طالما أن هناك فائضا في الغاز المصاحب أو أن هناك بديلا عنه، ومن المفروض أن يتم تنفيذ هذا الأمر، بتناسق مع تنفيذ الحلول المقترحة في الفقرة "2أ(3)"، المذكورة أعلاه تحت عنوان "موازنة استخدام الوقود في العراق".

 

2-    مناقشة "الاتفاقية الأولية" HOA

لقد تم وضع بعض الملاحظات الأولية، في الفقرة (أ – ب) "بنود الاتفاقية"، وأثناء سرد هذه البنود، كانت هذه الملاحظات جزءاً من مناقشة "الاتفاقية الأولية". هنا نحاول أن نناقش المسائل الأساسية في الاتفاقية، وليس وفق تسلسلها، وإنما حسب أهميتها ووفق ما تستوجبه المناقشة.

 

أ- لماذا اتخذت وزارة النفط هذا الإجراء؟

في الواقع لا أعرف بالضبط لماذا اختارت وزارة النفط هذا السبيل في إعادة تأهيل غاز الجنوب، إذ لم يسبق أن تحدثت مع مسؤول في الوزارة أو غيرها حول الموضوع ولكن ما افترضه لموقف الوزارة في هذه السطور هو محض تخمين، وبحسن نية بموقف السيد وزير النفط، وعلى ضوء التصريحات "المقتضبة" التي أبداه حول الاتفاقية، وكذلك تصريحات المتحدث الرسمي للوزارة، آخرها ما جاء عنه في صحيفة "الحياة" في 5/12/2008، والمقالة التي أخذت نصف صفحة من صحيفة "الصباح"، شبه الرسمية، في عددها الصادر في 22/11/2008، ونشرت على شكل إعلان تحت عنوان "استثمار الغاز في محافظة البصرة". إن نشر المقال على شكل إعلان أثار استغراب البعض!

لقد عارض العديد، ومنهم كاتب هذه السطور، مسودات "قانون النفط والغاز"، و منها مسودة 15 / 2/2007 مع ملاحقها، وذلك لمسألتين رئيسيتين، المسألة الأولى: هي وجوب وجود وضوح كامل في القانون، بأن التخطيط للسياسة النفطية وتوقيع عقود استغلال النفط أو الغاز،  من صلاحية الحكومة الفيدرالية (المركزية) حصرا، وإلاّ تحدث فوضى نفطية كبيرة في العراق، تضر بالعراقيين أشد الضرر. والمسألة الثانية: هي وجوب عدم المضي بعقود المشاركة بالإنتاج. ولقد أوضحت ذلك في حينه في كتابي "ثلاثية النفط العراقي"، وكذلك في كتابي "حكومة إقليم كردستان وقانون النفط والغاز"، حيث حاولت أن أوضح بأن المسألتين أعلاه هما من صلب الدستور العراقي الحالي (رغم علاته)، وأن عدم الأخذ بهما سيكون أمراً معارضاً للمواد الدستورية فيما لو أخذت هذه المواد سوية، وليس انتقائياً. ولهذا فإن كل عقود حكومة إقليم كردستان، وقانون النفط والغاز الصادر من البرلمان الإقليمي، يعتبران أمران غير دستوريين. ومن اللطيف أن نذكر هنا أن "رد حكومة إقليم كردستان على تصريحات رئيس الوزراء"، الذي نشره موقع (صوت العراق) في 1/12/2008، وبما يتعلق بموضوع "النفط والغاز"، فإن الرد تحدث عن كل المواد الدستورية المتعلقة بهذا الموضوع، ولكن مر على المادة (111) من الدستور "مرور الكرام"، وهي لب ومحور المسألة النفطية الدستورية التي تقول "النفط والغاز هما ملك كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات".

لقد تبنى العديد أيضاً، ومنهم كاتب هذه السطور، القول بأن لا حاجة في الوقت الحاضر إلى إصدار "قانون النفط والغاز"، وفي هذه الظروف العصيبة وسيكون هذا القانون - إن صدر- عنصر تفرقة، كما وأن ما هو موجود لدينا من قوانين يكفي لقيام وزارة النفط بالسير لتطوير الصناعة النفطية، عدا أمر واحد وهو مشاركة الأجنبي في عقود المشاركة في إنتاج النفط والغاز، إذ أن الدستور يمنع ذلك، ويجب تعديل الدستور ليتسنى المضي بهذا الطريق. إضافة لذلك فإن بإمكان الوزارة عرض الاتفاقيات، التي ليس من صلاحيتها المضي بها، على مجلس النواب لإقرارها شرط عدم وجود مشاركة للأجنبي في عمليات إنتاج النفط. علاوة على ذلك فلقد تم طرح السؤال، لماذا الإصرار على عقود المشاركة في الإنتاج النفطي (أو الغازي)، حيث معدل العائد الداخلي Internal Rate of Return  IRR     يتجاوز الـ150%، (مع الأخذ بنظر الاعتبار إن الظروف الحالية تعتبر مؤقتة، حيث أن أسعار النفط  في أدنى مستوياتها) ؟!، وأن على الوزارة التفكير في المشاركة في العمليات اللاحقة للإنتاج مثل المصافي ومعامل البتروكيمياويات حيث معدل العائد الداخلي IRR في حدود المعقول للمشاريع الناجحة أي حوالي 15%، إن أرادت المشاركة مع الأجنبي لسبب أو لآخر.

في تخميني فإن السيد وزير النفط تحرك على ضوء المؤشرات أعلاه، وحسب فهمه لهذه المؤشرات، مع وجود ضغط قوي بضرورة قيام وزارة النفط بتنفيذ مشاريع، ولا تبقى مراوحة في محلها لعدم صدور تشريع "قانون النفط والغاز". ويحتمل أيضاً، وجود ضغوط من شركة شيل نفسها، لمتابعة عرضها المقدم قبل ما يقرب السنة، (ويحتمل أكثر من ذلك) حول غاز الجنوب، والأهم من ذلك هو ضغط وزارات الصناعة والكهرباء للحصول على الغاز، ورؤية المحروق منه  باستمرار !!.

إنني أتوقع أن ما يقوله السيد الوزير  لمنتقدي هذه الاتفاقية، وهو ما صرح به فعلاً في مناسبات عديدة، هو أن ما وقع عليه في "الاتفاقية الأولية"، وما سيوقع عليه في "الاتفاقية النهائية" هو ضمن صلاحيته القانونية النافذة حالياً، ولقد أشارت الاتفاقية إلى قانونين محددين يسمحان لها بتشكيل "الشركة المشتركة"، حسب ما تقول "الاتفاقية الأولية"، ولهذا لا يحتاج الأمر على عرض هذه الاتفاقية أو "الاتفاقية النهائية" على مجلس النواب، إذ لا يحتاج الأمر إلى قانون جديد أو أن تصدر الاتفاقية بقانون، فالقوانين السائدة تسمح له بتوقيع الاتفاقيتين، الأولية والنهائية، وهو بهذا يسير - حسب فهمه - وفقاً لما قاله معارضو "قانون النفط والغاز" من أن القوانين الحالية تسمح له بالعمل!!. كما وأن الوزير كان قد قال سابقاً أنه سوف لا يوقع على "عقد مشاركة بالإنتاج"، وهذه الاتفاقية ليست عقد مشاركة بالإنتاج، كما وأن "الشركة المشتركة" المقبلة لا تتضمن مشاركة بالإنتاج، وحسب تفسيره. والأهم من ذلك فإن الغاز يحترق، وستعود موارد مالية عالية للخزينة العراقية متأتية من بيع الغاز المصاحب الخام المحترق إلى "الشركة المشتركة"، وكذلك من حصة العراق البالغة 51% من أرباح هذه الشركة، علاوة على مبالغ الضريبة التي تحصل عليها الحكومة العراقية من الشركة، وقيل أنها تصل إلى 15% من أرباح الشركة المشتركة. وإضافة لذلك فإن العراق يحتاج إلى شركة (أو شركتين) ذات خبرة بموضوع الغاز وتسييله، ولها إمكانيات مالية لتمويل المشروع، وشركة شيل هي الشركة المناسبة ولا حاجة هناك إلى طلب عروض مفاضلة، فكثير من العقود تتم بمفاوضات ثنائية، وليس نتيجة تنافس الشركات، ولهذا فهو قد يستغرب معارضة "المعارضين" لهذه الاتفاقية، إذ قد تكون هذه المعارضة هي لأمور سياسية، وليس لعيب في الاتفاقية، وستكون هذه "المعارضة" !!، جزءاً من المعارضة ضده من قبل حكومة إقليم كردستان، أو من "الأميركان"، لاعتقادهم بعرقلته "قانون النفط والغاز"، أو من جهات سياسية أخرى تريد استلام موقعه، أو غير ذلك !!. ولكن ما يثير استغرابي هو عدم وجود أي تصريح من أية جهة في وزارة النفط تذكر لماذا ذهبنا بهذا الطريق، ولم نسلك الطريق الأفضل - على الأقل بنظري - في تأهيل المشروع الموجود فعلاً، بطريقة مباشرة. ومن خلال عقود خدمة تحت إشراف شركات وزارة النفط، سيما وأن جميع التصاميم، وغالبية المشروع موجودة على الأرض فعلاً، وأن عملية التأهيل ليست بتلك المسألة الصعبة. وإذا كانت وزارة النفط لا تستطيع بكادرها الحالي، وبمساعدة الشركات المختصة الأجنبية، أن تنفذ تأهيل مشروع غاز الجنوب، عند ذاك علينا قراءة "السلام" أو "الفاتحة" على أفضل الوزارات العراقية تقنية، وقد تفوق وزارة الصناعة والمعادن بذلك !!.

في الفقرات اللاحقة سنرى مشاكل ، أو "منافع"، هذه الاتفاقية ومدى قانونيتها، أو إمكانية المضي بتنفيذها.

 

ب- الأمور القانونية المتعلقة بالاتفاقية الأولية

لقد ذكرت (المادة الثالثة أ) "الاتفاقية الأولية"، الموقعة في 22/9/2008، بأن إنشاء "الشركة المشتركة" يعتمد القانون 22 لسنة 1997 "قانون الشركات العامة"، والقانون 21 لسنة 1997 "قانون الشركات الخاصة والمختلطة"، وأي قانون آخر يعطي "الشركة المشتركة" حرية العمل الكاملة.

لننظر في التشريعات "المتعلقة" بالاتفاقية الأولية "والشركة المشتركة Joint Venture JV" المنوي تشكيلها بين شركة غاز الجنوب وشركة شيل.

 

(1) القانون (21) لسنة 1997

والمقصود هنا هو قانون "الشركات الخاصة والمختلطة"، والمعدل في سنة 2004، حيث يحمل الآن الاسم،  القانون (21) لسنة 1997المعدل في سنة 2004. ونود أن نبين التوضيحات التالية حوله:

أولاً: إن التعديل الذي حدث، في سنة 2004، للقانون (21) لسنة 1997 كان جذرياً وبأمور متعلقة بروحية الاقتصاد العراقي، وتحويله من "اقتصاد الدولة"، أو "الاقتصاد الموجه" إلى "اقتصاد السوق"، ولهذا بُدلت جميع الفقرات المتعلقة بهذا الأمر لتنسجم مع هذه الروحية، وبقيت التفاصيل المتعلقة بالشركات كما هي. لقد كان قانون (21) لسنة 1997 يروم تشجيع الاقتصاد العراقي الخاص، واعتبر مواطنو الأقطار العربية مثل العراقيين، بينما القانون (21) 1997 المعدل لسنة 2004، اعتبر المستثمر العراقي والعربي والأجنبي بشكل متساو، وبدون أية ميزة للمستثمر العراقي. كذلك عدّل القانون بما يتعلق بالخطط الاقتصادية، ولهذا حذف  ما كان مذكورا في القانون السابق عن "الخطة الاقتصادية"، أو "سيادة الدولة في الأمور الاقتصادية".

ثانياً: من الواضح أن "الاتفاقية الأولية"، تشير إلى شركات القطاع المختلط المحدودة في هذا القانون، إذ أن "الشركة المشتركة" المزمع إنشاؤها، تتكون من "شركة نفط الجنوب"، وهي شركة قطاع حكومي، وشركة شيل، وهي شركة خاصة أجنبية، وهي ستكون شركة محدودة وليست شركة مساهمة.

ثالثاً: إن المادة (3) من القانون المعدل تقول: "يسري هذا القانون على الشركات المختلطة والشركات الخاصة وجميع المستثمرين، وتنطبق نصوصه على البنوك ما دامت لا تتعارض مع الأوامر الصادرة عن سلطة الائتلاف المؤقتة، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر، الأمر رقم (40)الذي تم بموجبه اصدار قانون البنوك، والأمر (18) الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة الذي يحدد الإجراءات التي تضمن استقلالية البنك المركزي العراقي، واللوائح التنظيمية الصادرة بموجب تلك الأوامر الصادرة بموجب تلك سلطة الائتلاف المؤقتة. يطبق هذا القانون على صفقات الأسهم وشركات الاستثمار المالي وشركات التأمين وإعادة التأمين بقدر عدم تعارضه مع التشريعات المطبقة على تلك الصفقات والكيانات أو مع اختصاص سلطات الدولة المعنية يتلك القطاعات. تستند قرارات مسجل الشركات المسجل فيما بعد إلى هذا القانون. ولا تتخذ على أساس الخطط الاقتصادية أو سياسة التنمية. وبصفة عامة، لن تمنع القرارات المتخذة من قبل المسجل طرفاً ثالثاً من مطالبة المسؤولين عن خرق القانون بدفع تعويض عما تعرض له من ضرر نتيجة خرقه لهذا القانون.".

 

أما المادة (211) أولا ، في هذا القانون المعدل، فتنص على:

"أولاً: تطبق على فروع ومكاتب الشركات، والمؤسسات الأجنبية أحكام الأمر رقم (39) الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة ونصوص اللوائح التنظيمية والتعليمات الصادرة بموجبه.".

والمادة (220) ثانياً تنص على:

"ثانياً: لا يعمل بأي نص يخالف هذا القانون."

رابعاً: لنرجع إلى الأمر (39) الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة، تحت عنوان "الاستثمار الأجنبي"، والذي أبقاه القانون (21) 1997 المعدل لسنة 2004، كما جاء في المادة (3) منه، إذ قال "... ما دامت لا تتعارض مع الأوامر الصادرة عن سلطة الائتلاف المؤقتة، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر، ...". وكذلك المادة (211) أولاً من هذا القانون، حيث قال"تطبق على فروع ومكاتب الشركات، والمؤسسات الأجنبية أحكام الأمر رقم (39) الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة...".

إن الأمر  (39) المشار إليه أعلاه، كان قد أصدره بول بريمر، المدير الإداري لسلطة الائتلاف المؤقتة، في 19/9/2003، حيث أباح الاستثمار الأجنبي في العراق، وكنت أحد الأشخاص الذين وقفوا ضده، من خلال مقالات عديدة نشرت في جريدة "الغد" البغدادية في حينه. ولقد كانت هناك ردود فعل غاضبة ضد هذا الأمر والذي أريد منه، "نهب العراق عدا النفط" في ذلك الوقت، ولكن لم يبق للقانون تأثير وذلك لأسباب عديدة، منها مقاومة الجماهير، والقطاعات نفسها له، وخصوصاً القطاع الصناعي. علماً أن القطاع النفطي العراقي لم يتأثر به، إذ أن الأمر (39) لم يتجرأ بأن يشمل القطاع النفطي به، واستثناه.

جاءت المادة (6)، أو القسم (6) حسب ما ورد في الأمر (39) تحت عنوان "مجالات الاستثمار الأجنبي"، في الفقرة (1) منه، ما يلي:

"(1) يجوز للمستثمرين الأجانب استثمار الأموال في جميع القطاعات الاقتصادية في العراق، ولا يجوز لهم، على نحو مباشر أو غير مباشر، امتلاك أي من موارد البلاد الطبيعية، التي تستخرج منها المواد الخام، أو أي من المرافق التي تم فيها المعالجة الأولية لتلك المواد، ويبقى امتلاكهم لأي منها محظورا. وعلاوة على ذلك، لا ينطبق هذا الأمر على البنوك، وشركات التأمين."

ونلاحظ من هنا أن الأمر (39) يحظر على الأجنبي الاستثمار في إنتاج النفط والعمليات اللاحقة له.

خامساً: من كل ما جاء أعلاه نرى أن القانون (21) لسنة 1997 المعدل في 2004، لا يطبق على إنتاج النفط أو العمليات اللاحقة له، وأن من اعتقد أن المادة (3) من هذا القانون تتحدث عن البنوك وشركات التأمين فقط، فهو اعتقاد خاطئ إذ بالعكس استثنى هذه القطاعات المالية، ليشملها بالشكل المعروض في هذه المادة، لذا نراه يؤكد في (211) على الأمر (39). وللتأكيد على موقفنا فيما نراه بعدم شمول هذا القانون للأمور النفطية، وأبقى الاستثناء الذي جاء الأمر (39) على ما هو بهذا الخصوص،هو صدور القانون (64) لسنة 2007 باسم "قانون الاستثمار الخاص في تصفية النفط الخام"، وذلك بعد صدور القانون(21) لسنة 1997 والمعدل سنة 2004، إذ لو كانت الأمور النفطية مشمولة بالقانون (21) لما كان هناك حاجة لإصدار قانون في سنة (2007) ليسمح للقطاع الخاص للاستثمارفي عمليات تصفية النفط، كما وأن عمليات "غاز الجنوب" لا تدخل ضمن عمليات تصفية النفط فهي عمليات مختلفة تماماً، لهذا لا يمكن الرجوع للقانون (21) لسنة 1997بما يتعلق بتأسيس "الشركة المشتركة" مع شركة شيل.

ولو رجعنا أيضاً إلى "قانون النفط والغاز"، وفي جميع مسوداته، فإنها لا تتحدث عن الصناعات التحويلية للنفط والغاز، وإنما فقط على الصناعة الإستخراجية.

سادساً: يجب ملاحظة أن القانون (21) 1997 المعدل لسنة 2004، يتم تنفيذه وتطبيقه ومتابعته من قبل وزارة التجارة (مسجل الشركات)، وهناك مواد وفقرات عديدة منه تتعلق بالحسابات والميزانيات، واجتماعات الشركات، يجب أن تقدم إلى مسجل الشركات لمراقبة حسن التنفيذ، إذ أننا نتعامل مع شركة خاصة أو مختلطة ويجب أن تتبع الإجراءات العديدة المطلوبة، والإشراف المباشر من قبل مسجل الشركات (في وزارة التجارة). أما وزارة النفط، فهي جهة قطاعية يتم استشارتها في الأمور التي يريد "مسجل الشركات" طلب الاستشارة منها. ولكن عندما نقرأ "الاتفاقية الأولية"، نرى أن "الشركة المشتركة"، تريد معاملة خاصة، وحتى وبدون إشراف وزارة النفط، وبالتأكيد بدون إشراف وزارة التجارة.

على ضوء جميع الفقرات أعلاه لا نرى أن من الممكن "للشركة المشتركة" أن تعمل وفق القانون (21) لسنة 1997، المعدل في 2004، وتحتاج إلى قانون خاص آخر.

 

(2) القانون (22) لسنة 1997، والمعنون "قانون الشركات العامة".

إن القانون الثاني الذي جاء ذكره في "الاتفاقية الأولية"، هو القانون (22) لسنة 1997، ونود إبداء الملاحظات التالية حوله:

أولاً: لم يتم تعديل هذا القانون منذ صدوره ولحد الآن، وهو يخص الشركات العامة "المملوكة للدولة بالكامل"، والتي "تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري وفق أسس اقتصادية". وفي الأسباب الموجبة لإصدار هذا القانون، ذكر أنه تم ذلك "لغرض تنظيم العمل في الوحدات الاقتصادية المملوكة للدولة والممولة ذاتياً التي تمارس نشاطاً اقتصادياً، وبهدف توحيد القوانين المنظمة لنشاط هذه الوحدات من خلال تأسيس شركات عامة وطنية، ومن أجل تنظيم عملها بما يساهم في النهوض بالاقتصاد الوطني وتحقيق الوظيفة الاجتماعية للقطاع الاشتراكي".

إن "شركة نفط الجنوب" الحالية هي إحدى هذه الشركات، المملوكة بالكامل للدولة. علماً في المادة (25) من هذا القانون، فإن القرارات المهمة لمجلس إدارة الشركة، ومنها الخطط والموازنات السنوية والحسابات الختامية والتقرير السنوي والتشريعات ونظام الحوافز، كلها تنفذ بعد مصادقة الوزير عليها. والمادة (41) تقول بأن القانون لا يشمل الشركات الإستخراجية التابعة لوزارة النفط إلاّ إذا اقتضت الضرورة ذلك، وبموافقة مجلس الوزراء لهذا الاستثناء. والمادة (42) تقول "يخضع نشاط الشركة إلى رقابة وتدقيق ديوان الرقابة المالية".

ثانياُ: قد يكون المقصود بذكر هذا القانون في "الاتفاقية الأولية"، هي المادة (15) منه، وهي تقع تحت الفصل الرابع وهو بعنوان "الاستثمار والاقتراض". تسمح الفقرة ثالثاُ من هذه المادة في المشاركة مع المؤسسات الأجنبية. لنذكر أدناه جميع فقرات المادة (15)، لتكون الصورة واضحة.

المادة (15):

أولاً- للشركة استثمار الفوائض النقدية بالمساهمة في الشركات المساهمة أو المشاركة معها في تنفيذ أعمال ذات علاقة بأهداف الشركة داخل العراق واستحصال موافقة مجلس الوزراء إذا كان المشروع خارج العراق.

ثانياً- تستحصل موافقة مجلس الوزراء عند استثمار الفوائض النقدية من الشركات والمؤسسات العربية والأجنبية أو المشاركة معها في تنفيذ أعمال ذات علاقة بأهداف الشركة خارج العراق.

ثالثاً- للشركة حق المشاركة من الشركات والمؤسسات العربية والأجنبية لتنفيذ أعمال ذات علاقة بأهداف الشركة داخل العراق.

 

من الواضح أن الفصل الرابع، (وبضمنه المادة 15)، يتحدث عن "الاستثمار والاقتراض"، كما هو عنوانه، والمقصود بالاستثمار هو "استثمار الفوائض النقدية"، ويتم ذلك في الشركات (كما في المادة 15)، أو في المصارف (كما في المادة 16)، وبقية مواد هذا الفصل تتحدث عن الاقتراض.

كما أن "المشاركة مع المؤسسات العربية أو الأجنبية"، المذكورة في المادة (15)، تعني المشاركة بعد وجود فوائض نقدية لدى الشركة الحكومية، وهي تريد استثمار هذه الفوائد النقدية. إضافة لذلك فإن على شركات القطاع العام أن تبقي العمل الأساسي باختصاصها، وتكون المشاركة مع الشركة الأجنبية إحدى فعاليتها، وبعد أن تتوفر لديها فوائض نقدية للاستثمار في شركات أخرى ذات علاقة بأهدافها. وهذا يعني أنها لا تحول نفسها إلى "شركة مشتركة"، سواء تم ذلك مع شركة عراقية خاصة، أو عربية، أو أجنبية، وكما سيكون الحال مع "شركة غاز الجنوب" في مشاركتها مع شركة شيل وحسب ما جاء في "الاتفاقية الأولية"، وكما يجب أن يكون عليه الحال في "الاتفاقية النهائية" مع شركة شيل.

قد يقول قائل أن "شركة غاز الجنوب" ستبقى موجودة، بعد تنفيذ "الاتفاقية النهائية"، وفعلاً هذا ما قد سيكون عليه الحال، ولكن عند ذاك سيكون عملها الوحيد هو شراء الغاز الجاف والغاز السائل والمنتجات السائلة من الشركة المشتركة، وبالسعر العالمي وبيعها للاستهلاك الداخلي فقط، إذ لا يمكنها التصدير، وذلك بأسعار تحدد لاحقاً والمفروض بأقل  من السعر العالمي، أي بسعر "مدعوم" وكما سيقال عنه عند ذاك. وهذا يعني عملياً، أن الغالبية العظمى من عملها، وقد يزيد عن 95% من مهامها المحدد لها عن تأسيسها، سيكون في "الشركة المشتركة"، وفقط حوالي 5% منه سيكون خارج "الشركة المشتركة". وهذا بالتأكيد لا يقصده "قانون الشركات العامة" المرقم (22) لسنة 1997. قد يكون العكس هو الصحيح، أي تستطيع "شركة نفط الجنوب"، وبعد توفر فوائض نقدية لديها أن تشارك في شركة تمثل 5% من أعمالها، (مثل توزيع منتجاتها)، !!. إن الغرض من المادة (15)، هو أن يزيد من نفوذ وتوسع "شركة غاز الجنوب"، وذلك بإمكانية "المشاركة" مع أجنبي، وليس حل نفسها - عملياً - وتكون شريكا في "شركة مشتركة" حتى بحصة 51% كما مقترح في "الاتفاقية الأولية". علماً أن حصة 51%، لم تعط "شركة نفط الجنوب"، حق قيادة "الشركة المشتركة" وأن رأيها ليس هو الرأي النهائي وكما أوضحنا في الفقرة (4) من (أ – ب) أعلاه.

لهذا لا نرى أن من غير المكن استخدام هذا القانون أيضاً لإنشاء "الشركة المشتركة" المقترح إنشاؤها في "الاتفاقية الأولية"، ويجب إصدار قانون جديد.

 

(3) المواد الدستورية ومشاركة الأجنبي

 

لقد أوضحنا وبالتفصيل سابقاً، وفي كتابينا "ثلاثية النفط العراقي"، و"حكومة إقليم كردستان وقانون النفط والغاز"، بأن الدستور الحالي، لا يسمح بالمرة بمشاركة الأجنبي في إنتاج النفط والغاز، وحسب المادة (111) منه ولا أريد أن أعيد نقاش الموضوع في هذه الدراسة. وبالواقع فإن السيد وزير النفط قد "ألمح" بهذا المعنى في عدد من المقابلات، ولو لم يقلها صراحة، ولكن "ألمح" بذلك، وذكر أن "التيار الصدري" يقول ذلك.

إن "الاتفاقية الأولية"، أو حتى "النهائية"، ليس فيها "مشاركة بالإنتاج"، سواء بالنسبة لإنتاج النفط أو الغاز، ولكن... إن كلمة "ولكن" جاءت نتيجة نصوص واضحة في "الاتفاقية الأولية"، يجب أن تنعكس على "الاتفاقية النهائية"، وهي التي تقول بإمكانية شمول الاتفاقية بحقول غازية وليس فقط استخدام الغاز المصاحب، وكما أوضحناه في الفقرة (2) من (أ – ب) أعلاه، التي جاءت تحت عنوان "مجال العمل" من "مواد الاتفاقية الأولية".

إذا كان من المكن إمرار الاتفاقية الأولية والنهائية من مجلس النواب، (ويجب أن تمر من خلاله إذ لا يوجد قانون يسمح بها، ولهذا يتطلب إصدار قانون جديد)، ولكن ليس باستطاعة مجلس النواب الموافقة على استخدام حقول غازية تحت تصرف "الشركة المشتركة"، إلاّ بعد تعديل الدستور، إذ أن الدستور الحالي لا يوافق على ذلك.

 

*                    *                    *

 

أما إذا كان يراد بهذه الاتفاقية، أو على الأقل "الاتفاقية النهائية"، أن تمرر في مجلس النواب، بنفس "الطريقة" !!، التي مرت بهما "الاتفاقيتان الأمنية، والإستراتيجية" في المجلس، فليس لدينا ما نقوله إلاّ تكرار أن هذه الطرق من العمل النيابي ستقوض أكثر آمال كل من يريد النهوض بالديمقراطية. إذ باعتقادي لم يحدث أمر مشابه في تاريخ مجالس النواب في العالم، بضمنها البرلمانات الصورية العراقية ومنذ تأسيس الدولة العراقية، إن مرت أهم اتفاقية تخص العراق، بمثل ما مرت به "الاتفاقيتان الأمنية والإستراتيجية". لقد كان على المجلس أن يمررهما بوقت قياسي، خلال أيام !، علماً أن اتفاقية "الإطار الإستراتيجي" لم يطلع عليها أحد قبل عرضها على البرلمان !!. إضافة لذلك كان على مجلس النواب أن يقول "نعم"، أو "لا"، وأن لا يناقش أية "تعديلات" أو "تحفظات" عليهما !!، وان تمريرها تم بما يشبه المؤامرة أو الصفقة، وذلك من خلال "مساومة" حول أمور أخرى لا تخص الاتفاقيتين، والأهم من ذلك لم يكن تمريرهما بما ينسجم مع الدستور، وكما أوضحت ذلك في كتابي "آراء وملاحظات في الاتفاقية الأمنية المقترحة بين العراق والولايات المتحدة". والمسألة المضحكة هو أن تمرر الاتفاقيتان في أيام معدودة، وبطريقة ملتوية، وأضيف إلى قرار التمرير إجراء "استفتاء" حولهما بعد أكثر من ثمان شهور من تمريرها !، وبعد (7) أشهر من تنفيذها !!. ويبدأ البعض الحديث "الفلسفي" السياسي، وهو أنه اختار "أحد الحلين الأقل سوءاً"، وكأنه لم تكن هناك حلول أخرى، كانت قد نشرت ومن عديد من السياسيين والكتاب، وذكرتها تفصيلاً في كتابي المشار إليه. إن من وضع مقدرات العراق في "كف عفريت"، لم يجهد نفسه أن يقرأ ما كتب عن الاتفاقيتين، ناهيك عن أنه كان من الواجب عليه هو أن يجد الحل البديل !!. لهذا أرى أن من الأفضل أن أعيد تبيان الأمور الدستورية حول هذا الموضوع، وعلى ماذا استند تمرير الاتفاقيتين، خوفاً من أن يعاد نفس الأمر، في حالات مشابهة مثل "قانون النفط والغاز"، أو مثل "الاتفاقية الأولية أو النهائية" مع شركة شيل، والتي هي موضع هذه الدراسة، مع التأكيد على الفارق بينهم، إذ أن الاتفاقية مع شركة شيل تقل أهمية بكثير من "الاتفاقية الأمنية أو الاتفاقية الإستراتيجية"، واللتين تم تمريرهما في 27/11/2008.

 

إن المادة (61) من الدستور تقول يختص مجلس النواب بما يلي:

أولاً: تشريع القوانين الاتحادية.

ثانياً: الرقابة على أداء السلطة التنفيذية.

ثالثاً: انتخاب رئيس الجمهورية.

رابعاً: تنظيم عملية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية، بقانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب.

أما البند ثانياً والبند ثالثاً من المادة (73) من الدستور حول صلاحيات رئيس الجمهورية فإنهما ينصان على ما يلي:

ثانياً: المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية، بعد موافقة مجلس النواب، وتعد مصادقاً عليها بعد مضي خمسة عشر يوماً من تاريخ تسلمها.

ثالثاً: يصادق ويصدر القوانين التي يسنها مجلس النواب، وتعد مصادقاً عليها بعد مضي خمسة عشر يوماً من تاريخ تسلمها.

 

إن الفقرة رابعاً من المادة (61) من الدستور والمذكورة أعلاه تعني موافقة (184) نائب من أصل مجموع أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم (275) نائباً، ولقد أكد السيد رئيس الوزراء ذلك في أكثر من مناسبة ذكرتها في كتابي آنف الذكر.

إن ما يثير استغرابي، أو ضحكي، أو ألمي !!، إن مجلس النواب ومجلس الرئاسة صادقاًُ على الاتفاقيتين استناداً لأحكام البند (أولاً) من المادة (61)، والبند (ثالثاً) من المادة (73) من الدستور. وكما ترى أيها القارئ، أن الفقرات أعلاه تتعلق بالقوانين الاتحادية الاعتيادية، بينما في نفس المادتين الدستوريتين توجد فقرات خاصة بعملية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وهما أحكام البند (رابعاً) من المادة (61)، والبند (ثانياً) من المادة (73) من الدستور. هل يحتاج الأمر إلى شخص ضليع بالقانون ليرى أن مجلس النواب ورئاسة الجمهورية أشارا إلى الفقرات غير الصحيحة من نفس الماديتين في الدستور، بينما توجد هناك فقرات في نفس المادتين تتحدث عن الموضوع المعروض على المجلس، وهما اتفاقيتان دوليتان. من المحتمل أن حدث سهو لدى مجلس النواب ومجلس الرئاسة !!، أو أن أكون أنا على خطأ، إذ أن مجلس النواب لم يكن يناقش "اتفاقيات دولية"، وإنما أمور داخلية، فالولايات المتحدة هي من "أهل الدار" !!.

بالواقع، وكما نرى أن المادة (61) رابعاً واضحة ولا لبس فيها. فلقد كان - بنظري - أمام المجلس حلان لا ثالث لهما، وهما أما أن يصدر قانوناً، وبأغلبية ثلثي أعضائه، يشمل المعاهدات والاتفاقيات بصورة عامة وتفصيلية وبعد ذلك يصوت على هاتين الاتفاقيتين، أو أن يمرر هاتين الاتفاقيتين، سوية أو منفصلتين، بقانون خاص يمرر بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس. ولكن النواب (أو مستشاريه القانونيين)، كانوا أكثر "فطنة" من ذلك وبمراحل!!، إذ تم تمريرها على نفس المادتين الدستوريتين ولكن، باعتبارهما قوانين عادية!!!، وافترضوا أن "فطنتهم" هذه لن يصل إليها أحد!!.

 

*                    *                    *

 

لقد قال السيد وزير النفط أن لا "الاتفاقية الأولية"، ولا "الاتفاقية النهائية" مع شركة شيل، تحتاجان إلى عرضهما على مجلس النواب، وما أوضحته أعلاه يختلف عن رأي وزير النفط، إذ باعتقادي أن "الاتفاقية النهائية"، و ان اعتمدت نفس المفاهيم التي جاءت في "الاتفاقية الأولية"، فإن من الواجب عند ذاك عرضها على مجلس النواب، إذ ان القانونين المشار إليهما في الاتفاقية لا يمكن اعتمادهما، ويجب أن يصدر قانون خاصاً بها. وأن هذا القانون الخاص لا يمكن أن يشمل "حقولا غازية" باية حال من الأحوال، إلاّ عند تعديل الدستور. وفي كل الأحوال فإن المادة (61) رابعاً لا تنطبق على القانون الواجب صدوره، إذ أن الاتفاقية مع شيل هي عقد تجاري وليس اتفاقية دولية، والعقد التجاري يكون من أعمال الوزارات المختلفة، بينما الاتفاقيات أو المعاهدات الدولية فهي من أعمال وزارة الخارجية.

 

 

ج- لماذا لم ينظر في بديل آخر؟

لعل الجواب على السؤال، وكما تراه وزارة النفط، هو ما جاء في كتاب مرسل منها في أوائل أيلول 2008 إلى رئاسة الوزراء لاستحصال الموافقة على الاتفاقية الأولية، ومنشور في بعض المواقع، إذ تقول الوزارة "قام عدد من الشركات بدراسات لاستثمار الغاز المحروق من خلال التأهيل الكامل للمنشآت القائمة إلاّ أنها لم تبلور إلى مشاريع بسبب عزوف الشركات العالمية عن العمل في العراق لدواعي أمنية"، وتضيف"وفي مطلع عام 2008 تقدمت شركة شيل بمقترح لاستثمار الغاز المحروق في محافظة البصرة والغازات المصاحبة التي سيتم إنتاجها لاحقاً نتيجة لتطوير الحقول في المحافظة.". أما عمل "الشركة المشتركة" المقترحة بين شركة غاز الجنوب وشركة شيل، فهو "القيام بتطوير المنشآت الحالية وتأهيلها بشكل تام، وبناء منشآت جديدة حسب الحاجة، وتطوير أساليب الإدارة ورفع كفاءة العاملين، وتسويق الغاز الفائض عن الحاجة المحلية إلى الأسواق العالمية". وذكرت الوزارة أيضاً أن الغاز المستثمر يومياً يبلغ (400) مقمق، والمحروق يومياً (700) مقمق.

من يقرأ السطور أعلاه، يصل إلى انطباع أن جميع الشركات عزفت عن العمل "لأسباب أمنية"، عدا شركة شيل. وهو أمر يدعو إلى الاستغراب، إذ ما الذي يدفع شركة شيل للعمل في وسط "غير أمني"، بينما ترفض الشركات الأخرى ذلك. إنني لا أعتقد أن سبب ذلك هو "بطولة" من شركة شيل، وإنما من المحتمل أننا نتحدث عن فترات تاريخية مختلفة، أو ما أعطي لشركة شيل هو شيء مغر جداً لا يمكن مقاومته!!. علماً أن الظروف الأمنية في منطقة البصرة كانت بصورة عامة جيدة مقارنة بمناطق العراق الأخرى.

إن الحديث مع الشركات الأخرى كان "التأهيل الكامل للمنشآت القائمة"، وما يفهم منه أن يتم ذلك خلال عقود خدمة اعتيادية. وما ستقوم به شركة شيل هو "تطوير المنشآت الحالية وتأهيلها بشكل تام"، و"بناء منشآت جديدة حسب الحاجة". أي أن شركة شيل سوف لا تعمل أي شيء إضافي سوى "تأهيل المنشآت الحالية"، على الأقل في السنوات القليلة القادمة. هل هذا الأمر يحتاج إلى إنشاء "شركة مشتركة" مع شركة أجنبية؟!. هل عجزتا "شركة غاز الجنوب"، و"شركة المشاريع النفطية" التابعتين إلى وزارة النفط، عن التعاقد مع شركات عالمية لتنفيذ هذا العمل بطريقة عقود الخدمة الاعتيادية، سيما ولدينا محادثات سابقة مع الشركات أخرى بغرض "إعادة تأهيل المشروع" ؟. بالواقع لا أعرف ما هي "المنشآت الجديدة التي سوف تبنى عند الحاجة" ؟، وعندما سألت المعنيين، لم أجد لديهم جواب، سوى احتمال إنشاء منشآت تسييل الغاز الجاف. ولكن يأتي السؤال مرادفاً لهذا الجواب، وهو هل لدينا غاز فائض في حالة تمت "إعادة تأهيل" المشروع فعلاً ؟، إذ حسب المعلومات المتوفرة لدى، فإن كلاً من وزارتي الصناعة والكهرباء تطلبان الغاز الجاف لمشاريعهما ولا تجدانه، والسبب لعدم تجهيزهما، هو عدم تأهيل المشروع. وحتى لو فرضنا جدلاً، بأن سيكون لدينا فائض من الغاز الجاف بعد (4 - 5) سنوات، فهل درست الجدوى الاقتصادية لإنشاء مشروع تسييل الغاز الجاف مقابل نقله بالأنابيب؟. والمعلومات المتوفرة في الكتب والمحلات النفطية وفي الإنترنت تقول أن كلفة النقل بالأنابيب هي أقل من كلفة النقل للغاز المسيل، وذلك عندما تقل مسافة النقل عن (2700) كيلومتر، ولكمية غاز تصل إلى (28) مليون متر مكعب يومياً (أي حوالي 1000 مقمق يومياً). علماً أن أسواقنا الطبيعية، هي تركيا وسورية والكويت، وحتى أوربا لا تحتاج إلى نقل الغاز المسيل.

إن رسالة وزارة النفط المشار إليها أعلاه تتحدث فقط عن الغاز المصاحب، ولا تذكر شيء عن الحقول الغازية، وكذلك تتحدث عن الغاز المصاحب في محافظة البصرة فقط، وليس عن غاز الجنوب ككل. ولكن "الاتفاقية الأولية" تتحدث عن "حقول غازية"، وكذلك تتحدث عن "احتكار" جميع غاز الجنوب. وعندما نقرأ نصوصها، فإننا نصل إلى أن وزارة النفط لا تستطيع حتى التحدث مع أية شركة عن الغاز المصاحب في محافظة ميسان، أو المنتج من حقول الناصرية، إذ أن الاتفاقية تشمل غاز الجنوب ككل، وكأن هذه الشركة المشتركة ستحتكر جميع الغاز المصاحب، وغير المصاحب في الجنوب تمهيداً للدخول في عهد جديد لتطوير الصناعة الغازية. وهنا نرى أمراً غريباً، إذ عندما تحتكر الدولة والقطاع العام منتج مثل الغاز يبدأ الحديث من الجميع عن سياسة السوق المفتوحة وضرورة المنافسة، وهنا احتكرت شركة أجنبية سوق الغاز في الجنوب ولمدة (25) سنة على الأقل. في هذه الحالة، (أي عند احتكار حقول الغاز وجميع غاز الجنوب)، قد تكون عند ذاك حاجة إلى "منشآت جديدة" لتسييل الغاز. نعم سيكون هناك فائض من البروبان والبيوتان والسوائل الهيدروكربونية، ولكن لا توجد مشكلة في تصدير هذه المنتجات سيما وأن لدينا الميناء الخاص بتصديرها.

تحدثت رسالة وزارة النفط عن "رفع كفاءة العاملين العراقيين" من قبل شركة شيل.  لم أجد شيئا ً من هذا في "الاتفاقية الأولية" عدا تدريب عدد محدود جداً، من ذوي المناصب العالية. في الواقع إن ما حدث، ونحن في بداية الطريق، يعطي الانطباع بأن الأمور تسير في اتجاه مغاير لسياسة رفع كفاءة العاملين العراقيين. فلقد ذكرت وسائل الإعلام النفطية في أوائل تشرين الثاني 2008، ونقلاً عن شركة شيل، بأنها ستقوم بجلب مئات العمال والمهندسين الأجانب لتنفيذ أعمالها في مشروع غاز الجنوب. إنني لا أعرف مدى صحة الخبر، ولكن أعرف رد فعل جماهير البصرة، وخصوصاً اتحاد نقابات عمال النفط، ولعل رد المسؤول النقابي على هذه الأخبار ترينا الوضع المحتقن في ظروف البطالة الهائلة الحالية، حيث قال في 6/11/2008 "نتحدى شركة شيل ومن معها أن تجلب عاملاً واحداً من الأجانب ليكون بديلاً عن العمال العراقيين فهذا خط أحمر... وهيهات أن تمس شركة شيل قوت العراقيين"!!.

ولو فرضنا جدلاً أن هناك حاجة  "لمشاركة" شركة أجنبية في "مشروع غاز الجنوب"، وهو أمر لا أرى منه منفعة بالمرة، بل العكس سيخلق مشاكل مع المستهلكين العراقيين، وكما سنرى ذلك عندما نتحدث عن الأمور المالية، فإن السؤال يبقى لماذا التفرد مع شركة شيل، وبدون منافسة من شركات أخرى. من الصحيح جداً القول أن عقوداً عديدة، ومنها ضخمة وبحجم هذا المشروع  تمت من خلال مفاوضات ثنائية. علماً نحن هنا نتحدث عن "مشاركة"، وليس عقداً، مما يجعل مسألة الشفافية أكثر أهمية، إذ ان العقد ينتهي بانتهاء مدة تنفيذه، وهنا نتحدث عن مشاركة تطول إلى (25) سنة قابلة للتجديد، أي أن الجميع سيتحدث عن "شفافية" هذا العقد لربع قرن قادم أو أكثر. لنرى لماذا تتم اعتيادياً مفاوضات ثنائية وبدون أخذ عروض منافسة أخرى؟. هناك حالات عديدة لاتخاذ مثل هذا الأمر، منها أن الشركة التي تتفاوض معها تملك تكنولوجيا ومعرفة know-how ، ولا يملكها غيرها، وبنفس الوقت نحن في أمس الحاجة إليها، وهذه الشركة غير مستعدة لبيعها إلاّ بشروطها، ومنها تنفيذ العمل أو المشاركة فيه، وهذا السبب لا يوجد في الحالة التي نتحدث عنها . ومنها لأسباب سياسية تتعلق بوضع العراق، ضمن التوازنات السياسية الإقليمية والدولية، كأن تتفاوض مع دولة، (أو شركات لدولة)، مجاورة، أو محايدة يريد العراق وجودها لضمان الاستقرار والتوازن، أو مع دولة قوية وذات نفوذ سياسي أو عسكري أو مالي أيضاً لخلق التوازن اللازم  . وقد يكون الأمر عقد "إذعان" لظروف مختلفة، منها أن الشركة التي نتفاوض معها مفروضة على المفاوض العراقي، أو أن المنتج هو مادة بائرة ويصعب تسويقها وأن الشركة لها الإمكانيات الضخمة لتسويقها بينما يتعذر علينا نحن ذلك، ومن الممكن أيضاً أن يتم تفاوض ثنائي، في حالة وجود منفعة متبادلة، أي أعطيك هذا العقد وتعطيني ذاك العقد. بالواقع لا أرى سبباً من الأسباب أعلاه، والسبب الوحيد الذي أراه، وبوجود حسن النية، هو سهولة التفاوض مع شركة معروفة مقارنة بتحليل عدد من العروض واختيار أفضلها، وهنا تفقد الشفافية. إن التفاوض الثنائي مع الشركات النفطية أخذ أهمية فائقة، وأثار تساؤلات كثيرة في حينه وذلك بما تعلق بالعقود قصيرة الأمد حيث كان في نية وزارة النفط توقيعها مع الشركات العالمية الكبرى، والتي كانت "تمتلك" امتياز نفط العراق قبل التأميم، (وهو أمر يثير المشاعر والحساسية بحد ذاته)، ولحسن الحظ، ألغى توقيع هذه العقود سواء عن قصد مسبق من الوزارة (وهذا أمر حسن) أو بسبب التأخر في توقيعها مما تقرر أن تكون هذه العقود ضمن "دورة التراخيص" الأولى، وهذا الأمر له حديث آخر.

وأود أن أوضح هنا بأن مثل هذه الأعمال أو العقود تعطى دائماً إلى شركات هندسية مختصة، وليس إلى شركات منتجة للنفط أو الغاز، ومهما كانت ضخامة هذه الشركات المنتجة. إذ أن هذه الشركات المنتجة تذهب بدورها إلى نفس الشركات الهندسية أو الشركات المصنعة التي كان من المفروض على الجانب العراقي الذهاب اليها والتعاقد معها أصلاً.

 

د- هل هذه الاتفاقية تلزم توقيع "الاتفاقيات النهائية"؟

إن ما توصلت إليه في مقدمة المادة (1) من هذه الدراسة، بأن "الاتفاقية الأولية" لا تلزم العراق بتوقيع "الاتفاقيات النهائية"، ولكن بنفس الوقت هناك التزامات مالية وقانونية يجب على الجانب العراقي تنفيذها في حالة إنهاء "الاتفاقية الأولية"، قبل فترة من انتهائها(وسنرى لاحقاً هل يمكن ذلك؟)، أو الانتظار لحين انتهاء مدة السنة. أن ضمن الالتزامات المالية هو قيام الجانب العراقي بدفع جميع الكلف والمصاريف التي تحملتها شركة شيل، بضمنها كلف "المشتريات الحرجة"، وكما جاء في ملاحظاتنا السابقة عند مناقشتنا فقرة "إنهاء العقد"، و كل أملي أن ينتهي الأمر إلى مرحلة "الاتفاقية الأولية" فقط. ولكن ما لاحظته في رسالة السيد وزير النفط إلى رئاسة الوزراء، (المشار إليها سابقاً)، هو اتجاه واضح للوزير بتنفيذ "الاتفاقية النهائية"، إذ تحدث عن الاتفاقية الأولية بأنها (اتفاق مبادئ)، يتبعه تشكيل لجان مختصة لوضع التفاصيل بتشكيل الشركة المشتركة، وينهي الكتاب بالطلب من السيد رئيس الوزراء بالتفضل بالموافقة على (اتفاق المبادئ) والمعني بالإجراءات اللازمة لتنفيذه وصولاً على تشكيل الشركة المشتركة. إن هذا الموقف هو موقف طبيعي ومنطقي ، إذ لم توقع "الاتفاقية الأولية" إلاّ لكي يتم تنفيذ "الاتفاقية النهائية" ليتسنى تنفيذ الأعمال فعلاً.

ولكن ما نلاحظه في الفترة الأخيرة، هو ما يمكن أن نسميه "تراجعاً" عن الموقف السابق الواضح بالمضي لتوقيع الاتفاقية النهائية، فلقد أكد الإعلان الذي نشرته وزارة النفط في صحيفة الصباح في 22/11/2008، والذي أشرنا إليه سابقاً، وفي الفقرة (1) منه، حيث يقول "ينتهي الاتفاق الأولي في حالة عدم التوصل إلى اتفاق نهائي"، ولكنه يقول أيضاً بأنه "ليس عقداً ملزم ولا يتضمن تكاليف..."، بينما هو في الواقع عقداً غير ملزماً فعلاً للاتفاقيات النهائية، ولكنه يتضمن تكاليف سواء تم إنهاءه أم عند انتهاء مدته ودون الدخول في اتفاق نهائي. وبالواقع وحتى عند الدخول في اتفاق نهائي، فإن المصاريف والكلف التي صرفتها شركة شيل سيتم احتسابها كجزء من حصتها في الشركة. أما تصريح المتحدث باسم وزارة النفط، في تصريحه إلى صحيفة الحياة في 5/12/2008، فإنه يؤكد أن "الاتفاق الأولي غير ملزم"، ولكن يضيف أن المفاوضات مستمرة "هدفها التوصل إلى اتفاق نهائي...". باعتقادي أن سبب هذا "التراجع" !، إن كان هناك تراجع !، هو الضجة التي صاحبت الإعلان عن الاتفاق الأولي، حيث نشرت مقالات موضوعية، عديدة عن هذا الاتفاق تؤكد على ضرورة الاستثمار المباشر وإعادة تأهيل مشروع غاز الجنوب دون الرجوع إلى المشاركة مع شركة أجنبية. كما نشرت وكالة رويترز في 8/11/2008، بأن رئيس لجنة النفط والغاز بالبرلمان العراقي أبدى قلقه "بشأن الافتقار إلى الشفافية في عقد الغاز الذي وقعته الحكومة، دون إعطاء الفرصة لشركة أخرى وطالب بمعرفة السبب". وبنفس هذا الخبر تذكر رويترز أن المتحدث باسم وزارة النفط قال بأن "شيل ستشتري الغاز الذي يجري حرقه بالأسعار العالمية"، وهو قول غير دقيق وكما سنبين لاحقاً. إضافة لذلك فلقد دعا رئيس لجنة النفط والغاز، واثنان من أعضائها، في البرلمان، وذلك في مؤتمر صحفي عقد في 25/11/2008، دعا وزير النفط لحضور جلسة خاصة لمناقشة هذه الاتفاقية، وأشاروا إلى نقاط أساسية منها، "انعدام الشفافية"، و"إمكانية الشركة المشتركة التوسع في مناطق عمل أخرى"، و"احتكار العمليات المتعلقة بجميع غاز الجنوب"، ومشكلة البيع بالسعر العالمي، ( لوزارة النفط ) ، من قبل الشركة المشتركة وذلك لأغراض الاستهلاك الداخلي، الأمر الذي "سيؤدي إلى انعكاسات قاتلة على الاقتصاد العراقي، مع ضرورة وضع سعر تفصيلي للمستهلك العراقي"، والنقطة الأهم هي "ضرورة عرض أي عقد أو اتفاقية على مجلس النواب لحين تشريع قانون النفط والغاز" !!. (علماً أن جميع مسودات قانون النفط والغاز لا تتضمن الصناعة التحويلية للنفط).

إضافة لأعلاه لقد حدثت معارضة قوية لهذه الاتفاقية في البصرة نفسها، وذلك من قبل العاملين في شركة غاز الجنوب، والنقابات العمالية النفطية وغيرها، والشخصيات الأكاديمية والسياسية والاجتماعية والثقافية فيها.

على أية حال، فإننا نعتقد جازمين، بأن على وزارة النفط أن تعمل خيراً وسيكون وفيراً يعم الجميع، وذلك بإنهاء الاتفاقية الأولية الآن، أو عند انتهائها، و(الأفضل الآن أمكن كما سنرى لاحقاً)، وعدم المضي مع شركة شيل بتوقيع الاتفاقية النهائية، مع تحمل الجانب العراقي كافة المصاريف والكلف، وحسب الاتفاقية الأولية الموقعة مع شيل في 22أيلول الماضي. إن المصاريف والكلف التي سيتم دفعها، ستكون - عملياً – لقاء خدمات فعلية، مهمة في معظمها، إذ ستتضمن تقييماً لوضع مشروع غاز الجنوب الحالي، ومعرفة النواقص المطلوب إكمالها، وكذلك تتضمن كلف المواد والمعدات "الحرجة" التي تم أو سيتم شراؤها، (وهي في كل الأحوال سيتم شراؤها لتأهيل المشروع). إن الإشكال سيكون في تقييم هذه الكلف والمصاريف، ولكن حتى لو خسرنا في هذه الصفقة جزئياً، فإن الخسارة ستكون أقل بكثير جداً من الخسارة الجسيمة التي سيتحملها العراق لمدة (25) سنة قادمة على الأقل، وذلك في حالة المضي في تشكيل شركة مشتركة مع شيل، (أو أية شركة أجنبية أخرى)، بدلاً من إبقاء المشروع لدى شركة نفط الجنوب لوحدها.

 

هـ- هل هناك أرباح مالية من هذا الاتفاق؟

يجب أن نوضح هنا أن المقارنة، هي ليست بين الوضعية الحالية الشاذة حيث يحرق الغاز المصاحب هباءاً، وبكميات هائلة جداً، وبين ما يتأتى من ربح من اتفاقية المشاركة بين شركة نفط الجنوب وشركة شيل. إنما يجب أن تكون المقارنة، بين إعادة تأهيل وتشغيل مشروع غاز الجنوب، الموجود فعلاً والمعطل عن العمل حالياً، وأن يتم التأهيل من قبل شركات وزارة النفط لوحدها، ومن خلال عقود خدمة اعتيادية، وبين ما سيتم في الاتفاقية النهائية وتكوين الشركة المشتركة. أي يجب أن تتم المقارنة للنتائج الناجمة عن الحالة الأولى حيث يتم التأهيل والتشغيل من قبل شركة نفط الجنوب الحكومية، وبين الحالة الثانية حيث سيتم التأهيل من قبل الشركة المشتركة مع شيل. إذ أن مشروع غاز الجنوب يجب أن يتم تأهيله وتشغيله وبأسرع فرصة ممكنة، وذلك بصيغة أو بأخرى، تجنباً للهدر الهائل الذي تم لحوالي العشرين سنة الماضية، منذ إكماله مرحلته الثانية في 1990، والذي وصل إلى خسائر تعادل مليارات الدولارات سنوياً، وكما أوضحنا سابقاً.

حول هذا الموضوع نود تبيان ما يلي:

 

أولاً: الأسعار الحالية للغاز في العراق.

لقد صدر تقرير عن المنشاة العامة لصناعة الأسمدة/المنطقة الجنوبية تحت عنوان "سياسة تسعير الغاز المجهز للقطاع الصناعي، وذلك في أوائل تشرين الثاني 2008، ينقل المعلومات التالية عن أسعار الغاز للاستهلاك الداخلي في دول الخليج، وكذلك في مصر. والسعر هو بالدولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية Btu ، وكما يلي:

السعر في مصر هو (1,19)، وفي عمان (0,95)، وفي قطر (0,87)، ويف السعودية (0,75)، وفي الإمارات (0,75)، وفي إيران (0,35) دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.

أما السعر الحالي في العراق للغاز للأغراض الصناعية والكهرباء فهو (50 دينار لكل متر مكعب). والذي يعني (1375) دينار، أي (1,15) دولار، لكل مليون وحدة حرارية بريطانية وهذا السعر ينسجم مع أسعار الغاز للاستهلاك الداخلي في مصر، ولكنه يزيد عن أسعار الغاز في السعودية والإمارات بحوالي 50%، ويعادل (3,3) مرة عن السعر في إيران.

ويذكر التقرير أن الأسعار العالمية للغاز تتراوح بين 6-10 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، أي حوالي (8) دولار/مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو السعر الذي اطلعت عليه قبل مدة وعندما كان سعر النفط حوالي (100) دولار للبرميل الواحد، كان سعر الغاز (8,3) دولار للمليون وحدة حرارية، أي حوالي نصف سعر النفط لو تمت المقارنة بالمكافئ الحراري لكليهما. ولهذا فإن صناعة الكهرباء تعتمد في الولايات المتحدة أساساً على الغاز، وباستخدام الطوربينات الغازية ذات الدورة المركبة ، لا ذات الدورة المفتوحة حيث يوجد فقدان عال للطاقة ، بعدما طورت كفاءة هذه الطوربينات وأصبحت تضاهي أو تفوق كفاءة المحطات البخارية من ناحية كفاءة استرداد الحرارة، وان أوربا تسير بنفس التوجه بهذا الخصوص في الوقت الحاضر، علما ليس هذا هو المكان المناسب لمناقشة نوع المحطات الكهربائية .

إن ما جلب نظري في تقرير الشركة العامة لصناعة الأسمدة الجنوبية، هو ما اقترحه أن يكون سعر الغاز للمنشآت الصناعية بين (3-3,5) دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية، أي ثلاثة أمثال السعر الحالي للغاز المجهز في العراق، و(4,5) مثل سعر الغاز المجهز للمستهلك السعودي، وأكثر من (9) أمثال سعر الغاز المجهز للمستهلك الإيراني. بالواقع لم أفهم لماذا اقترحت المنشأة هذا السعر العالي؟، إلاّ إذا كان ذلك بضغط من وزارة النفط بسبب تكوين الشركة المشتركة المقترحة مع شركة شيل. فكما يظهر لقد أروهم الموت (أي مثلاً سعر 8,3 دولارات)، فقبلوا، "اقترحوا"، الحمّى (سعر بين 3-3,5 دولار). علماً أن المنشأة أعلاه تبيع الأسمدة النتروجينية، وهي أساس التنمية الزراعية في العراق، أما لو أرادت التصدير فعليها أن تنافس عالمياً اليوريا المنتجة في دول الخليج المجاورة. إن الفرق في زيادة أسعار الغاز سيتحمله المستهلك العراقي للحبوب المنتجة محلياً، أو للخضر والفواكه المحلية، ولكن لا أعرف كيف سيستطيع المنتج العرقي منافسة دول الخليج عند تصدير اليوريا لدول العالم.

يرجى ملاحظة الحسابات الأولية التالية، عند اعتبار سعر الغاز هو السعر الحالي البالغ (50) دينار للمتر المكعب (أي 1،15 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية Btu)، فإن طن اليوريا سيتحمل حوالي (31،6) دولار عن كلفة الغاز فقط، أما إذا رفعنا سعر الغاز إلى (3,25) دولار للمليون Btu ، (كما تقترح شركة الأسمدة)، فإن طن اليوريا المنتجة سيتحمل حوالي (89,3) دولار عن كلفة الغاز، أي بفرق (57,7) دولار للطن، وهي زيادة في كلفة اليوريا تعادل (70) ألف دينار يتحملها المستهلك العراقي، أو سيعتمد هذا المستهلك على اليوريا المهربة أو المستوردة من الدول المجاورة. أما إذا فكر أحد "العباقرة"، ومن يتحدثون دائماً عن اقتصاد السوق، ناسياً الدعم الزراعي في أوربا وأميركا، وناسياً أن العراق يجب أن يتطور صناعياً وزراعياً، والأسمدة هي أحد الأعمدة الكبيرة للصناعة والزراعة، ويقترح أن يبيع الغاز بالسعر العالمي !!، والبالغ (8) دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية Btu، فعند ذاك تكون كلفة الغاز في طن اليوريا حوالي (220) دولار، وحينها علينا أن نقرأ على الزراعة والصناعة السلام، كما هو الوضع الحالي بالضبط. وبهذا نكون دولة تعطي شعبها "السمك وبشحة!!"، وليس بإعطاء "شبكة صيد السمك"، وبعد فترة يكون العراق قد استهلك أمواله المتأتية من النفط وبدون وجود صناعة أو زراعة، فالبركة ستكون في "استيراد" هذه المواد، وفي"تجار استيرادها" !!.

إن نفس هذه الحالة ستحدث للمواد البتروكيمياوية وللسمنت وللكهرباء وغيرها، وكذلك لوقود الغاز السائل والبنزين، إذ أنهما من منتجات هذه الشركة المشتركة. لهذا يجب أن تبقى الأسعار الداخلية، كما هي عليه الآن لحين بناء صناعة وزراعة في ظروف استثمار طبيعية، وترفع الأسعار تدريجياً بعد نمو وازدهار الصناعة والزراعة، علماً سيبقى دائماً هناك دعماً داخلياً، سواء بسبب تخفيض أسعار المواد الأولية والمحروقات ودعمها، أو بفرض رسوم استيراد على المواد المستوردة، أو كليهما، وهذا ما يتم في جميع أنحاء العالم عدا العراق الآن !!.

إن النظرة الاقتصادية الصحيحة في تنمية العراق، هي اعتبار تطوير الصناعة والزراعة والخدمات كجزء من البنية التحتية العراقية، شأنها شأن إنشاء الطرق والجسور وخطوط الكهرباء ولحين استكمال نهوضها. لقد نمت الصناعة التي اعتمدت الغاز في البلدان المنتجة للنفط، مثل صناعات الأسمدة والبتروكيمياويات،وبدرجة كبيرة جداً، وخصوصاً في السعودية وإيران وبلدان الخليج، بسبب اعتمادها على الغاز المحروق هباءاً، الذي لم يكن له قيمة فعلية توازي المكافئ الحراري الموجود فيه أو حتى جزء بسيط منه، وذلك في سنوات السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وكان العراق السباق في ذلك المضمار، ولذا لم تكن هذه الصناعة لتحتاج إلى دعم، واستقطبت استثمارات هائلة وخصوصاً في السعودية لتنمية الصناعة البتروكيمياوية وبشكل كبير جداً. ولقد حدث مؤخراً تطور في أمرين، أولهما ارتفاع أسعار الوقود ككل، وهذا أدى إلى ارتفاع أسعار الأسمدة والبتروكيمياويات بالتوازي مع، والثاني - وهو الأهم – ارتفع الطلب على الغاز نفسه، وأصبحت هناك تكنولوجيات في تسهيل نقله ولمسافات بعيدة، وهنا أصبح التفكير في وضع مقارنة في تصديره لوحده، أو في تصنيعه وتصديره ولكن بربح أقل ظاهرياً، وذلك في حالة نسياننا - عمداً أو عن غير عمد – في ضرورة استكمال البنية التحتية الاقتصادية المهمة لجيلنا هذا وللأجيال القادمة. وفي الوقت الحاضر اعتمدت كثير من هذه الدول المجاورة طريقة الدعم لسعر الغاز، والمفروض تتحرك أيضاً باتجاه تكوين كارتيلات للدول المنتجة لهذه المواد (الأسمدة والبتروكيمياويات)، كمنظمة أوبك، لمنع التنافس فيما بينها، وذلك بإعطاء دعم للمادة الأولية وهي الغاز، ورفع أسعار التصدير لهذه المواد بحيث تتوازى أسعارها مع أسعار الغاز، لا أن يوقف التوسع بهذه الصناعات. إن عدم دعم أسعار الغاز في الوقت الحاضر يعني تحول إنتاج المواد البتروكيمياوية والأسمدة النتروجينية إلى الدول المستوردة للغاز، بدلاً من ضرورة وأهمية استيطانها في الدول المنتجة للغاز، لتشغيل العمالة وبناء البنية الاقتصادية عامة. إن دعم أسعارالغاز لتوفير منتجاته من مواد صناعية أو كهرباء ليس "منّة" أو "منحة" من وزارة النفط، أو الحكومة العراقية، إذ أن الاقتصاد العراقي مدمر، ويجب، وليس فقط إرجاع الحياة له وإنما النهوض به نهوضاً كبيراً، وهذا يتم بالدعم، وكما هو الحال الذي نراه الآن في عقر دار الدول الرأسمالية العظمى، ذات الاقتصاد والتطور الصناعي والزراعي والخدمي الهائل، إذ أن هذه الدول تقدم اليوم تريليونات (آلاف المليارات) من الدولارات لإنقاذ اقتصادها، إذاً كيف يكون الأمر ونحن لدينا اقتصاد أصله مدمر ؟!!، علماً أن دعم الدول الرأسمالية لاقتصادها (وخصوصاً الزراعي) موجود دائماً وليس مسألة آنية!!.

   

 

ثانياً: الأسعار المقترحة، وأرباح الجانب العراقي.

إن الأسعار التي ستبيع بها الشركة المشتركة منتجاتها ستكون بالأسعار العالمية، سواء كان ذلك إلى السوق المحلي (بصورة مباشرة أو غير مباشرة) ،أو عند التصدير. وعندما يتم البيع إلى المستهلك المحلي بصورة غير مباشرة، أي مثلاً عن طريق وزارة النفط أو إحدى شركاتها، فإن الشركة المشتركة تبيع إلى وزارة النفط بالسعر العالمي، ووزارة النفط تبيع إلى السوق المحلي بالسعر الذي تراه مناسباً، والمفروض بسعر أقل من السعر العالمي، ولهذا سنسمي الفرق بين السعرين "دعماً" للأسعار المحلية. إن الحديث السابق كان في معظمه عن الغاز الجاف، الذي يباع جميعه داخلياً إلى شركات ومنشآت صناعية حكومية، بضمنها محطات الكهرباء. وأن نفس الحديث يمكن تطبيقه على المنتجات الأخرى، كالغاز السائل(البروبان والبيوتان)، والبنزين الطبيعي، وهنا يتم الاستهلاك الداخلي الأعظم من قبل المواطن العراقي، وفي المحصلة فإن النتائج ستكون مشابهة لما سيتم احتسابه بالنسبة للغاز الجاف.

إن التصريحات العديدة من مختلف الجهات في وزارة النفط، تؤكد على أهمية الاتفاق الأولي، "اتفاق المبادئ"، وإنشاء الشركة المشتركة، يأتي من الاستفادة من الغاز المحروق هباءاً، وهو أمر صحيح جداً. كما أن الاتفاقية الأولية والتصريحات عنها تقول أن العراق سيحقق أرباحاً تأتي من بيعه الغاز المصاحب الخام إلى الشركة المشتركة، ومن الضرائب التي سيتم وضعها على أرباح هذه الشركة، ومن الأرباح المتأتية من حصة العراق في الشركة المشتركة والبالغة 51%. وهذا الأمر صحيح أيضاً، ولكن دقة هذه الصحة تعتمد، وكما سنرى، على معنى مفهوم الجانب العراقي. في مفهومنا الخاص فإن الجانب العراقي يتضمن على الأقل جميع الشركات التي تعود للدولة، أي إذا كانت هناك أرباح لوزارة النفط على حساب خسارة أو قلة في أرباح وزارتي الصناعة والكهرباء، فهذه ليست أرباحاً حقيقية للحكومة العراقية، وإنما أرباحاً ظاهرية لوزارة النفط فقط. بالواقع أن من الأصح شمول جميع المواطنين العراقيين بمسألة احتساب الأرباح، أي أن أية أرباحا متأتية من زيادة الأسعار للمستهلك العراقي هي  ليست بالواقع أرباحاً، وإنما "إتاوة" تؤخذ من "الجهة الأضعف"، ( وهو في هذه الحالة المستهلك العراقي ) ،  لتعطى إلى الجهة "الأقوى" وهي الحكومة أو وزارة النفط  التي تنتج هذه المواد. لهذا استعملت، في الحسابات أدناه، ما يمكن أن يسمى أرباح الجانب العراقي، وليس أرباح شركة غاز الجنوب أو وزارة النفط.

إذا كنا نتحدث عن الغاز المحروق هباءاً، فإن الغاز المسلم حالياً إلى المنشآت الصناعية وبضمنها الكهرباء سيكون خارج هذا الحساب، إذ أنه ليس من الغاز المحروق هباءاً. وهذا يشمل أيضاً ما يجب أن توفره وزارة النفط إلى وزارتي الصناعة والكهرباء لكامل احتياجاتها من الغاز لكي تشغل شركاتها بطاقات إنتاجية أعلى، تصل قريباً من الطاقات المتاحة، ولقد سبق أن استلمت وزارة الصناعة والمعادن كميات غاز كافية لمثل هذا الأمر. ولهذا ولغرض الاحتساب الصحيح للخسائر والأرباح للشركة المشتركة المقترح إنشاؤها، وجوب إبعاد الغاز المسلم، والذي يجب تسليمه إلى المنشآت الصناعية، لأنه ليس من الغاز المحروق هباءاً، وأن تبقى أسعاره بنفس الأسعار الحالية، إذ من غير المعقول أن تصنع ربحاً من زيادة في أسعار البيع إلى جهة حكومية أخرى، وإنما الواجب أن تصنع ربحاً من الغاز المهدور.

إن السعر الحالي للغاز المسلم إلى المنشآت الصناعية هو (1,15) دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية، وكما بينا سابقاً. ولو افترضنا، في هذه الدراسة، أن سعر الغاز الجاف عالمياً يصل إلى (8) دولار للمليون وحدة حرارية، وهو السعر الذي سوف يباع إلى وزارة النفط، ومن ثم ستبيع وزارة النفط الغاز إلى المستهلك العراقي بنفس السعر الحالي، فهذا يعني أنها "ستدعم" السعر بمبلغ يصل إلى 8،00 – 1,15 = 6,85 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية.

أي عملياً ستخسر وزارة النفط (6,85) دولار للمليون وحدة المباعة محلياً. علماً أن جزءاً من هذه الخسارة مستوفاة من أرباح وبيع غاز خام وضرائب، وسنوضح ذلك لاحقاً.

إن الغاز الخام المسلم إلى الشركة المشتركة سيكون بثمن يشكل نسبة من العائدات الكلية المتأتية من بيع جميع المنتجات، وهذا ما فهمته من الاتفاقية الأولية، وكذلك ما بينته رسالة السيد الوزير إلى رئاسة مجلس الوزراء، والمشار إليها أعلاه. ولكن الاتفاق الأولي، وكذلك رسالة السيد الوزير، لا يذكران مقدار هذه النسبة، ولكن يذكران مؤشرات تعطي الانطباع بأنها قد تكون متغيرة، اعتماداً على انخفاض وارتفاع الأسعار العالمية للمنتجات النهائية، وبالتالي تغيراً في العائدات، وبالنتيجة يمكن تحديد هذه النسبة في حينه لكي تضمن ربحاً للشركة المشتركة. وهذا أمر منطقي، ولكن العيب الواضح أنه لم يحدد نسبة الأرباح الواجب تحقيقها مقارنة بالكلفة، أو نسبة العائد الداخلي IRR لتحقيق أرباح الشركة، وترك هذا الأمر سائباً. وباعتقادي ان هذا الأمر ترك عمداً لاختلاف في وجهات النظر بين الجانبين، وسنرى لاحقاً أين يكمن هذا الاختلاف. علماً أن الحل المنطقي، على الأقل بالنسبة للجانب العراقي، هو أن يكون ثمن الغاز الخام، بما يعادل مجموع العائدات مطروحاً منه مجموع المصروفات، ومطروحاً منه أيضاً أرباح منطقية معقولة تحتسب كنسبة أرباح إلى المصروفات، أو تحتسب كمعدل عائد داخلي IRR مقارباً للصناعات التحويلية النفطية.

لقد أجريت بعض الحسابات البسيطة، مبينة في الملحق (1)، الغرض منها معرفة إن كانت الحكومة العراقية ستحقق أرباحاً فعلية من هذه الشركة، و كم سوف تبلغ هذه الارباح -إن تحققت-. ولتبسيط الحسابات للقارئ، اعتمدت فقط الحسابات المتعلقة بمبيعات الغاز الجاف، ولمليون وحدة حرارية بريطانية، أي أن كل رقم للدولار يمثل مليون وحدة حرارية بريطانية. افترضت أن العائد من بيع الغاز (وهو السعر العالمي) هو (8) دولار، يباع إلى الحكومة العراقية من قبل الشركة المشتركة، والوزارة بدورها تبيعه إلى المستهلك المحلي الصناعي الحكومي بسعر (1،15) دولار، أي عملياً "تدعم":

8,00 – 1,15 = 6,85 دولار للمليون وحدة حرارية.

ولكن بنفس الوقت تستلم من الشركة أرباحاً (عائدات)، متمثلة بما يلي:

ثمن الغاز الخام + ضرائب على أرباح الشركة + حصتها من أرباح الشركة النهائية، بسبب أن لها حصة تبلغ 51%.

لقد تم افتراض أن الكلفة التشغيلية، (بضمنها الاندثارات)، وعدا كلفة الغاز الخام، تبلغ حوالي دولار واحد/المليون وحدة حرارية، وهو رقم ينسجم مع الكلف التشغيلية في الأقطار المجاورة أو قد يزيد قليلاً عن ذلك ، وكذلك ينسجم مع السعر الحالي للغاز المحلي المباع للشركات الحكومية، والبالغ (1,15) دولار/المليون وحدة، باعتبار كلفة الغاز الخام صفر، وهناك أرباح لشركة نفط الجنوب تتجاوز 15% ومن المحتمل أن تصل إلى 40% من كلفة الإنتاج، إذ أن المعدات قديمة ويمكن اعتبارها كاملة الاندثار في معظمها.

افترضت أن الضريبة التي تفرضها الحكومة العراقية على أرباح الشركة المشتركة تبلغ 15%، وهو رقم غير محدد بالاتفاقية الأولية، ولكن يتم تداوله حالياً.

بالتأكيد سيقال بأن الحسابات المذكورة في الملحق أولية جداً ويجب اعتماد عائدات جميع المنتجات، وإجراء دراسة جدوى اقتصادية كاملة للوصول إلى نتائج دقيقة. هذا الأمر صحيح، وكان بإمكاني إجراء ذلك لو كانت لدي جميع المعلومات، ولكني بنفس الوقت لا أرى حاجة لإجراء مثل هذه الدراسة لمتطلبات هذه الورقة، ويمكن الاكتفاء بالحسابات البسيطة المذكورة، إذ أن النتائج سوف لا تتغير جذرياً، أو حتى أنها لن تتغير كثيراً عند إجراء دراسة جدوى اقتصادية متكاملة.

يمكن إيجاز الحسابات المذكورة في الملحق (1)، في الجدول الآتي، مع ملاحظة أن ما دعي "خسارة الحكومة" في العمود الأخير، من الجدول، هو ما يمثل الفرق بين دعم الحكومة، وهو الفرق بين سعر شرائها للغاز الجاف من الشركة المشتركة وسعر بيعها إلى الشركات الحكومية الصناعية بالسعر الحالي (وهو كما ذكرنا أعلاه والبالغ 6,85 دولار/المليون وحدة)، وبين العائدات الكلية التي تستلمها الحكومة من الشركة المشتركة، أي حصة الحكومة التي تشمل (ثمن الغاز الخام + الضرائب + الحصة من الأرباح). إن أرقام الدولار أدناه هي للمليون وحدة حرارية بريطانية.

 

نسبة ثمن الغاز إلى العائد %

مجمل حصة الحكومة العراقية دولار

حصة شركة شيل دولار

خسارة الحكومة دولار

30%

5,05

1,95

1,80

40%

5,39

1,62

1,46

50%

5,73

1,28

1,12

60%

6,07

0,94

0,78

70%

6,41

0,60

0,44

80%

6,75

0,26

0,10

 

من الجدول أعلاه، نرى أنه لو تم المضي بالاتفاقية النهائية مع شيل، ولو تم اعتماد نفس الأسعار الحالية للغاز المجهز لمحطات الكهرباء، فإن الدولة ستضطر إلى أن تمول من ميزانيتها الخاصة مبالغ تصل إلى (1,80) دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية، عندما يكون ثمن الغاز الخام 30% من العائدات، وإلى (0,10) دولار للمليون وحدة حرارية، عندما يكون ثمن الغاز الخام 80% من العائدات، و في الحالة الأخيرة ستكون هذه النسبة عالية جداً بالنسبة لشركة شيل، إذ ستعتبر وارداتها قليلة رغم أن ربحها سيكون 26% من الكلف التشغيلية والاندثارات. لا اعتقد الدولة أن ستقبل بحل، ليس فقط لا تستسلم فيه أي مبلغ، لا هي ولا وزارة النفط ولا شركة نفط الجنوب، وإضافة لذلك عليها أن تدفع من الميزانية العامة مبالغ إضافية لكي توصل الغاز إلى مستهلكيه بالسعر الحالي، (وهو كما أوضحنا أكثر من سعر الاستهلاك المحلي في الأقطار المجاورة)، وأن الضحية ستكون الجهة "الأضعف"، أي المستهلك العراقي سواء كان شركة حكومية أو مواطنا، ولهذا ستطلب زيادة في أسعار الغاز للمستهلك المحلي. قد تتراوح هذه الزيادة، ولكي يتم تجنب التمويل من الميزانية العامة فقط، بين 1,80 دولار، (ليصل سعر الغاز إلى 2,95 دولار لمليون وحدة حرارية)، إلى  0,10 دولار، (ليصل سعر الغاز إلى 1,25 دولار للمليون وحدة حرارية). ولو افترضنا كمعدل أن ثمن الغاز الخام سيكون 50% من العائدات، فإن سعر الغاز المجهز للمستهلك العراقي سيكون 1,15 + 1,12 = 2,27 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية. وهذا السعر يجنب وزارة النفط السحب من الميزانية العامة. ولكن وزارة النفط ستطلب أرباحاً، وبذا يكون السعر حوالي (3) دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية. لعل شركة نفط الجنوب عرضت قبولها بهذا السعر اعتماداً على حساب مشابه، أو أن أحد مسؤولي وزارة النفط "همس" بأذن الشركة بهذا الرقم "السعري السحري" !!، والذي ستكون له نتائج اقتصادية كبيرة على شركة أسمدة الجنوب، وقد يعرضها للإفلاس، قبل أن يؤثر على بقية الاقتصاد العراقي. ياليت شعري هل ستقبل شيل المشاركة ببناء معامل للبترو والأسمدة بهذه الأسعار لأغراض التصدير ومزاحمة الأقطار المجاورة ؟!!، علماً أننا لو اعتمدنا الفرضية الأخيرة، فإن ربح شركة شيل سيكون (1,28) دولار، وبكلفة تشغيلية قدرها دولار واحد للمليون وحدة حرارية، أي أن الأرباح ستكون 128% من الكلفة التشغيلية (بضمنها الاندثارات) !!.

إن القبول بهكذا معادلة اقتصادية أمر يحيرني. إذ السؤال الذي يخطر على بالي دائماً هو لماذا دخلنا مثل هذه المتاهة، لماذا لم نقم نحن بصرف مبلغ قد يصل إلى نصف مليار دولار لتأهيل المشروع الحالي، لتقبل كمية الغاز المحروق حالياً، ونزيد الاستثمار تدريجياًُ كلما توسعنا وتوسع إنتاج الغاز، وبدون الحاجة إلى شريك أجنبي. سيقول البعض مدافعاً عن هذه "الاتفاقية"، بادعاء أن أسعار النفط قد تدنت الآن، وعدم وجود مبالغ إضافية للاستثمار في مشروع غاز الجنوب وعلينا الاعتماد على الاستثمار الأجنبي !!. ونرجع مجدداً للاستثمار الأجنبي، ونظل ندور بهذه الحلقة، خصوصاً ونحن نتحدث عن مشروع قائم وكامل، وجميع تصاميمه موجودة، ولا يحتاج إلى ما يسمونه "الخبرة الأجنبية" ويحتاج إلى مبالغ لا يمكن أن تتجاوز المليار دولار ليوفر مليارات الدولارات سنوياً. إن تأهيل مشروع غاز الجنوب هو المشروع المثالي ليكون مشروعا عراقيا 100% ولا حاجة لأية مشاركة أو استثمار أجنبي، وهنا لا حاجة للنقاش عن "الشفافية"، وعدم وجود "منافسة". إذ في هذه الحالة من المفروض عدم وجود منافسة إلاّ في مسألة شراء المعدات والمواد الخدمات، وليس في وجود "شريك" ، حيث لا توجد حاجة بالمرة لأي شريك أجنبي بهذا المشروع سواء كان هذا الشريك شركة شيل أو أية شركة آخرى، علما ان معظم منتجاته سيتم استهلاكها في العراق، وخصوصاً الغاز الجاف (وقد نحتاج أكثر مما سوف ينتج  من هذا الغاز ).

و- هل نحن في ورطة من ناحية إنهاء الاتفاقية الاولية ؟! .

إن نصوص الاتفاقية الأولية كبلت أيدي وزارة النفط في التباحث والنقاش وطلب عروض، أو مقارنتها، وأضعفت من إمكانية الوزارة في مراجعة أفكارها. فهي فعلاً غير ملزمة للمضي في توقيع الاتفاقية النهائية، ولكنها ملزمة بشكل شبه "محكم" لتنفيذ الاتفاقية الأولية. بالواقع لا شيء "محكم" تماماً، ولكنها كما يظهر كانت قد كتبت بشكل لا يوجد فيها منفذ لإنهائها. ولو نقرأ النصوص لموادها المرقمة (11) Term فإنها واضحة تعني "مدة" أو "أجل الاتفاقية"، أما المادة (18) Termination فلقد سبق أن ترجمتها "إلغاء"، (وهي ترجمة خاطئة ولكن أبقيتها كذلك)، والواقع حسبما حيكت صيغ هاتين المادتين، فإننا حتى لا يمكن ترجمتها "إنهاء"، وإنها تعني فعلياً "نهاية".

إن المادة (11) من الاتفاقية (مدة الاتفاقية Term) تقول "إن الاتفاقية الأولية تعتبر نافذة المفعول من تاريخ توقيعها (أي في 22/9/2008)، وتبقى نافذة لمدة (12) شهر من تاريخ أول اجتماع تقوم به لجنة العمل المشتركة، إلاّ إذا تم توقيع الاتفاقية النهائية قبل ذلك الوقت، أو تم تمديدها باتفاق الطرفين".

أما المادة (18) (نهاية الاتفاقية Termination)، فتقول: "ما لم يقدم أحد الطرفين إلى الطرف الآخر إنذاراً لإنهاء الاتفاقية الأولية، وفي وقت لا يزيد عن (90) يوماً قبل انتهاء (12) شهرا، فإن مدة الاتفاقية الأولية تمدد تلقائياً لمدة ستة أشهر أخرى، إلاّ إذا تم توقيع الاتفاقية النهائية قبل ذلك الوقت، أو تم تمديدها لفترة أخرى باتفاق الطرفين".

مما ورد أعلاه قد تظهر عدم إمكانية "الإلغاء"، أو "الإنهاء" الآن، حتى لو كان ذلك باتفاق الطرفين. وقد يفهم من المادة (18)، بأننا نستطيع طلب الإلغاء بعد (9) أشهر من بدء الاجتماع الأول للجنة العمل المشتركة، والذي تم في تشرين الثاني 2008 - حسب علمي -، مع تحملنا التبعات المذكورة في نفس المادة. ولكن قد يكون هناك تفسير آخر لهذه المادة، أقرب إلى روحية الاتفاقية الأولية، وهو إذا لم يقدم " إخطار Notice " من أحد الطرفين فإن الاتفاقية تمد تلقائياً لمدة ستة أشهر، أما إذا قدم الإخطار فإنها تبقى ضمن مدتها الأصلية، أي تنتهي في تشرين الثاني 2009. ولكن بنفس الوقت لا توجد اتفاقية بدون مادة تتضمن "الإلغاء"، أو "الإنهاء"، وتوضع مثل هذه المادة تحت عنوان Termination. قد يكون الإلغاء لأسباب قاهرة، ولكن لا توجد مادة "الأسباب القاهرة"  Force Majeur في هذه الاتفاقية، علماً أن من المؤكد توجد العديد من الأسباب القاهرة التي توجب إنهاء الاتفاقية الآن، وذلك لمن يريد أن يبحث عن سبب. ومن هذا الأسباب أن ليس من صلاحية مجلس الوزراء المصادقة على الاتفاقية، إذ أنها تتضمن التزامات هي أصلاً من صلاحية مجلس النواب. إضافة لذلك لم أجد في أي مكان اطلعت عليه أن من صلاحية مجلس الوزراء ترك القضاء العراقي واللجوء إلى التحكيم الدولي، في حل الأمور العالقة. وبالواقع فإن التحكيم الدولي سيقرر إلى صالح الجانب الموقف العراقي في حالة قرار مجلس النواب أن ليس من صلاحية مجلس الوزراء المضي في مثل هذه الاتفاقية بموجب القوانين النافذة، ويجب إصدار قانون جديد، وهذا ما أوضحناه سابقاً عندما تحدثنا عن الوضع القانوني للاتفاقية.

على أية حال باعتقادي أن الأفضل أن تبدأ وزارة النفط مفاوضات تبدأ اليوم قبل غد لإنهاء هذه الاتفاقية وقد نصل إلى حل رضائي مع شركة شيل.

إن الاستعجال باتخاذ قرار بإلغاء الاتفاقية، هو لغرض البدء بعمليات تأهيل مشروع غاز الجنوب بطريقة التنفيذ المباشر من خلال عقود خدمة اعتيادية وبدون مشاركة، ولأسباب أوضحناها في سياق الدراسة. وقد يمكن الاستفادة من شركة شيل لتكون شركة استشارية في هذه المدة وإلى منتصف السنة القادمة بدلاً من شركة مشاركة، ويكون هذا الأمر كأحد الحلول للخروج من طوق الاتفاقية الأولية، مع مشاركة فعّالة من الجانب العراقي للحصول على أفضل العروض للمواد والمعدات والخدمات لكي يبدأ التنفيذ حالاً.

 

3-     كلمة ختامية – نرى العمل على إلغاء هذه الاتفاقية!.

 

سيقول من يقول، بأننا بهذا الطلب سنوقف من يريد أن يعمل وأن ينتج، وأننا سنزيد من فترة التأخير لهذا المشروع المهم جداً. وقد يكون هناك مثالب بهذه الاتفاقية، ولكن كل ما نريده هو المضي للأمام وتلافي المثالب أثناء التنفيذ !!. نحن أيضاً نريد للعمل أن يسير، والطريقة التي نطرحها هي الطريقة الأسلم والأسهل والأسرع، إذ أن المضي بالمشاركة مع شركة أجنبية هو خطأ مبدئي في هذا المشروع، كما وأنه خطأ من الناحية العملية في  الظروف الحالية، حيث هناك أسباب تؤخر العمل وتسبب مشاكل كثيرة في "العراق المضطرب" !!، سواء كانت هذه المشاكل مع شركة شيل نفسها و ستكون كثيرة جدا ، أومع العاملين في شركة غاز الجنوب و بوجود شريك أجنبي سيحاول أن يلقي تبعة أية مشكلة مع العمال أو غيرهم على الجانب العراقي لمحاولة حلها ،  و كذلك مع الجهات المستهلكة للغاز بسبب الأسعارو التي قد تؤدي إلى تقويض أو إفلاس الشركات الصناعية الحكومية وبطالة عامليها بسبب زيادة أسعار المنتجات، لها وللمواطن. ان تساؤلي هنا يخص كل وزراء النفط ومنذ سقوط بغداد ولحد الآن، ويخص أيضاً  المستشارين العراقيين الذين جاءوا بعد السقوط لمساعدة وزارة النفط، ، (منهم من يؤيد هذا الاتفاق ومنهم من يعارضه)، من الذي أوقف الوزارة عن اعادة تأهيل مشروع غاز الجنوب؟!. إن هذا السؤال يحيرني إذ لم أسمع لحد الان جواباً مقنعاً، فإن كان الجواب هو الظروف الأمنية ، فهو جواب غير مقنع بالمرة، إذ نحن في موقع عمليات آمنة مقارنة بجميع المنطقة الوسطى والجنوبية من العراق. إن جميع مقومات المشروع الناجح كانت ولا تزال متوفرة، وهناك إلحاح مستمر، وأنا على اطلاع عليه، من قبل وزارة الصناعة والمعادن ووزارة الكهرباء لاستلام الغاز، لهذا فهو مشروع ليس منسياً وإنما موضوع على الطاولة دائماً. إننا هنا ليس من باب المحاسبة و كيل الاتهامات، ولكن من باب الاستفهام ومعرفة الأسباب لتلافي الأخطاء مستقبلاً. لقد كان سبب عدم تأهيل المشاريع الصناعية العملاقة واضحاً لي فيما يتعلق بوزارة الصناعة والمعادن، وكتبت عنه في مقالاتي وكتبي، وهو أن الاحتلال وقسم ممن جاء معه أراد أن يبيع هذه المعامل بما يسمى عملية "الخصخصة"، وهناك قرارات واضحة صدرت في زمن حكم بريمر بعدم صرف أية مبالغ لإعادة تأهيل هذه المعامل. هل حدث نفس الشيء بالنسبة لوزارة النفط؟ ليتحدث أحد لكي نفهم !!. وأن هذا الأمر ينطبق أيضاً على المصافي، (وكذلك الكهرباء، ولكن ليس هذا هو المكان للتحدث عن الكهرباء)، لماذا التأخير في تنفيذ المصافي الحديثة الجديدة ونحن مستمرون في استيراد المنتجات النفطية والمشكلة ماثلة أمامنا يومياً ؟!. إن الوضع ألأمني ليس "شماعة" نعلق عليها أسباب تأخرنا، فمواقع المصافي في الشمال والجنوب آمنة نسبياً. هل كنا ننتظر قانون المصافي، وعلى أساس أن القطاع الخاص والأجنبي سيحل لنا المشكلة؟!. هذا حلم لن يتحقق، والبرهان لم يتقدم احد بعد صدوره القانون!!. إن توفير المنتجات النفطية من مسؤولية الدولة، وبالأساس من مسؤولية وزارة النفط، ولن يأتي القطاع الخاص أو الأجنبي لحل هذه المشكلة إلاّ بعد فترة استقرار سياسي طويل، فالمسألة ليست مسألة أمنية فحسب، وهي أمر يجابه القطاع الأجنبي والخاص والقطاع العام، ولكن الخوف من عدم الاستقرار السياسي، وهذا الأمر يهم المستثمر الأجنبي، والقطاع الخاص العراقي الذي يريد الربح السريع و نقل أرباحه الى خارج العراق حال تحققها  و لايعمل على اعادة استثمارها داخل العراق، والاثنين يتخوفان لما قد يحدث للرأسمال الذي استثمراه في العراق. ولكن هذا الأمر لا يهم القطاع العام كثيراً، إذ العمل سيكون في العراق، وبأموال عامة عراقية ولأغراض عراقية لا تتأثر كثيراً بالظرف السياسي، وأن التبدلات السياسية قد تؤخر العمل ولكن لن تنهيه. لقد كنت قد تحدثت، وفي داخل وزارة النفط، وقبل أكثر من ثلاث سنوات مع أحد الأصدقاء وهو بنفس الوقت من ألمع المهندسين العراقيين وأكثرهم تواضعاً وخلقاً واعتزازاً بالعمل لخدمة العراق وفي داخله، وكان سابقاً المسؤول الفني الاعلى عن مشروع البتروكيمياويات الثاني، المشروع العملاق، الذي أكملت تصاميمه داخل العراق شركة بكتل، وبعد الاحتلال أصبح مسؤولا عن تنفيذ المصافي. لقد كانت هناك عروض للمصافي الجديدة وعالية التكنولوجيا بمعيته، ويتوقع أن يتم التوقيع على تنفيذها في ذلك الحين، مع احتمال عدم توقيعها !. وفعلاً لم توقع لحد الآن اذ لم أسمع عن تفاصيل مصفى حديث متطور تم توقيع عقده فعلا، وترك هذا الصديق العراق ، و باعتقادي تركه " يائسا " من عدم جدية اتخاذ القرارات !!. ليعلمني أحد لماذا عدم " الجديّة " – كما تظهر للعيان -  من اناس معروفون بالجدية في العمل ؟؟ ، بعدم المضي بالسير بهذه المشاريع المطلوبة جداً ونحن في أواخر السنة السادسة من الاحتلال ، و هذه المشاريع لا تحتاج الى قانون ؟!، ومن الذي يمنعنا من تنفيذها ؟؟، ومن الذي يجعل أحد أكثر المهندسين كفاءة ونزاهة واندفاعاً في العمل،  يترك العراق ، " يائساً " كما اتصور ! ؟. أنا شخصياً لدي بعض الإجابات، ولكن أريد أن أسمع إجابات الذين تحملوا مسؤولية العمل وبدون أية نتيجة  تذكر موجودة على الارض بصورة بينة، وإن أرادوا القيام بعمل، يكون دائماً بمعية الأجنبي، ويثير الكثير من التساؤلات !! ، و ان مشروع غاز الجنوب هو العمل الاخير المقترح بمشاركة الاجنبي و يثير تساؤلي لانني لا اعرف لماذا ؟! .

 

                                                                                        فؤاد قاسم الأمير

                                                              16/ 12 /  2008

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ملحق (1)

أرباح كل من الحكومة العراقية وشركة شيل

 

إن الأرقام أدناه، هي أرقام مفترضة على ضوء المعلومات المتوفرة، وفي كل الأحوال، حتى عند تبديل هذه الأرقام المفترضة فإن النتائج سوف لا تختلف كثيراً. إن الأرقام أدناه متعلقة بالغاز الجاف المنتج، ويمكن أن تطبق نفس الطريقة على المنتجات الأخرى مثل الغاز السائل، أو المنتجات السائلة. الحسابات كما يلاحظ أولية، ولكن النتائج لن تتغير كثيراً عند إجراء دراسة جدوى اقتصادية.

 

الافتراضات

جميع الحسابات أدناه هي للمليون وحدة حرارية بريطانية.

 

* 8,00 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية. سعر التصدير والاستهلاك المحلي للغاز الجاف المباع إلى وزارة النفط.

 

* 15% الضريبة على الأرباح المتحققة للشركة المشتركة، واعتبر في هذا الاحتساب أن سعر الغاز الخام المصاحب المحتسب من ضمن الكلف الكلية للإنتاج.

 

* 1,00 دولار الكلفة التشغيلية (بضمنها الاندثارات)، عدا كلفة الغاز الخام.

 

* 49 – 51% حصة كل من شركة شيل والحكومة (اعتبرنا حصة شركة غاز الجنوب هي حصة الحكومة). ولتسهيل الاحتساب افترضنا الحصص 50 – 50%.

 

* 1,15 دولار الأسعار الحالية للغاز للمستهلكين العراقيين في وزارتي الكهرباء والصناعة، وبهذا لكي تبيع الحكومة إلى المستهلكين بنفس السعر الحالي عليها الدعم بما يعادل 8,00 – 1,15 = 6,85 دولار للمليون وحدة حرارية.

 

* 30% و40%  و50% و60% و70% و80%

افترضنا ستة حالات للسعر الخام المجهز للشركة المشتركة، وكنسبة من عائدات الشركة. وهنا تم الاحتساب لمليون وحدة حرارية بريطانية، أي (8) دولارات.

 

الحالة الأولى: افتراض سعر الغاز الخام 30% من العائدات.

8.00 x 30%  = 2,4 دولار/للمليون وحدة سعر الغاز الخام.

1,00 + 2,4 = 3,4 دولار الكلفة لمليون وحدة.

8,00 – 3,4 = 4,6 دولار الأرباح مثل الضريبة.

4,6 x 15% = 0,70 دولار الضريبة

4,6 – 0,7 = 3,90 دولار الربح الصافي ويقسم على اثنين ليكون ربح كل من شيل والحكومة 1,95 لمليون وحدة

2,40 + 0,70 + 1,95 = 5,05 دولار حصة الحكومة، بينما عليها دفع "الدعم" بمبلغ 6,85 دولار. وبهذا هناك خسارة تعادل 6,85 – 5,05 = 1,80 دولار تدفع من ميزانية الدولة.

 

الحالة الثانية: افتراض سعر الغاز الخام 50% من العائدات.

8.00 x 40%  = 3,20 دولار سعر الغاز الخام.

1,00 + 3,200 = 4,20 دولار الكلفة الكلية للإنتاج.

8,00 – 4,20 = 3,80 دولار الأرباح قبل الضريبة.

3,80 x 15% = 0,57 دولار الضريبة

3,80 – 0,57 = 3,23 دولار الأرباح بعد الضريبة، ويقسم على اثنين ليكون ربح كل من شيل والحكومة 1,62 دولار

3,20 + 0,57 + 1,62 = 5,39 دولار حصة الحكومة، مقارنة بالدعم المطلوب 6,85 دولار. وبهذا تكون هناك خسارة تعادل 6,85 – 5,39 = 1,46 دولار تدفع من ميزانية الدولة.

 

الحالة الثالثة: افتراض سعر الغاز الخام 50% من العائدات.

8.00 x 50%  = 4,00 دولار سعر الغاز الخام.

1,00 + 4,00 = 5,00 دولار الكلفة الكلية للإنتاج.

8,00 – 5,00 = 3,00 دولار الربح قبل الضريبة.

3,00 x 15% = 0,45 دولار الضريبة

3,00 – 0,45 = 2,55 دولار الربح النهائي، ويقسم على اثنين ليكون ربح كل من شيل والحكومة 1,28 دولار

4,00 + 0,45 + 1,28 = 5,73 دولار حصة الحكومة، مقارنة بالدعم المطلوب 6,85 دولار. وبهذا تكون هناك خسارة تعادل 6,85 – 5,73 = 1,12 دولار تدفع من ميزانية الدولة.

 

الحالة الرابعة: افتراض سعر الغاز الخام 60% من العائدات.

8.00 x 60%  = 4,80 دولار سعر الغاز الخام.

1,00 + 4,80 = 5,80 دولار الكلفة الكلية للإنتاج.

8,00 – 5,80 = 2,20 دولار الأرباح قبل الضريبة.

2,20 x 15% = 0,33 دولار الضريبة

2,20 – 0,33 = 1,87 دولار الربح النهائي، ويقسم على اثنين ليكون ربح كل من شيل والحكومة 0,94 دولار

4,80 + 0,33 + 0,94 = 6,07 دولار حصة الحكومة، مقارنة بالدعم المطلوب 6,85 دولار. وبهذا هناك خسارة تعادل 6,85 – 6,07 = 0,78 دولار تدفع من ميزانية الدولة.

 

الحالة الخامسة: افتراض سعر الغاز الخام 70% من العائدات.

8.00 x 60%  = 4,80 دولار سعر الغاز الخام.

1,00 + 5,60 = 6,60 دولار الكلفة الكلية للإنتاج.

8,00 – 6,60 = 1,40 دولار الأرباح قبل الضريبة.

1,40 x 15% = 0,21 دولار الضريبة

1,40 – 0,21 = 1,19 دولار الربح النهائي، ويقسم على اثنين ليكون ربح كل من شيل والحكومة 0,60 دولار

5,60 + 0,21 + 0,60 = 6,41 دولار حصة الحكومة، مقارنة بالدعم المطلوب 6,85 دولار. (أي خسارة) والخسارة 6,85 – 6,41 = 0,44 دولار.

*أنظر ص4.

 

الحالة السادسة: افتراض سعر الغاز الخام 80% من العائدات.

8.00 x 80%  = 6,40 دولار سعر الغاز الخام.

1,00 + 6,40 = 7,40 دولار الكلفة الكلية للإنتاج.

8,00 – 7,40 = 0,6 دولار الأرباح قبل الضريبة.

0,6 x 15% = 0,09 دولار الضريبة

0,60 – 0,09 = 0,51 دولار الأرباح بعد الضريبة، ليكون ربح كل من شيل والحكومة 0,26 دولار

6,40 + 0,09 + 0,26 = 6,75 دولار حصة الحكومة، مقارنة بالدعم المطلوب 6,85 دولار. أي الخسارة 6,85 – 6,75 = 0,10 دولار.

  


 
 

 Translation program

عند عدم ظهور برنامج الترجمة يرجى تحديث الصفحة بالضغط على الأيقونة  "Refresh" أو بالضغط  F5

 الترجمة الفورية للموضوع
 

غلق النافذة