|
بين مباهج الانتخابات ومخاوف مشروعة
عزيز العراقي
تمحورت آراء ممثلي الكتل الكبيرة خلال اليومين الأخيرين بالمبالغات
والتباهي , والجميع يستعرض بضاعته ( المتينة والغالية ) . في سوق
الشورجة تجد الكثير من التجار القدماء , الذين لا يزالون يمتلكون
الأمانة والأخلاق الرصينة عند بيع بضاعتهم , بحيث تشتريها وأنت مطمئن ,
وتستطيع أن تعيدها إن لم تكن بذات المواصفات التي ذكرها التاجر , بعكس
التجار ألحديثي النعمة الذين لا يمتلكون من أخلاق المهنة شئ , المهم ان
يبيعها بأي شكل , وعند كشف الغش ولو بعد ساعة فسوف لن يعيد ثمنها أليك
, واغلب السياسيين اليوم هم من الفئة الثانية . الصراع الانتخابي الذي
سبق الانتخابات احتوى على الكثير من المتناقضات بين الكتل والأحزاب
السياسية , وفي كثير من الأحيان وصلت إلى حد التشهير والاتهامات , وكل
هذا سوف لايعني شيئا أمام الضرورات التي ستفرزها نتائج الانتخابات ,
وحاجة كل طرف للآخر
.
لقد كان الصراع الأبرز بين القائمتين " دولة القانون " برئاسة المالكي
, والقائمة " العراقية " برئاسة علاوي , حول مسألة " اجتثاث البعثيين "
, وكانت الطريق الامثل لإشباع حاجة الطرفين في خلق ( معضلة ) يتمحور
حولها التأجيج العاطفي لأتباعهم ومؤيديهم . فدولة القانون اتخذت من
الموضوع وكأن البعثيين بهيكلهم الصدامي يجلسون خلف أبواب الانتخابات ,
والويل للعراقيين من التهجير والأنفال وكل جرائم النظام المقبور اذا تم
انتخابهم . والقائمة العراقية مارست من جهتها تخويف كل من يحتسب على
البعث , بمن فيهم آلاف البعثيين الذين ليس لديهم ناقة أو جمل مع النظام
الصدامي , وأطراف قومية وسنية أخرى . مستفيدة من الأخطاء الطائفية التي
ارتكبت من قبل بعض الأحزاب الشيعية , والتي اعتبرت اغلب أهالي المنطقة
الغربية يحسبون على النظام السابق . في نفس الوقت ان القائمتين تقران
: ان القتلة والمجرمين من البعثيين هم وحدهم سيساقون الى القضاء , حسب
ما جاء في اللوائح المتفق عليها , والمقرة من الجميع , ولا عودة للبعث
حسب ما جاء في الدستور
.
الابتعاد عن الطائفية – حسب ماهو معلن - وتبني المشروع الوطني , وضع
دولة القانون في منطقة الوسط . ويرى الكثيرون وحسب ماهو معلن ايضا ,
ان القائمة العراقية هي الأقرب لهذا الوسط الذي تتمثله دولة القانون ,
ويتبعهم كذلك مثلما هو معلن قائمة وحدة العراق برئاسة جواد البولاني .
فأن صدق ( ماهو معلن ) , وتمكنت قيادات هذه القوائم من تغليب موقف (
الوسط ) على طموحاتهم الشخصية , فهناك الكثير من الذي يجمعهم , واهمها
اعادة النظر ببعض مواد الدستور , وبالذات تحريك الوضع القلق لقانون
الفيدرالية , والغاء المادة 140 من الدستور والتي تنظم وضع المناطق
المتنازع عليها . ويأتي التوافق في تحريك هذا الملف , للرغبة الجامحة
لتوجهات زعامات هذه الكتل في الحد من تطلعات الزعامة القومية الكردية ,
وتحديد متطلباتها التي يعتبرونها زادت عن حاجة حدود الاقليم . ويدعمهم
في هذا التوجه زيادة نسبة النواب العرب في البرلمان , وهي زيادة لنسبة
المناوئين للفيدرالية من البعثيين والقوميين العرب الذين قاطعوا
الانتخابات السابقة , وشاركوا في هذه الانتخابات . إضافة لفقدان
القائمة الكردستانية إمكانية المحافظة على وحدة تماسك الموقف الكردي ,
بعد ان انشقت عنهم كتلة التغيير , وتطلع الإسلاميين الأكراد لاستقلالية
اكبر .
لو حدث هذا التوقع , وحدثت تقاطعات حقيقية في المرحلة القادمة ,
فستتحمل القائمة الكردستانية الجزء الأكبر من هذه المسئولية , لعدم
تمكنها من استنهاض القوى الحقيقية للمشروع الوطني , والتي لايقل حرصها
في الحفاظ على المنجز الكردي وتجربته الفيدرالية عن حرص القائمة
الكردستانية , واكتفت بالاتفاقات الفوقية مع قيادات الأحزاب الطائفية
التي يمكن ان تتراجع اذا اقتضت الضرورة ذلك , ووجدت ميزان قوى جديد
يخدمها داخل البرلمان
.
من السهولة ان تجري كل المساومات بين هذه الأطراف فيما إذا اتفقت على
مرشح لرئاسة الوزراء , ودوافع الاستحواذ على هذا المنصب لدى الثلاث ,
اكبر من ( المزايدة ) الوطنية التي يدعونها في دعاياتهم الانتخابية .
والرغبة الجامحة للمالكي للاحتفاظ بالمنصب قد تدفعه بالعودة الى عرينه
الطائفي , والاتفاق مع الائتلاف الوطني وهو ما يلوح به للآخرين, وسيكون
تراجعا أكثر سلبية من التوقع الأول , وستبقى الساحة عرضة لكل التوقعات
والمخاوف ما دامت الرغبات الشخصية هي الأساس في تحديد اولويات الوطن
.
|