|
الحاج
بابنَّكَ ونقاء الضمير المهني
تقي الوزان
في حياة الأنصار الشيوعيين الكثير من المفارقات , ونتيجة الصعوبات
اليومية الكثيرة التي كانت تواجههم , وجدوا في النكتة وخلق المواقف
الهزلية – حتى في أدق الظروف خطورة - , مسارا يسربون به هذه الصعوبات
ويقللون من ثقلها .
وكان من بين هذه المجالات اختلاق الألقاب , أو منحها نتيجة صفات أو
مواقف معينة . بعضها ظل ثابتا , وآخر وقتي ينتهي بزوال ظروف نشوئه .
مثل كريم دويا , وكريم شاب في الخامسة والعشرين من العمر , خريج جامعة
وقدم من موسكو , يمتلك من الوداعة , والنظرة الحانية , ما جعله محبوبا
عند الجميع . وعند قدومه كان مندهشا بحياة الأنصار, ويحاول استيعاب
مفرداتها بشكل دقيق وتدريجي , أي ببطء, ونتيجة هذا البطء سمي دويا ,
ودويا اسم ماركة دهن تركية يستعمل في الطبخ . أو أبو علي صينية , وأبو
علي لديه شهادتي دكتوراه في الفيزياء والرياضيات , الأولى من لندن ,
والثانية من موسكو . وسمي بالصينية لكون لديه ضمور في اللثة , وأخذت
أسنانه تنفرج عند نهاياتها , وأصبحت أشبه بصينية ( زنجيل البايسكل ) ,
واخذ يثور حتى عندما يسمع حذاء صناعة صينية , فما بالك عندما يأتي رفيق
ويظهر تعجبه من انه وجد ( سرج بايسكل ) في هذه الجبال , وآخر باندهاش
وجد السكان , وقبل ان يجد الثالث الويل يكون أبو علي قد اسكت الجميع ,
إلى أن قلع أسنانه الأمامية واختفى اللقب .
الدكتورة إيمان ابنة الشهيد سلام عادل , قدمت إلى كردستان من موسكو
التي نشأة فيها , ومعرفتها بالعربية ضعيفة , وكانت لاتكل من الخروج في
مفارز الأنصار , مع حقيبتها التي تحملها على ظهرها وفيها أنواع الأدوية
, تطبب الرفاق الأنصار , والفلاحين في القرى التي يباتون أو يستراحون
فيها , . كانت مفرزتها قد التقت مع مفرزة أخرى على كتف احد سواقي
العيون في سهل شهرزور , والرفيقة ايمان تورم وجهها وظهرت عليه الحبات
الحمر نتيجة قرص البق , وتهرش بجلدها من سلاسل سريان القمل . كانت عطشى
, وأضاعت قدحها الذي كانت تحتفظ به , ولا تعرف كيف تغرف الماء بيديها
من الساقية . احد رفاق المفرزة الأخرى يخطو أمامها , وكان في حمالته
المشدودة إلى وسطه , بالإضافة إلى مخازن العتاد الثلاث والقنبلة
اليدوية , قدح , سكين , سلسلة , علبتان لا يعرف ما فيهما , وعندما يسير
يسمع صوت ارتطامها ببعضها . إيمان سألت البيشمركَة الذي يجلس بجانبها
عن اسم الرفيق واسم القدح , فأجابها : جاسم أبو الخراخيش , والقدح
خرخوشة , ونادته : عيني جاسم أبو الخراخيش , انطيني هاي الخرخوشه حتى
اشرب ماي . جاسم لا يجيبها لأن اسمه ليس جاسم , والاهم انه خاف من لقب
أبو الخراخيش , ووسط الضحك , نبهه احد الرفاق , فأراد تدارك الموقف ,
فضحك بارتباك وقال : والله حسبا لي تحجي هندي . والى أن خرجت إيمان من
كردستان , ظل جاسم, ابو الخراخيش .
وهناك أسماء أخرى لا يزال أصحابها يحملونها رغم مرور أكثر من ربع قرن
عليها , فعباس رش مصور من أهالي البصرة , وعباس اسمر , ورش بالكردية
تعني اسود , و أبو عجو , وعجو كلمة لا احد يعرف معناها , ولكن كان
لإيقاعها الساخر وسط أسماء ثورية ( ثقيلة ) , مثل أبو الثوار , وأبو
التضامن , ما جعلها تنتشر بسرعة . والرفيق آسو عازف كَيتار , ترك
دراسته الجامعية في بلغراد والتحق بقوات الأنصار , وكان شعر رأسه عكشا
, ويتركه يطول , ويشد فوقه الجمداني , وهو غطاء الرأس الكردي , فيبدو
رأسه كبيرا , فاستبدل آسو ب ( راسو) . ولكن الاسم الأكثر ثقلا هو عكس
بلوعة , وعكس بلوعة من الرفاق النشطين في الفوج السابع في السليمانية ,
وكان يعمل في المشتريات , ويقود مجموعة بغال الفوج , وله علاقات واسعة
مع أصحاب المتاجر والقجغجية في سهل شهرزور , خدوم , مطاوع , ومن النادر
ان توصيه على شئ ولا يأتي به , كان موضع اعتزاز جميع الرفاق , ولا اعرف
لماذا سمي بعكس بلوعة , وتعود عليه حتى إذا نودي باسمه الصحيح أو
الحركي لا يجيبك , واجبرنا على نسيان باقي اسميه .
وتطول قائمة الألقاب التي ارتبطت بمواقف وأحداث , وبعضها بقيادات
عسكرية وحزبية , مثل الشهيد علي كلاشنكوف وهو من ابرز القيادات
العسكرية الكردستانية , وكان قائدا لفوج هورمان ( السابع ) في
السليمانية , وهو عسكري التحق بقوات الأنصار عام 1963 ومعه أول بندقية
كلاشنكوف دخلت إلى سلاح البيشمركَة , واستشهد مع اثنين من رفاقه أثناء
اجتماعهم في احد شكوتات (مغارة كبيرة ) في مقر قاطع السليمانية في
كرجال , بعد ان سقطت عليهم حجرة كبيرة من السقف تزن عدة أطنان ,
ودفنتهم تحتها . وحيدر حنفي , من أوائل الشباب البواسل الذين أصبحوا
أعضاء لجنة مركزية , حيث استطاع الخروج من العراق أثناء الهجمة على
الشيوعيين عام 1979 , بكَلابيّة وجواز سفر مصري باسم حنفي , بعد ان
اشتراه من مالكه الأصلي في بغداد , وظل يتحدث في بعض الأحيان باللهجة
المصرية حتى في كردستان , ونتيجة الصعوبات الجمة , وشعوره العالي
بالمسئولية , شاخ قبل عمره بثلاثين عاما . ويبقى حجي بابنَّكَ من
الأسماء اللامعة التي جالت في فلك الألقاب الأنصارية .
بابنَّكَ احد النباتات العشبية التي تستخدم لأغراض طبية , وكثير
الانتشار في كردستان. والحجى شاب نجفي قصير , نحيل , وشعر اقرب للصفار
وعيون صغيرة زرقاء , رقيق في حركاته وسيره , وجدي دائما في تعامله
اليومي رغم نبرته الناعمة التي يتحدث بها , وأكثر ما يضايقه الفراغ ,
ويحاول ان يشغل نفسه بأي شئ . كان يدرس في إحدى جامعات برلين الغربية ,
يوم كانت مقسمة الى غربية وشرقية , ومثلما هو معروف فان الدراسة في
الغرب تجري على حساب الطالب , فكان يعمل بعد الانتهاء من الدوام في
الجامعة في احد المطاعم التركية , حيث اغلب المطاعم الشعبية في ألمانية
يديرها الأتراك . الحجي كان يعشق اختصاصه في الدراسة , وهو طب الأعشاب
, وقد أكمل المعهد , ويدرس للحصول على الشهادة العليا .
الحاج بابنَّكَ كان يسكن عند عجوز ألمانية , استأجر منها أحدى غرفتيها
التي تتكون منها شقتها , ويشترك معها في المطبخ وباقي المنافع الأخرى .
كانت شديدة التعاطف معه , لكونه غريب وشخص جدي , والألمان من الشعوب
التي تقدس الجدية في العمل . العجوز كانت تتشكى من صبغة الشعر التي
تستخدمها , وكيف جففت شعرها الخفيف الذي تظهر من بين فجواته فروة الرأس
. حدثها الحجي عن مواصفات صبغة نباتية طبيعية تستخدم في مناطقنا تسمى "
الحناء " وتقوي أيضا بصيلات الشعر وفروة الرأس , ونتيجة ثقتها
بإمكانياته الطبية ومعرفته العميقة بالأعشاب وطرق علاجها , طلبت منه ان
يساعدها بالحصول على " الحنة " . وفعلا اتصل بأهله في النجف , وطلب
منهم ان يرسلوا له كيس " حنة " في البريد . وبعد أكثر من شهرين وصل كيس
الحنة , ونتيجة اعتزازه بها أبقاه في لفته المرسلة في البريد وسلمها
لها دون أن يفتحها , واخذ يشرح لها كيف تستعملها , والمهم أن تجعلها
عجينة سائلة , وتدلك رأسها جيدا , ثم تشد رأسها لبعض الوقت , وبعدها
تغسل شعرها . شكرته كثيرا , وحاولت أن تعطيه ثمنها , إلا انه رفض ,
وتمنت له بالموفقية .
في اليوم الثاني , بعد عودته من الجامعة ليرتاح , ويأكل وجبة غذائه ,
ويبدل ملابسه ليذهب إلى المطعم . وجد الشرطة بانتظاره , والعجوز لم
تترك كلمة قذرة في الألماني والتركي وما تعرفه من باقي اللغات لم تصبها
فوق رأسه , وهجمت عليه بمقلات خطفتها من المطبخ , وأوقفتها الشرطة ,
وهو مذهول , وكشفت عن رأسها الذي لم يبقى به شعرة واحدة , وفيه بقع
حمراء تقارب الحروق , ولم يدرك ما حدث , وبعد اخذ ورد مع الشرطة , أتوا
ب(المعجانة ) التي فيها الحنة , والعجوز تخاف ان تقترب منها , وكان لون
الحنة ابيض مغبر , وعندما شم عفونتها , ضرب جبهته بباطن كفه , وأدرك ,
إن أهله أرسلوا بدل الحنة دوّة حمام , وقد ظنوا انه يخجل من أن يقول
دوّة حمام , وهو أملاح النورة التي تستخدم لإزالة الشعر .
الربيع في كردستان من أجمل ما تقع عليه العين في مهرجان ألوان الزهور
والنباتات والأعشاب , وهذا التنوع الكبير وجد فيه حجي بابنَّكَ المختبر
الذي سيعوضه عن الاستمرار في دراسته العليا لطب الأعشاب , بعد ان ترك
الجامعة ولبى نداء حزبه الشيوعي في الالتحاق بقوات الأنصار . لقد جلب
الحجي في حقيبته مجلدين ضخمين في طب الأعشاب , كانا المصدر في استعادة
معلوماته , ومساعدته في اكتشاف مواصفات النباتات الجديدة عليه . نسب
للعمل في مقر الفوج الثالث في بهدنان , كان صبورا , ودقيقا في ملاحظاته
, وصرف معظم وقت فراغه في مراقبة الحشائش والنباتات , ويقارن ملاحظات
السنة الماضية بالسنة الحالية , ويستكمل تدوين البحث في مراقبتها .
ورغم المداعبات, والتعليقات الساخرة من بعض الرفاق , إلا انه واصل
البحث , واستطاع أن يعالج حالات تسمم , وإنهاء حالات الصداع النصفي عند
بعض القرويين ببعض الأعشاب , وحذر الرفاق من الجلوس او الاستراحة
بالقرب من بعض الأعشاب السامة , واكتشف أخرى مخدرة . وصادقه بعض الرفاق
خصيصا لمعرفتها , ولكنه لم يخبرهم بها , واخذوا يستفزونه بالتعليقات
الساخرة , ويكذبونه , كي يخبرهم , ويثبت صحة معرفته , ولكنه لم يستجب
لأي استفزاز . كان هادئا , ولا يعلق إلا بابتسامة تملئ وجهه , وحركة من
يديه الطويلتين يوحي بأنه لن يفتحها, ويكشف هذه النباتات .
وبعد مجازر الأنفال , تنقل بين تركيا وسورية وروسيا وهنكاريا , واستقر
في ألمانية إلى أن وافاه الأجل , ورغم صداقتي معه , لم اعرف ان اسمه
رياض ومن عائلة الماشطة الكريمة , إلا بعد أن نعاه الحزب والأنصار .
|