|
كتاب مازن لطيف " مثقفون عراقيون "
بحث أصيل في واقع الثقافة العراقية المعاصرة
يوسف أبو الفوز
في بغداد ، صدر مؤخرا ، عن دار " ميزوبوتاميا " كتاب "مثقفون عراقيون"
، للكاتب والاعلامي مازن لطيف، بغلاف من تصميم الدكتور مصدق حبيب ،
وبثلاثمائة صفحة من القطع المتوسط . للكتاب عنوان داخلي ثان هو "
حوارات نخبوية " ، يعبر عن مادة الكتاب التي كانت
عبارة عن حوارات صحفية أجراها ونشرها الكاتب في مختلف الصحف والمجلات
العراقية ، ولكنه قام بجمعها في كتاب واحد قام بتبويبه الى ستة فصول ،
حوى كل فصل من خمسة الى ستة اسماء من المثقفين العراقيين ، عدا الفصل
الاخير حوى اسمين فقط ، ومجموع الاسماء الواردة في الكتاب هي ثلاثون
اسما ، تغطي مختلف الاختصاصات في الساحة الثقافية، وتضم جمهرة من
الاسماء اللامعة التي سطع اسمها في سماء الثقافة العراقية ، وساهمت في
رسم افاق حية وعميقة للثقافة العراقية ، منهم سعدي يوسف، فائق بطي ،
رشيد الخيون ، ناهدة الرماح، محمود سعيد ، سلام عبود ، أمل بوتر ، عبد
الكريم هداد ، عقيل الناصري،عبد الخالق حسين،عزيز الحاج،كمال مظهر،وديع
شامخ، محيي الاشيقر، زهير الدجيلي، الشهيد كامل شياع واخرون . عناوين
الفصول الستة كانت : " باحثون " ـ خمسة اسماء ـ ، "قصاصون وروائيون "
ـ ستة اسماء ـ ، " شعراء " ـ ستة اسماء ـ ، "فنانون" ـ ستة أسماء ـ ، "
كتاب وسياسيون " ـ خمسة اسماء ـ والفصل الاخير " مؤرخون " ـ أسمان ـ .
من استعراض عناوين الفصول يمكن لنا ان نحدد اهمية المهمة التي اخذها
على عاتقه الكاتب مازن لطيف للتوثيق لاراء نخبة بارزة من مثقفي العراق
وتسجيل ارائهم ووجهات نظرهم ، ليس في الحياة الثقافية وعالم الأبداع
ومفاهيمه ونشاطهم ، بل وفي التطورات الجارية في حركة المجتمع العراقي،
خصوصا وان اللقاءات في مجملها اجريت من بعد سقوط النظام الصدامي
الديكتاتوري ، ويشير الكاتب في المقدمة المهمة ، التي
عكس فيها اراءه بوضوح بأهمية الحوار مع المثقفين ، الى ان
(الحوار جهد بشري ابداعي ، وبالتالي فهو حلقة من حلقات المعرفة
المتكاملة ، بمعنى انه "ينتظر الاكتمال " والكمال ، ومن ثم فهو جزء مما
يمكن دعوته بتأثيث المشهد الكلي للحياة بتناغم العقول عبر اثارة
الاختلاف والاتفاق ، والغاية واحدة الا وهي معرفة االحقيقية او الوصول
الى مظهر من مظاهرها ) ، وبهذا فأن الكتاب لا يدخل في اطار التوثيق فقط
لاراء وافكار المتحدثين ، بل في مجمله يأتي بحثا اصيلا ومهما في واقع
الثقافة العراقية المعاصرة ، ويعرف بمفاهيم ومعلومات ذات قيمة تأريخية
ومعرفية ، من خلال الاجوبة الدقيقة التي قدمها المثقفون العراقيون
الذين تلقوا الاسئلة ، واذا أسلمنا بالقاعدة التي تقول بأن السؤال
الضعيف يقود الى جواب اضعف ، فأن الاسئلة الذكية والحيوية والشاملة
واللماحة ،
التي عكست لنا شخصية الكاتب والإعلامي مازن لطيف محاورا بارعا ، ومثقفا
متمرسا في مهمته ومهنته ، وعارفا بتأريخ ونشاط محدثه ، استفزت
المتحدثين ، فقادتنا الى التعرف الى اجوبة عميقة في دلالاتها ساهمت في
تسليط الضوء على الحقائق سواء في عالم الثقافة وهمومها ، وفي مفاهيمها
وافاقها ، وتكشف لنا ما حدده الكاتب في مقدمة الكتاب عند حديثه من ان
قدرة المثقف في " تحمل مسؤولياته لا يحددها شئ غير قدرته على النفاذ في
الحياة العراقية والمساهمة الجادة في صنع الحياة الحرية "، فالمثقف
الحقيقي هنا ليس متفرجا فقط ، ولا مجرد منتج لقيمة جمالية ، بل هو عامل
مهم في خلق التغيير الانساني والديمقراطي ، وهذا ما يريد ان يقوله لنا
مازن لطيف من خلال مادة كتابه الدسمة . امامنا كتاب لا غنى للقاريء
المتابع عن اقتناءه وقراءته للتعرف من خلال صفحاته لا على ما يفكر به
مثقفينا العراقيين ، سواء كانوا داخل او خارج الوطن ، بل والاطلاع على
هموم الثقافة العراقية الحالية التي سعى الكاتب الى كشفها من خلال
اسئلته الذكية ، ومعرفة حجم الخراب الثقافي الذي تركته سياسات النظام
الديكتاتوري العفلقي المقبور ، وما اضافة له سياسات الاحتلال وحكومات
المحاصصة الطائفية في ظل العنف والاكراه الذي يتلبس لبوس الدين ، وتلمس
المهمات الجادة والكبيرة التي تتنظر المثقف العراقي للمساهمة في بناء
عراقي ديمقراطي . ومما تجدر الاشارة اليه ، ان الكاتب والاعلامي مازن
لطيف ، من المثقفين العراقيين المثابرين ، العاملين والجادين في الساحة
الثقافية والإعلامية العراقية ، ومن الذين عرفوا بنشاطهم الثقافي
المعارض في ايام النظام الديكاتوري المقبور ، ومن الفاعلين في نشاطات
ما عرف باسم " ثقافة الاستنساخ " ، حيث كان من المساهمين في استنساخ
وتوزيع الكتب الممنوعة من قبل اجهزة النظام المقبور الامنية ، وهو من
مواليد بغداد 1973 ، وناشط في العديد من المنظمات الثقافية وعضو تحرير
في مواقع الكترونية فاعلة ، ظهرت كتاباته الصحفية في اغلب الصحف
العراقية ، واعد لفترة برامج ثقافية تلفزيونية ، وصدر له "المثقف
التابع" 2009 ، "علي الوردي والمشروع العراقي " 2009 بالاشتراك مع
الدكتور علي ثويني ، "العراق وحوار البدائل" 2009 حوار فكري مع
الدكتور ميثم الجنابي ، وله كتب قيد الاعداد والانجاز .
* نشرت في جريدة الصباح البغدادية العدد 2143 الاحد 2/1/2011
|