|
البرلمان الثقافي العراقي في المهجر
:بيان
إدانة لجريمة الاعتداء الإرهابي على كنيسة القديسين بالإسكندرية
توالت في الآونة الأخيرة الاعتداءات الإرهابية على عدد من الكنائس ودور
العبادة في استهداف مباشر لأتباع الديانات من غير المسلمين. وجرى ويجري
تبني تلك العمليات من تنظيمات الإسلام السياسي المتشددة من القاعدة ومن
قوى التطرف التي تمثل الأعمدة الرئيسة المباشرة و حواضن جرائم الإرهاب
التصفوية الدموية البشعة في المنطقة والعالم.
ولقد تزامن توقيت هذه الجرائم سواء في استهداف كنيسة سيدة النجاة
ببغداد وكنيسة القديسين في الإسكندرية بمصر في سلسلة من الجرائم
والاعتداءات المتتالية، الأمر الذي يؤشر وشائج الصلات المباشرة وغير
المباشرة للجريمة. فمن جهة تتضح حقيقة الجريمة في خلفيتها الفكرية
وأهدافها السياسية وهي الخلفية التي نجمت عن عقود من تجذر الثقافة
الأحادية المنغلقة المتشددة.. تلك الثقافة التي لا تعتدّ بالآخر ولا
تحترم له وجودا؛ وتمنح لحامليها حقوق التسيد على الآخرين وإخضاعهم
بالقسر والإكراه وتبيح لنفسها استغلال كل الوسائل الإجرامية لتحقيق
مآربها..
ولعل من أخطر أدوات الجريمة الإرهابية الجارية اليوم تكمن في إشاعة
ثقافة التكفير وما جرّته وستجره على المجتمع من دفع عناصر التشدد
والتطرف من قوى الإسلام السياسي لتنفيذ مقاصد مطلقي فتاوى التكفير بحق
الآخر.. أي بالتحول إلى المنزلقات الميدانية الأخطر بتنفيذ جرائم
الإرهاب الدموية في أبشع أعمال القتل والتصفية الجسدية..
إنّ أسَّ فلسفة التكفير وجوهرها، يشمل كل المجتمع الإنساني بأطيافه
ومكوناته. وهي إذ تبدأ بالآخر من أتباع الديانات الأخرى من مسيحيين
ومندائيين وأيزيديين ويهود وغيرهم، فإنَّها لا تستثني أحدا من المسلمين
أنفسهم من مختلف مذاهبهم الدينية التي تؤمن بأنَّ الدين لله يعني العيش
المشترك بروح التسامح واحترام الإنسان المستخلف على الأرض ليعمرها لا
ليدمرها ويشيع الخراب والجريمة فيها..
وبناء على هذا فإنَّ هدف قوى التشدد والتطرف ينصب في شرذمة الأوضاع
والسعي لتشطير يصيب وحدة المجتمع ومن ثمَّ فإن الجريمة التي جرت ضد
كنيسة القديسين في مصر تفضح أهدافها في تعميق الشرخ بين المسلمين
والمسيحيين وإثارة النعرات بينهما بما يتبنى إلغاء الآخر وحقوقه في
المساواة والعدل والمواطنة؛ ونحن نثق بأن شعب مصر سيقف موحدا بكل فئاته
ومكوناته ضد هذه الجريمة وضد محاولات تقسيمه وهزّ أمنه وتعريضه لمخاطر
زلازل الإرهاب الديني المتطرف من جهة وضد أية أصابع من أية جهة أخرى
تحاول التدخل سلبا في البلاد...
وسيكون من بين عناصر الرد الموضوعي تعاطي مواقف قوى الثقافة الإنسانية
المتفتحة مع الأحداث بهدوء وسداد وحكمة.. بتجنب الردود الراديكالية
المتشنجة المنفعلة من جهة وتجنب إطلاق الاتهامات جزافا الأمر الذي يلبي
مطالب الجريمة وقواها في التشظي والانقسام؛ في وقت يبقى الحل الأمثل
كامنا في تشجيع عناصر الإيجاب والإصلاح في السياسات الوطنية لجميع
بلدان المنطقة وفي التفاعل، ترحيبا ودعما، مع تلك المؤشرات التي صدرت
عن قوى الاعتدال والحكمة لدى المرجعيات والمؤسسات المعنية بالشؤون
الدينية بإدانتها تلك الجريمة النكراء...
وستبقى [في عموم دول المنطقة] أرضية ولادة التشدد تتطلب استراتيجيا
مهمات مراجعة المناهج في المدارس والمعاهد والجامعات وتعزيز مسيرة
الثقافة التنويرية وجهودها، بوصفها إشكالية مهمة وخطيرة بسبب من الأثر
السلبي الرئيس الذي يتأسس عليه ولادة التطرف في المنطقة واستغلال مدخله
من قوى معادية تتربص للنفوذ بشرورها ومآربها إلى شعوب المنطقة محاولة
تمزيقها.. إنَّ وجود مؤسسات ومدارس دينية منغلقة بآليات اشتغالها وما
تمارسه من عمليات غسيل الأدمغة وتكوينها في ضوء فلسفتها الأحادية التي
تصادر حريات الاعتقاد والتعددية والتنوع الإنساني يتطلب بالمقابل،
تفعيل دور الدولة المدنية ومؤسساتها في مهمتي مراجعة المناهج وتقويمها
وتصحيحها وفي فرض القوانين المنتظرة بشأن المؤسسات و المدارس الدينية
الخارجة عن إرادة المجتمع وجوهر الدين الصحيح وفي إعلاء كلمة دولة
القانون المدني وطنيا بما لا يسمح بتعالي أصوات التمزيق والتشظي
المضللة. وبما يحصن الوطن من أية تدخلات خارجية محتملة...
ومن جهة ثانية سيكون لزاما علينا جميعا أن نضع جهودنا متعاضدة متحدة في
تعزيز ثقافة التسامح والتعايش السلمي وفي تمكين ثقافة التنوع وقبول
الآخر في بلدان تتجه إلى تعزيز مسار البناء الديموقراطي وتحقيق الإخاء
والمساواة والعدل في الحياة العامة وهنا تمثل مصر دولة عريقة المدنية
عريقة العمل المؤسساتي السليم.. داعين هنا لمزيد من التقدم والتطوير
ولمزيد من الانتباه إلى أهمية توسيع الجهود وتوحيدها على المستويين
الوطني والإقليمي، الرسمي والشعبي بما يستثمر كل الطاقات التنويرية
بنائيا..
ونحن هنا بشأن الجريمة المرتكبة بحق أبناء مصر وبناتها في كنيسة
القديسين، نضع ثقتنا في واجب إقامة العدل وإنصاف الضحايا على مؤسسات
الدولة المعنية كيما تكشف المجرمين ومن وقف وراءهم ومعهم، في هذه
الجريمة الشنيعة النكراء.. منعا لتكررها وتجنبا لتأزيم المسيرة
الوطنية الراسخة في وحدة مكوناتها.. وينبغي هنا أن توضع الثقة تامة
بالوجود الوطني الموحد وبالمهمة المشتركة بين الجميع ومنها المرجعيات
والمؤسسات الدينية المعتدلة في حدود ما يكفله العقد الاجتماعي ودستور
البلاد من أدوار تصب في تغيير إيجابي وإصلاح في بنية تلك المؤسسة
وطبيعة دورها في الحياة العامة...
نشاطر عوائل الضحايا وشعب مصر، بمسيحييه ومسلميه، الألم والحزن؛
ونواسيهم في فقد أحبة غالين وإصابة آخرين، ونطالب بإنصافهم والعمل
الجدي الملموس والفوري من أجل تعويضهم والعمل على تلبية الحماية
المؤملة للجميع ضد مثل هذه الجرائم الوحشية ومحاسبة المجرمين القتلة
وإيقاع الجزاء الأشد بهم.
أ.د.تيسير عبدالجبار الآلوسي
رئيس البرلمان الثقافي العراقي في المهجر
الأول من يناير كانون الثاني 2011 لاهاي هولندا
|