|
قراءة في وجه حذيفة البطاوي
عبدالمنعم الاعسم
ان يكون السفاح بين يدي الشرطة، روحُه بين ايديهم، غير ما يكون طليقا
ارواحنا جميعا بين يديه.
وقبل ان تسترشد له العدالة، كان طالما يقف أمام المرآة ليتفقد نبت
لحيته، وثبات طية اليشماغ على رأسه، ويتفقد ربـّه بين أدوات التفجير
واللدغ، ويؤدي بضع ركعات من الصلاة التي لم يفته وقتها، ثم يفتح نفسه
على سؤال ظل يتكرر دائما: من اين اغير عليكم.. علينا.
هذه هي قصة حذيفة البطاوي، المولود قبل ثماني وعشرين سنة، إذ هجر
دراسته في طب الاسنان بالرمادي، ودخل سجن بوكا، وخرج منه توّا على
إعدادٍ جيّد الى “ولاية” بغداد لدولة العراق الاسلامية، ثم الى
احتفالات كان قد نفذها بقلب تسكنه افاعي الارض، انشمرت فيها الاجساد
وقطع اللحم والبنايات وسيول الدماء على بعضها.
السفاح في هذه المفارقة يظهر في وجهين.. وجه لنا، على عرض الشاشة
الملونة حين يكون في ساعة الحساب عما ارتكبه من مذابح، ووجه له حين
يكون في لحظة البحث عن ضحية يفترسها، ويتلذذ بنزيفها واحتظارها.
وحذيفة البطاوي، الذي ظهر على الشاشة منذ يومين، يعترف ويروي ويحاور
ويستذكر مسرح الجريمة في كنيسة سيدة النجاة، أعطانا فرصة مناسبة لنتهجأ
ملامح هذا الوجه الذي أمامنا: مساحة صغيرة من السبخ المشوي بالشمس.
جبهة موحلة بثقوب وفجوات محشوة بالطين العتيق وباسرار لم تنكشف بعد،
تضيق على عيني ذئب مكسور لاتزالان تلتمعان بنشوة المذبحة. سأله احد
القساوسة عما كان يفكر به حين صمم حفلة قتل خمسين من النساء والاطفال
والشيوغ والقسس المصلين، إنفرج ذلك الوجه المشوي عن استنكار للسؤال..
قال هكذا قرأنا في كتاب الله.
ربما لم نجد جدوى من ذلك الحوار في باحة سيدة النجاة بين القس
والسفاح، مع ان مثل هذا الحوار قد جرى مجرى التاريخ بين الثعابين
وسواحل الماء. بين يسوع والاسخريوطي. بين الحسين وفضلات ابن أبيه. بين
الحلاج وحثالات المقتدر بالله، لكن وجه البطاوي اطلق في ذلك الحوار
ملامح بنيـّة اللون من رصاص ومسامير ونشارة خشب، فانبسطت امامنا، على
حنك استدار على نفسه شكل حدوة حصان صدئة كأنها خوضت توا في لحم بشري او
في صدر طفلة استسلمت لموت رهيب وهي ترفس تحت قدميه.
ملامح حذيفة البطاوي، على الشاشة الملونة، اختزلت الضحك والبكاء
والعويل وشفاء الغليل والانكسار والهزيمة والنصر والصفاقة والاستهتار
والحقد والتشفي في مشهد قد نحتاج الى التملّي في قسماته دائما حين
يداهمنا السؤال: ماذا تخفي لنا احزاب الدين بعد ذلك من سفالات؟.
*
“لكم دينكم، ولي دين”.
قرآن كريم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة(الاتحاد) بغداد
|