|
كُـنت
عصيا على الرحيل
تحسين المنذري
إنها ليست المواجهة الاولى ... فقد تحديت الموت يوم وقفت
بغيرتك الشيوعية مدافعا عما آمنت به ، يوم وجدت الغربان تنقض
على الثورة ، يوم 8 شباط الاسود ، فكنت مع من كانوا الاوائل من
أبناء الكاظمية ، مدافعين عن المبادئ ، متحدين الموت ، قاومتم
الانقلاب وإنتصرتم على الموت ، ولم تتوقف المواجهة ، فكانت
أقبية التعذيب ساحة تحدٍ آخر لم يستطع الموت أن ينال منك ، بل
نلت منه فإنهزم لمواجهة أخرى ، فحكم عليك وعلى صحبك بالاعدام
شنقا ، فكنت طودا بوجه الموت مرة أخرى ولم تستلم ، فما كان من
الجلادين وسلاحهم الا الاستسلام في اللحظات الاخيرة ليس اما
صمودكم فحسب وإنما أمام إصرار الجموع التي هبت غاضبة في تلك
الليلة ، وعـُدت الى الحياة ، أكثر بئسا وأقوى مراسا ، وبقيت
تتحدى الموت الذي تمثل مرة أخرى في صور أشبه الرجال ، أزلام
الدكتاتورية ، جيش شعبي مرة ، وقطعان الامن في اخرى ، ومراكز
حزب السلطة في ثالثة ، فكان الاختفاء والتشرد لسنوات ، تحديا
آخر للموت الذي أرادوه ، لكنك عصيت ، عصيت عليهم وعلى الموت ،
وعـُدت مرة أخرى تقاوم وتناهض حتى حلت الشمس بدل الظلام ، وكنت
وأنت تحمل العقود العجاف على كتفيك وهذا المرض اللعين في
أحشائك ، تبني مع رفاقك جسور تواصل الحزب مع الناس مرة أخرى ،
وأستلهمت العمر مجددا ، فقد كان الحزب ورفاقه وناسك الذين
أحببت هم علاجك ودوائك ، تحديت ، خباثة المرض وغدره سنوات طوال
، وقاومت الموت من أجل الحياة ، حياتك أنت التي أختلفت عن
الاخرين ، حياة تحدٍ ، حياة مجدٍ أبدي . لكنه القدر الذي لامفر
منه ، آن أوان الترجل ، فقررت الرحيل ، لماذا ؟ فقد كنت عصيا
على الموت ، كنت ... وكنت ... لكن هذه هي الحياة ، سنتها
الفراق ، فنم قرير العين ، عهدتك التي حافظت عليها العمر كله ،
عهدتك الثمينة ، إطمئن إنها في أيدي أمينة
نم مطمئنا ، وداعا ، شقيقي ، رفيقي ، عبد الوهاب المنذري
|