|
قصائدي
باللغة العربية كعلاقة حب جديدة
مقال للكاتب الدنماركي نيلس هاو
ككاتب أوربي أجد نفسي مكبلا بسلاسل الأبجدية اللاتينية، ولذا
تغمرني الفرحة اليوم وقد صدر كتابي باللغة العربية. وشعوري
وانا أجد قصائدي مترجمة وتنشر بالعربية كشعور ذلك الذي يشرع
بعلاقة حب جديدة، علاقة تضمني لأسرة كبيرة بتقاليد وطقوس اخرى.
فاللغة العربية تتمتع بثراء غامر وجذور تتأصل في عصور الحضارات
الاولى، لغة يتحدث بها الناس في اكثر من عشرين بلدا، يتوزعون
في قارتين كبيرتين، واملي ان تجد قصائدي طريقها الى القراء
العرب بثوبها اللغوي الجديد. ومن ناحية اللغة، فاننا نحسد
الكتاب العرب اللذين يتفوقون علينا نحن الاوربيون باجادتهم
لابجديتين: العربية واللاتينية. هنا في اوربا نشعر بالاكتفاء
في تواصلنامع الآخرين بالانكليزية وبالالمانية ولحد ما
بالفرنسية او الاسبانية، ولكن ما العمل عندما تطل عليك رسالة
اليكترونية من القاهرة وباللغة العربية، أو تطل عليك تحية من
بكين مكتوبة بالصينية، وما كان حالنا ان لم يكن هناك الكوكل؟!
ما عدد الابجديات في العالم؟ سألت أمي ولكني لم أجد لديها
جوابا. سألت سائق سيارة الأجرة، وهو الآخر لم يملك جوابا، ولا
احد يعرف الجواب، ولكن من المؤكد أن هناك الكثير، ومن بينهم
لغات كبيرة، فوحدها اللغة الصينية والهندية ولغات شعوب الشرق
الأقصى تضم أكثر من ثلث سكان الأرض.
ومع ذلك أجرؤ القول أنه ينبغي للمرء أن يكون قادرا على فك لغز
اللغة العربية. فالأبجدية العربية تشترك في أصولها مع
اليونانية واللاتينية والعبرية، وفي نهاية الامر تنتمي كل
اللغات الى نص لفظي واحد، نشأ في مكان ما في سوريا أو في
العراق بضعة آلاف من السنين قبل ميلاد المسيح، ولذا نجد أن
للحروف نفس الاسماء في اللغة العربية والدنماركية والعبرية، آ،
با، تا، ثا، جي، وما إلى ذلك، وفي المدارس يتعلم أطفالنا غناء
الأبجدية، وفي بيروت، وريو وكوبنهاغن يغني اطفال المدارس
الابتدائية هذه الحروف بنفس اللحن. فهذه الاغنية ملكنا جميعا.
ورغم أن اللفظ والنطق تغير بمرور السنين، فلا يزال من السهل
التعرف بالرؤية والسمع اننا جميعا ننتمي لنفس العائلة.
أما بصدد قصائدي العربية، فهل سيتقبلها القارئ العربي؟ هل
سيفهمها؟ آمل ذلك.
الناس لا يختلفون في اعماقهم، وما يتجذر فيّ لا يختلف عمّا
يتجذر في الآخر، ونحن الاثنان نمشي على نفس الارض ونشترك
بهمومنا الوجودية، كالحب والشوق. فعندما نصب باراك أوباما
رئيسا لاميركا قرأت الشاعرة إليزابيث أليكسندر قصائدها في حفل
التنصيب، ودور مشابه لها يمكن لشاعر عربي ان يقوم به في
الثقافة العربية، ولكن الامر مختلفا في عادي الايام، فالشاعر
يبقى غريبا، كلص الصحراء، او على الاقل هذا هو الحال في اوربا،
وبالتأكيد الامر لا يختلف كثيرا في الوطن العربي.
نحن الشعراء اناس مصابين بالتفرد ولكن نتمتع بصفات البداوة
كالصبر والكرم، والعديد منّا قد جرب الجوع والعطش وتغلغل في
بطولات الفقر والحلم والآمال، وثبت معرفته بوجود قيم أخرى غير
القيم المادية. وهناك اليوم اعدادا هائلة من الناس لم يسبق لها
من مثيل من اللذين يعيشون في المنافي - ورغم أننا جميعا نعيش
عيشة ذلك البدوي المترحل نجد النقيض امامنا، حيث تزدهر القومية
والشوفينية في ارجاء هذا العالم! فنحن الشعراء نعيش في
جمهورية الشعر، ويبقى الشعر وطننا رغم ان اجسادنا تتواجد في
كوبنهاكن أو شانغهاي أو القاهرة.
الشعر ليس لمن لا يجرؤ، ومهمة الشاعر ان يراقب اصحاب السلطة
وان يسمي الاشياء باسمائها، وعندما تصرخ الحقيقة يكون الشعراء
أول من يرمى في السجون، فهكذا هو المنطق. الشعر الجميل سحر
والشعر السطحي عديم الفائدة.
ان شعوري اليوم هو اننا، هذه الحشرات العملاقة، وحيدون على
هذا الكوكب الغامض، والبحث عن الحقيقة في ذاته ليس الا محاولة
لصيد السحالي في الظلام، وعبثا المحاولة ففي النهاية نجد
انفسنا جاثيين على الارض وخلفيتنا للوراء. فلنكن صادقيين مع
انفسنا بصدد هذا التشوش، فالفن يكمن في البحث عن الحقيقة بعيدا
عن الحقيقة السياسية، وفي نفس الوقت يطمح الشعر دوما أن يكون
بين صفوف المعارضة وضد اصحاب السلطة، فالفن ذو دور نقدي.
يمر العالم اليوم في عملية تحول مذهلة، والكل على علم تام
بتلك الطاقات الهائلة من الثقافة والابداع في العالم العربي
والتي يمكن لها ان تستغل بشكل من أجل ثقافة وفن عربي اكثر
ازدهارا، يوازي ما يحدث في بقية انحاء العالم. ويبدو ان ذلك
ما يحدث اليوم، فالاحداث في تونس ومصر وبقية البلدان العربية
تستوقفنا باعجاب كبير، فزمن المعجزات قد مضى، والحياة على هذا
الكوكب لا تزال في مطلع شبابها.
© هاو نيلس
إصطياد السحالي في الظلام
نيلس هاو
خلال المجازر
نتمشى على طول البحيرات غافلين.
تحدثت أنت عن سيمونسكي,
و راقبتُ أنا غراب القيظ
يلتقط فضلات الكلب.
كل واحد منا منغمس في نفسه
مطوقٌ بقوقعة جهلٍ
تقِي أهوائنا.
يؤمن الهيوليون**
أن فراشة في جبال الهيمالايا
بخفقةٍ من جناحها
بوسعها التأثير على الطقس في القطب الجنوبي.
قد يكون هذا صحيحاً.
ولكن
حيث الدبابات تزحف
والأشلاء والدماء
تتقاطر من الأشجار
فليس ثمة ما يتأثر.
البحث عن الحقيقة
كاصطياد السحالي في الظلام.
العنب من جنوب أفريقيا,
الأرز من باكستان,
البلح ينمو في إيران.
نحن مع فكرة الحدود المفتوحة
من أجل الفواكه والخضروات,
لكننا مهما نلف وندور
فالمؤخرة تظل في الخلف.
الموتي يدفنون عميقاً في طيَّات الصحف,
لهذا,دون أن نتأثر,
بوسعنا الجلوس
على مقعد في ضواحي الفردوس
حالمين بالفراشات.
© نيلس هاو Niels Hav
نساء كوبنهاغن ـ نيلس هاو
ها أنا أقع في الحبّ من جديد
خمس مرّات مع خمس نساء مختلفات
وأنا في طريقي بالباص رقم 40
الذاهب من جادّة "نيال" الى ضاحية "أوستربغو".
كيف يتسنّى للمرء أن يسيطر على نفسه في ظروف كهذه؟
كانت إحداهن ترتدي معطف فروٍ، والأخرى جزمة مطّاطٍ حمراء.
الأولى تطالع صحيفة شعبيّة، الأخرى كانت تقرأ "هايدجر".
والشوارع غارقة بالمطر.
عند جادّة "آما" صعدت أميرة مبتلّة بالأمطار،
كانت متّقدة وجامحة، فوقعتُ في غرامها كلّياً
لكنّها ترجّلت عند ميدان البوليس وحلّت مكانها
ملكتان بحجابين كاللّهيب،
ظلّتا تتحدّثان بصخب مع بعضهما بالباكستانيّة
طوال الطريق المفضي الى مستشفى البلديّة،
فيما كان الباص يغلي شِعراً.
كانتا أختين بذات الجمال،
لذا ضاع قلبي بينهما
فخطّطت فوراً لحياة جديدة
في قرية قرب "راوالبندي"،
حيث الأطفال يكبرون
في رائحة الكركدية،
فيما أمّهاتهم اليائسات يغنّين أغاني تقطع القلب
عند حلول الغسق
الذي يغطي سهول باكستان اللا متناهية.
لكنهما لم ترياني!
وتلك التي في معطف الفرو بكت خلف قفّازيها
حين ترجّلت في جادّة "فاريماج".
الفتاة التي كانت تقرأ "هايدجر" أطبقت كتابها فجأة
وتطلّعت نحوي مباشرة بابتسامةِ إزدراء،
وكأنّها لمحت نكرةً ما
في ذروة إنحطاطه. وهكذا انفطر قلبي
للمرّة الخامسة حين نهضتْ وغادرت الباص
مع بقية الأخريات.
يالقساوة الحياة!
واصلت مشواري موقفي باص قبل أن أستسلم.
وهكذا تنتهي الأمور دائماً: أقف وحيداً على جانب الرصيف،
أدخّن سيجارةً، منتشياً وتعيساً قليل
© نيلس هاو
زيارة من أبي
نيلس هاو
جاء والدي المتوفى في زيارة
وجلس على كرسيه ثانية، الكرسي الذي حصلت عليه.
"حسناً، يا نيلس!"، قال.
كان أسمر وقوياً، شعره يتلألأ مثل طلاء أسود.
كان سابقاً ينقل شواهد قبور الآخرين هنا وهناك بقضيب فولاذي
وعربة يد، كنت أساعده.
وهو الآن ينقل شاهدته الخاصة
بنفسه. "كيف حالك؟"، قال لي.
أخبرته بكل شيء، مشاريعي، جميع محاولاتي الفاشلة.
على لوحة الإعلانات ثمة سبع عشرة فاتورة معلّقة.
إرمها بعيداً، ستعود إليك مجدداً بالتأكيد!"، قالها مبتسماً.
"لسنين عديدة كنت شديداً على نفسي"،
قال مسترسلاً، "أضطجع يقظان وأتفكر
كيف أكون إنساناً لائقاً،
فذلك أمر مهم!".
قدمت له سيجارة،
لكنه كان قد أقلع عن التدخين الآن.
الشمس في الخارج تشعل النار في جميع السقوف والمداخن،
جامعو القمامة يصخبون ويصيحون على بعضهم
في الجادة تحت. نهض أبي من مكانه
ومضى نحو النافذة وحدّق إليهم في الأسفل.
"إنهم مشغولون"، قال أبي، "هكذا ينبغي أن تكون،
إفعل شيئاً!".
© نيلس هاو
الحبّ يُعمي
الحبّ يُعمي - وفي كل يوم، حين يمرّ الأعمى من هنا
وهو يدرج بعصاه
تتوقف حركة المواصلات كلياً ربع ثانية
فيما ملائكة الرب تصعد وتهبط
وطبيب العيون يغلق عيادته
الحب يُعمي
لكن الجنس لا يضير: بصري لا عيب فيه
يمكنني رؤية كل شيء
لهذا السبب قصائدي الغرامية فاشلة جداً
بعينين مغلقتين أهمس في التلفون
وعند المحطة يقف الأعمى
مثل رسول إنجيليِّ
ويدندن تحت المطر:
معاق من الحب
العشاق الجدد يقبلون أنامل بعضهم
أعرف ذلك جيداً».
© نيلس هاو
يجب عليك أن تقوله بنفسك
ذلك،
الذي لا يقول شيئاً
يتخيل
أن الصمت الذي يحيط بصمته
يقول كل شيء
ولكن هذا الصمت يتحدث بصوته
هذه هي المشكلة
الأهم هو ما يحدث داخل منطقة الصمت
ولكن لا أحد يستطيع التحكم بهذا
هناك ملائكة و.. تتحدث في الجوقة
إذا أردت شيئاً قالت
يجب عليك أن تقوله بنفسك
© نيلس هاو
الكتاب: حين يصيرُ أعمى
الكاتب: نيلس هاو
orders@asp.com.lb الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون
تقديم: فاضل العزاوي
القياس:22*15 ; الصفحات:85; السنة ورقم الطبعة:2011/;
السعر:5.0$ - ISBN: 978-614-01-0121-0
يلامس "نيلس هاو" في هذا العمل " بقصائده العتمة والضوء بعفوية
الشعر نفسه. فجاءت القصيدة عنده شيفرة وتجربة ولغة لها شكل
مكاني وزماني تحمل في مقارباتها شيئاً من السرية، تمارس فعلها
لحظة القراءة ولحظة التفسير. هي قصائد تنتمي إلى تجارب شاعرنا
في هذه الحياة، ودائماً من منظور إنساني يتطلع صوب
|