|
فهم الكون المرئي لغز دائم 1
د. جواد بشارة
jawadbashara@yahoo.fr
تساءل عالم الفيزياء وعالم الفلك الشهير هيوبير ريفيز Hubert
Reeves ذات يوم قائلاً:" هل للكون معنى ؟ وجعل هذا السؤال
عنواناً لأحد كتبه L’Univers a-t-il un sens، وكان ذلك أيضاً
حلم البشرية البعيد المنال، بسبب ما تتمتع به من وعي وذكاء
وعقل وتطور علمي وتكنولوجي، أي الحلم المتمثل في أن تتوصل
البشرية يوماً ما إلى كشف سر الكون وإدراك المعنى الخفي لوجوده،
أي معرفة كيف ولماذا وأين ومتى، المتعلقة بالكون المرئي الذي
نعرفه ونرصده وندرسه كل يوم.الكون المرئي يوحي بالتعقيد
complexité وهذا المفهوم يقود لحالة الإتقان والفعالية
l’efficacité الناجعة ، بيد أن هذه الأخيرة لا تؤدي بالضرورة
إلى كشف المعنى المستور بل ربما توصلنا إلى اللامعنى non-sens
علماً بأن سؤال المعنى والجوهر لم يكن مطروقاً قبل ظهور
البشرية على ظهر البسيطة، إلا أنه بكل تأكيد من المساءل
الجوهرية التي درستها الحضارات الفضائية المتطورة والمتقدمة
علينا بملايين السنين والتي يعتقد أنها منتشرة بكثرة في أرجاء
كوننا المرئي الشاسعة، كما عبر عن ذلك عدد كبير من فطاحل
العلماء في كتبهم ومحاضراتهم ونشاطاتهم العلمية. هناك بين
المعنى واللامعنى تتكدس النظريات المتناقضة أو المتكاملة لطرح
رؤيتها عن حقيقة الكون وسره المكنون. بعضها يقول أن كل ما في
الكون من مكونات، من الذرة وما دونها من جزيئات إلى المجرات
وحشود وأكداس المجرات وما بعدها ليس سوى وهم ظاهر يخفي واقعاً
مخيفاً، ولكن يبدو الكون المرئي محكماً ومرتباً ومنظماً على
نحو دقيق جداً organisé, structuré, et ordonné ، وعلى نحو
تدرجي وتسلسلي أو مراتبي hiérarchisation مقصود سلفاً وبصورة
تتعدى مقدرتنا الإدراكية المحدودة. ففي عصر التنوير كان يكفي
الفيلسوف كانط kant أن يرفع نظره إلى السماء المظلمة لكي يرى
كوناً منظماً ومتقناً ومتناسقاً يعمل وفقاً لقوانين الطبيعة
الضابطة له حسب مبدأ العلة والمعلول والسبب والنتيجة la
causalité.
إن هذا النظام اللغزي الغامض الذي يجعل الأشياء تبدو كما هو
عليه حالها، يستند إلى مجموعة من الثوابت الكونية
والفيزيائيةconstantes physiques الغامضة والتي لا نعرف إلا
الجزء اليسير منها كسرعة الضوء والثابت الثقالي وزمن بلانك
وكتلة الإلكترون الخ.. لقد أعطيت هذه الثوابت أرقاماً ذات قيم
رياضية ثابتة ودقيقة للغاية، إذ أن تلك الأرقام موجودة ومنذ
الأزل، أي منذ اللحظة الأولى للانفجار العظيم Bing Bang ولم
يفعل الإنسان سوى اكتشافها والتوصل إليها بعد جهد دؤوب. و لا
أحد يدري من أين جاءت تلك الأرقام وقيمها والتي بقيت ثابتة منذ
بدء الزمن الذي نعرفه. فمن الذي وضعها ومن الذي حددها بتلك
القيم الرياضية الدقيقة في الكون المرئي لكي تبدو الأشياء كما
هي على صورتها الحالية؟ الذي نعرفه أو بالأحرى نفترضه اليوم،
أنه في كل مكان في الكون المرئي، من أبعد مجموعة سديمية وحشود
مجراتية إلى أصغر جسيم أو جزيء داخل أجسادنا، لا شيء يفلت من
سلطة وتحكم هذه الثوابت الفيزيائية الكونية الشاملة دون أن
نعرف من أين جاءت هذه الثوابت ولماذا وضعت ومتى وبأي طريقة ومن
قبل من؟ كما أنه ليس بالإمكان التأثير عليها أو تغييرها أو
تعديلها، وبفضلها يستقيم كل شيء ولا ينهار أو يتفتت الورق الذي
نكتب عليه أو الحاسوب الذي نقرأ من خلاله ما نكتب، ولا يتحول
إلى رماد أو غبار. ويعتقد العلماء بأن هذه الثوابت الفيزيائية
هي التي سمحت للكون المرئي بالتطور إلى درجة أنها أتاحت له أن
يولد الحياة العاقلة بداخله مما دفع بالعديد من العقول الفذة
إلى التفكير بأن هناك مشروع كوني مسبق projet cosmique ومعد
سلفاً وليس وليد الصدفة، فلو تغيرت فارزة أو تغير رقم واحد
بسيط في تلك القيم والثوابت الكونية، كما يقول عالم الفيزياء
الفلكية روبرت ديك Robert Dick ، فإن الكون برمته كما نعرفه،
بما في ذلك الحياة المتولدة في داخله ، سينعدم وجودهما كلياً
ولما كان بالإمكان انبثاقه أو ظهوره. وقد ثبت ذلك من خلال
تجارب المحاكاة التي أجريت في هذا المجال على الكومبيوترات
العملاقة وكانت النتائج متطابقة مع الاستنتاجات النظرية
والرياضية ، أي استحالة إجراء أي تغيير أو تعديل مهما كان
طفيفاً على تلك الثوابت الفيزيائية والكونية، كثابت سرعة الضوء
الذي حدد بــ 299792458 كلم / ثانية، والثابت الثقالي
constante de gravitation الذي حدد بــ 6،67 و لا أحد يعرف
لماذا هذه القيم الرياضية الدقيقة وليس غيرها.
هناك مجموعة أخرى من الثوابت الكونية الغريبة المعروفة باسم
الثوابت الخالية من الأبعاد constantes sans dimensions لأن
قيمها الرقمية valeurs numériques شمولية universelles أي أنها
تبقى هي ذاتها أيضاً أياً كان نظام القياس المتبع لحسابها. وقد
توصل العلماء إلى أن النموذج القياسي أو المعياري للفيزياء
modèle standard de la physique يستند على حوالي العشرين من
هذه الثوابت الفيزيائية الجوهرية fondamentales المكتشفة لحد
الآن والخالية من الأبعاد، وأحدها هو ثابت البنية الدقيقة
constante de structure fine الذي يدير ويتحكم بالقوة
الكهرومغناطيسية force électromagnétique . تم اكتشاف هذا
الثابت سنة 1916 على يد العالم الألماني آرنولد سومرفيلد
Arnold Somerfeld الذي كان مقرباً من آينشتين Einstein
وأستاذاً للعالمين الفائزين بجائزة نوبل فولفغانغ بولي Pauli
Wolfgang و فيرنر هيزنبيرغ Werner Heisenberg، وتم تأكيده بشكل
نهائي سنة 2006 وتحديد قيمته القطعية بواحد مقسوم على
137،035999679 حيث يعطي الرقم التالي 0،0072973525376 ولو تم
تغيير عدد واحد من هذا الرقم فسوف تنتفي القوة الكهرومغناطيسية
مع ما سيترتب على ذلك من تداعيات كارثية ليست أقلها أن يتوقف
الكون المرئي كله عن الوجود وهو الأمر الذي حير عقل العالم
الفيزيائي الألماني ماكس بورن Max Born الحائز على جائزة نوبل
في الفيزياء سنة 1954 وهو أحد آباء نظرية الكوانتا أو ميكانيك
الكم mécanique quantique والذي صرح بهذا الخصوص:" لو كان
لثابت البنية الدقيقة constante de structure fine قيمة أعلى
بصورة طفيفة جداً عما هي عليه الآن لما كان بإمكان أحد التمييز
بين المادة والعدم، وسيكون من المستحيل الفرز بين قوانين
الطبيعة وبالتالي فإن قيمة هذا الثابت هي بكل تأكيد ليست وليدة
الصدفة بل هي ناجمة عن أحد قوانين الطبيعة الأزلية. ومن هنا
يمكننا القول أن شرح هذا الرقم يجب أن يكون أحد المشاكل أو
المساءل المركزية للفلسفة الطبيعية". وهذا هو أيضاً رأي عالم
الفيزياء الشهير ريشارد فينمان Richard Feynman حيث عبر عن
رأيه بطريقة إيمانية عندما قال :" أعتقد أن يد الله هي التي
تقف وراء هذا السر لأن هذا الثابت هو أحد الألغاز الكبرى
للفيزياء وهو رقم سحري أعطي للإنسان أو لنقل أتيح له أن يكتشفه
دون أن يفهم أي شيء عنه وعن كيفية تحديده وتثبيت لذلك يمكننا
أن نقول أن يد الله هي التي خطت هذا الرقم ولا نعرف لماذا و لا
متى لكننا نعرف الطقوس التجريبية المتبعة لقياسه، ولا يوجد
برنامج حاسوبي كومبيوتري على الأرض كلها قادر على إخراج مثل
هذا الرقم. ولو قسمنا هذا الثابت على الثابت الذي يتحكم
بالجاذبية أو الثقالة gravitation فسوف نحصل على ثابت جديد من
نوع عديم البعد sans dimension ذو أهمية قصوى ومصيرية وهو
الثابت ذو القيمة التالية 1036، والحال أننا لو أسقطنا صفر
واحد من هذا الرقم ، حسب فينمان، فسوف يتجمد توسع الكون ويبقى
الكون محصوراً في حجم ضئيل مما يعني استحالة نشوء الحياة فيه،
وإذا أضفنا صفر أو صفرين لهذا الثابت فسول لن يكون بوسع النجوم
والكواكب والمجرات أن تتكون أو تتشكل ". أما عالم الفلك
والفيزياء الفلكية الانجليزي مارتن ريس martin rees فيقول أن
الكون المرئي يستند على ستة ثوابت خالية الأبعاد والتي كرس لها
العديد من الكتب والأبحاث والتجارب والمحاضرات والمؤتمرات حتى
يخيل إلينا أنه كرس لها حياته كلها. وفي إحدى المرات صرح أمام
مجلس اللوردات البريطاني أنه لو مس شخص ما أحد الأعداد في تلك
الثوابت الستة الجوهرية فإن ذلك سوف يؤدي إلى اختفاء مجلس
اللوردات فوراً عن الوجود ومعه الكون بأكمله. من الثوابت الستة
المشار إليها يوجد الثابت الشهير المسمى بالثابت الكوني
constante cosmologique الذي يشكل أحد أهم المفارقات في
الفيزياء المعاصرة والذي يقف وراء درجة الضبط القصوى ، إلى حد
الإعجاز، للكون المرئي le réglage absolu de l’univers منذ
لحظة ولادته إلى يوم الناس هذا وحتى آخر لحظة من حياة الكون
المرئي. فالانفجار العظيم، حسب رأي العالم جورج سموت George
Smoot هو الحدث الأكثر كارثية الذي يمكننا تخيله ومع ذلك يبدو
في غاية الضبط والتنظيم والتنسيق والهارمونية finement
orchestré . والجدير بالذكر أن قيمة هذا الثابت الكوني هي التي
مكنت الكون المرئي لكي يبلغ هذه الدرجة من الكثافة القصوى أو
الحرجة densité critique المحاذية للقيمة واحد حيث يبدو الكون
المرئي بفضلها وكأنه مسطح plat. وهناك نتيجة مدهشة أخرى لحالة
الضبط الكوني القصوى في لحظة الولادة أشار إليها العالم الروسي
غاموف Gamow والعالم الأمريكي وينبيرغ Weinberg، صاحب الكتاب
الرائع الدقائق الثلاثة الأولى للكون les trois premières
minutes de l’univers ، حيث ، وحسب هذا العالمان، فإنه بعد
مرور 200 ثانية على الانفجار العظيم البيغ بانغ Big Bang فإن
متوسط الكثافة كان يعادل كثافة الماء أي بمعدل غرام واحد لكل
سنتمر مكعب مما يعني أن العلاقة بين متوسط الكثافة والكثافة
القصوى ـ المشار إليها أعلاه والمسماة أوميغا Oméga تختلف
بقيمة واحد فقط إلى 10-13 وفي زمن بلانك أي 10-43 كانت قيمة
أوميغا Oméga مذهلة وقريبة من واحد وهي كالتالي
1،000000000000000000000000000000000000000000000000000000000001
وهي قيمة valeur كما نرى قريبة من واحد بحيث لا يمكن أن تكون
بفعل الصدفة وبالتالي يحق لنا القول أن شيئاً ما أرغم الأوميغا
Oméga أن تكون قريبة جداً من واحد وبأن هذا الشيء يمكن أن يكون
هو الثابت الكوني constante cosmologique، ولكن لماذا وصل
الثابت الكوني بقيمته إلى هذا الرقم بالذات وليس إلى رقم آخر؟
هناك حالة من التعادل والتوازن بين المساهمات الإيجابية
contributions positives الناجمة عن القوى الجوهرية الأربعة ــ
الجاذبية أو الثقالة، والكهرومغناطيسية، والقوة النووية
الضعيفة، والقوة النووية الشديدة ــ والمساهمات السلبية
contributions négatives الناجمة عن المادة وهي تنفي أو تفني
بعضها البعض إلى حدود أو درجة الكسر العشري décimal 120، مما
يعني حسب وحدات بلانك القياسية unités de planck أن الثابت
الكوني المذكور يحدد بصفر وبعده فارزة وبعدها 119 صفر إلى أن
نصل إلى الرقم non nul في الصف rang الــ 120 ، وبعيداً عن وجع
الرأس بهذه الأرقام والحسابات الرياضية المدوخة، من شبه
المستحيل أن يصل الثابت الكوني هذا إلى هذه القيمة بمحض الصدفة،
وإن نسبة وقوعه على هذه القيمة هي واحد من 20 مليار ، وهذه
أرقام فلكية يصعب تصورها من قبل القاريء الكريم. فلو كان هناك
صفر أكثر لتمدد الكون بسرعة أكبر كثيراً من سرعته التي قسناها
ولما توفر له الوقت اللازم لتشكل النجوم والمجرات ، ولو كان
هناك صفر أقل لانهار الكون على نفسه فور ولادته. لذلك يطرح
السؤال الأزلي الدائم هل ظهر الكون هكذا ذاتياً وبفعل الصدفة
أم أن هناك خطة محكمة ومسبقة تقف وراء ظهوره وبالتالي توجد
قوانين خفية لم نكتشفها بعد هي التي تجعل المادة ، في سياق
ظروف معينة من الطاقة، تدفع المادة لتنظيم نفسها لكي تصل إلى
درجة المادة الحية vivante .
لقد كرس عالم الكيمياء الحائز على جائزة نوبل سنة 1977 إليا
بريجونين ilya prigonin جزءاً كبيراً من حياته العلمية لكي
يثبت وجود نوع من التركيبة واللحمة أو النسيج trame المستمر
الذي يجمع ويوحد بين الجماد inerte أو المادة الجامدة والمادة
التي توجد في الحالة التي تسبق الشيء الحي pré vivant والمستوى
الحي vivant أو المادة الحية. فالمادة حسب هذا العالم المتخصص
تنمو من خلال الفعل البنيوي إلى تنظيم وبناء ذاتها بذاتها auto
structurer لكي تغدو مادة حية وعضوية على عكس ما أسماه العالم
بريجونين بالبنية العاصية أو الطائشة structure Dissipatives.
فهو يعتقد أن الكون المرئي ليس فقط كم هائل من مادة النجوم
والكواكب فحسب، بل هو بالأخص تنظيم مذهل stupéfiant وتراتبي
hiérarchique يقود حتماً وبالضرورة قسم من الجزئيات والخلايا
الجامدة inanimées نحو الحياة. بعبارة أخرى تبدو الحياة وكأنها
التعبير الضروري لكون ينطوي على إمكانية أن تكون الخلايا
البسيطة فيه قابلة لكي تنظم نفسها في أنظمة أكثر تعقيداً
وتركيباً إلى أن تولد الحياة بداخلها أو توجد العنصر الحي الذي
ينبثق منها engendrer du vivant.
أما العالم الفيزيائي الأمريكي من أصل انجليزي فريمان ديسون
Freeman Dyson فقد مضى خطوة أعمق في حدسه وهو المعروف عنه أنه
الأب الحقيقي لمفهوم الكروموديناميك الكوانتي أو الكمومي
chromodynamique quantique وقال:" كلما حللت ودرست الكون أكثر
فأكثر وتعمقت في تفاصيل هيكليته أو معماريته كلما عثرت على
دلائل وقرائن تقول لنا أن الكون يعمل وكأنه" يعرف" مسبقاً
بأننا سوف نظهر فيه ككائنات عاقلة وذكية ومفكرة وواعية. وهناك
أمثلة كثيرة وملفتة للانتباه في قوانين الفيزياء النووية
تتخللها حوادث وتغيرات رقمية accidents numériques تبدو وكأنها
تتواطأ conspirer من أجل جعل الكون قابلاً للحياة ويمكن العيش
فيه habitable . وبخصوص هذا النظام اللغزي الغامض ordre
mystérieux الممتد داخل الواقع، يعتقد علماء كبار من أمثال
ستيفن هاوكنغ stephen Hawking وفريمان ديسون Freeman Dyson
وغيرهم، أن قوة الثقالة أو الجاذبية النووية force
d’attraction nucléaire كامنة بقدر كافي لكي تكون معادلة أو
معارضة s’opposer لقوة النبذ الكهربائي répulsion électrique
التي تحدث بين الشحنات الموجية للنواتات أو نوى الذرات
الاعتيادية كذرات الحديد أو الأوكسجين. وهناك حوادث ومتغيرات
accidents أخرى محظوظة في الفيزياء الذرية وبدون هذه الحوادث
والطوارئ ما كان بإمكان الماء بصيغته السائلة أن يوجد ، ولا
لسلسلة ذرات الكاربون أن تتركب أو تتجمع بصورة معينة se
combiner على شكل خلايا عضوية مركبة ومعقدة molécules
organiques complexes، ولا كان بإمكان ذرات الهيدروجين أن تلعب
دور الجسور الرابطة بين الخلايات molécules . لذلك وبفضل كل
هذه الحوادث الفيزيائية والفلكية يصبح الكون المرئي مكاناً
حاضناً للمخلوقات الحية حتماً، وهنا يعقب العالم فريمان ديسون
Freeman Dyson قائلاً :" إنني كعالم عقلاني يتحدث بلغة القرن
العشرين وليس بلغة القرن الثامن عشر، لا أدعي أن هيكيلية أو
معمارية الكون المنظمة والمتجانسة جداً تشكل دليلاً قطعياً على
وجود الله بل أقول فقط أن هذه المعمارية أو الهيكيلية المذهلة
والمتناسقة والمنتظمة تتوافق وتتساوق أو تتلائم compatible مع
الفرضية التي تقول أن " الروح l’esprit" تلعب دوراً جوهرياً في
وظيفة وطبيعة عمل الكون المرئي. وأعتقد أن الكون يميل أو يهدف
التوجه نحو الحياة والوعي وأن هناك معنى خفي يبرر وجوده
والدليل على ذلك أننا موجودون فيه لنراقب ونرصد وندرستكوبنه
ونتعاطى أو نتفهم وندرك appréhender جماليته الهارمونية
المتناسقة. ولكن علي أن أعترف أن هذا الرأي هو من اختصاص
الميتافيزيقيا وليس طريقة تفكير علمية بحتة. لذلك وعلى عكس ما
روج له عالم الأحياء Biologiste البيولوجي الفرنسي الشهير جاك
مونود jacques Monod بما أسماه فكرة الصدفة الكونية hasard
universel فإن الحياة لا تبدو وكأنها ناتجة عن سلسلة من
الحوادث التي وقعت صدفة. فالعالم جيمس غاردنر James Gardner لا
يعتقد بأن الأنظمة المعقدة والمركبة في الكون ، كالحياة، ظهرت
بفعل الصدفة في الكون المرئي حيث من شبه المستحيل تخيل أن تقوم
طائرة بوينغ 747 بصنع نفسها وتجميع مكوناتها ذاتياً وعفوياً
داخل حزام النيازك انطلاقاً من المواد المحيطة المتوفرة حتى لو
استغرق مثل هذا الحدث زمناً لا نهائياً . أي أن كل شيء يبدو
وكأنه محضر سلفاً وبعناية ودقة لا متناهية ومنظم تماماً
organisé داخل مسرح الكون لكي يتيح ظهور الوعي والعقل والذكاء
أي الحياة العاقلة المنتشرة على مسرح الكون وعلى نحو منظم
مقصود ومن مادة مرتبة matière ordonné حيث يظهر من خلالها
الحياة والوعي . إن هذا الضبط والتنظيم الدقيق والمذهل يسمح
لنا بالاعتقاد بوجد ذكاء لا محدود مدبر ومنشيء intelligence
organisatrice، متسامي وعظيم ومتعالي transcendant ومتفوق على
واقعنا وربما يكون هذا الذكاء أو العقل الأول هو الذي قصده
آينشتين سنة 1936 عندما أجاب برسالة على سؤال لأحد الأطفال
الذي سأله هل يعتقد بوجود الله وقال فيها :" كل من كان معنياً
بشكل جدي بالعالم سيفهمون يوماً ما أن هناك " روح esprit "
تتموضع خلف قوانين الطبيعة الجوهرية، وهي ماهية أكبر بكثير مما
يمكن أن يتخيله أحد من بني البشر.
يتبع
|