|
ثقافة الاجتماعات
حكمت حسين
تنتظم الناس ، في كل العالم ، ومنذ زمن بعيد ، في تشكيلات
مختلفة الشكل والاهداف ، يجمعها شيئ واحد هو ان هذه التشكيلات
تقوم بعقد اجتماعات لاعضائها ، لتدارس نقاط بحث معينة ، او
لانتخاب هيئات قيادية جديدة ، او لتغييرات برنامجية ، وغير ذلك
من الاسباب الكثيرة . ينطبق ذلك حتى على الدوائر الرسمية
ومؤسسات العمل لتناقش تلك الاجتماعات ظروف العمل ، اساليب
التطوير ، المشاكل وسبل حلها ومواضيع اخرى كثيرة ايضا .
تختلف ثقافة الاجتماعات بين بلد وآخر حسب مستوى التطور في ذلك
المجتمع ، وفي مجتمعات اوربا المتطورة هناك ثقافة واضحة في
موضوعة الاجتماعات تتلخص بالدعوة المبكرة لتكون هناك فرصة
للتحضير ، مناسبة الموعد للغالبية من المعنيين في الاجتماع ،
تحديد وقت الاجتماع ونقاط البحث ، توفير المستلزمات المناسبة
لانجاح الاجتماع من مكان واجهزة وغير ذلك ، توثيق الاجتماع
وكتابة مقرراته وسبل متابعة تنفيذ تلك القرارات وغير ذلك كثير
.
بينما نرى ان شكل ومضمون الاجتماعات في البلدان التي "تسعى
للتطور" ، بعيدة عن توفير الوقت والتحضير المسبق ، بل حتى تصل
الى نتيجة غير مرجوة أو يتم فرض قرارات مرسلة من جهات اعلى دون
تقدير دور الجهات المنفذة في طريقة التنفيذ .
وللأسف فان الكثيرين ممن يعيشون في دول اوربا لفترات اقلها
عشرين سنة لازالو يمارسون ثقافة مجتمعاتهم رغم كل هذه السنين ،
وسيكون من يتحدث عن ثقافة الاجتماعات مستفيدا من تجربة البلد
الاوربي الذي يعيش فيه ، هو مصدر مشاكسة وازعاج لهم ، وربما
يرغبون بعدم حضوره تلك الاجتماعات .
في عام 1995 حينها كنت انهيت فترة تعلم اللغة الدنماركية
ومنتظم في دورة قصيرة لتعلم كيفية اصدار مجلة ، وكان يجري
الاعداد لمؤتمر القمة الاجتماعية العالمي الذي اقامته الامم
المتحدة حول التحديات الاجتماعية في كوبنهاكن . المنظمات
العالمية غير الحكومية اقامت مؤتمر مواز للقمة في نفس الفترة ،
الهدف منه توضيح وايصال افكار المنظمات غير الحكومية الى
العالم . اقترحت على التنظيم الحزبي المشاركة في فعالية
المنظمات غير الحكومية والتعريف بجرائم نظام صدام حسين ، ولان
غالبيتنا جدد في الدنمارك كنا نقتنع برأي احدنا وهو مقيم في
الدنمارك منذ 1980 وكان رأيه ان لامجال في ذلك اطلاقا ، وانتهى
الامر في الاجتماع ، ولكني استعنت بمعلمة اللغة الدنماركية
وارشدتني الى الجهة المعنية وزرت تلك الجهة ووجدت ان هناك
امكانية للمشاركة ، وسجلت اسمي ممثلا لمنظمة نقابية ، وحصلنا
على كشك في موقع المؤتمر على امتداد ايامه وحصلنا ايضا على
فرصة اقامة محاضرة حول الوضع في العراق آنذاك . تم ذلك بجهدي
الشخصي ، وحضر احد قادة التنظيم من لندن للمشاركة في الفعالية
، واعددت بيانا تم ترجمته ووزع في ساحة المؤتمر ومواقعه الاخرى
.
اقدم هذا المثال للقول ان ليس كل مايقوله احدنا هو صائب ،
واقدم هذا المثال ايضا لاقول اني كنت مبادرا للتعريف بالنشاط
السياسي المطلوب حينها ضد نظام صدام دون الرضوخ لقرار تنظيم
حزبي او رأي شخص محدد .
منذ عام 1996 دخلت سوق العمل الدنماركي وتعرفت على ثقافة
اجتماعات غير تلك التي تربيت عليها ، وتعلمت شيئا جديدا ،
ساعدني في تعزيز ثقافتي العامة وثقافة الاجتماعات بشكل خاص .
تطورت تجربتي من خلال نشاطاتي التطوعية الاخرى ، انتخبت في
الهيئة الادارية لدار الحضانة والروضة التي كان ابنائي يداومون
فيها ، انتخبت لعضوية مجلس الاندماج في كوبنهاكن ، وانتخبت
رئيسا للمجلس وهو هيئة استشارية تقدم النصح لمجلس المدينة في
القرارات المتعلقة بالاقليات العرقية ، وكان يؤخذ برأينا في
غالبية القرارات . كان المجلس يضم 28 عضوا منهم 21 عضوا يمثلون
مختلف الجاليات الاجنبية في كوبنهاكن . أسست في عام 1998 اول
جمعية ثقافية اجتماعية في الحي الذي اسكنه ، كان ثلثي اعضائها
من الدنماركيين والثلث الآخر من 12 جنسية اجنبية ، وكنت رئيس
لهذه الجمعية لمدة اربع سنوات ، وتنازلت عن رئاستها عندما شعرت
انها يمكن ان تستمر في نشاطها بدوني .
انتخبت عضوا في مجلس الحي ، وانتخبت عضوا في لجنة المنطقة وهي
تشكيل يشابه المجلس البلدي في العراق . انتخبت عضوا في الهيئة
الادارية لمنظمة البيئة في المنطقة ، ( بالمناسبة حصلت على
جائزة البيئة السنوية في كوبنهاكن عام 2003 ) . انتخبت ايضا
لعضوية الهيئة الادارية للمدرسة التي داوم فيها ابني الكبير
روژ ويداوم فيها ابني الصغير اوروك ، وكلاهما اعضاء في مجلس
الطلاب الذي يشارك في اجتماعات الهيئة الادارية بشكل تناوبي
بين الاعضاء .
في عملي الوظيفي ادير مركز ثقافي في مدينة خارج كوبنهاكن وهذا
يتطلب مني ادارة اجتماع شهري للجنة متابعة العمل المكونة من
المنظمات والمجموعات المستفيدة من استخدام المركز الثقافي .
ذكرت هذه المعلومات لكي اقول ان لدي خبرة في الاجتماعات
وادارتها اكتسبتها من عملي الوظيفي والتطوعي .
انتقل الآن للحديث عن ثقافة الاجتماعات بين العراقيين ، اختار
مجموعة غير محددة ، في زمان ومكان غير محددين ، وهي مجرد أمثلة
فقط ، ولذلك فان باب التصويب والنقاش مفتوح لكل من يرغب في ذلك
، على العنوان الالكتروني ادناه .
- يتحدد مكان وزمان الاجتماع ، ولكن الاجتماع يبدأ متأخرا
دائما ، وبدون اسباب جدية سوى عدم اخذ موضوع الوقت بالجدية
المطلوبة ، حتى اصبح ذلك تقليدا ، اتحدث هنا عن مجموعة من
الناس كانت تحترم الموعد في العراق ، لكنها في الدنمارك واوربا
تخلت عن ذلك ، سألت احدهم في يوم ما هل الموعد المذكور في
الدعوة هو لبدء الفعالية ام موعد خروجنا من منازلنا للحضور ؟
كنت انتقد التأخير ، وينزعج المنظمون للاجتماع ، لذلك بدأت
ابدأ مداخلتي بالقول " شكرا للتأخير " .
- ترسل وثائق الاجتماع بوقت مبكر ، الهدف هو الدراسة وتحضير
المداخلات للاستفادة من الوقت ، ولكن هناك دائما من لم يطلع او
يقرا وثائق الاجتماع ، فيصار الى قراءتها من جديد واضاعة وقت
ما .
- عند البدء في مناقشة مادة ما ، مرسلة مسبقا ، يتم تسجيل
اسماء الراغبين في المناقشة ، يسجل اربعة فقط على سبيل المثال
من مجموع الحضور البالغ اكثر من ثلاثون ، وهؤلاء هم الذين
كانوا قد درسوا مادة النقاش وجهزوا مداخلاتهم حولها ، ولكن
تفسح ادارة الاجتماع المجال لدورة ثانية من النقاس فيتقدم عدد
اكبر للمداخلة بعد ان استمعوا الى المداخلات السابقة وتكون
ملاحظاتهم في الغالب تعليقا على ماقيل سابقا . هذه الصورة تعكس
عدم جدية الاكثرية في التحضير الى الاجتماع .
- عند مناقشة مادة ما ضمن جدول الاجتماع يتجه بعض المتداخلين
الى الحديث عن موضوع او اكثر بعيدا جدا عن نقطة البحث ، ربما
يكون مهم لعموم عمل التنظيم واستراتيجيته ولكن غير مطروح
للنقاش ، ويتبع البعض الحديث في نفس الاتجاه ، ويضيع وقت طويل
حتى تتم العودة الى نقطة البحث الاصلية . هنا تكون ادارة
الاجتماع مسؤولة عن تنظيم وقت المداخلات وعدم خروجها عن نقاط
جدول العمل ، ولكن في الغالب تفشل ادارة الاجتماع في هذا
الموضوع وتصبح جزء من اسباب اضاعة الوقت الذي يكون على حساب
نقاط جدول العمل الاخرى .
- عادة ماتكون فقرة انتخاب هيئة جديدة لادارة العمل في الفترة
اللاحقة للاجتماع آخر فقرات الاجتماع ، ولكن بسبب اضاعة وقت في
بدء الاجتماع واضاعة وقت في المداخلات خارج مواضيع جدول العمل
، يكون الوقت المتبقي لموعد تسليم قاعة الاجتماع الى الجهة
صاحبة القاعة قصيرا ، وبسبب من عدم المبادراة في الترشيح وقسم
آخر بسبب عدم الرغبة في تحمل المسؤولية تكون الترشيحات محدودة
، ويجري الضغط على البعض للقبول بالترشيح ، رغم ممانعتهم ، من
اجل انهاء تشكيل الهيئة باسرع وقت ، وانهاء الاجتماع بعد ذلك .
- يبدأ الاجتماع بعدد محدد ، وعلى اساس ذلك يجري اقرار شرعية
الاجتماع او المؤتمر ، ولكن يبدأ العدد بالتناقص تدريجيا ،
خاصة اثناء الاستراحة القصيرة ، وينتهي الاجتماع بعدد غير
معروف .
- عند بدأ النقاش حول فقرة من جدول الاجتماع ، يعترض احدهم على
ادخال الفقرة للنقاش ويعتبرها مفروضة على الاجتماع ، فيتلقى
الرد ان الفقرة مثبتة في مقترح جدول الاجتماع الذي تم اقراره
في بدء الاجتماع وكان عليه تقديم ملاحظته حينذاك .
- يحدث احيانا ان احد المتداخلين يعترض على مقترح مطروح للنقاش
، ويكون الاعتراض شديد اللهجة ، ولكنه كان قد قال قبل ذلك انه
لم يطلع على المقترح الاصلي .
- في اجتماع ما ، كان التقرير المالي قد ارسل في وقت مسبق الى
اعضاء المنظمة دون تفاصيل ، صوّت بالتحفظ على التقرير ، لاني
لم أسمع اجابات واضحة حول ابواب الصرف ومصادر الوارد . انزعج
المسؤول عن التقرير المالي لاني لم اصوّت بالموافقة .
يتهمني البعض ويعيب علىّ ان اصبحت دنماركيا عندما اتناول مثل
هذه القضايا ، ولاادري لماذا لايرغبون بتعلم الاشياء المفيدة
في هذا المجتمع ، ولكن لحسن الحظ هناك اعداد اكثر تمتدح تطور
ثقافتي ومساهماتي في المجتمع الدنماركي . سأفكر أكثر من مرة
قبل المشاركة في اي اجتماع قادم .
29 كانون الثاني 2012
hikmatgd@yahoo.com
|