|
حكومة المالكي.. إهانة الكرد من
موقع أدنى
عبدالغني علي يحيى
تهديد قائمقام الخالص بقطع الطريق الدولي الرابط بين بغداد
وأربيل، رداً على امتناع حكومة اقليم كردستان العراق، تسليم
طارق الهاشمي نائب رئيس جمهورية العراق والمتهم بالضلوع في
الارهاب الى القضاء العراقي، الذي جاء من درجة وظيفية دنيا
ولكن بوحي من اعلى درجة وظيفية في الدولة العراقية طبعاَ،
يذكرنا في جانب منه ببرنامج حكومي عراقي في عهد البعث ألا وهو
(المعايشة من موقع أدنى) فوفق ذلك االبرنامج كان مسؤولون
عراقيون كبار يمارسون مهامهم في مواقع ادنى من درجاتهم
الوظيفية، كأن يمارس وزير عمله لمدة شهر مثلاَ في موقع المدير
العام. علماَ ان البرنامج ذاك لم يتقدم بأي تحسن في التطوير
بالأداء الوظيفي. وان القاسم المشترك الوحيد بين ذلك البرنامج
وتهديد القائمقام المذكور، هو ممارسة حكومة المالكي للأهانة
والاستفزاز ضد شعب كردستان وحكومته من موقع اداري أدنى وذلك
لأجل التصغير وربما التحقير من شأن الحكومة الكردستانية، إذ ما
معنى ان يقوم قائمقام الخالص على اقحام نفسه في قضية الهاشمي
التي يجب ان ينحصر التعامل معها في ارفع المستويات الحكومية
بين بغداد وأربيل؟ والذي لايختلف فيه اثنان، ان توعد القائمقام
لابد وان يكون مخططاَ له ومدعوما بضوء اخضر من حكومة المالكي
التي امعاناَ منها في التحقير والاهانة، لم تسند التهديد حتى
الى درجة وظيفية اعلى (محافظ ديالى) الذي يتبعه القائمقام، أضف
الى ذلك ألا يعني لا أبالية حكومة المالكي بالتهديد موضوع
البحث عدم شعورها بالمسؤولية، سيما اذا اخذنا بالاعتبار ان قطع
ذلك الطريق يعود بالضرر الى العراقيين كافة وليس الى شعب
كردستان فقط؟
هذه ليست المرة الأولى تمارس فيها حكومة المالكي الأهانة من
موقع ادنى تجاه حكومة كردستان، فقبل فترة، اثيرت ضجة كبيرة
نتجت عن اجراء قضى بانزال العلم الكردستاني من على مباني
الدوائر الحكومية في قضاء خانقين التابع بدوره الى محافظة
ديالى والمشمول بالمادة (140) وتبين فيما بعد ان مسؤولين في
تلك المحافظة من مستويات وظيفية متدنية كانوا وراء المطالبة
بذلك الأنزال، وهنا ايضاً، ومما لا شك فيه، ان اولئك المسؤولين
نفذوا تلك الاهانة نزولاً عند أمر من السلطات العليا، فالأدارة
الحكومية المحلية في ديالى تعد الاكثر من بين الادارات
الحكومية العراقية المحلية مبتلاة بالمشاكل كالارهاب والصراع
الطائفي المتفاقمين والمطالبة بأقلمة المحافظة، عليه والحالة
هذه فانها ليست بحاجة الى ان تضيف مشكلة خطيرة اخرى الى
المشاكل التي تعاني منها.
واذا كان الحكام الصغار يتصرفون بوحي من حكام اكبر منهم، واقوى
مثال ما بدر من قائمقام الخالص حيال الكرد، فلا يغيب عن البال
ان سادة الحكام الاكبر، اشد لا اخلاقية في الاتيان بتوجيه
الاهانات الى قادة الكرد من موقع ادنى ففي وقت سابق من العام
الماضي، استقبل جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق في احد
مطارات طهران من موقع حكومي ايراني جد واطئ، حين وجد الطالباني
في استقباله موظفا بدرجة مدير عام في الحكومة الأيرانية،
ويومها اثار السلوك الايراني المدان موجة سخط لم يسلم منها حتى
شخص الطالباني الذي ما كان عليه ان يدع تلك الأهانة تمر مرور
الكرام.
ان مشاكسة الكرد من موقع اداري و حكومي أدنى لها جذور و تقاليد
تمتد الى انظمة حكم شوفينية عراقية سابقة، سيما في العهد
البعثي الثاني (1968-2003) و قبله ولكن بدرجة أقل، ففي اوائل
الستينات من القرن الماضي حرضت حكومة عبدالكريم قاسم الصحفي (يونس
الطائي) رئيس تحرير صحيفة (الثورة) البغدادية والذي كان مقربا
من قاسم ليدعو في مقال له بتلك الصحيفة الى صهر القومية
الكردية في بودقة القومية العربية الأمر الذي اثار ليس نقمة
الكرد فحسب انما العرب العراقيين الديمقراطيين وبالأخص
الشيوعيين العراقيين الذين كان حزبهم يومذاك من اقوى الأحزاب
العراقية، فيما لزمت حكومة قاسم جانب الصمت حتى النهاية. و في
اوائل السبعينات من القرن الماضي وفي أجواء بيان أذار الذي
اقرت به حكومة البعث مرغمة بحقوق واسعة للكرد واسفرت عن مشاركة
الكرد في الحكم، ذهب قائمقام سنجار أحمد غانم العلي ضحية
استخدامه من الجهات العليا في حكومة البعث لاهانة الكرد
واستفزازهم، و في الفترة نفسها كان محافظ الموصل (سعدي عياش
عريم) قد شرع بتنظيم استفزازات وإهانات ضد قيادة الثورة
الكردية التي كان لها (5) وزراء في الحكومة العراقية آنذاك،
واذكر كيف ان مسؤول الفرع الأول للحزب الديمقراطي الكردستاني
السيد علي السنجاري تصدى بحزم وصلابة لعريم و قال للاخير مهددا:
(إما انا ابقى في الموصل و إما انت) و على اثره اضطرت بغداد
صاغرة الى استبدال ذلك المحافظ باخر.
ومن اساليبهم المهينة في التعاطي مع الشأن الكردي، انه في عام
1984 حصلت مفاوضات شبه سرية أو بالأحرى غير معلنة بين حكومة
صدام حسين و بين الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة الطالباني،
وعندما باءت الفشل، انتظر العراقيون خلالها طويلا بيانا من
الحكومة بخصوص ذلك التطور، وبعد مرور اسابيع، تحدث صدام حسين
عن تلك المفاوضات بشكل غير مباشر، لدى زيارته لمعتقلين عاديين
من أرباب السوابق و مرتكبى الجرائم المخلة بالشرف و من
الشقاوات و في ذلك الموقع الهابط اوضح ما كان ينتظره العراقيون،
وليس في مناسبة وطنية او دينية، امعاناً منه في اهانة
الطالباني والكرد. ودار الزمان دورته، واذا بحبل المشنقة تلتف
حول عنق صدام حسين عقابا له على ظلمه و لا اخلاقيته، مقابل
صعود الطالباني لتبوء ارفع منصب في الدولة العراقية تقديرا من
العراقيين لمواقفه النضالية المشرفة والنبيلة.
ويحفل التاريخ السياسي للحكومات العراقية بما فيها الحكومة
الحالية باشكال من الاهانات ضد الكرد نفذت من مواقع دنيا
بايعاز من مواقع عليا، و من الأمثلة ويا لكثرتها، في الثلث
الاخير من القرن الماضي حرضت حكومة البعث الملا يونس السامرائي،
وفي اطار التعريب و تصحيح القومية السيء الصيت، برد القبائل
الكردية كافة عدا عشيرة بارزان الى أصول عربية وذلك في كتابه (العوائل
و البيوتات والاعلام في شمال العراق). و في عام صدوره و بعد
ايام من نشر الكتاب غامر الدكتور عبدالفتاح البوتاني ليفند
ماجاء في الكتاب جملة وتفصيلاً، تحت اسم مستعار هو (عبدالقهار
محمد البريفكاني) وفي مقال له نشر في صحيفة العراق البغدادية
العدد 3008 في 21-12-1985.
عدا اليونسين الطائي والسامرائي، هناك مثقفون عراقيون أخرون
ارتضوا لأنفسهم ان يتحولوا الى (مخلب قط) او (كماشة) في يد
الحكام الشوفينيين بهدف تزييف الحقائق بخصوص الكرد ففي عام
1993 نشر الكاتب (ثامر عبدالحسن العامري) كتابا من عدة اجزاء
يماثل في مضمونه ومحتواه كتاب السامرائي وخصص المؤلف الجزء 6
من الكتاب الموسوم (موسوعة العشائر العراقية) لتزييف الحقائق
حول العشائر الكردية و بسببه كرم من قبل صدام حسين.
ختاما، ان الموظفين في المواقع الوظيفية الدنيا في الحكومة
العراقية مدعوون الى اخذ الحيطة والحذر من احابيل الجهات
العليا في الحكومة الرامية الى جعلهم ادوات طيعة في تنفيذ
المؤامرات على الكرد وغيرهم، ولا يمارسوا مهاما خارج واجباتهم
التي هي اصلا من اختصاص الجهات العليا في الدولة، وهو اختصاص
غير مشرف، وعلى الحكام العراقيين ان يتعظوا من تجارب الحكام
السابقين في مجال ممارسة الاهانة من موقع ادنى ضد الكرد، وان
يضعوا نصب اعينهم المصير الذي انتهى اليه الحكام الجمهوريون
العراقيون السابقون، ونسخة من الدعوة الى حملة الاقلام و
الكتاب والمؤلفين، فالعصر لم يعد يطيق القفز على الحقائق و
تشويه ارادة الشعوب. وكلمة اخيرة، نأمل ان يكون الزعم من
قائمقام الخالص من ان حكومة كردستان قطعت وعداً عليه بتسليمه
ثلاثة من حماية الهاشمي، غير صحيح وإلا فان حكومة كردستان قد
ارتكبت عملاً يندى له الجبين بانجرارها الى الاستجابة للأهانة
التي تلقنها من (الموقع الأدنى)!.
Al_botani2008@yahoo.com
|