من نحن مواقع للإتصال بنا الأرشيف مكتبة الموقع ملف الانصار الرئيسية

أهلا بكم في موقع ينابيع العراق... موقع الانصار الشيوعيين العراقيين  .... موقع علماني ... ديمقراطي ... يساري ... تقدمي... والمقالات فيه تعبر عن آراء أصحابها... والموقع لا يتحمل أيّة مسؤوليّة عن ماينشر بأسم الكُتّاب ...  ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم

 
 

       
Print Article    

19-01-2012

 

   

 

   

دعوة عامة لاغناء مشروع وثيقة "الموضوعات السياسية"

 

قررت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في اجتماعها المنعقد في 9 كانون الاول 2011 طرح مشروع وثيقة "الموضوعات السياسية" للنقاش العام، اسوة بالوثائق الأخرى التي ستقدم الى المؤتمر الوطني التاسع للحزب. وفي الوقت الذي نتطلع فيه الى مشاركة واسعة وجادة لتدقيق هذه الوثيقة وتعميق مضامينها من لدن عموم الاصدقاء والمؤازرين، وكل المواطنين الخيرين الآخرين، من السياسيين والباحثين والكتاب والناشطين والصحفيين وغيرهم، الذين تعز عليهم قضايا الشعب والمستقبل الديمقراطي الحقيقي لأبنائه، نعد الجميع، كما جرى عند مناقشة وثيقة برنامج الحزب ونظامه الداخلي، بان نتعامل مع كتاباتهم وطروحاتهم، التي ستكون معيناً هاماً لنا، بامتنان كبير وبجدية متميزة ومسؤولية عالية. الى جانب إمكانية ان تجد تلك المساهمات طريقها الى النشر العلني في واحدة او أكثر من منابر الحزب الإعلامية، بهدف تعميق الاستفادة منها، وتوسيع عملية الحوار والنقاش حول المؤتمر وعموم وثائقه والقضايا العامة التي سيجري التصدي لها فيه.

شكرنا الجزيل لكل الذين سيبدون اهتماماً خاصاً بقراءة نص الوثيقة، مع شكر خاص مسبق لمن سيساهمون في الكتابة عنها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اللجنة المركزية

للحزب الشيوعي العراقي

18/ كانون الثاني/2012

 

 

 

 

 

مسودة موضوعات سياسية للمؤتمر الوطني التاسع للحزب الشيوعي العراقي

 

1- تمر بلادنا بمرحلة بالغة التعقيد والصعوبة، يتداخل فيها العديد من العوامل الداخلية والخارجية. وفي ظل الصراع المحتدم المتواصل فيها حول المستقبل وشكل الدولة والنظام السياسي- الاقتصادي- الاجتماعي، تبقى الأوضاع مفتوحة على احتمالات عدة، ومرهونة بمدى قدرة جماهير الشعب والمجتمع المدني بكل مكوناته، على مواصلة التحرك والضغط. وتبقى مرتبطة بمواقف الكتل والأحزاب والقوى السياسية، وقدرتها على تجاوز انانياتها ومصالحها الضيقة، وإمكانية توصلها الى برنامج واقعي ملموس، لإخراج البلاد من أزمتها، وفتح فضاءات التطور الديمقراطي الحقيقي للبلد، السياسي والاجتماعي، والسير على طريق الاعمار والبناء وإقامة دولة القانون والمؤسسات والعدالة الاجتماعية، الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية، كاملة السيادة.

2- تضافرت طريقة اسقاط النظام الدكتاتوري البغيض مع تداعيات الاحتلال، وتصدع الدولة، والتغييرات العميقة في علاقات القوى السياسية والمجتمعية، والتركة الثقيلة للدكتاتورية، لتشكل أوضاعا استثنائية فريدة في العراق، ولتفجر تناقضات وصراعات متنوعة ومتداخلة، سياسية وقومية وطائفية واجتماعية، تراكمت عناصرها ومسبباتها على مدى عقود سابقة، واتسعت واشتدت بوجود القوات الأجنبية، والتدخلات الخارجية، الاقليمية والدولية، وقوى الارهاب القادمة من الخارج، وامتداداتها وحواضنها في الداخل.

3- وقد وضعت هذه التطورات وحقائق الاوضاع الجديدة التي نشأت بعد 9 نيسان 2003، شعبنا أمام مهمة أساسية مزدوجة يتلازم فيها الوطني والديمقراطي، والسياسي والاجتماعي؛ أي إنهاء الاحتلال واستعادة السيادة الكاملة من جهة، وإعادة بناء الدولة العراقية على اسس دستورية ديمقراطية اتحادية وتطمين رفاه المواطنين من جهة أخرى.

 

انطلاق العملية السياسية

4- في هذه الاجواء، تم تدشين العملية السياسية في صيف 2003، وهي العملية الهادفة الى الانتقال بالعراق من الدكتاتورية ونظام الحزب الواحد، إلى نظام دستوري يضمن الحريات والحقوق لجميع ابناء الشعب، ويستعيد السيادة لعراق ديمقراطي اتحادي موحد مستقل. واعتمدت العملية السياسية والقوى المشاركة فيها الأساليب السلمية ومبدأ التفاهم والتوافق السياسي، في حل المعضلات التي تعترض تصفية مخلفات الدكتاتورية وإنهاء الاحتلال، وفي إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وصياغة وإقرار الدستور الذي يرسي الأسس والمباديء العامة لعملية بناء دولة العراق الجديدة.

وشقت العملية السياسية طريقها عبر مسارات متعرجة، وفي خضم صراعات حادة بين القوى المشاركة فيها، ودموية في مواجهة القوى المناهضة لها - من إرهابيين وبقايا النظام السابق ومن خلفهم من أطراف متنفذة، داخلية ودولية. ورغم تنوع اشكال وأطراف هذه الصراعات، فإن محورها الأساس كان في المطاف الأخير، التنافس على السلطة والثروة والقرار، وعلى تحديد شكل الدولة الجديدة ومضمونها. والى جانب ذلك كان هناك من يريد العودة بالوضع الى الوراء، متذرعا بوجود الاحتلال.

5- وعلى خلفية الصراعات بين الكتل والقوى السياسية المتنفذة، واستشراء الفساد في المؤسسات الحكومية، واستمرار تعقيدات الوضع الامني وترديه، والتدهور المريع في الخدمات العامة، وارتفاع الاسعار، وتصاعد نسب الفقر، وتفشي البطالة، واتساع التدخلات الخارجية في شؤوننا الداخلية، وتحول كل ذلك بالتدريج إلى ازمة عامة تشمل مختلف المجالات وشتى المستويات.. بات واضحا ان العملية السياسية لا تواجه صعوبات جدية واختلالات كبيرة وحسب، وإنما بدأت فوق ذلك تخرج عن مسارها السليم. فبرزت ضرورة اجراء مراجعة نقدية لمسيرتها وحصيلتها، ولأداء مؤسسات الحكم في سياقها، بغية اصلاحها وتصويب مسارها، ووضعها على السكة الصحيحة، وصولا بها الى غاياتها المرجوة. وتصدر هذه المهمة العمل على تخليصها من اس المشكلة، المتمثل في اعتماد نهج المحاصصة الطائفية – الاثنية في تشكيل مؤسسات الحكم والدولة، والذي آلت اليه التفاهمات والتوافقات السياسية.

6- وارتباطا بما تتركه هذه الأوضاع والأزمات المتتالية من تأثيرات سلبية على الملايين المحرومة ومعيشتها، ومن تغذية لمشاعر الاحباط والقلق والسخط في اوساطها، تصاعدت مطالبات الفئات الشعبية الواسعة بمعالجة المعضلات المعيشية والخدمية والاجتماعية التي تطحنها، وبوضع البلاد على طريق الاعمار والاستقرار. وتحولت تلك المطالبات بمرور الوقت إلى حركة احتجاجية ضاغطة، بمشاركة ودعم قوى شعبية وسياسية ومنظمات مجتمع مدني واتحادات جماهيرية ونقابية، في اتجاه تجاوز الشلل الذي يلف البلد ويعطل حركته الى الامام. ودفعت الاوضاع المعيشية والحياتية القاسية المزيد من أبناء الشعب، الى الانخراط في هذا الجهد الضاغط، الذي تتنوع أشكاله وتتفاوت مستوياته، ويشكل بنحو متزايد تيارا تتسع صفوفه، ويصعب حصره او تجاهله. كذلك اخذ يتسع ادراك الناس ان تحقيق مطالبهم مرهون باصلاح النظام، وإعادة الزخم الضروري إلى العملية السياسية، وفقا لمعايير وأسس جديدة وتوازنات واصطفافات سياسية، تنبذ نظام المحاصصة وتعتق البلاد من تركته الثقيلة.

7 - وفي الأشهر الماضية ترافق ذلك مع هبوب الرياح الثورية المنعشة وعواصف التغيير على منطقتنا، وتداخلها وتفاعلها مع العوامل الداخلية في اوضاع بلادنا، وتحفيزها حركات الاحتجاج والتظاهر ونزول الجماهير الى الشارع، للتعبير عن آرائها وطرح مطالبها المشروعة، وهو ما كانت بدأته منذ صيف السنة الماضية.

 

تعمق أزمة نظام المحاصصة

 

8- ومع عجز السلطة القائمة على قاعدة المحاصصة الطائفية – الاثنية، والمعتمدة منهجها، عن معالجة مشاكل البلد، اتسعت وتعمقت المشاكل وتداخلت الأزمات، لتتحول إلى أزمة لنظام الحكم، تجلت مظاهرها، بجانب ما سبق ذكره، في غياب الرؤى والاستراتيجيات القريبة والبعيدة، وفي الخلل الكبير في تطبيق مبدأ الشخص المناسب في المكان المناسب، وما يترتب على ذلك من استبعاد للعناصر الكفوءة المخلصة والوطنية، وتفشي الترهل والفساد والبيروقراطية في اجهزة الدولة ومؤسساتها واجهزتها الادارية. كذلك غياب ارادة العمل المشترك، وتقلص فضاءات التعاون والعمل الجماعي، وتنامي مظاهر الفردية، وتداخل الصلاحيات، وتقاطع التشريعات والتعليمات، وما يفضي اليه ذلك كله من ارباكات تعمق جوانب التأزم والعجز. حتى انتهى الحال بأجهزة الدولة الى الشلل وفقدان القدرة على القيام بمهامها، وادى بالكتل السياسية الى العجز عن الوفاء بالوعود التي قطعتها لناخبيها عشية انتخابات آذار 2010 .

9- وانعكس الوضع المتأزم في الفترات الأخيرة في شدة ممانعة القيادات السياسية المعنية ازاء الاصوات التي تطالبها بالتقارب المتبادل وتيسير التوصل الى تفاهمات مشتركة تحقق الانفراج السياسي المنتظر، وبالسعي لانجاز ملفات الحوار والمصالحة وتجاوز السلبيات في العملية السياسية، ومعالجة معضلات الحياة اليومية التي يكاد المجتمع بأسره يئن تحت ثقلها.

والامر المقلق بشكل خاص، ان هذه الممانعة استمرت بشكل او بآخر حتى حين ارتفع نداء الوطن، ووقفت البلاد على اعتاب قرارات ذات أهمية قصوى، في تقرير مستقبلها كدولة وطنية مستقلة ذات سيادة كاملة، مع انتهاء الانسحاب الامريكي وفقا للاتفاقية الامنية.

 

ضرورة اصلاح الجهاز الاداري والخلاص من المحاصصة

 

10- ما زال بناء مؤسسات الدولة، على اهمية ما تحقق فيه، يعاني من اعتماد المحاصصة في الكثير من المفاصل، وما يترتب عليه من سوء ادارة، وتوفير تربة خصبة لنمو الفساد وانتشاره. كما يعاني من توجيه المال العام احيانا لبناء تشكيلات وتكريس ممارسات، لا تنسجم مع السعي المعلن لاقامة دولة القانون على وفق مبدأ المواطنة. هذا المبدأ الذي لا يمكن تصور بناء سليم للدولة واجهزتها، وبضمنها القوات المسلحة، من دون اعتماده، وابقاء المنطلقات الاخرى، وبضمنها الدينية، بعيدا عنها وعن التنافس الحزبي والصراع السياسي.

11- ان من شان انجاز الكثير من المستحقات الملحة ذات الطابع السياسي- الاداري، وتطبيقها السليم، واعتماد المعايير العلمية للادارة الرشيدة، ومباديء الفعالية والكفاءة والوطنية في اسناد الوظيفة العامة، ان يبعثا الحيوية ويكرسا الصدقية في مفاصل عمل الدولة.

 ويضم جهاز الدولة ما يزيد على مليونين وستمائة الف من الموظفين والمتعاقدين، وهو بالاضافة الى ترهله هذا وفساده وبيرقراطيته، يتسم غالبا في تعامله مع المواطنين بالفوقية والاستهانة، وتؤدي به طبيعته الى الاخلال بمبدأ المجانية والمساواة في تقديم الخدمات الحكومية. لذا نرى ان من الضروري التوجه نحو اصلاح حقيقي للجهاز الاداري وترشيقه، بما يعزز كفاءته ومهنيته، ويضمن العدالة في تقديمه الخدمات للمواطنين، باعتبار ذلك مهمة اساسية وشرطاً ضرورياً للبناء القويم للدولة.

 

ولانجاز ذلك لا بد من :

- الشروع عاجلا بعملية الاصلاح على اساس استبعاد نهج المحاصصة، وتعزيز نهج الكفاءة والنزاهة والفاعلية. ويعد الاسراع في تطبيق قانون مجلس الخدمة العامة خطوة في هذا الاتجاه.

- اعتماد الدراسة العلمية، والانطلاق من الواقع العراقي الملموس، والافادة من التجربة العالمية، بعيدا عن الاهواء والمزاجية والشخصنة في اعادة هيكلة الوزارات وغيرها من المؤسسات، وفي دمجها مع بعضها او الغاء واحدة واستحداث اخرى.

- ان تتم العملية بالتشاور الجاد مع ذوي الاختصاص والخبرة، ومع المعنيين من ذوي الرأي الحصيف والوطني.

- ان تتخذ بجانب ذلك التدابير التي تحول دون التفريط بالقوى والطاقات والكفاءات، بل على العكس تحسن اعادة توزيعها وتوظيفها لخدمة المجتمع والبلاد.

- الالتفات الى الكفاءات والمواهب العراقية الكثيرة المنتشرة في بلدان العالم المختلفة، وتأمين التسهيلات التي تشجع عودتها والاستفادة من خبراتها في تحديث اجهزة الدولة وتطوير أدائها.

- الاسراع في تطبيق مشروع الحكومة الالكترونية.

12- ان الاستمرار في تجاهل تطبيق معايير سليمة وواضحة في اسناد الوظائف العامة، سيزيد من اعداد المفسدين والمرتشين، ومن شلل اجهزة الدولة ومؤسساتها، وعجزها عن القيام بمهامها، وتحويلها الى ضيعات للمريدين والطبالين، وما يترتب على ذلك من فساد اداري ومالي وضعف في الاداء وانعدام للكفاءة.

13- من ناحية اخرى تبقى مخلفات الصراع الطائفي المسيس، وبضمنها معضلة ملايين المهاجرين والمهجرين، تمارس تأثيراتها السلبية في حياة البلاد، وتكبح عودة الاوضاع الى حالها الطبيعي في الكثير من مناطق البلاد.

 

موقفنا من الانتخابات

 

14- مرت سنتان على انتخابات مجلس النواب التي جرت في 7 اذار 2010. وفي اجواء التوتر والتأزم في العلاقات بين القوى والاحزاب والكتل السياسية، والصراع المحموم على السلطة ومواقع النفوذ التي سبقت تلك الانتخابات، مررت الكتل المتنفذة صفقة تعديل قانون الانتخابات في مجلس النواب خريف 2009 . وشكل ذلك التعديل انتقاصا من الديمقراطية ومؤسساتها، واعتداءً على التعددية والتنوع، وجسد السعي الى الهيمنة واحتكار السلطة، وليس الى المشاركة واجتذاب القوى السياسية للاسهام في صنع القرارات الاساسية، المتعلقة بواقع البلاد ومستقبلها.

15- وعكس الاصرار على تمرير التعديل في مجلس النواب توجها نحو تقسيم البلاد عمليا، عبر رفض مفهوم العراق دائرة انتخابية واحدة، المنسجم مع مبدأ المواطنة والمساواة بين المواطنين، الى جانب افراغ مفهوم القائمة المفتوحة من محتواه، بما يبيح في النهاية وصول مرشحين الى مجلس النواب، لم يحصلوا الا على بضع مئات من الاصوات. ورافق ذلك إلغاء المقاعد التعويضية، التي كانت الغاية من اعتمادها تأمين حق الحائزين على المعدل الوطني في الوصول الى البرلمان، حيث قضى التعديل المجحف بمنح المقاعد الشاغرة الى الفائزين بدل توزيعها على ذوي الباقي الاقوى، مثلما نص عليه القانون في الاصل.

16- وشكل هذا كذلك تهديدا لمبدأ التداول السلمي والديمقراطي للسلطة، حيث تعتبر الانتخابات الوسيلة الملائمة لهذا التداول، ما يوجب تكريسها وترسيخها كمؤسسة وكممارسة تجسد ارادة الشعب، واستبعاد كل ما يشوهها او ينتقص من قيمتها.

17- وقد شاب انتخابات 7 آذار 2010 الكثير من السلبيات والنواقص، التي شملت التحضير لها، واعداد سجلات الناخبين، وتهيئة ادارات المرافق الانتخابية ومراكز الاقتراع ومحطاته من قبل الجهات المعنية، مرورا بالحملة الانتخابية، والتأثيرات السيئة للمال السياسي، والتدخلات الخارجية متنوعة الاوجه، واستغلال اموال الدولة ووسائلها ونفوذها، وخرق الصمت الاعلامي في يومه المعلن، وتكرار اعمال التلاعب والتزوير في الكثير من مراكز التصويت ومحطاته، وانتهاء بمرحلة العد والفرز، التي اشر قرار الهيئة التمييزية في المفوضية حصول تلاعب خلالها، واكد صحة الطعون المقدمة في شأنها، وقضى بناء على ذلك باعادة عد وفرز اصوات الناخبين في بغداد يدويا. هذا بالاضافة الى الطعون المشروعة التي وجهت الى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، بسبب سوء ادارتها للعملية الانتخابية، وتساهلها ازاء تدخلات كتل سياسية متنافسة وجهات خارجية في شؤونها، وسكوتها على ذلك.

18- وقد ساهمت هذه العوامل جميعا في التأثير على إرادة الناخبين وخياراتهم، وعلى نتائج الانتخابات. وكان مما له دلالته في هذا السياق، ان الكثير من اللافتات والملصقات التي رفعتها الجماهير المحتجة لاحقا، عكست ندم الناخبين وهم يعضون على الاصبع البنفسجي. وهم بهذا لا يرفضون الانتخابات بحد ذاتها، بل يأسفون لكونهم لم يحسنوا الاختيار عند صناديق الاقتراع، في الاجواء غير السليمة والضاغطة التي احاطت بهم في المراكز الانتخابية وقبلها.

19- سنواصل العمل من اجل سن قانون انتخاب ديمقراطي، واستبعاد التعديلات التي ادخلت، على قانون انتخاب مجالس المحافظات وعلى قانون انتخاب مجلس النواب، وسن قانون الاحزاب، واعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وانجاز الاحصاء السكاني، تمهيدا للتوجه نحو اجراء انتخابات جديدة لمجالس المحافظات، والاعداد لانتخابات مبكرة او اعتيادية لمجلس النواب.

 

السيادة الوطنية الكاملة

 

20 - سيتذكر العراقيون يوم 31 آب 2010 الذي دخل التاريخ كونه يوم انجاز خطوة هامة على طريق انهاء الاحتلال، واستعادة الاستقلال والسيادة الكاملين على وفق الجدول الزمني، الذي تضمنته اتفاقية سحب القوات، الموقعة بين العراق وأمريكا. ففي ذلك اليوم استكمل سحب القوات القتالية الأمريكية من المدن والقصبات، وتحولت مهامها إلى تقديم الدعم والاسناد والمشورة وتدريب القوات العراقية. والى جانب ذلك وبدلا من العلاقات العسكرية - الأمنية بين البلدين، بدأ التركيز على العلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والثقافية، وفق ما تقضي به اتفاقية الاطار الستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة.

21- لقد تعامل بعض الأطراف المحلية أو الاقليمية مع الانسحاب، وفقا لمصالحه وأجنداته، ومنه بعض القوى السياسية العراقية، التي أخضعت الموقف من هذا الحدث الهام والكبير، إلى منظور حساباتها السياسية وحصتها مما كان "يطبخ" آنذاك على صعيد تشكيل الحكومة، وما يقدمه لها الوجود الأمريكي من دعم في ذلك.

22- لا شك إن القوات العراقية وهي تتسلم الملف الأمني بالكامل، تواجه تحديات استكمال جاهزيتها على مختلف الصعد. ويعود عدم تحقق جاهزيتها الكاملة الى جملة أسباب، منها مواقف بعض القوى- وبضمنها المتباكون اليوم على الأمريكيين المنسحبين- التي استمرأت المحاصصة، وادخلتها في بنية القوات المسلحة، وتعمدت التلكؤ في بناء هذه القوات ما دامت هي تحتمي بالقوات الأمريكية.

23- ومن نافل الكلام ان نشير إلى التأثيرات الضارة لتردي الوضع السياسي، وللتلكؤ والمماطلة والتسويف وعدم القدرة على اتخاذ قرارات جدية، ولغياب مجلس النواب وأعضائه، والتراشق والمناكدات بين الكتل الفائزة، وحالة الاستعصاء التي باتت تحكم العلاقة في ما بينها. فكل ذلك ترك آثاره السلبية على تماسك القوات المسلحة وأدائها المطلوب، في هذا الظرف الصعب والحساس.

24- وفي مجرى السير على طريق الاستقلال وتحقيق سيادة البلد والتصفية الكاملة لآثار الاحتلال، لا بد من تشخيص النواقص والثغرات في أداء القوات المسلحة، ومواصلة العمل الحثيث لبنائها على أسس سليمة بعيدا عن الولاءات الضيقة، أيا كانت، وعلى وفق معايير الكفاءة والمهنية والوطنية، والسعي لرفع قدراتها، بجانب تنشيط المنظومة الأمنية والاستخباراتية، وتكريس جهدها لصيانة العملية السياسية وتطورها اللاحق نحو بناء الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المؤسسات والقانون، كاملة السيادة.

25- ومعروف اننا اعتبرنا عقد الاتفاقية العراقية – الامريكية، الخاصة بانهاء الوجود العسكري الامريكي (الذي تحقق يوم 31-12-2011، يوم انتصار ارادة الشعب العراقي) خطوة هامة على طريق استعادة السيادة والاستقلال الكاملين، وشددنا في حينه على ضرورة ان تسعى الحكومة والكتل السياسية، الى تهيئة مستلزمات تنفيذها بسلاسة. كما دعونا الى اتخاذ كافة الاجراءات التي تضمن تمتع العراق بحقه في السيادة على ثرواته واراضيه ومياهه واجوائه، واكدنا تكرارا رفضنا الوجود العسكري الاجنبي ايا كانت صورته، وأن لا مساومة على استقلال بلادنا وسيادتها.

26- ان على الكتل المتنفذة والحاكمة ان تدرك انها، بصراعاتها على مواقع النفوذ والهيمنة، وخلافاتها المعلنة وغير المعلنة، واعتمادها المحاصصة والحزبية الضيقة في اسناد الوظائف العامة، لا سيما في المؤسسات الامنية والعسكرية، واستعانتها بالاطراف الخارجية المختلفة، هي من اضعف الموقف الوطني الداخلي وتماسكه، وافسح في المجال للتدخل في شؤون بلادنا.

27- واننا اذ ندرك حالة الاستياء العامة في اوساط جماهير شعبنا، وما عبرت عنه في التظاهرات والفعاليات الجماهيرية المتواصلة في عموم مدن الوطن، واجواء انعدام الثقة بين الكتل الحاكمة، والصراعات المحتدمة في ما بينها وداخل كل منها، نرى ان من غير الصحيح العودة الى الاساليب والممارسات الخاطئة، التي كلفت الشعب والوطن الكثير، والتي يتحرر بلدنا بالكاد من نارها، نار الطائفية المقيتة التي اوشكت ان تحرق الاخضر واليابس، ووضعت مصير البلد على كف عفريت. كما ليس من الصائب الرجوع الى زمن الميليشيات، ايا كانت، وباية صيغة تجلت، بل ينبغي السهر على حصر السلاح بيد الدولة.

28- ولقد اكدنا مرارا موقفنا الداعي الى التمسك بتنفيذ الاتفاقية مع الولايات المتحدة بحذافيرها، بما في ذلك الانسحاب الكامل للقوات الامريكية من اراضينا في الموعد المحدد، ورفض اي تواجد عسكري اجنبي، حتى لو كان مؤقتا، وايا كانت مسمياته. وان ما انجز في 31 كانون الاول 2011 يشكل منعطفا هاما على طريق تحقيق السيادة، الذي يتوجب استكماله بتخليص العراق من الفصل السابع.

29- وان من مستلزمات تحقيق السيادة الناجزة للبلد، الدفاع عن مصالحه والوقوف بوجه اطماع دول الجوار التي تريد ان تتمدد داخل اراضي بلادنا، مستغلة اوضاعها الصعبة والفوضى الطانبة فيها، لالحاق الضرر بها وباقتصادها.

 

الملف الامني وتطوراته

30- يواصل الإرهابيون ممارسة هواية القتل، وارتكاب المزيد من الجرائم، وتفعيل كواتم الصوت، ويستمرون في استهداف أبناء شعبنا من مختلف القوميات والطوائف.

وليس من يجهل منطق الإرهاب والإرهابيين، ولا من يتوقع أن يلقوا أسلحتهم اختيارا، قبل دحرهم وشل أياديهم الآثمة ومنعهم من إهدار المزيد من دماء العراقيين، من دون ان تتوقف الدول الساندة والمؤيدة عن تقديم الدعم المالي والمادي واللوجستي لهم.

31- ان غاية هؤلاء الأوباش، الداخليين والخارجيين، جلية وواضحة. فهم يستهدفون العراق وأمنه واستقراره وتجربته الوليدة. ولا يروق لهم ان يروا العراق يحث الخطى ويسعى لتجاوز الصعاب وبناء مستقبله على وفق إرادة شعبه وتطلعاته.

32- ان ما يقوم به سافكو دماء العراقيين، مدنيين وعسكريين، مواطنين عاديين ومسؤولين، حتى بعد جلاء القوات الامريكية، يكذب ما ظلوا يزعمونه دون انقطاع، من ان ارهابهم موجه ضد قوات الاحتلال لا غير، وغايته إجبارها على الجلاء عن ارض الرافدين.

33- ان خطط الإرهابيين على اختلاف هوياتهم جلية وواضحة. فهم يستهدفون تعطيل الحياة العامة، واجهاض العملية السياسية،والعودة بالبلاد الي الخلف، واقامة حكم الظلاميين. والسؤال هو: ما الذي تم اعداده لإفشال مشاريعهم الشريرة في اطار المواجهة المفتوحة معهم، وصولا إلى دحرهم؟ وهل تم استخلاص العبر والدروس من خبرة السنوات السابقة، بنجاحاتها وإخفاقاتها؟

34- لقد أثبتت التجربة والممارسة العملية صواب ما كنا - ومازلنا- نذهب اليه، من ان مستلزمات وأدوات المواجهة والتصدي، يفترض ان لا تقتصر على الجانب العسكري- الامني، رغم أهميته وضرورة عدم التقليل من شأنه. فالحاجة تبقى قائمة إلى مجموعة من المقاربات ذات الصلة بتمتين الوحدة الوطنية، والوصول بالمصالحة إلى غاياتها المنشودة. كذلك الإقدام على إجراءات اقتصادية وخدمية وثقافية وإعلامية فاعلة، والسعي الى توعية الناس وكسب ثقتهم وتطمينهم، واستبعاد الممارسات التي تحد من اندفاعهم إلى مساندة الدولة ومؤسساتها في المعركة ضد الإرهاب.

35- والمؤسف انه فيما تتجدد حالات الاختراق الأمني، ويسقط مزيد من الضحايا، تواصل القوى والكتل السياسية المتنفذة التطاحن على مناصب وزارات الدفاع والداخلية والأمن الوطني. وهي بذلك تبرهن مجددا على ان مصالحها ومغانمها ارقى عندها منزلة من امن الوطن واستقراره وسلامة أبنائه. وان الصراع على النفوذ والهيمنة هو ما حال حتى الآن دون استكمال قوام التشكيلة الحكومية، التي جاءت أساسا دون مستوى الطموح، على حد وصف رئيسها.

36- لقد آن الأوان لإجراء مراجعة تقويمية جادة للخطط والمشاريع الأمنية والعسكرية، ومواصلة بناء المؤسسات والأجهزة على وفق الكفاءة والنزاهة والوطنية، والإخلاص للتجربة الديمقراطية الفتية، بعيدا عن المحاصصة اللعينة. كذلك تطهير تلك المؤسسات والأجهزة من العناصر التي تتقاطع معها في الأهداف والتوجهات. فمن المعيب بالنسبة للدولة والحكومة، ان يكون بين أدواتهما وأفراد مؤسساتهما من يشترك في إراقة دماء العراقيين.

37- ان معالجة الملف الامني تحتاج الى اتخاذ حزمة متكاملة من الإجراءات، وتوفير الإدارة الجيدة له ضمن تصور استراتيجي، بعيدا عن المواقف الارتجالية والعبثية، وعن زج القوات المسلحة في غير مهامها المحددة وفقا للدستور، او الاستعانة بهياكل ومؤسسات يجري تشكيلها لخدمة اهداف سياسية ضيقة لاصحابها، او اعادة الاعتبار للمليشيات التي كانت وراء تأجيج الاحتقان الطائفي، وكادت ان تزج بالبلاد في اتون حرب اهلية. ان مصلحة الوطن تقتضي تحريم تشكيل المليشيات، وإخضاع من يقدم على ذلك للملاحقة القانونية، وفقا لاحكام الدستور.

التعديلات الدستورية واستحقاقاتها

38- ينص دستورنا الحالي صراحة على أمكانية تعديله، اذا استدعت الممارسة السياسية والاجتماعية ذلك. وهو يحدد ايضا ضوابط ذلك في مادتين أساسيتين، تتعامل احداهما (المادة 126) مع الظروف الاعتيادية، حينما تتطلب الحاجة تعديلاً.

39- لكن الدستور، بحكم اوضاع البلاد الاستثنائية، يحتوى ايضاً ما يسمى بالأحكام الختامية والاحكام الانتقالية، التي تعالج جانبا هاما ذا طابع سياسي. فقد اعتمدت بهدف تطمين بعض شرائح المجتمع، وتأمين تطلعات سياسية، فتم الاتفاق في المادة 142 الاستثنائية على أمكانية مراجعة الدستور بالتوافق، وتقديم مقترحات إلى البرلمان لمعالجة التعديلات المطلوبة في صفقة واحدة، مع عرضها لاحقا على الاستفتاء.

وعلى أساس هذه المادة (142) شكل مجلس النواب لجنة لتعديل الدستور، الأمر الذي لا يتعارض مع نص المادة 126، ذات الصلة بالتعديلات الاعتيادية. علما ان التعديلات الدستورية استحقاق قانوني، وحاجة سياسية - اجتماعية تفرضها التجربة الشائكة للعملية السياسية في بلدنا منذ التغيير في نيسان 2003 والظروف التي كتب فيها الدستور.

40- والتعديلات ضرورية أيضا لمعالجة بعض النواقص في الصياغات، وعدم الدقة والوضوح في العديد من مواد الدستور وفقراته، بحيث لا تبقى حمالة أوجه، مثيرة للاشكالات والخلافات والنزاعات، عبر سماحها في الظروف السياسية المتقلبة بتفسيرات انتقائية، حسب اهواء الكتل السياسية وتطمينا لمصالحها الخاصة، ومتباينة او حتى متناقضة. فمن الضروري ان تكون تلك المواد الدستورية على درجة عالية من الوضوح، خاصة وان بعضها ذو صلة بصميم مصالح المجتمع، وبعلاقات أبنائه مع بعضهم.

41- ولكي تأتي التعديلات الدستورية في سياقها الطبيعي، وبناء على ما تفرضه الضرورات، فمن الواجب الا تكون غطاءً لمطامح سياسية آنية، من شأنها أن تخل بوظيفة الدستور نفسه، وبطابع الثبات النسبي المميز له، مقارنة ببقية القوانين والتشريعات.

فالالتزامات الدستورية الأساسية تتطلب تعاملا حساسا ودقيقا، بالنظر لدورها المباشر في إضفاء طابع الاستقرار والوضوح والحالة الطبيعية على مسيرة بلدنا.

42- ويبقى التوافق السياسي (وليس القائم على المحاصصة الطائفية والاثنية) بشأن التعديلات، أمرا ضروريا وحاسما في اللحظة التاريخية الملموسة، التي يمر بها العراق. وفي حال عدم تحقيق هذا التوافق، ينبغي تأجيل ما هو غير ناضج من التعديلات، وإخضاعه إلى المزيد من الحوار والبحث، وصولا إلى صياغات متوازنة ومتفق عليها.

وان أية استهانة بهذه الآلية، في ظرفنا الحالي، قد تفتح البلد على احتمالات غير محسوبة، وربما غير مسرة.

43- لا شك ان تأخيرا قد حصل في إجراء التعديلات الدستورية ضمن الفترة الزمنية المحددة، جراء تعنت تيارات وقوى وكتل سياسية، وعدم توصلها إلى تسويات متوافق عليها. وقد حال ذلك دون انجاز هذا الاستحقاق، الذي كان من شأنه ان يطور ويرسخ العملية السياسية والديمقراطية.

ان معالجة هذه المسألة، اذا ما حسنت النوايا وتوفرت الارادة السياسية التي تضع مصلحة البلد فوق أي اعتبار آخر، قد توفر الأجواء والفرص المناسبة للمضي قدما على طريق معالجة العديد من الملفات الاخرى، التي ما زالت تنتظر الحل.

تقزيم الديمقراطية والتعامل الانتقائي مع الدستور

44- شهدت بلادنا خلال الفترة الماضية مظاهر سعي الى تقزيم الديمقراطية، واعطائها مفهوما على مقاسات السلطات المتنفذة. وتجلى ذلك في ما يلي:

45- رغم ان كثيرا من مواد الدستور حمّالة اوجه، فقد مارست الاطراف الحاكمة انتقائية غريبة في التعامل معها، وتفسيرها بصور تضمن مصالحها وسيطرتها. ولا تبدو هذه القوى مبالية وهي تناقض نفسها في ذلك، وإذ لا تأخذ الدستور بكليته ومواده المختلفة في معالجة الامور.

46- التوسع في تفسير الصلاحيات بما يتناقض مع مواد الدستور، وكذلك ما له صلة بالحريات العامة والاعراف، واضفاء طابع احادي عليها، وقضمها تدريجيا، وتحديدها بقوانين وتعليمات تناقض روح الدستور. وهذا على صعيد المركز والمحافظات.

47- مخالفة السلطات الحكومية الصريحة والواضحة للمادة 38 من الدستور، ذات الصلة بحق المواطن في حرية التعبير عن الرأي بمختلف الوسائل، وفي حرية الاجتماع والتظاهر السلمي، اللذين هما من مظاهر ووسائل التعبير عن موقف ورأي. فالمتظاهرون يحملون رسالة يبغون ايصالها الى ذوي العلاقة في مركز القرار.

48- ولا بد من الاشارة الى اننا لا نتبنى ولا ندعو الى خروج التظاهرات والاحتجاجات عن سياقاتها وأهدافها، بل نشدد على ضرورة اعتمادها الوسائل السلمية للتعبير، ونرفض أي مسعى لحرفها عن مسارها الشرعي والسلمي واستغلالها لغير اهدافها. الا ان من غير المقبول، على الاطلاق، تكميم افواه الناس.

49- ممارسة السلطات على نطاق واسع اساليب الاعتقال والتعذيب وانتزاع الاعترافات والتعهدات، وملاحقة المحتجين وتهديدهم في سكنهم وعملهم، واستخدام اساليب الترغيب والترهيب في قمع الاحتجاجات وتحجيمها، وغير ذلك من الممارسات المنتهكة لحقوق الانسان.

50- التدخلات الفظة من قبل السلطة وبعض الكتل المتنفذة، في شؤون النقابات والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني، من خلال تعطيل انظمتها الداخلية و انتخاباتها وتجميد اموالها، ومحاولة فرض قيادات عليها بالضد من ارادة منتسبيها وما تنص عليه انظمتها الداخلية.

51- السعي لفرض الرأي الواحد، وتنميط المجتمع وتأطيره وفق اطروحات "الاسلام السياسي"، وممارسة الارهاب الفكري باشكال مختلفة، ومصادرة الرأي الآخر، وتشجيع وادامة النزعات الطائفية والمناطقية والعشائرية، على حساب مبدأ المواطنة والشراكة الوطنية.

52- التدخل في شؤون القضاء، والسعي للتأثير على قراراته واحكامه، وتسييسها وفقا لمصالح واهواء الجهات المتنفذة.

ان هذه وغيرها من الممارسات، تعكس منحى خطيرا يضيق بالآخر المختلف، ويسعى الى مصادرة الحريات العامة والشخصية، في انتهاك فظ للدستور ومبادئ حقوق الإنسان والأعراف والمواثيق الدولية ذات العلاقة. وهذا لا يستقيم مع الدعوات إلى إقامة دولة القانون والمؤسسات، الدولة المدنية الديمقراطية.

 

الحكم الاتحادي ( الفيدرالي )

53- يرى الحزب الشيوعي العراقي في نظام الحكم الاتحادي شكل الحكم المناسب للعراق. وقد تبنى حزبنا هذا الموقف منذ اوائل التسعينات من القرن العشرين، ارتباطا بالتطورات في اقليم كردستان غداة انتفاضة آذار 1991 . وقد جرى تثبيت ذلك لاحقاً في الدستور، حيث نصت مادته الاولى على أن "جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة، ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي، وهذا الدستور ضمان لوحدة العراق".

54- واكد الحزب موقفه الداعي الى تعزيز الفيدرالية في الاقليم، باعتبارها الحل الديمقراطي للقضية القومية الكردية في ظروف العراق الملموسة. كما ايّد من حيث المبدأ اقامة نظام اتحادي (فيدرالي) في العراق، على ان يقرر العراقيون شكل الاقاليم التي يتم تشكيلها وفقا للدستور، وبموجب الاليات التي يتضمنها قانون تكوين الاقاليم.

55- وشدد الحزب على ضرورة التأكد، عند تشكيل اقاليم جديدة، من الحاجة الفعلية لتكوين الاقليم المعني، وكونه يلبي طموحات المنطقة ذات العلاقة ويعبر عن الارادة الحرة لابنائها، بعيدا عن الطائفية والفرض والاكراه. كما يتوجب ان يتم ذلك في اجواء التوافق الوطني العام، وان يرتبط التنفيذ بتوفير الاجواء المناسبة لتعزيز المصالحة الوطنية الحقيقة، واعادة الامن والاستقرار. وبذلك يكون تشكيل الاقاليم في اطار العراق الديمقراطي الموحد، عامل استقرار وطمأنينة، وتمتين للوحدة الوطنية القائمة على الارادة الحرة والاتحاد الطوعي. 56- ولضمان سلامة واستقرار البناء الاتحادي للدولة، لا بد من تنظيم العلاقة بين الحكومة الاتحادية وسلطات الاقليم، واحترام ما جاء به الدستور، سواء بشأن توزيع الصلاحيات، أم بآليات تعديلها. كما ينبغي توزيع الصلاحيات بين المركز والمحافظات بما يؤدي إلى تعزيز اللامركزية، سواء على نطاق البلاد ككل ام ضمن الأقاليم، والعمل على دعم المحافظات وتمكينها من ممارسة صلاحياتها.

وفي هذا السياق يجدر الاسراع في حل القضايا العالقة ذات المساس المباشر بعملية بناء الدولة الاتحادية، وتصفية تركة النظام الدكتاتوري. ويتطلب هذا اتخاذ خطوات جادة لمعالجة اوضاع المناطق المشمولة بالمادة 140، ومواصلة وتعميق الحوار المتبادل حول القضايا الاخرى القائمة، والتوجه الجاد نحو حسم ما يتعلق بها في التعديلات الدستورية، وانجاز التشريعات الاساسية المعلقة مثل قانون النفط والغاز وقانون الموارد المالية وغيرهما.

57- ان الفيدرالية، كما جاء في الدستور، رهن بارادة العراقيين الحرة وحقهم في اختيار شكل دولتهم ونظامهم، بعيدا عن اي ظرف آني طاريء واي أجندات غير تلك التي يتوافق العراقيون عليها، وتصون مصالحهم جميعا على اختلاف قومياتهم واديانهم وطوائفهم. وبهذا المعنى فهي تتعارض على طول الخط مع دعوات التقسيم والانفصال، وتشكيل الاقاليم خارج سياقاتها الدستورية.

58- وان ما اثير اخيرا حول الاقاليم، اكد مجددا أن استمرار الصراع غير المبدئي بين القوى والكتل السياسية، والعراك على المناصب والنفوذ، وانعدام الاستقرار والأمان، وتواصل التخندق والشحن الطائفي، ونشاط المليشيات المنفلتة والخارجة على القانون، وضعف الدولة ومؤسساتها وأجهزتها، والميل الى التفرد والتهميش والاقصاء، والتضييق على الحريات، وضعف الحماس للشراكة الوطنية الحقيقية والمشاركة الفعلية في السلطة.. ان هذا كله وغيره يشجع التقوقع والانعزال، ويغذي الميول الانفصالية.

 كما انه يغري مختلف الاطراف الخارجية على مواصلة التدخل في الشأن العراقي، والسعي لتوجيهه وفقا لما تريد هي، وليس كما يرى العراقيون ويريدون لمستقبل بلدهم.

 

السمات الاقتصادية–  الاجتماعية

59- شهدت السنوات الماضية تعمق السمة الاحادية للاقتصاد العراقي، وازدياد اعتماده على العائد النفطي، الذي يمثل أكثر من 90 بالمائة من ايرادات الموازنة العامة، وحوالي 60 بالمائة من الناتج المحلي الاجمالي. ويتجلى الطابع الريعي للاقتصاد الوطني في معالمه الهيكلية وحسب المؤشرات في ما يلي :

60- أ- انحسار القدرات الإنتاجية وتراجع مساهمة الصناعة الوطنية والقطاع الزراعي والقطاعات السلعية في توليد الناتج المحلي الاجمالي. حيث لا تزيد الايرادات غير النفطية المتوقعة لسنة 2012 عن 7 بالمائة، على الرغم مما يعلن منذ سنة 2004 عن ان الدولة تتجه الى تنويع مصادر الدخل، والابتعاد عن التبعية المفرطة لقطاع النفط. لكن ما اوردناه يؤشر الاعتماد شبه الكامل على موارد النفط في تمويل الموازنة العامة للدولة. ومن المتوقع أن يوفر قطاع النفط اكثر من 92 بالمائة من ايرادات الموازنة العامة، وحوالي 65 بالمائة من الناتج الاجمالي لعام 2012 . فيما انخفضت مساهمة قطاع الصناعة التحويلية إلى حوالي 1.7 بالمائة من الناتج المحلي الاجمالي، وقطاع الزراعة إلى أكثر قليلاً من 5 بالمائة. وعند استبعاد قطاع النفط، ترتفع مساهمة قطاع الخدمات في تكوين الناتح المحلي الاجمالي الى نسبة تفوق 60 بالمائة منه، مما يؤشر كون اقتصاد العراق لم يعد اقتصادا ريعيا فقط، بل وبات خدميا ضعيف الانتاج في الوقت نفسه.

60- ب -  وينعكس هذا الضعف الاقتصادي البنيوي في تجارتنا الخارجية حيث تكاد تنعدم الصادرات غير النفطية، فهي في عام 2009 مثلا لم تتجاوز قيمتها 300 مليون دولار، في حين قاربت قيمة الاستيرادات الاجمالية 38.5 مليار دولار، منها اكثر من 5 مليارات لاستيراد المواد الغذائية و3.7 مليار لاستيراد الوقود والمشتقات النفطية. وتؤلف السلع الاستهلاكية، خصوصاً المعمرة كالسيارات والأثاث والاجهزة الكهربائية والالكترونية نسبة عالية منها. وفي 2010 تواصل نمو قيمة الاستيرادات الكلية ليبلغ حوالي 44 مليار دولار. ومن المرجح أن النمو تواصل عام 2011 بالنظر لعدم ظهور اي تطور اساسي في الانتاج الوطني من شأنه تغيير هذه الصورة.

61-أ-  وقد اتسمت السياسة الاقتصادية للحكومات المتعاقبة بغياب الرؤى والستراتيجيات والسياسات الموحدة للدولة في مجالات التنمية والمالية وغيرهما، وبالاضعاف القسري لدور الدولة، وخاصة ما يتعلق بدور الدولة في الميدان الاقتصادي. فيما استمرت المغالاة في تأكيد مزايا السوق الحرة في اقتصاد البلاد، دون معاينة للواقع الملموس واستحقاقاته، الامر الذي يعيق عملية الاعمار واعادة بناء القطاعات الانتاجية: الصناعية والزراعية، وكذلك الخدمية، وتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة والمستدامة.

61- ب- وما يعانيه القطاع الصناعي من تدهور واهمال يجسد بوضوح الآثار الاقتصادية والاجتماعية الوخيمة للخيارات والاتجاهات التي اعتمدتها السياسة الاقتصادية للدولة منذ التغيير. فبنية القطاع الصناعي حتى اواسط عقد الثمانينات من القرن الماضي كانت موزعة بين القطاعين العام والخاص، اضافة إلى القطاع المختلط. وبشكل عام كانت الصناعات الكبيرة الحجم والثقيلة ضمن القطاع العام، كالصناعات الهندسية والميكانيكية والانشائية ذات الصلة بالتصنيع العسكري، اضافة إلى صناعات القطاع النفطي. أما الانشطة الصناعية الخاصة فهي في الغالب منشات ووحدات صناعية صغيرة الحجم ذات طابع فردي وعائلي. ومنذ اواسط الثمانينات توقف الاستثمار الصناعي في القطاع العام، ما ادى إلى تقادمه تكنولوجياً وتراجع انتاجه كما ونوعا. ولم تتخذ حكومات ما بعد التغيير اجراءات وخطوات عملية وفعّالة لاستنهاض القطاع واعادة المنشآت المتوقفة والمعطلة كليا أو جزئياً إلى العمل. وإنما على العكس، سادت رؤى وتوجهات غابت عنها السياسة الصناعية التي تمليها العلاقة والترابط الوثيقان بين التنمية والتصنيع، واهمية التوسع الصناعي في تحقيق اهداف التنمية المتمثلة في خلق فرص عمل ومكافحة الفقر ورفع مستويات الدخل القومي وتحقيق عدالة اجتماعية عبر توزيع افضل للدخل. فتبنت الدولة سياسة الانفتاح على الاسواق الخارجية والغت جميع القيود والضوابط على الاستيراد، ووضعت الانتاج المحلي الضعيف والمنهك اصلاً، امام منافسة غير متكافئة مع المنتج الاجنبي، ما ادى بالضرورة إلى انهيار معظم ما تبقى من الصناعة الوطنية. وما فاقم مصاعب القطاع الصناعي والقطاعات الانتاجية عموماً، هو الفشل في تحقيق منجز ذي شأن لتحسين البنى التحتية. 

62- ومن جانب آخر، يتواصل الخلل في الجمع والتنسيق السليمين للسياستين النقدية والمالية. وفيما يعتمد البنك المركزي توجها لتقوية العملة العراقية، ولادامة استقرار سعر الصرف وتحديد سعر الفائدة ومكافحة التضخم، تبدو القيود التي يتبعها صارمة في مرحلة يسعى البلد فيها للنهوض والبناء. ويتطلب الامر في العموم مرونة وتناغما افضل بين السياستين النقدية والمالية، في اطار توجه استراتيجي واضح ومحدد المعالم للدولة، وبالشكل الذي يؤمن للاقتصاد العراقي ديناميكية نمو، ويشجع الاستثمار والتصدير.

63- وينعكس الخلل في السياسة الاقتصادية على استمرار معدلات البطالة والتضخم المرتفعة، وما تعنيه من ظروف معاشية شاقة لقطاعات واسعة من ابناء شعبنا.

 فالبطالة ما تزال احد التحديات التي تواجه عملية التنمية في العراق، فاعداد العاطلين عن العمل تتزايد، لا سيما من الشباب. وتذكر آخر احصائيات وزارة التخطيط ان نسبتها تشكل 15 بالمائة من القوى العاملة، في حين تشير التقديرات الى ان البطالة الناقصة (العمل بساعات قليلة، أي اقل من 35 ساعة في الاسبوع الواحد) قد يتجاوز الـ 30 بالمائة. فيما يقدر البنك الدولي نسبة البطالة بحوالي 39 بالمائة. اما في اوساط الشباب فقد تجاوزت نسبتها عند من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً 57 بالمئة. كما تبقى النسبة مرتفعة بين النساء، وتتجاوز 33 بالمائة. ووفقا لآخر تقرير رفعه ممثل الامين العام للامم المتحدة لحقوق الانسان في العراق فالتر كالين، فان نسبة البطالة في البلاد تجاوزت 28 بالمائة، ويعاني ربع السكان من الفقر الشديد.

64- كما أن مؤشر التضخم ما زال عند مستويات مرتفعة، وهو ما يساهم في التأثير المباشر على المداخيل، ويتسبب في خفض القدرة الشرائية، مع بقاء الاجور والرواتب عند مستويات لا تجاري الارتفاع المتواصل في اسعار المواد الغذائية والسلع والخدمات المختلفة والايجارات والنقل. ويشير آخر الاحصائيات المتاحة، إلى ان مؤشر التضخم خلال تموز 2011 ارتفع بنسبة 0.4 بالمائة مقارنة مع حزيران 2011، وبنسبة 6.2 بالمائة مقارنة مع الشهر ذاته من العام 2010 .

65- ولم تحقق الاجراءات الاقتصادية والتشريعات الهادفة إلى اجتذاب الاستثمار الخارجي نجاحات تذكر حتى الآن. فرغم اصدار قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006 وتعديلاته اللاحقة فان الاستثمار ما زال محدودا، ولا يبرر تعويل الحكومة عليه في معالجة طائفة واسعة من المستحقات. ذلك ان الاستثمار يبحث عن أجواء طبيعية مستقرة للعمل، بعيدا عن النشاطات العنفية والارهابية والتعقيدات القانونية والادارية ومظاهر الفساد الصارخة، مثلما يبحث عن وضوح في السياسة الاقتصادية المتبعة في البلد المعني. وان ما تحتاجه بلادنا هو اتخاذ خطوات شاملة على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقانونية والادارية وغيرها، وعلى صعيد محاربة الفساد المستشري، لتوفير الاجواء المناسبة والجاذبة للاستثمار.

اننا لا نعارض الاستثمار الأجنبي بالمطلق، بل نشدد على أن تكون القرارات بشأنه منطلقة من رؤية إستراتيجية واضحة المعالم، تأخذ بالاعتبار الحاجات الفعلية للاقتصاد الوطني، وعلى ان يكون الاستثمار الأجنبي عاملا مساعدا لتنمية الاقتصاد وليس عنصرا محددا لاتجاهات تطوره.

66- أ- ان قضايا الاقتصاد ومشاكله لا تحل بالعصي السحرية والمبادرات من نوع المبادرة الزراعية، وما يجري الحديث عنه من اطلاق مبادرة للصناعة وسواها، رغم ما يمكن لها ان تقدمه من دعم مؤقت، يفترض ان يشكل جزءا من سياقات عمل دائمة، ضمن توجه وتخطيط للنهوض بالاقتصاد في جوانبه المختلفة المترابطة.

66- ب- ونتيجة لتكريس الطابع الريعي للاقتصاد الوطني، تصبح العوائد النفطية وطريقة التصرف بها من خلال الانفاق الحكومي والموازنات العامة، بشقيها التشغيلي والاستثماري، المحرك الرئيسي للنشاطات الاقتصادية بصورة مباشرة وغير مباشرة، وفي تشكل واعادة تشكل بنية المجتمع العراقي بطبقاته وفئاته المختلفة. ويتحقق هذا من خلال نمط توزيع واعادة توزيع الدخل والثروة، الذي يعتمده الانفاق والمشاريع والتعاقدات الحكومية وسياسة الرواتب والاجور للعاملين في الدولة، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية. وتؤكد المعطيات المتوفرة أن السياسات المعتمدة حتى الآن لم تحقق نجاحاً على طريق مكافحة الفقر وتضييق شقة التفاوت الاجتماعي.

 اشتداد التفاوت في توزيع الدخل والثروة

67- يظهر آخر مسح متاح لدخل الاسرة في العراق، وهو يعود الى عام 2007، ان الخمس الأغنى من الأسر يحصل على 43 بالمائة من مجموع الدخل على مستوى البلاد، بينما يحصل الخمس الأفقر على 7 بالمائة منه، وتبين بيانات نسبة الفقر وجود تفاوتات شديدة فيها بين المحافظات، وبين الريف والمدينة. ومع أن مقاييس ومؤشرات التفاوت في الدخل والانفاق تشير إلى أن مستوياته في العراق ادنى مما في البلدان العربية الاخرى ودول الجوار،إلا أن المرجح أن تكشف المسوحات الاحدث عن تعمق هذه التفاوتات. فاستفحال الاستقطاب في توزيع الثروة والدخل، كما تدلل تجارب بلدان أخرى، نتيجة متوقعة لسياسة اطلاق العنان لآليات السوق غير المنضبطة، التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة عندنا، وغياب الرؤية التنموية. وتتضافر عدة عوامل وآليات لتشديد هذا الاستقطاب والتفاوت في المداخيل والثروة. فاطلاق حرية التجارة، وغياب الضوابط، والارتفاع المستمر في حجم الاستيراد، ادت إلى ظهور فئات فاحشة الثراء بفضل تمتعها بمواقع شبه احتكارية في السوق، وتحقيقها هوامش ربح غير طبيعية، مستفيدة من غياب الضوابط المنظمة للسوق وضعف الرقابة واستشراء الفساد، ومن صلاتها باوساط نافذة في الدولة. كما تراكمت ثروات كبيرة، بصورة غير مشروعة، لدى بعض الفئات التي استغلت حالة الانفلات الأمني بعد التغيير، ولاحقاً في فترة الصراع الطائفي، للاستحواذ على اموال وممتلكات عامة وخاصة، عن طريق التجاوز وارتكاب اعمال منافية للقانون. ويلجأ أصحاب الثروات التي جرت مراكمتها بهذه الصورة، إلى طرق وأساليب مختلفة لاضفاء الشرعية عليها، وتبييضها وإعادة ادخالها في السوق المحلية بعناوين واطر قانونية، وتوظيفها في قطاعات العقار والتجارة والمقاولات وغيرها. وتمثل الموازنة العامة للدولة، بشقيها التشغيلي والاستثماري، مصدراً آخر لهذا التفاوت. فخلال السنوات 2007-2011 بلغ مجموع تخصيصات الموازنات التشغيلية أكثر من 220 مليار دولار، والاستثمارية ما يزيد على 80 مليار دولار. وتمثل تخصيصات الرواتب النسبة الاكبر من الموازنة التشغيلية. ويتجلى الاختلال في نظامي الرواتب والاجور، والتقاعد، في الفوارق الكبيرة بين رواتب ذوي الدرجات الخاصة وبقية موظفي الدولة، وكذلك في الفساد من خلال الرشى والتلاعب باسعار المشتريات والوظائف الوهمية وغيرها من التجاوزات.

 اما الموازنة الاستثمارية، فان احد اسباب تدني مستوى الانجاز فيها هو احالة المقاولات إلى شركات وهمية أو ضعيفة الأهلية، مقابل منفعة او لاعتبارات المنسوبية والمحسوبية والولاءات السياسية، اضافة الى التلاعب في التخصيصات. لذلك لا نلمس وجود منجزات مادية وحقيقية على الأرض مقابل الانفاق الاستثماري الكبير لمؤسسات الدولة في المركز والمحافظات.

 

الخدمات هاجس للمواطنين

68- وينعكس الاستخدام غير الكفوء وغير العادل لموارد البلاد، ومحتواه الاقتصادي- الاجتماعي، في ضآلة التقدم المتحقق في توفير الخدمات الاجتماعية والبنى التحتية لمختلف اقسام المجتمع، وللفئات الافقر والأضعف بشكل خاص، وفي تأثيره على مؤشرات التنمية البشرية.

 69- وتشير الاحصائيات، الى تحديات كبيرة تواجه قطاعات الصحة والتربية والتعليم، بمؤشراتها الكمية والنوعية. كذلك معدلات تجهيز مياه الشرب، حيث لا تزيد التغطية عن 90 بالمائة في المناطق الحضرية، و 65 بالمائة في المناطق الريفية. اما في مجال الصرف الصحي فالمشكلة اكبر، حيث بلغت نسبة التغطية في مدينة بغداد حوالي 75 بالمائة، وفي بقية المناطق الحضرية 30 بالمائة لا اكثر، مع حرمان كامل للمناطق الريفية منها، الى جانب النقص الواضح في التعامل مع النفايات في المناطق كافة.

70- ورغم الاهتمام الذي بدأ مؤخرا بموضوع البيئة، فان هناك مؤشرات تدلل على ارتفاع مستوى تلوث عناصر البيئة (الماء، الهواء والتربة) وضعف برامج الرصد والمراقبة والمتابعة للملوثات، الى جانب ضعف الوعي البيئي في المجتمع ومؤسسات الدولة.

71- وتؤشر البيانات عجزا كبيرا في أبنية المدارس، وإرتفاع نسب المدارس ذات الدوام المزدوج والثلاثي، وبقاء المدارس الطينية التي لا تصلح للعملية التعليمية.   وقد لا يـختلف الحال كثيرا حين ننظر الى مؤشرات التعليم العالي، الذي مال الى التوسع الأفقي في الجامعات وساهم في تعزيز التطور الكمي على حساب التطور النوعي، فضلا عن الإنفصام الملحوظ بين مخرجات النظام التعليمي وحاجة سوق العمل، مع تركيز واضح على تأمين المستلزمات المادية والبشرية للاختصاصات الانسانية على حساب الاختصاصات العلمية والتقنية. وقدرت منظمة اليونسكو في تقرير لها نسبة الامية في العراق اليوم بـ 20 بالمائة، مشيرة الى ان النساء هن الاكثر تأثرا بها، لا سيما في المناطق الريفية، حيث قدرت نسبة الأميات بنحو 50 بالمائة ممن تتراوح أعمارهن بين 15 و 24 عاما، مقارنة بـ 20 الى 28 بالمائة من مثيلاتهن اللواتي يقطن في العاصمة والمناطق الحضرية.

72- ومن بين التحديات الاخرى عدم معالجة مياه الصرف الصحي والنفايات، اضافة الى وجود مشاكل جسيمة في النظام الصحي ذاته، تتمثل في تدني عدد الأسرّة وعدد الاطباء لكل 1000 شخص مقارنة بالمؤشرات الدولية، اضافة الى عدم الاستغلال الامثل للامكانات الصحية المتاحة.

73- وما يزال العراق يعاني من ازمة سكن حادة وعجز كبير يصل الى ما يتراوح بين 3 و3.5 مليون وحدة سكنية. في حين تقول تقديرات خطة " سياسة الاسكان الوطنية في العراق " بالحاجة الى مليوني وحدة سكنية حتى عام 2016 . وتبين المؤشرات المتاحة عدم وجود اهتمام جدي من جانب الحكومة بهذا الموضوع الهام،  فالتخصيصات لوزارة الاعمار والاسكان ولصندوق الاسكان ضئيلة جدا، خاصة في مجال بناء المساكن لذوي الدخل المحدود.

74- كما تعاني البلاد من ازمة نقل حادة، زادت من حدتها شحة المشتقات النفطية وارتفاع اسعارها، في غياب توجه جدي من جانب الدولة لبعث الحياة في النقل العام، وانشاء شبكة طرق داخلية وخارجية جديدة وعصرية.

 

مكافحة الفقر

75- وفي ضوء هذه المؤشرات، ليس غريباً أن تُظهر وثيقة إستراتيجية التـخفيف من الفقر، التي أصدرها الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات التابع لوزارة التخطيط بالتعاون مع البنك الدولي، والتي أقرها مجلس الوزراء في شهر تشرين الثاني 2009، أن 22.9 بالمائة من السكان، أي حوالي 6.9 مليون مواطن، يقعون تحت مستوى خط الفقر. وحددت الاستراتيجية هذا المستوى بـ 77 ألف دينار للفرد شهريا.

وذكرت الوثيقة ان فجوة الفقر في العراق قدرت بنسبة 4.5 بالمائة، ما يعني أن استهلاك غالبية الفقراء قريب جدا من خط الفقر، وأن التحسن النسبي في دخولهم أو زيادة نصيبهم من الإنفاق الحكومي على الخدمات العامة، يستطيع انتشالهم من الفقر. إلا إن حجم الفجوة يتباين بين المحافظات بشكل حاد، وبين المدينة والريف، حيث ترتفع نسب الفقر في الريف فوق المعدل العام في البلاد. وعلى هذا فان أوضاع الريف الاقتصادية والاجتماعية تعد بيئة مولدة للفقر. ويتعزز ذلك إلى حد ما بارتفاع الخصوبة في الريف، حيث يبلغ معدل النمو السكاني 3.5 بالمائة سنوياً، مقارنة بـ 2.7 بالمائة في الحضر.

76- ومن جانب آخر، وكما اظهرت الوثيقة، يشير نمط توزيع الأفراد حسب متوسط إنفاق الفرد، إن معظمهم قريبون من خط الفقر، وقلة منهم يقعون بعيداً عن هذا الخط. ويعني ذلك، بالنسبة لغير الفقراء، تعرض النسبة الكبيرة منهم، القريبة من خط الفقر، إلى انخفاض في دخولهم.

77- ان هذه الارقام والمعطيات تشير، رغم التحسن النسبي في مداخيل بعض الفئات مثل موظفي الدولة، الى ان ربع سكان العراق ما يزالون يعيشون في ظروف حرمان وفقر، مع تفاوت واسع في مستويات الدخل. ويتفاقم الامر بفعل التدهور المتواصل في مستوى الخدمات وفي المقدمة منها الكهرباء، التي تلتهم نسبة عالية من دخول المواطنين، لا سيما محدودي الدخل، اضافة الى استنزافها المتواصل بفعل التضخم وارتفاع الاسعار، وندرة الخدمات الاخرى مثل الصحية والتعليمية.

78- جدير بالاشارة ان المسح الذي قام به الجهاز المركزي للاحصاء مع البنك الدولي، جرى بوجود البطاقة التموينية، وقبل شطب العديد من مفرداتها والابقاء على خمس منها فقط. وتذكر معطيات وزارة التخطيط ان نسبة السكان الذين يقعون تحت مستوى خط الفقر ( بغض النظر عن مدى دقة التحديد ) سترتفع في حالة الغاء البطاقة التموينية من 22.9 بالمائة الى اكثر من 45 بالمائة، على افتراض بقاء الاسعار دون تغيير. وسيكون الوضع اسوأ بالتأكيد في ظل التدهور المستمر في تقديم الخدمات، وارتفاع نسب البطالة، وتعطل عمل الكثير من المرافق الإنتاجية الصناعية والزراعية، وقلة فرص الاستثمار.

على ان الدولة تهدف، ضمن استراتيجية مكافحة الفقر، الى تقليل نسبته بحوالي 30 بالمائة حتى سنة 2014 .

 

الطريق الى تنمية مستدامة

79- اليوم وبعد سبع سنوات على التغيير تبرز الحاجة الملحة لوضع خطة اقتصادية – اجتماعية ستراتيجية واضحة المعالم، تعتمد معرفة عميقة بخلفيات وإمراض الاقتصاد العراقي، وتوجهاً بناءً يوظف امكانيات قطاع الدولة والقطاع الخاص والاستثمار الاجنبي في مسار منسق، وفي اطار نهج سياسي ديمقراطي ثابت، لانتشال البلد من تخلفه وتبعيته الاقتصادية، وتخليصه من الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للثروة، ويبعث فيه الديناميكية ويحفز تطوره المستدام، ويطلق طاقاته الانتاجية الكامنة، وينوع مصادره وينابيع غناه، ليحقق  لشعبنا مستوى معيشيا وثقافيا لائقا، يتيح لبلدنا الاسهام بشكل فعال في قسمة العمل الدولية، واللحاق بركب الحضارة والتقدم العلمي والتكنولوجي.

80- ويتطلب الامر بدايات جادة ومنسجمة مع واقعنا الموضوعي، بعيدا عن استنساخ النماذج الاجنبية وتكرار التجارب التي لا تلائم خصائصنا التاريخية الملموسة، ولا مكونات وظروف حالتنا الاقتصادية. ولا بد طبعا من تحديد اولويات واضحة. فالمشكلة ليست في الانتقال من التخطيط والادارة المركزية الى الاقتصاد الحر. وما شهدته الفترة الماضية لم يكن تخطيطا علميا ولا ادارة سليمة، بل كان تسلطا وتفردا واستهتارا بالقوانين، وبتوجيه الموارد وإنفاقها. وسيبقى التخطيط ضروريا للادارة العلمية الرشيدة للاقتصاد الوطني، وهو لا يتناقض مع اللامركزية، بل هو بديل للفوضى والعفوية.

81- ولا تعالج المشكلة، ايضا، بخصخصة قطاع الدولة. فكما هو معروف، شرع النظام الدكتاتوري بالخصخصة منذ الثمانينات، وكان ذلك في الحقيقة عملية ترحيل لاملاك الدولة الى اللصوص من البيروقراطيين والطفيليين. ولم تؤد تلك الاجراءات الى زيادة طاقة اقتصاد البلد. واستطرادا نقول ان معالجة قضية تخلف الاقتصاد العراقي، وهو اقتصاد ذو طابع ريعي، تكمن اساساً في تحسين استخدام موارده، واستثمارها باسلوب سليم، وتوظيفها بشكل عقلاني وعادل وصحيح، لتكون مصدرا للتقدم والرفاه. فالامر يرتبط بكيفية توظيف الريع في تطوير الطاقة الانتاجية وتنويع الاقتصاد، وليس بمشاريع بناء الاجهزة القمعية وعسكرة المجتمع والتسلح وبناء مرتكزات سلطة الاستبداد والدكتاتورية، ولا بالحروب الداخلية والخارجية، ولا بنهج الترف والبذخ والاسراف، كما كان يجري.

 82- ولا نرى المشكلة ايضا في استقلالية البنك المركزي، اذا ما جرى تحديد مفهوم هذه الاستقلالية وتوظيفها لخدمة تطوير الطاقة الإنتاجية للاقتصاد، وتحفيزه وتأمين الموارد له، وليس جعل البنك جسما منعزلا عنه. وهذا لا يعني، في كل الاحوال، العودة الى الممارسات القديمة، حيث جعلت الدكتاتورية من البنك مصدرا لتمويل خططهاالإجرامية، وعبثها السياسي والاقتصادي.

83- فالمعالجة، كما نرى، تبدأ من فهم وتصور اقتصادي سياسي واقعي ينطلق من ضرورة الاستفادة من جميع انواع الملكية ( الدولة، الخاص، المختلط والرأسمال الأجنبي) ووضعها في تكامل وتعاون بما يؤمن الاستقرار في علاقات الملكية، وتشريعها في صيغ قانونية تنسجم مع طبيعة المرحلة التي يمر بها البلد. ومن ثم الشروع بإعادة بناء المرتكزات الاساسية والبنى التحتية الضرورية لاعمار وتنمية الاقتصاد الوطني: الكهرباء (التي لا نمو او اعمار من دونها)، قطاع الطاقة عموما، وسائل الاتصال والنقل، الخدمات الإنتاجية، مشاريع الإسكان الضرورية ايضا لضمان تحريك الدورة الاقتصادية بجوانبها المختلفة، وارساء الأساس الصحيح لمعالجة مشكلة البطالة، واعداد وتدريب الايدي العاملة الماهرة.

84- ويتطلب الامر، بموازاة ذلك، اعادة الحياة للمنشآت والمؤسسات الانتاجية الصناعية والزراعية، عبر اصلاح الادارة الفنية والمالية لقطاع الدولة، وتوفير مستلزمات نهوضه واعادة بنائه على اسس المردود الاقتصادي والمنفعة الاجتماعية، وتشجيع ودعم القطاع الخاص، وتأمين الحماية له من الاغراق والمنافسة غير العادلة، وتوفير التسهيلات المصرفية والتأمين والخدمات، كي يستعيد هذا القطاع عافيته ودوره في رفد الاقتصاد الوطني.

ولأجل دعم قطاعي الصناعة والزراعة، تبرز الحاجة الى تفعيل قانون التعرفة الكمركية وقانون حماية المستهلك وغيرهما، بما يوفر الحماية لمنتوجنا الوطني، ويحمي المستهلك العراقي من السلع الرديئة الداخلة الى بلدنا.

85 - وتبقى الحاجة ملحة كذلك الى محاربة جادة للفساد المالي والاداري والسياسي، وملاحقة مرتكبيه، والحد من آثاره المدمرة. وفي سياق التوجه المخطط والمدروس للاستفادة من الطاقات والكوادر الوطنية، لا بد من التفكير الجاد بتحفيز عودة الكفاءات العراقية المخلصة، وضمان الاستخدام الناجع لخبراتها وطاقاتها.

86- كما يتطلب الامر نهجا وتوجها سليمين نحو اقامة علاقات اقتصادية، تجارية ومالية مع دول الجوار والبلدان العربية والعالم، على أساس المصالح المشتركة والمنافع والاحترام المتبادلين وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

87- ولا شك ان تنشيط الاقتصاد العراقي واعادة الحياة اليه ومعالجة تخلفه، وتحفيز وتشجيع الانتاج الوطني، مهمة صعبة ومعقدة. لكنها ممكنة التحقيق إذا ما توفرت الإرادة السياسية الصادقة، والنية الحسنة، واذا ما تم اختيار فريق وطني مخلص ونزيه وملتزم بالإستراتيجية الوطنية المعتمدة، لإدارة فروع الاقتصاد وتنميته.

88- والمطلوب الان هو الانطلاق الحقيقي على طريق تنمية اقتصادية – اجتماعية مستدامة و متوازنة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والعناية بالفئات الاجتماعية الأكثر تضررا، وإعادة توزيع الثروة بشكل عادل. وهذا يتطلب، من بين امور اخرى، العمل على:

• مكافحة التفاوت والتهميش الاجتماعي عبر بناء شبكة الضمان الاجتماعي الشامل.

• دعم البطاقة التموينية، باعتبارها ما تزال الاسلوب الانسب لدعم المواد الغذائية والاستهلاكية الأساسية، وتحسين مفرداتها وتنويعها، واصلاح وتطوير الآليات الادارية والمالية والرقابية لعقود تجهيز مفردات البطاقة وخزنها ونقلها وتوزيعها، بما يؤمن افضل استخدام للتخصيصات المقررة للبطاقة، والحد من الفساد، ويضمن جودة المواد ووصولها في اوقاتها المحددة.

• وضع برامج ملموسة لمكافحة البطالة وتوفير فرص عمل جديدة، وتنفيذ ستراتيجية مكافحة الفقر.

• سن قانون جديد للعمل يضمن مصالح العمال وحقوقهم، وتوفير ضمانات العيش الكريم للموظفين والمتقاعدين، وشمول المتقاعدين جميعا، القدامى والجدد، بالقانون الجديد للتقاعد.

• وضع سلم جديد للرواتب، وتقليص الهوة بين رواتب ذوي الدرجات العليا والدنيا.

• إعادة الاعتبار لضحايا الاضطهاد خلال الحقب المختلفة، عبر إنصاف المفصولين السياسيين وعوائل شهداء وضحايا النظام السابق وأعمال الإرهاب والتخريب، بمن فيهم ضحايا انقلاب شباط 1963 .

• توفير الشروط والضمانات لعودة المهجرين والمهاجرين، وتعويض المتضررين.

 

الموازنات العامة

89- لكي تؤدي الموازنة العامة مهماتها وتقوم بوظيفتها، كونها المحرك الاساسي للاقتصاد الوطني والاداة الرئيسية لتنفيذ السياسة الاقتصادية، لا بد أن يجري إعدادها في سياق نهج استراتيجي وسياسة اقتصادية – اجتماعية واضحة، توظف كل موارد الدولة والقطاعات المختلفة لتطوير البلد، وضمان الرفاه للشعب، وتأسيس اقتصاد يتصف بالدينامية والنمو المتوازن والدائم. وان يجري ربط التخطيط والمشاريع في القطاعات والوزارات مع الاولويات الوطنية، مما يتطلب التنسيق بين الجهات ذات العلاقة كافة.

90- من الملاحظ ان مشروع الموازنة السنوية الذي يقدم كل عام منذ التغيير، لا ترافقه حسابات ختامية وتقويم شامل لموازنة السنة السابقة، للمبالغ التي خصصت للإنفاق في إطارها ومدى الإنفاق الفعلي، للانجازات والإخفاقات، للمبالغ المدورة، لأرصدة العراق الاحتياطية في الداخل والخارج، وغير ذلك.

91- وتعكس هيكلية موارد الموازنة، الطبيعة الاحادية الريعية للاقتصاد العراقي، حيث تشكل ايرادات النفط ما بين 88 و 95 بالمائة من اجمالي الايرادات. وينجم عن ذلك اتسام ايرادات الموازنة بدرجة عالية من التذبذب وعدم الاستقرار، بسبب التغيرات في حركة اسعار النفط في الاسواق العالمية، كالانخفاض الحاد في اسعار النفط الذي حدث بين عامي 2008 و 2009. الامر الذي يحيط تخمينات الموازنة بالكثير من اللا يقين. أما المصادر الأخرى للايرادات، ومنها الضرائب، فما تزال ضئيلة جداً، ما يعكس الضعف في نظامنا الضريبي وفي نشاط القطاعات الاقتصادية غير النفطية.

وقد حققت أرقام الموازنة نسب نمو متميزة خلال السنوات 2007-2011، بلغت معدلاتها السنوية حوالي 18.5 بالمائة بالنسبة للايرادات و17.5 بالمائة للنفقات، وذلك ارتباطاً بارتفاع اسعار النفط. حيث ارتفعت الايرادات من حوالي 42 ترليون دينار عام 2007 إلى حوالي 81 ترليون عام 2011، في حين ازدادت تخصيصات النفقات العامة من 51.7 ترليون دينار إلى 96.6 ترليون دينار خلال الفترة ذاتها. وستكون موازنة عام 2012 الأكبر في تاريخ العراق، حيث تزيد تخصيصات النفقات العامة فيها على 117 ترليون دينار.  

 وما زالت النفقات التشغيلية تحظى بالتخصيصات الاكبر في الموازنة العامة للدولة، وقد مثلت في المتوسط ما يزيد على 73 بالمائة من اجمالي النفقات العامة خلال السنوات 2007-2010، أما التخصيصات الاستثمارية فقد تراوحت بين 24.5 بالمائة و 28 بالمائة من اجمالي النفقات العامة خلال الفترة ذاتها، وبمتوسط سنوي  قدره حوالي 25 بالمائة. وهذه النسبة بعيدة عن تلبية حاجة البلاد الهائلة إلى الاستثمار العام، لاعادة بناء وتطوير البنى التحتية المدمرة والمتهالكة والغائبة، ولتوفير الخدمات الاساسية، واطلاق النشاطات الانتاجية لمختلف القطاعات الاقتصادية، وحفز النمو الاقتصادي من أجل خلق فرص عمل وتقليص معدلات البطالة والفقر المرتفعة. ويلاحظ أن الموازنة الاستثمارية قد ارتفعت حصتها خلال السنوات 2009-2011 بصورة مضطردة، لتبلغ 31.1 بالمائة عام 2011 ويتوقع للنسبة أن ترتفع إلى 35.1 بالمائة، 36.6 بالمائة، 39.3 بالمائة في السنوات 2012، 2013 و 2014 على التوالي. فيما تبلغ نسبة النمو المتوقعة في النفقات التشغيلية  4.4بالمائة، 9.3 بالمائة، 10.2 بالمائة في السنوات ذاتها.

92- وجرى تقديم الموازنات العامة مع عجز تخطيطي، بلغ اعلى مستوى له عام 2010 ليصل إلى حوالي 23 ترليون دينار. ولم يتحقق هذا العجز فعلياً في أي من السنوات الفائتة، لأسباب اهمها تدني نسبب تنفيذ الموازنة وارتفاع اسعار النفط إلى مستويات اعلى من الاسعار المعتمدة في الموازنة، إلاّ انه استخدم مبررا للاقتراض من صندوق النقد الدولي. وإذْ لا يمكن القبول بسد العجز الافتراضي عن طريق المزيد من القروض الخارجية، والخضوع لشروط المؤسسات المالية العالمية، فان من الضروري أن يجري تحديد اسباب العجز بدقة، وأن يتم ضبطه وفقاً للحاجات الفعلية للاقتصاد الوطني والأولويات الاقتصادية والاجتماعية للموازنة العامة، وبما يحول دون تسبب تمويله في ضغوط تضخمية كبيرة، وفي إضعاف غير مبرر للعملة الوطنية. وهذا يفترض إزالة الهدر وضغط المصاريف غير المبررة، وتحسين آليات اعداد الموازنة.

93- تتسم اسس وآليات اعتماد الاسعار التخمينية للنفط وكمية النفط المصدرة، في الموازنة، بدرجة غير قليلة من الارتجال والاعتباطية. كما يجري التصرف بجزء من موارد الموازنة بعيداً عن رقابة مجلس النواب، ولاهداف سياسية غير معلنة. وبشكل عام تميل تخمينات أسعار النفط إلى التحفظ والانخفاض، في حين تميل تخمينات معدلات التصدير إلى الارتفاع. ويترتب على ذلك أما ظهور عجز غير متوقع، عندما تكون الكميات المصدرة ادنى بكثير من الرقم المعتمد في الموازنة، أو عند حدوث انخفاض شديد في الاسعار كما في عام 2009، أو على العكس ظهور فوائض بفعل الفارق الكبير بين السعر المعتمد والسعر الفعلي للنفط المباع، كما حدث في عام 2008، الذي زادت فيه الايرادات الفعلية، حسب مصادر رسمية، على 80 ترليون دينار، اي اكثر بحوالي 47 بالمائة من تخمينات موازنة 2008 ، وفي موازنة عام 2011، اعتمد سعر افتراضي للبرميل الواحد قدره 76.5 دولار وحجم تصدير 2.2 مليون برميل يوميا. في حين تجاوزت اسعار البيع 104 دولارات للبرميل، حتى بلغ اجمالي الايرادات النفطية لعام 2011 حوالي 83 مليار دولار، اي ما يعادل حوالي 99 ترليون دينار. وهذا يزيد ثمانية عشر ترليون دينار على تخمينات الموازنة لعام 2011 .

94 – والجدير بالتأشير أن المبالغ المتأتية من فروقات اسعار النفط الخام المصدر، ما زالت تفتقد آليات محددة للتعامل معها. فهي ايرادات خارج الموازنة، كما هو الحال مع الـ 18 ترليون دينار من الفوائض التي تراكمت لدى وزارة النفط سنة 2011 ، وعملياً تقوم الوزارة بتخصيصها دون موافقة او رقابة برلمانيتين، وهذه ثغرة تتوجب معالجتها، خصوصاً من قبل السلطة التشريعية. 

95- ونتيجة لغياب الرؤية الاستراتيجية الاقتصادية والتنموية التي تشمل مختلف القطاعات الاقتصادية، وضعف الاهتمام بالانشطة الانتاجية الوطنية، لم يحظ قطاعا الزراعة والصناعة الا بحصة ضئيلة من التخصيصات في الموازنات العامة. حيث لم تتجاوز هذه الحصة 2 إلى 3 بالمائة من النفقات العامة بالنسبة للزراعة، واقل من 1.5 بالمائة للصناعة. كما انعكس ذلك في قلة تخصيصات الموازنة الاستثمارية. وبالمقابل حظيت القوات المسلحة بالحصة الأكبر من التخصيصات. ففي موازنة 2011 شكلت تخصيصات وزارتي الدفاع والداخلية ومكتب القائد العام للقوات المسلحة وجهاز المخابرات الوطني ومديرية دمج الميليشيات ما يزيد على 15 بالمائة من مجموع التخصيصات، في حين بلغت تخصيصات وزارتي التربية والتعليم العالي 9.5 بالمائة والصحة 6.5 بالمائة، اي ما يكاد يعادل تخصيصات وزارات التربية والتعليم العالي والصحة مجتمعة، وما يساوي 75 ضعف تخصيصات وزارة الثقافة التي لم تزد تخصيصاتها عن 0.2 بالمائة.

 وقد طغى الطابع التوزيعي والاستهلاكي على توجهات الموازنات الاقتصادية، حيث استحوذت الرواتب والأجور والتعويضات المتنوعة والاعانات على ما بين 70 و 80 بالمائة من الموازنة التشغيلية. أما تخصيصات قطاع الكهرباء والطاقة، فهي رغم ضخامتها فشلت حتى الآن في معالجة الشحة الكبيرة في التجهيز، وفي تقليص الاعتماد على اسيتراد الطاقة الكهربائية من الخارج.

 96- أ - ومن أهم اسباب ضآلة ما تحقق لقاء تخصيصات الموازنات العامة المتعاقبة، الانخفاض في نسب تنفيذ المشاريع الاستثمارية على صعيد الوزارات وفي المحافظات، ما يحول دون انجاز المشاريع المخطط لها في وقتها المحدد، واللجوء احيانا حتى الى الغاء بعض المشاريع، وما يسببه ذلك من هدر في المال العام. ويرجع بعض اسباب هذه الظاهرة الى ضعف كفاءة الأجهزة التنفيذية، الناجم عن ترهلها، والى اعتماد المحاصصة والمنسوبية في التوظيف، واستشراء الفساد. فيما تعود اخرى الى تخلف اساليب ونظم الادارة، وقلة الكوادر الفنية المؤهلة لادارة المشاريع. وتقتضي اي معالجة فعّالة تهدف إلى رفع نسب تنفيذ الموازنة ونوعية وكفاءة الانجاز، اجراء اصلاح عميق في اسس ونظم وقواعد اعداد الموازنة، والاطر الادارية والفنية لتنفيذ المشاريع.

96- ب- ويكمن مصدر رئيسي لمشاكل الموازنة العامة في كون إعدادها يتم على أساس تخصيصات سنوية لمشاريع منفردة، كثيراً ما تكون مرتجلة. ومن جانب آخر يعطي العدد الكبير من المشاريع صورة اقتصادية عامة مشتتة، ويضاعف من صعوبات الادارة والمتابعة، ومن متطلبات الموارد البشرية الفنية. ويشتمل الاصلاح والتحديث المطلوبان لنظام اعداد الموازنة، ضمن امور أخرى، على التوجه نحو اعتماد البرامج الاستثمارية بدلاً عن المشاريع. ويشترط ذلك اعتماد الدولة رؤى استراتيجية اقتصادية واضحة ومتكاملة، تحدد في ضوئها الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، التي يمكن ترجمتها إلى خطط وبرامج استثمارية، تتولى تنفيذها اجهزة ومكاتب متخصصة في ادارة المشاريع.  

 96- ج- وتظل حالة اللا استقرار والتذبذب واللا يقين ملازمة لنظام المالية العامة في البلاد، طالما بقيت معتمدة بصورة شبه كاملة على مورد وحيد تحدد عائداته الأسواق العالمية. فثمة ضرورة ملحة لاعتماد سياسات واضحة وثابتة، في التوجه نحو تنويع وتنمية مصادر ايرادات الموازنة العامة، ومن ابرزها العوائد الضريبية والرسوم الكمركية، وتحسين نظام جباية رسوم الخدمات. وعلى صعيد زيادة الايرادات الضريبية، يوصي صندوق النقد الدولي باستحداث ضريبة عامة على المشتريات، وهي ضريبة غير مباشرة تفرض بنسب ثابتة على شراء كل سلعة أو خدمة، دونما اعتبار لمستوى دخل الشخص وثروته، ما يجعلها ضريبة غير عادلة وتشكل عبئاً أكبر على ذوى الدخول الواطئة، وذلك خلافاً للضريبة التصاعدية التي تقلل الفجوة بين المداخيل العليا والدنيا. من جانب آخر يمكن لتطبيق قانون التعرفة الكمركية ان يوفر مردودا ماليا هاما للدولة، إضافة إلى ما يؤمّن من حماية ودعم للمنتوج الوطني المحلي في منافسته للمستورد.

 

النفط والاستثمار فيه

97- انطلق حزبنا في رسم موقفه في هذا الميدان من حقيقة كون النفط سلعة إستراتيجية، خصوصاً في حالتنا العراقية التي تمثل فيها العائدات النفطية المصدر الأساس لتمويل الموازنة العامة للدولة، ولتغطية حاجة البلاد إلى الموارد المالية الضرورية لإعادة البناء والإعمار واستئناف عملية التنمية الاقتصادية. وبناء على ذلك يتوجب أن تؤمـّن أية صيغة تـُعتمد للتصرف بهذه الثروة الناضبة، مصالحنا الوطنية، وان تضمن تحكم العراق بمصير هذه الثروة وعوائدها. وعلى هذا الأساس دَعَونا إلى إعطاء الأولوية للاستثمار الوطني المباشر، والسعي لإعادة تشكيل شركة النفط الوطنية، واعادة تجميع الكفاءات والخبرات العراقية في هذا المجال، وهي كبيرة حقا إذا ما أحسن تنظيمها وجرى توفير الظروف المناسبة لعملها.

98- ونظراً الى ضخامة الاموال التي يتطلبها سد حاجة القطاع النفطي الملحة إلى تقنيات متطورة، في اطار إعادة تأهيل بُناه التحتية والآبار النفطية، ولتطوير الحقول ورفع الإنتاج باضطراد، واخذا في الاعتبارالاحتياطي النفطي الكبير غير المستثمر بكفاءة فنية واقتصادية، فقد قلنا بإمكانية الاستعانة بشركات ومؤسسات عالمية، والافادة من خبراتها وقدراتها وفق أسس وضوابط تؤمن مصالحنا الوطنية، وتحفظ حق الشعب في امتلاك النفط والتحكم بمصيره. واشرنا في هذا الشأن الى امكان الاستعانة بعقود الإسناد الفني في الحقول المنتجة، التي هي بحاجة إلى تطوير وإعادة تأهيل، وبعقود الخدمة في الحقول غير المنتجة حاليا. فيما أشّرنا مخاطر اعتماد عقود الشراكة، وشددنا على عدم اللجوء اليها الا في الاحوال الاستثنائية، ووفق شروط تضمن مصالحنا الوطنية بصورة لا لبس فيها.

99- ومن هذا المنظور، نظرنا بارتياح إلى اعتماد جولات التراخيص عقود الخدمة، والى الشفافية التي رافقت عملية احالتها وتوقيعها. لكن هناك تساؤلات تثار حول الآماد الزمنية لتلك العقود، وآلية التحقق من حساب التكاليف، وفعالية اطر المشاركة بين الدولة والشركات في ادارة العمليات وفي اتخاذ القرارات الاساسية المتعلقة بالانتاج. وليس ثمة تفسير مقنع ايضا لمنح هذا الكم الكبير من التراخيص. حيث كان منطقيا كما يبدو أن يجري التريث في منح المزيد من التراخيص، حتى تجري الاستفادة من تجربة ونتائج تنفيذ عقود جولتها الأولى، فضلاً عن ان الكميات المزمع انتاجها تفوق كثيراً حصة العراق فى التصدير في اطار الاوبك، وما يمكن ان تستوعبه السوق النفطية على المدى المتوسط. كما ان اضطلاع الشركات النفطية الاجنبية العملاقة بالدور الرئيسي في ادارة ما يزيد على 70 بالمائة من الاحتياطي النفطي المثبت، ولمدة عشرين سنة قابلة للتمديد، حسب عقود جولات التراخيص، يطرح تساؤلات مشروعة بشأن مدى فعالية الآليات التي توفرها هذه العقود للشريك الحكومي العراقي، في ضمان السيطرة الوطنية العراقية على اداء الشركات، والتنفيذ السليم للعقود في كل مراحلها. لا سيما وأن هذه الآليات تتطلب توفر درجة عالية من الأهلية والكفاءة في الادارة والكادر العراقي، لكي يتم تفعيلها والافادة الكاملة منها في السيطرة والرقابة على عمل الشركات.

100- ولا بد من التشديد على ضرورة العمل المكثف لمضاعفة طاقات التصفية ومعالجة الغاز، لضمان الاكتفاء الذاتي من المشتقات النفطية أولاً، والتحول من ثم الى تصدير الفائض من المنتجات والغاز الحر السائل عبر الطاقات والكفاءات الوطنية، أو من خلال الاستثمارات الاجنبية والمحلية مع ضمان اشراف الدولة.

101- ان المناقشات الدائرة الآن حول ثروتنا النفطية ومستقبلها وأشكال الاستثمار فيها، تبين من جديد الحاجة الى تشريع قانون وطني متوازن ينظم ادارة الصناعة النفطية، ويوضح الصلاحيات والمهمات، بما يساعد على إنهاء حالة التجاذب المتواصلة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم، ولتهيئة الظروف المناسبة لاعادة تفعيل شركة النفط الوطنية وتشريع قانونها، وتأمين بيئة مستقرة لتأهيل وتطوير قطاع النفط وزيادة إنتاجه. ومن ثم التوسع في الصناعات البتروكيمائية لسد الحاجة المحلية، وتعظيم إيرادات الدولة عبر تصدير الفائض من المشتقات النفطية، وضمان توزيع الموارد بشكل عادل ومنصف، لينتفع منها كل أبناء شعبنا في أرجاء الوطن، وبما يحفز تطوير وتحديث فروع اقتصادنا الوطني كافة. وهذا يتطلب اعتماد إستراتيجية للتنمية، تتكفل بتحويل القطاع النفطي (الخام) من قطاع مهيمن ومصدر للعوائد المالية فقط (أي للتكاثر المالي وليس للتراكم) الى قطاع منتج للثروات، يكون اساسا لقيام صناعات أمامية وخلفية تؤمن ذلك التشابك القطاعي المطلوب، لتحقيق إقلاع تنموي حقيقي. وعليه فان تنويع الاقتصاد وإيجاد مصادر بديلة لتمويل الميزانية العامة يظلان هدفا مركزيا باعتبارهما شرطا للتنمية المستدامة.

 

الكهرباء

102- اصبحت قضية الكهرباء معضلة يومية مزمنة، ومثارا للأسى والسخرية في آن.

ويدرك المواطنون بالطبع حجم التركة الثقيلة التي خلفها النظام السابق وسياساته الحمقاء وحروبه المدمرة، والأعمال الإرهابية التي طالت محطات التوليد وشبكات التوزيع، وعواقب التجاوزات الكثيرة على الشبكة الوطنية وغير ذلك من العوامل المؤثرة على هذا الصعيد. لكنهم يقفون مدهوشين أمام ضخامة المبالغ التي رصدت لهذا القطاع، من دون حصيلة ملموسة وانجاز للوعود بتحسين تجهيز الكهرباء.

103- وحسب تصريحات المسؤولين في وزارة الكهرباء فان العراق ينتج حالياً حوالي 7000 -7500 ميغا واط، اي بزيادة تقدر بـ 1000 ميغا واط عن بدايات عام 2008، ومنها بحدود 2000 ميغاواط للمراكز الصحية والعسكرية والمشاريع الستراتيجية وغيرها. ويفترض بالمتبقي من الانتاج ان يغطي نصف احتياجات البلاد التي تقدر بحوالي 12000 ميغاواط، ما يعني حصول المواطنين على ما لا يقل عن 10 ساعات كهرباء يومياً. وهذا ما كانت الوزارة قد وعدت به، لكن الواقع يشير الى تجهيز بمعدل 4-6 ساعات يوميا، واحيانا لا تزور الكهرباء المنازل ليوم كامل او حتى لايام.

104- ويسهم ضعف القدرة على تجهيز الطاقة الكهربائية المطلوبة، الى جانب عوامل اساسية اخرى، في استمرار ضعف الطاقة الانتاجية لآلاف المعامل والمصانع والورش الصناعية المختلفة، وتعطيل آلاف اخرى منها، الى جانب التراجع الكبير في اداء اغلب المرافق السياحية والخدمية.

105- ان على الحكومة وكل الجهات ذات العلاقة بالكهرباء، ان تكشف بكل شفافية عن اسباب عدم تحقيق نتائج تتناسب والمبالغ الضخمة التي خصصت لهذا القطاع، والتي قدرت باكثر من 27 مليار دولار، حسب وزارة المالية. كما ان عليها الكشف عن استراتيجيتها وخططها القريبة وبعيدة المدى، وتعليل خياراتها التكنولوجية التي هي موضع انتقاد العديد من الخبراء، وطرحها للنقاش على اوسع نطاق مع ذوي الاختصاص والخبرة. فمن أسباب الفشل في هذا القطاع، بجانب العامل الأمني وعمليات التخريب، عدم وضوح واستقرار الخطط المعتمدة، وضعف التشاور مع ذوي الخبرة، وسوء الادارة واستشراء الفساد في العديد من مفاصل القطاع. كما أن الجهات المسؤولة مطالبة بالافصاح عن كل الملابسات ذات الصلة بهذه القضية الهامة، والتي لا تحتمل التبرير وإلقاء المسؤولية على الغير، حتى وان تطلب الأمر المساءلة والمحاسبة. فالمفترض أن لا مساومة وتغطية على تقصير في قضايا كبرى مثل هذه، ومن الواجب ان تقال الحقيقة كاملة للمواطن الذي يبحث عنها.

106- من جانب آخر نرى ضرورة تبني خطة علمية عملية، آنية ومتوسطة المدى وبعيدته، برؤى وتوجهات واضحة، لحل هذه المعضلة, وأن تهيأ مستلزمات تنفيذها المالية والبشرية. فمعالجة هذه القضية لا تحتمل مزيدا من التأجيل، ولا تحتمل ادخالها في دهاليز المساومات والصراعات والمناكدات والمصالح الضيقة.

 

تحديات اجتماعية

107- وتواجه الدولة تحديا كبيرا في ما يخص الحفاظ على النسيج الاجتماعي العراقي، بتنوعه القومي والديني، وايقاف النزيف المتمثل في هجرة الكثيرين من ابناء المكونات الصغيرة تحت وطأة الارهاب الذي تفاقم في السنوات الماضية، ومظاهر التعصب والتمييز التى ما زالت ماثلة في حالات كثيرة. ويتوجب ازاء ذلك اتخاذ اجراءات تضمن الحقوق القومية والادارية والثقافية للمكونات المذكورة، وتؤمن احترام معتقداتهم الدينية، وتوفير الحماية الواجبة لهم، وتضمن تمثيلهم في المجالس المنتخبة وغيرها، بما يحفز من هاجر منهم على العودة الى الوطن.

108- وفي خصوص ما تحقق للمرأة ومشاركتها في الحياة السياسية ونشاط الدولة، لا سيما على صعيد البرلمان والمجالس التمثيلية الاخرى، فانه بحاجة الى التطوير والتفعيل، لا ان يبقى محصورا في الاطار الراهن ولا يمتد الى اجهزة الدولة التنفيذية، ومنها خاصة مواقع اتخاذ القرار على المستويات المختلفة، او الى اجهزة القضاء.

109- ويبدو حال الشباب أصعب كثيرا على سائر الصعد، خاصة معاناتهم البطالة على نطاق واسع، وعدم توفرهم على فرص عمل الا في التشكيلات العسكرية الرسمية وغير الرسمية، وفي الاجهزة الامنية، علما ان الاحصاءات تبين ان 68 بالمائة من السكان هم دون الثلاثين. ويتطلب الامر ايلاء اهتمام خاص لتطوير برامج اقتصادية – اجتماعية تمتص البطالة في صفوفهم، وتنمي قدراتهم وتعليمهم، وتشيع الامل والثقة بالمستقبل في نفوسهم.

110- وتجدر الاشارة ايضا الى المصاعب التي يواجهها الشباب في سعيهم للمشاركة في الحياة السياسية والعامة، الامر الذي يفرض اعادة النظر في السن القانوني للترشيح لعضوية المجالس التمثيلية، وتيسير وتشجيع تأسيس المنظمات والمنابر الشبابية المختلفة، الثقافية والرياضية والعلمية والتكنولوجية وغيرها.

تحديات ثقافية

110- أ- على الرغم من ما تظهره الخبرة العالمية من اهمية كبرى لدور الثقافة والمثقفين في حياة المجتمعات الحديثة وتطورها، بقي التجاهل والاهمال نصيب هذا القطاع في بلادنا خلال السنوات الماضية. ويتجلى هذا بوضوح في الضآلة المفرطة لتخصيصات الثقافة والتنمية الثقافية في الموازنة السنوية. وقد ترك ذلك، وما زال، تأثيره السلبي الواضح حتى على عملية الانتقال الى الديمقراطية، وبناء دولة القانون وحقوق الانسان والعدالة الاجتماعية. فضلا عن تجريده عملية الاعمار والبناء والتطوير الاقتصادي المقبلة في بلادنا، من محرك فعال ودافع قوي الى الامام، وحرمانه المجتمع من مصدر لا غنى عنه للنهوض الحضاري والارتقاء الشامل.

110 - ب - ولكي يمكن تحقيق نقلة نوعية في قطاع الثقافة، يتوجب اعتماد استراتيجية للتنمية الثقافية، تقوم على زيادة جوهرية في تخصيصات الموازنة العامة السنوية للاغراض الثقافية، وتأسيس المجلس الوطني الموعود للثقافة والفنون، وإعمار المرافق الثقافية المتضررة وبناء المزيد منها في المحافظات كافة، وتقديم الدعم المباشر الى المبدعين ومنتجي الثقافة، وتوفير التسهيلات المادية والفنية والادارية اللازمة لتفرغهم وانصرافهم الى تنفيذ مشاريعهم الثقافية، وتشجيع المنظمات الثقافية غير الحكومية ومساعدتها على النهوض بدورها في التنمية الثقافية، فضلا عن العناية باختيار الكادر القيادي لوزارة الثقافة والمؤسسات الاخرى المعنية.

 

 

 

الفساد المالي والاداري

 111- لقد ضرب الفساد اطنابه، ويتوجب العمل على تحديد مداه وعمقه ومفاصله، لكي يمكن وضع خطة عملية للهجوم على مواقعه، وتطويق شروره وحصر نفوذه وتأثيره. ومن الواجب ان يكون التصدي للفساد متواصلا وبعيدا عن الموسمية، وان يتجاوز الامر الاجراءات القضائية والامنية والادارية الى اتخاذ تدابير جادة وملموسة لانعاش الاقتصاد الوطني، لا سيما قطاع الإنتاج، بما يوفر فرص عمل جديدة ويقلص حجم البطالة، ويرتقي بمستوى المعيشة والخدمات، وبما يعيد بناء منظومة القيم الاخلاقية والثقافية وإشاعتها في المجتمع، مع تأكيد اهمية التوعية بمخاطر الفساد المالي والاداري عبر الاعلام والمدرسة وغيرهما.

112- وفي سياق التصدي للفساد، لابد من تهيئة الظروف المناسبة لعمل الاجهزة الرقابية: هيئة النزاهة، ديوان الرقابة المالية، دوائر المفتشين العامين وغيرها، وتقديم الدعم لها، وشد ازرها وتنفيذ قراراتها، وتفعيل القضاء ليقول كلمته في حق من يثبت تورطهم في جرائم الفساد، مهما كانت مواقعهم وصفاتهم، والعمل على ضمان حيادية القضاء، وعدم زجه في الصراعات السياسية، وتوفير الحماية للقضاة والشهود وغيرهم في قضايا مكافحة الفساد. كما لا بد من تفعيل دور الرأي العام ومنظمات المجتمع المدني في هذا الاتجاه، بعيدا عن تصفية الحسابات والاتهامات الكيدية. ويتوجب الاستمرار ضمن هذا التوجه ايضا، في ملاحقة الفاسدين الهاربين خارج العراق، من العراقيين والاجانب.

113- وينبغي ان تبادرالسلطتان التنفيذية والتشريعية الى الغاء كل القرارات ورفع كل الحواجز، التي تعرقل مكافحة الفساد او تكبح الاجراءات القانونية المتخذة، كي يلمس المواطن ما يعتمد من تدابير بصدد العديد من قضايا الفساد التي يعلن عنها، ثم تبقى مفتوحة النهايات. كذلك ان يتم الاعلان عن الاجراءات التي تتخذ، كي يدرك الجميع انهم ليسوا بمنأى عن المحاسبة والمساءلة، وكي يطمئن المجتمع الى وجود توجه جدي للتصدي للفساد، وللمفسدين بغض النظر عن مواقعهم ومنحدراتهم وارتباطاتهم الوظيفية والسياسية. وبذلك يمكن صيانة المال العام، وتوفير المزيد من الاموال التي تمس حاجة بلادنا اليها لاعادة الاعمار والبناء، وتحسين الخدمات، ورفع مستوى معيشة الناس.

شركات القطاع العام

 114- لا بد عند معالجة هذا الموضوع من رؤية نقدية للاوضاع التي كانت سائدة في القطاع العام، وتحليل للعوامل والاسباب الحقيقية التي ادت الى ما تعاني منه مؤسساته اليوم. والمسألة لا تكمن في خصخصة او عدم خصخصة هذا القطاع، بل في بلورة منهجية واضحة، تتيح التغلب على آليات النهب التي تعرض لها وما يزال، واجراء تقييم اقتصادي شامل وموضوعي لمؤسساته، قبل الإقدام على أي خطوة لتغيير الملكية. فهذا يشكل مدخلا جديدا، يتيح امكانية اعادة بناء القطاع العام استنادا الى معيار الكفاءة الاقتصادية، ومعيار الوظائف الاجتماعية التي تؤديها الدولة في الحقل الاقتصادي. وان ما هو مطلوب اليوم بشدة هو تدعيم الرقابة المجتمعية على هذا القطاع، واعتماد مبدأ الشفافية في تسييره، وتنشيط دور الفاعلين الاجتماعيين المختلفين، بما يعيد الاعتبار الى الترابط الجدلي بين التنمية والديموقراطية.

وقد بينت الحياة وتجارب التاريخ، عدم صواب الرؤية التي تعتبر القطاع العام شرا مطلقا، والقطاع الخاص خيرا مطلقا. والعكس صحيح ايضا. وهذا يعني ان البديل يكمن في استراتيجية تنموية متكاملة، توظف كل القطاعات (العام والخاص والمختلط والتعاوني)على نحو سليم.

115- ان مصلحة الاقتصاد الوطني والعاملين في مؤسسات الدولة وشركات القطاع العام، والاعتبارات الاقتصادية البحت، تقضي بان تقوم الدولة بتقديم الإعانة والدعم اللازمين لإعادة تأهيل المؤسسات المذكورة، وتمكينها من استئناف عملها، بعد أن توكل إدارتها إلى عناصر كفوءة ونزيهة ومخلصة.

وفي ضوء ذلك نرى في القرار الذي اتخذته الحكومة بوقف دعم بعض شركات القطاع العام ذات التمويل الذاتي، قرارا متسرعا لا يوجد ما يبرره في هذا الظرف الانتقالي للبلد. وكان مفترضا ان يتم اولا تأهيل هذه الشركات لتقف على اقدامها وتستعيد عافيتها وقدراتها الانتاجية، خدمة للاقتصاد الوطني وللعاملين فيها. فمن الضروري هنا التفكير بمصير عشرات الآلاف من هؤلاء العاملين مع عوائلهم.

 

المياه

116- يواجه بلدنا منذ سنوات معضلة شح المياه. وقد تفاقم الحال في السنوات الأخيرة جراء قلة سقوط الأمطار والثلوج، وبدء العمل في الكثير من المشاريع الاروائية في تركيا وسوريا. كذلك بسبب ما قامت به إيران من قطع وتحويل لمياه الأنهر والروافد القادمة منها، ما اثـّر بصورة خاصة على الحال في نهري شط العرب وديالى.

ولا يقتصر الامر على شح المياه، بل يمتد الى تردي نوعيتها وارتفاع نسبة الأملاح فيها، وهو ما يتجلى حاليا في مدن المصب الجنوبية، ومنها البصرة التي تشكل مثالا صارخا على ذلك.

وبديهي ان تعاقب سنوات الجفاف وقلة المياه، يترك آثاره الخطيرة ليس فقط على الزراعة وحياة النبات والحيوان، بل حتى على إمكانية حصول المواطنين على مياه صالحة للشرب، كما على البيئة.

117- واذ نشير إلى إهمال هذه القضية من جانب الحكومات المتعاقبة، خاصة في عهد صدام المباد، نؤكد ان حرمان العراق من حق طبيعي له ومورد أساسي ومصيري، ينبغي ان يسترعي اهتماما استثنائيا من جانب الدولة والحكومة العراقية، وذلك لجهة:

1- التحرك العاجل في اتجاه دول الجوار المعنية، تركيا وسوريا وإيران، لضمان تجاوبها مع حقوق العراق، ولتأمين حصته العادلة من المياه وفقا للاتفاقات والاعراف الدولية، باعتبار دجلة والفرات نهرين دوليين اساسا، اضافة الى الانهر الحدودية. وهذا يتطلب الدخول في مفاوضات عاجلة مع الدول الثلاث والسعي للتوصل إلى اتفاقات تؤمن حاجة العراق المتزايدة من المياه.

2- تحرك الحكومة بتصور واضح وتوجه استراتيجي واستثمار كل العلاقات: الاقتصادية والمالية والثقافية وغيرها، لتأمين احترام تلك الدول لمصالح وحقوق العراق، ولتوضيح حقيقة ان سكوت العراق بفعل أوضاعه السياسية السيئة في ظل حكومات الاستبداد والدكتاتورية السابقة، ونتيجة لعدم اهتمام تلك الحكومات بالدفاع عن العراق والعراقيين ومصالحهم وحقوقهم، لا يمكن أن يستمر.

كذلك يقتضي الأمر رسم سياسة مائية متوازنة وذات أبعاد إستراتيجية متكاملة، تضع في الاعتبار حقائق الواقع، وبضمنها طلب النشاط الاقتصادي المتزايد على المياه، ومتطلبات الاستهلاك البشري العصري وفقا للمقاييس الدولية وبمواصفات بيئية وصحية مناسبة.

118- والى جانب ذلك تمس الحاجة إلى ترشيد استهلاك المياه وتنظيم توزيعها وحماية مواردها ومنع التبذير فيها، والتوجه إلى بناء الخزانات والسدود والنواظم والمبازل، وإدخال الأساليب الحديثة في الزراعة والري، وحماية الأنهر ومصادر المياه من التلوث، والسعي إلى الاستخدام العلمي للمياه الجوفية والمياه العادمة والصرف الصحي ومياه المبازل، إضافة إلى إتقان الأساليب الحديثة في إدارة الموارد المائية.

 

تطورات الأوضاع في كردستان

119-ـ رأى الحزب وما زال أن جزءا أساسيا من الصراع الجاري يبقى يدور حول اعادة بناء الدولة العراقية، وطبيعة نظامها السياسي، وعلاقة ذلك على نحو مباشر بالحقوق المشروعة لشعب كردستان، الذي اختار بعد انتفاضة آذار 1991 النظام الفدرالي أساسا لعلاقة أقليم كردستان بالمركز في عراق ديمقراطي.

120- وشخص الحزب الشيوعي الكردستاني ( حشك ) تعقيدات هذه القضية، نظرا لكون مهمة بناء الدولة الديمقراطية المدنية الفدرالية، التي تضمن حقوق الشعب الكردستاني، لا تنجز بمجرد سقوط الديكتاتورية. فهي مهمة نضالية تتأثر بتوازن القوى، وتعدد المشاريع وتناقضها، وتراكم الخبرات، والتعارضات المتداخلة والمركبة الناجمة بالدرجة الأولى عن تناقضات العوامل الداخلية، وحجم المهمة ذاتها بالنظر الى طابعها المتمثل باعادة البناء، وتأثير العامل الخارجي، اضافة الى مستوى أداء القوى الكردستانية، والتيار الديمقراطي في عموم العراق، في ادارة الصراعات الجارية حول القضية، وقدراتهما على تعبئة الجماهير لخوض تلك الصراعات.

121ـ غير ان الجانب الموضوعي في هذه القضية لا يعني انتفاء القصور في الجوانب الذاتية، واهدار الفرص الكبيرة وعدم احترام عامل الزمن، خاصة بالارتباط مع التفريط بالاتفاقيات السياسية، التي كان الأقليم وقيادته السياسية طرفاً مشاركاً وفعالاً في ما حققته من توازن، ومن أهمها مبادرة أربيل لتشكيل الحكومة الفدرالية بعد الانتخابات الأخيرة، ومضي اكثر من عام دون أن تكتمل الحكومة.

من جانب آخر فان الاشكاليات في العملية السياسية وفي طبيعة المرحلة الانتقالية، تمتد لتشمل بشكل أو بآخر الوضع في الاقليم ايضا. ويرتبط الأمر بصعوبة المهام وحجم التعقيدات المتزامنة لهذه العملية، ومنها التعقيدات التي تلازم انتقال المجتمعات من الأنظمة الشمولية الى النظام الديمقراطي، علماً ان المرحلة الانتقالية في العراق تتميز بما هو اشد تعقيداً.

122ـ يؤكد الحزب الشيوعي الكردستاني مرة أخرى ضرورة استكمال بناء الدولة الفدرالية. وهو منذ بداية تبنيه الفدرالية حتى اليوم يبين أن طرحه فكرة الفدرالية نبع من الرغبة في ايجاد الأشكال المناسبة لحل القضية القومية ارتباطا بالديمقراطية، وكون الفدرالية التي نسعى الى بنائها ضمن مشروع بناء الدولة الديمقراطية المدنية، هي فدرالية ذات طابع سياسي، الغرض منها حل القضية القومية، وضمان حقوق شعب كردستان. وهي بالطبع لا يمكن استنساخها وتطبيقها لحل الاشكاليات المتعلقة بالقضايا ذات الطبيعة الادارية، لا القومية، والناجمة عن المركزية المفرطة وسياسة الالغاء والتهميش، التي مارستها السلطة الديكتاتورية بحق مناطق معينة في جنوب ووسط العراق. ومن الضروري أن نؤكد ارتباط الفدرالية بالديمقراطية، وعدم إمكان الفصل بينهما. كما لا يمكن الحديث عن أي بناء ديمقراطي لعراق جديد، لا يضع في الاعتبار مسألة الفدرالية. ومن هذا المنطلق نوجه نداءنا الى كافة القوى الديمقراطية في الاقليم وعموم العراق، للعمل المشترك من أجل بناء التيار الديمقراطي الفاعل والمؤثر في الساحة السياسية.

123 ـ توقع حشك حدوث اشكالات في العلاقة بين حكومة الأقليم والحكومة الاتحادية، بخصوص جملة من القضايا التي يتعلق بعضها بحدود الاقليم والمناطق المتنازع عليها، وصلاحيات الاقليم وتنازعها مع صلاحيات الحكومة الفدرالية، اضافة الى موضوع حصة الاقليم في الميزانية، وقانون النفط والغاز. وفي تعامله مع جوهر تلك الاشكاليات، اكد الحزب على منهج عقلاني يشدد على كافة المواد التي تضمن حقوق شعب كردستان في الدستور الاتحادي، والحرص على ثروات الاقليم. ومن هذا المنطلق أعلنا بوضوح دعمنا لتنفيذ المادة 140 من الدستور، والالتزام بالنسبة السابقة المقررة كحصة للأقليم من الميزانية الاتحادية، حتى اجراء الاحصاء السكاني العام. وأشرنا ايضاَ الى ضرورة مشاركة الاقليم في رسم السياسية النفطية، وحقه في الاستثمار وفقا لمواد الدستور ذات العلاقة.

124- من جانب آخر جدد (حشك) دعوته الى المجلس الوطني الكردستاني لتعديل قانون الاستثمار، وقانون النفط والغاز في كردستان، بما يضمن المحافظة على ملكية الأرض في الاقليم، ووضع ضوابط للاستثمار الأجنبي، ودعم وتشجيع الرأسمالية الوطنية، والتأكيد على مبدأ تعددية ملكية وسائل الانتاج، أي أن يكون الى جانب القطاع الخاص والمختلط، القطاع العام المنتج. 

 اننا نؤكد على حل كافة المشاكل والملفات العالقة بين حكومة اقليم كردستان والحكومة الاتحادية، من خلال الحوار والتعامل بمرونة.

125ـ شهد الاقليم في الفترة التي تلت المؤتمر الرابع لحشك تطورات في مجال التنمية والاعمار، والاهتمام بالبناء التحتي. وشرع الاقليم قوانين ذات بعد اجتماعي في مجال تعديل قانون الاحوال الشخصية وسن قانون مناهضة العنف الاسري، وقانون مجلس الخدمة، واعلان مبادئ الحكم الرشيد، وقواعد سلوك الموظف العام، ورسم سياسة التشغيل، وإقرار قانون دعم المشاريع الصغيرة للشباب، وتوسيع شبكة الحماية الاجتماعية، وتوفير نوع من الضمانة للعاطلين من خريجي الجامعات والمعاهد، ومشروع التأهيل العلمي الخاص بارسال البعثات للدراسة في الخارج، اضافة الى مشاريع الاعمار المختلفة وبناء المدارس والمستشفيات..الخ. ولم تكن هذه الانجازات بمعزل عن جهود (حشك) سواء من خلال النضال الجماهيري أو من خلال دور ممثليه في هيئات الاقليم.

126ـ غير ان هذه الانجازات لا تنفي وجود ثغرات واشكاليات تجلت في الصراع على السلطة، وفي استشراء الفساد وسوء استخدام السلطة، وعدم استكمال توحيد ادارتي اربيل والسليمانية، والتدخل الحزبي المفرط في شؤون ادارة الدولة والعمل الحكومي. وهذه المظاهر السلبية في جوهرها ليست وليدة اللحظة، فهناك تراكم من الممارسات المبنية على القسر والالغاء والتفكير نيابةً عن الآخرين، وشبكة من الوشائج والعلاقات الاجتماعية ـ السياسية التقليدية المهيمنة على التفكير السياسي.

127- لقد وفر هذا الوضع الأرضية لطرح مطالب عادلة عبر أساليب النضال الديمقراطي المدني السلمي، وهي الاساليب التي طالما أكدنا مشروعيتها في إطار احترام القانون والسلم الأهلي والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة، وما تحقق من مكتسبات بفضل نضال شعب الاقليم، ووضع القضية الوطنية الكردستانية في الاعتبار.

128- وتزامنت هذه المظاهر مع الصراع الداخلي خاصة بعد انتخابات برلمان كردستان (تموز 2009) وظهور كتلة (التغيير) اضافة الى الاحزاب الاسلامية ككتلة برلمانية معارضة. ان ظهور المعارضة بهذا الشكل كان ايذانا بدخول الحياة السياسية في اقليم كردستان مرحلة جديدة، مرحلة ظهور اطراف سياسية تعمل علنا وفي المؤسسات التمثيلية لانهاء احتكار الحزبين (حدك و أوك) للقرار السياسي الكردستاني وادارة شؤون الاقليم.

اشتد هذا الصراع بعد انتخابات مجلس النواب العراقي (7/3/2010) وفوز احزاب المعارضة الكردستانية ببعض المقاعد، حيث حاولت رئاسة الاقليم خلق حالة من الانسجام والتوافق السياسي، واطار للعمل المشترك الكردستاني في بغداد يضم جميع الفائزين تحت مسمى (كتلة القوى الكردستانية). لكن ذلك الانسجام لم يتحقق في الواقع، رغم تقارب وتطابق المواقف تجاه القضايا الكردستانية المصيرية.

واستمر الحال كذلك حتى انطلاق التحرك الثوري والحركات الاحتجاجية في تونس ومصر (ما سمي الربيع العربي). فقد شجعت تلك التحركات وحفزت الشباب والشرائح المتذمرة والمهمشة في الاقليم على التحرك والنزول الى الشارع وساحة السراي بالسليمانية، مطالبين اول الامر بالاصلاح والعدالة والمساواة ومحاربة الفساد، وانتقل تحركهم من ثم الى مدن اخرى. لكنه سرعان ما تجاوز طابعه السلمي باللجوء الى العنف واستخدام السلاح  والهجوم على المقرات والممتلكات العامة والخاصة. واستمرت المظاهرات وفعاليات الاحتجاج شهرين واكثر، رغم ما ابدته الحكومة وحزبا السلطة من استعداد لتنفيذ مطاليب المتظاهرين والقيام باصلاح سياسي، وحتى الاستعداد لاجراء انتخابات مبكرة. لكن سقف المطالب كانت يرتفع يوما بعد يوم وصولا الى مطلب اسقاط الحكومة.

بعد انقضاء شهرين لجأت الحكومة الى الاجراءات الامنية، حيث استخدمت القوات الامنية والعسكرية في اخماد المظاهرات، وسيطرت على الوضع، منهية حالة التظاهر والاعتراض العلني. الا انها لم تعالج جوهر المشكلة، وهو علاقة الصراع الشديد بين من هم في السلطة من القوى السياسية ومن هم خارجها، والعلاقة غير الايجابية بين السلطة وشرائح كثيرة من المجتمع. فالحل الامني لا يستطيع الغاء المطالب العادلة للناس، والحاجة الموضوعية الى الاصلاح، والانتقال الى الحكم الرشيد الذي يحقق الصالح العام.

صحيح ان عملية الاصلاح تتطلب تهيئة مستلزماتها لانها مهمة صعبة ومعقدة، لكنها ممكنة ان توفرت القناعة والادارة السياسية ويمكن المباشرة بها باشراك الجميع وبخطوات تدريجية، بمعالجة النواقص والمشاكل والتمايزات التي تعاني الناس، واصلاح ادارة المجتمع، اعادة بناء وتنظيم علاقة السلطة مع المواطنين على اساس تحقيق المساواة والعدالة، وابعاد التدخلات الحزبية في الشؤون الادارية.

129- وفي ظل هذه الاوضاع عقدت قيادة حشك العديد من الاجتماعات واعلنت فيها وقوفها الى جانب الجماهير لتحقيق اهدافها باساليب مدنية وحضارية وانها بالضد من كل انواع اللجوء الى استخدام العنف  والقوة سواء من جانب السلطة او من جانب المتظاهرين. ودعت الى التهدئة واللجوء الى الحوار والتفاهم والوصول الى توافق سياسي لاعادة الاوضاع الى طبيعتها والمباشرة بمعالجة اسباب الازمة. ورغم الانفراج الذي حصل في علاقات القوى السياسية وانعقاد اجتماعات للخماسية، الا ان التخندق وسياسة نفي الآخر والمصالح الحزبية الضيقة حالت دون تحقيق المصالحة السياسية او الشراكة السياسية. بلور حشك رؤيته لمعالجة الاوضاع، وقدم مشروعه للاصلاح الى رئاسة البرلمان ونشره في وسائل الاعلام، وشمل المجالات السياسية والادارية والاقتصادية، ونقتطف منه هنا بعض العناوين: (المباشرة بإجراء حوار وطني يهدف الى تحقيق المصالحة والمشاركة الكردستانية، المباشرة بتنفيذ النقاط (17) المتفق عليها في برلمان كردستان لمعالجة الازمة، ابعاد التدخلات الحزبية في الشؤون الادارية، تحديد موعد اجراء انتخابات مجالس المحافظات وتعديل قانونها، تفعيل دور هيئات الرقابة المالية والنزاهة، وتأسيس هيئة الخدمة المدنية، وتقديم ملفات الفساد للعدالة، وتحقيق استقلالية القضاء، واعتماد الشفافية في ميزانية الاقليم والكشف عن جميع الايرادات، واجراء تحقيق في مشاريع الاستثمار والمساطحات وتعديل قانون الاستثمار، التركيز في السياسة الاقتصادية على المشاريع  الانتاجية (الصناعية والزراعية)، تنظيم السوق والاستيراد والتصدير وإقرار قوانين منع الاحتكار وحماية المستهلك، اعادة النظر بنظام الاجور وسلم الرواتب وقانون العمل، وتحسين نظام الضمان الصحي والاجتماعي، واقرار تخصيصات مالية في الميزانية لانشاء وحدات سكنية لذوي الدخل المحدود والفقراء والكادحين، وايصال الخدمات الى المناطق الشعبية، وتوفير مستلزمات استيعاب الجامعات لجميع خريجي الاعداديات، وتوفير سوق العمل لمعالجة البطالة الاجبارية لخريجي المعاهد والكليات...الخ.

 

130ـ استند  خطاب حشك الى تفادي النظر الى مسألة التغيير الاجتماعي عبر ثنائية السلطة والمعارضة، وتسطيح وتبسيط الصراعات على أساس شعبوي  أو وفق استنساخ التجارب، والى اعتماد منهج عقلاني جدلي يركز على جوهر الصراع الاجتماعي والدور الفاعل للشعب، ولا ينظر الى الشارع والى الجماهير ككتلة صلدة وجامدة، بل من كون الشارع مجالا لتفاعل وصراع المشاريع السياسية، وضرورة اتخاذ الموقف السياسي انطلاقا من مشروعية الطرح،  ومدى انسجامه مع مشروعنا للتغيير الاجتماعي، المبني على أسس الديمقراطية والتمدن والتقدم الاجتماعي، وعدم تسويغ العنف لفرض المشاريع السياسية.

 

131ـ تدور هذه الصراعات الداخلية في ظل تدخل وتأثير عوامل محلية واقليمية، وتهديدات مباشرة من دول الجوار بينها القصف الايراني والتركي لاراضي الاقليم بشكل يكاد يكون دورياً. فيما يتسم الوضع في المناطق المشمولة بالمادة 140 باحتقانات جدية، ومسعى واضح من جانب القوى الشوفينية وبقايا البعث لتاجيج الاوضاع.

 

 ان المخاطر الحالية التي تواجه الاقليم لا تنتقص من اهمية المطالب الشعبية، وضرورة وجود مشروع سياسي للتغيير الاجتماعي مبني على صيانة المكتسبات وتعميقها، ومواجهة الفساد وضرورات الاصلاح السياسي والاداري والاقتصادي في اطار الشرعية وصناديق الاقتراع، وتعميق الديمقراطية بعيدا عن عقلية الانقلابات والاقتتال الداخلي. غير ان هذا التوجه لا يعفينا من الاشارة الى المخاطر الجديدة التي قد تنسف التجربة من الداخل، وبالاخص سعي قوى اقليمية وداخلية وقوى دولية لصياغة النظام السياسي في العراق على اسس تتناقض مع مفهومنا للفدرالية، الذي سبقت الاشارة اليه وعندما تنضج الشروط الموضوعية لذلك، وفي المقدمة منها تطمين المصالح والحاجات الحقيقية لابناء المناطق المعنية وكتعبير عن ارادتهم الحرة.

 

132ـ نؤكد على ضرورة عملية اصلاح سياسي ومواجهة للفساد. ونرى ان عملية الاصلاح في الاقليم بكافة محاورها تتطلب الارادة السياسية، وتهيئة المستلزمات ومنها الامن والاستقرار والبرنامج السياسي الواضح البعيد عن تصفية الحسابات. أما الاحتقان الحالي والتعامل مع الاحداث بعقلية سنوات الاقتتال الداخلي المقيت، فمن شانه الحاق افدح الاضرار بعملية التغيير الاجتماعي والاصلاح الشامل.

 

133- واستمرارا لموقفه يشدد الحزب الشيوعي الكردستاني على الخطوط العامة التالية :

 

ـ تأكيد حق التظاهر المدني السلمي في اطار احترام القانون.

 

ـ تخطئة واستنكار جميع مظاهر التجاوز على الحريات، والاعتداء على المقرات الحزبية أو مقرات الصحافة او على الصحفيين، كذلك اطلاق النار على المتظاهرين أو على رجال الشرطة.

 

ـ التحرك الملموس لتطبيق برنامج للإصلاح السياسي والاداري والاقتصادي، يضع في الاعتبار مستلزمات التنمية ومصالح الكادحين، وفتح حوار وطني بشأنه وكيفية تطبيقه ومساهمة القوى المختلفة فيه.

 

ـ الحفاظ على وحدة القوى السياسية الكردستانية، ووحدة القرار على أساس ضمان مشاركة فاعلة لجميع الأطراف في صياغة القرار، والاعتماد على ارادة الجماهير في الدفاع عن المكتسبات، وتوسيع نطاق الحريات العامة في مجال الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وفي مجال حقوق القوميات ومكونات شعب الاقليم.

 

ـ دعم جميع المساعي الرامية الى ترسيخ مفهوم دولة القانون والمؤسسات الدستورية.

 

ـ ضمان المطالب الأساسية للجماهير لتأمين العيش اللائق، وبشكل يحقق الحياة الكريمة والسعادة والأمان للمواطن.

 

ـ وضع استراتيجية وطنية، حكومية وجماهيرية، من أجل مواجهة الفساد، واقرار قانون للنزاهة، وهو ما سبق أن أشرنا اليه أوائل 2007، وأكدناه في برنامجنا الانتخابي عام 2009 .

 

ـ دعم جميع المساعي الرامية لاصلاح نظام التربية والتعليم والتعليم العالي، وفق منهج ديمقراطي معاصر.

 

ـ العمل على تعديل القوانين التي تكرس التمييز ضد المرأة كافة.

 

ـ تشجيع الثقافة الديمقراطية التقدمية ومجالات الابداع كافة، والاهتمام بالشبيبة والطلبة والرياضيين، وبمنظمات المجتمع المدني.

 

ـ العمل على تشريع قانون عمل ديمقراطي عادل، يضمن مصالح شغيلة اليد والفكر.

 

ـ الاهتمام بإعمار القرى، وتشجيع الانتاج الزراعي، والمحافظة على الأراضي الزراعية وحقوق الفلاحين.

 

 

الحركة الاحتجاجية وانتهاك الحريات الدستورية

 

134- تتواصل في انحاء البلاد الاعتصامات والتظاهرات والفعاليات الاحتجاجية والمطلبية. ولا يأتي ذلك بمعزل عن اللوحة السياسية المعقدة في بلادنا، والازمة البنيوية وحالة الاستعصاء، وعجز الكتل المتنفذة عن التوصل الى توافقات على حلول ومخارج لها. كما لا يمكن فصله عن المعاناة المتواصلة - المعيشية والخدمية والحياتية للمواطنين، منذ نيسان 2003 . تضاف إلى ذلك مساعي التضييق على الحريات العامة وثلم هامش الديمقراطية، وتكريس المحاصصة المقيتة، وكم الأفواه، في مخالفة صريحة وواضحة للدستور الذي باتت مواده، هي الاخرى، عرضة لتفسيرات الكتل وفق هواها ومقاساتها، الى جانب تردي الاوضاع الامنية.

 

 135- ان حق المواطن في التظاهر وإبداء الرأي والتعبير عن المواقف، حق دستوري يفترض ان تهيأ مستلزمات تطبيقه كافة، وان توفر الحكومة وأجهزتها الحماية الكافية لمن يمارسه من المواطنين. كما ان من واجب مجالس النواحي والاقضية والمحافظات ومجلس النواب، كذلك السلطة التنفيذية، ان تنصت جيدا الى مطالب الناس المشروعة، وتسعى الى تلبيتها، وان تعير الاهتمام لدعواتهم إلى إصلاح العملية السياسية، وتصحيح مسارها في اتجاه بناء الدولة المدنية الديمقراطية.

 

136- وبديهي ان عراقنا ليس معزولا عما حصل ويحصل في غيره من بلدان المنطقة، وإن اختلف عنها في الخصوصيات والتفاصيل. فقد حفزت عواصف التغيير في المنطقة جماهيرنا ايضا على التحرك وكسر حاجز الخوف والتردد، والنزول الى الشارع. وكانت مساهمة الشباب في هذا الحراك متميزة، وجرت الاستفادة في ذلك من التكنولوجيا الحديثة للاتصالات، وتوظيفها لخدمة الاهداف المشروعة.

 

137- الا ان سلوك الحكومة واجهزتها وتعاملها مع الحركات الاحتجاجية، شكلا انتهاكا للحق الدستوري في حرية التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي، ومحاولة لقمع ممارسة المواطنين هذا الحق، بعد ان تيقنوا ان الهم الاول والاخير للكتل الحاكمة المتنفذة هو الحفاظ على مصالحها، والصراع على السلطة، وتقاسم المغانم في ما بينها، من دون اكتراث بالمواطن الذي ٍيئن تحت وطأة ظروف قاسية، في بلد تزيد موازنته السنوية على 100 ترليون دينار عراقي.

 

138- لقد نجحت الفعاليات الاحتجاجية في 25 شباط 2011 وقبله وبعده، في ايصال رسالة واضحة بمطالب الجماهير العادلة، رغم ما تعرضت له من مساع لتشويه حقيقة تحركها واهدافه، ودخول السلطة التنفيذية بكل ثقلها للحؤول دون انطلاقه، وسعيها لاجهاضه، ورغم كل ما اتـُخذ ضدها من اجراءات واستخدم من ادوات، وما جرى من ملاحقات واعتقالات وانتزاع للتعهدات، كانت موضع ادانتنا وشجبنا.

 

139- ومن جديد نؤكد موقفنا المعروف، ونسجل انحيازنا الى الناس في تطلعاتهم ومطالبهم المشروعة، والتزامنا حقهم في التعبير، وادانتنا أي اجراء يهدف الى التضييق على الحريات وسلب الناس حقوقها. ومن اجل ذلك نرى ضروريا ان يشرّع قانون ينظم حق التظاهر والتعبير عن الرأي بصورة ديمقراطية، ويحفظ حق الناس الدستوري، ويمنع التجاوز عليه ومصادرته من جانب السلطات التنفيذية تحت اية ذريعة. قانون يسهل التمتع بهذا الحق، وليس تقييده وفرض قيود جديدة عليه.

 

140- وفي المقابل يفترض ان تمارس الحقوق والحريات التي كفلها الدستور، بشكل سلمي وحضاري، من دون استخدام للعنف او اساءة لأحد او ايقاع اذى به، وبعيدا عن التجاوز على الممتلكات العامة والخاصة. الى جانب التيقظ ازاء محاولات التسلل من جانب العناصر المخربة، والعمل على قطع طريقها وإحباط مسعاها.

 

141- ان اسباب اندلاع هذه الحركات يكمن في العوامل الداخلية المحركة، التي تتفاعل في الوقت ذاته مع المتغيرات الاقليمية والدولية. وبعد مضي شهور عدة على اندلاعها فانها مرشحة لتتواصل بشكل او بآخر، نظرا الى استمرار اسبابها وعدم تلبية مطالبها، ورغم عدم اتخاذ مسارها خطا تصاعديا بفعل جملة اسباب، تتصدرها التدخلات الفظة من جانب الحكومة واجهزتها، وحالة الترقب من جانب بعض اقسام السكان، رغم استمرار معاناتهم.

 

 

الخروج من ازمة نظام الحكم

 

نحو حوار وطني شامل

 

142- اصبح جليا في اعقاب تطورات الفترة الاخيرة بوجه خاص، حجم الصعوبات التي تواجه ادارة البلاد وشؤونها. فهي تنتقل من ازمة الى اخرى، ومعها تتفاقم معاناة الناس وشكواهم، فيما يتزايد القلق على مستقبل البلاد ومصيرها. ويأتي عجز القوى المتنفذة عن ايجاد المخارج والحلول، للمشاكل والازمات المتناسلة في العلاقات ما بينها، وفي الادارة المشتركة لشؤون البلاد، ليضيف مزيداً من القوة لتقييمنا وتوصيفنا الأزمة، بأنها أزمة نظام حكم المحاصصة الطائفية والأثنية.

 

143- ولم يعد خافيا ان الكتل المتصارعة على السلطة والنفوذ والثروة لا تمتلك، حتى الآن، الارادة الكافية للاقدام على تنازلات جدية متبادلة، يربح بها الجميع والمصلحة العليا للناس والوطن، التي غيبت في مجرى الصراع المحتدم.

 

وحتى الآن ايضا لم تستجب الكتل المتنفذة، في استمرار للتجربة المرة الطويلة معها، للعديد من المبادرات التي طرحتها شخصيات واحزاب وقوى سياسية عديدة، في مسعى للحيلولة دون انزلاق الامور نحو المزيد من التدهور، وخسران كل شيء.

 

وقد تعمقت في الآونة الاخيرة كثيرا حالة التوتر والتشنج والتراشق بين الكتل الحاكمة. وارتبط ذلك ببعض الاجراءات التي اقدمت عليها اطراف في السلطة التنفيذية، لم يمنع استنادها الى مبررات دستورية وقانونية، من اثارة الكثير من الاسئلة لدى اطراف اخرى في شأن توقيتها ودوافعها والغاية منها. لا سيما وانها جاءت في ظرف تمس فيه حاجة البلد الى تراص الصفوف وتمتين الوحدة الوطنية، والارتقاء الى مستوى مواجهة الاستحقاقات القادمة، وتهيئة الاجواء لطمأنة الناس. كما جاءت بعد الجلاء التام للقوات الامريكية عن اراضي وطننا في نهاية العام الماضي، وهو ما اعتبرناه مع بقية الاطراف الوطنية نصرا كبيرا، واستجابة لارادة شعبنا العراقي في رؤية وطنه يتمتع آخر المطاف بكامل حريته واستقلاله.

 

144- وردّ بعض المحافظات على الاجراءات المذكورة للسلطة التنفيذية، بخطوات نحو اعلانها اقاليم. وجاء ذلك، في ظروف التشنج والانفعال والبعد عن السياقات الموضوعية والحاجة الفعلية، بصورة هي اقرب الى التظاهرات الاحتجاجية وردود الفعل السياسية، رغم انها بدت دستورية وقانونية.

 

145- ويثقل المشهد المأزوم اصلا الاستشراء غير المسبوق للفساد وسرقة المال العام، وغياب الاجراءات الحازمة في حق المسؤولين عن ملفاته الكبيرة. الى جانب الخروقات الامنية المتواصلة التي يتسم بعضها بطابع نوعي، واستمرار الاغتيالات بكاتم الصوت والمفخخات، وتواصل تهديدات قوى الارهاب والجريمة المنظمة بالاقدام على المزيد منها.

 

146- ان استمرار الحال الراهن لا يعِد بحلول للأزمة السياسية، بل ولا يفضي سوى إلى اشتداد هذه الازمة واتساعها. لذلك فلا مخرج حقيقياً منها إلاَ بالتوجه الجاد والمسؤول، من قبل سائر القوى المشاركة في العملية السياسية، ضمن السلطة وخارجها، نحو مراجعة هذه العملية واسس المحاصصة الطائفية والاثنية، التي قامت عليها، واصلاحها وتقويمها ووضعها على السكة السليمة، التي تقود إلى بناء الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية.

 

147- ولأجل بحث جميع القضايا التي باتت تشكل نقاط اختناق للعملية السياسية، وتدفعها إلى خارج السكة السليمة، واجراء المراجعة والاصلاح المطلوبين، اضافة إلى ايجاد الحلول لأزمة "حكومة الشراكة" التي تعصف بها الصراعات، طرح حزبنا فكرة اطلاق حوار وطني شامل، تشارك فيه القوى المؤسسة والمشاركة في العملية السياسية، سواء كانت اليوم في الحكومة أم خارجها، يمهد لعقد مؤتمر وطني. واعتبر ان المسؤولية الأكبر في الدعوة لهذا الحوار تقع على عاتق اصحاب القرار في السلطة والدولة، واقترح أن يتم التمهيد للعملية بدعوة القوى والشخصيات المؤسِّسَة للعملية السياسية والمشاركة فيها، الى لقاء تتداول فيه الحلول والمقترحات المطروحة اليوم، وجميع جوانب الأزمة السياسية للبلاد ومظاهرها وسبل معالجتها، إلى جانب مراجعة بناء الدولة ومؤسساتها بصورة شاملة، وصولا الى توافقات وميثاق عمل مشترك، يعزز الوحدة الوطنية وامن البلاد وسيادتها والبناء الديمقراطي الاتحادي للدولة.  

 

148- لقد باتت الحاجة ملحة، بعد تجربة ثماني سنوات منذ التغيير في 2003، الى مقاربات وتوجهات جديدة، الى نمط تفكير جديد في خصوص ادارة البلد. نمط يستبعد تماما كل ما له صلة بمنهج المحاصصة الطائفية والاثنية وصيغتها المهذبة المسماة "التوازن الوطني"، ويرفض التعامل مع الدولة كغنيمة، ويبتعد عن ذهنية الحاكم المطلق الدائم. فهذا كله لا بد ان يكون جزءا من الماضي، في سياق المراجعة النقدية الضرورية لمسيرة البلاد منذ التغيير في 2003 . وهو ما يفترض ان يفضي في نهاية المطاف الى تحالفات واصطفافات جديدة.

 

149- ان من غير الجائز ولا المسموح به ابداً، ان تُهدَر تضحيات الشعب، وتذهب سدى دماء شهدائه الابرار، وان يُحوَّل البلد الى "كانتونات" منعزلة، فتضيع تجربته الوليدة على سفود نار المتنافسين وشهواتهم، وتدافعهم على السلطة والمغانم.

 

150- ان القوى الحية في المجتمع، من جماهير وشخصيات اجتماعية وثقافية واكاديمية وسياسية، ومن احزاب واطراف وطنية وديمقراطية ومنظمات مهنية ونقابية واجتماعية، مطالبة اليوم اكثر من اي وقت مضى بالسعي دون كلل الى توسيع مساحة تأثيرها، وتعظيم دورها، وزيادة ضغطها لاعادة الامور الى نصابها، والسير بالبلاد على السكة السليمة، واستعادة استقلالها وسيادتها الكاملين، ومواصلة بناء الديمقراطية الحقة ومؤسساتها، واقامة الدولة المدنية الديمقراطية العصرية، وتحقيق العدالة الاجتماعية.

 

اننا نرى في ما تقدم مخرجا واقعيا، في ظل استمرار حالة الاستعصاء وعجز الكتل المتنفذة والحاكمة عن الخروج بالبلاد من ازمتها السياسية، والحفاظ على النسيج الوطني، وصيانة الوحدة الوطنية، وبناء العراق الديمقراطي الاتحادي الموحد.

 

 

 

 

الانتخابات المبكرة كخيار للحل

151- وفي هذا الجو المكهرب ليس ترفا ان يجري التحذير من عواقب الامور، او ان يصار الى التساؤل: ما دامت الاطراف المعنية عاجزة عن العثور على حل او تسوية ترضيها جميعا، فلماذا لا تعود الى الدستور، وتسترشد بما يشير اليه في مادته الـ 64 حول الرجوع الى الشعب عند الازمات، واستجلاء ارادته في انتخابات برلمانية مبكرة؟

 

152- يعترض البعض قائلا ان ذلك سيربك الوضع ويزيده تعقيدا! ولكن هل هناك ما هو اكثر إرباكا من الحال الراهن، الذي ينذر – فوق هذا - بما هو اسوأ واسوأ، اذا لم يتم تدارك الامر؟

 

153- ويرفض آخرون متذرعين بالتكاليف الباهظة! ولهؤلاء نقول ان مجرد الفرق بين زيادة اسعار النفط الخام المصدر حاليا وما خـُمن في ميزانية الدولة، لمدة خمسة ايام فقط، والذي يزيد على 300 مليون دولار، يكفي لتمويل العملية الانتخابية من الفها الى يائها!

 

154- اما من يتحججون في اعتراضهم على الانتخابات المبكرة بالسؤال: وماذا ستغير؟ فنرد عليهم بان كلاما كهذا يشكل في الواقع انتقاصا من وعي الشعب وجماهير ابنائه وبناته. فكأنهم لا يرون ولا يسمعون او يعون، وليس في مقدورهم النظر الى الامور بنحو سليم يمكنهم من رؤية الاشياء بواقعية، من دون تزويق او تشويه، والحكم عليها بموضوعية ومسؤولية.

 

155- ان الاصرار على ادارة الظهر للمخرج الديمقراطي والسلمي الذي يقول به الدستور، ومواصلة تسعير صراع المصالح والمطامح الى جني اكبر حصة ممكنة من السلطة (النفوذ، الثروة، المكاسب، صنع القرار.. الخ) والتي اطلقها نهج المحاصصة الطائفية – الاثنية المقيت.. ان ذلك لن يصب الا في مصلحة اعداء البناء الديمقراطي للعراق، وقوى الارهاب والتخريب بالذات. ولن يؤدي من ثم الا الى ابقاء العراق ضعيفا واهنا، في الوقت الذي يواجه فيه مهمات كبيرة، يتصدرها السعي لاستكمال الاستقلال و السيادة الوطنية من خلال اخراج العراق مما تبقى من احكام الفصل السابع لميثاق الامم المتحدة، وتأمين سيادته على امواله في البنوك الاجنبية و صادراته النفطية، و الغاء ما تبقى من قرارات مجحفة لمجلس الامن الدولى اثر غزو النظام المباد للكويت، والتوصل الى اتفاق مناسب مع تركيا وايران في خصوص قضية المياه، واتفاق آخر مع الكويت بشأن قضية ميناء مبارك، وغيرها.

 

156- ان خيار الانتخابات المبكرة الذي يتوافق - كما سبقت الاشارة - مع الدستور والممارسة الديمقراطية، والذي يتوجب ان تسبق اعتماده اعادة النظر في قانون الانتخابات وتشريع قانون الاحزاب واختيار مجلس جديد لمفوضية الانتخابات وانجاز التعداد السكاني.. ان هذا الخيار يمثل احد مخارج الازمة التي  تجنب شعبنا عواقب تفاقم الصراعات بين القوى السياسية المتنفذة، والاحتمالات العنفية والمزالق الخطيرة الاخرى.

 

 

ضرورة المشروع الوطني الديمقراطي

157- بعد ان حققت العملية السياسية خطوات مهمة، في مقدمتها اقرار الدستور في استفتاء عام، وانبثاق المؤسسات الدستورية، واعتماد الادوات السلمية وسيلة لتداول السلطة، وتحقيق انسحاب القوات الامريكية من البلاد، فانها تواجه اليوم صعوبات جدية. ويحدث هذا في الوقت الذي تشتد فيه معاناة الشعب بسبب فظاعات الارهاب، ومخلفات العنف الطائفي، وجرائم الجماعات المسلحة والميليشيات والجريمة المنظمة، وبفعل غياب الخدمات الأساسية، وتفاقم البطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، واستشراء الفساد المالي والاداري. وفيما تتصاعد - من جانب آخر، المطالبة الشعبية بوضع حد للصراعات والتجاذبات السياسية، والدعوة إلى اصلاح النظام.

 

158- لقد بات ملحاً التوقف عند مسار العملية السياسية، وإجراء مراجعة نقدية لحصيلتها ولأداء مؤسسات الحكم على اختلافها. فتجربة شعبنا في السنوات التي أعقبت رحيل الدكتاتورية، وما عاناه خلال ذلك من احتقانات وترد في الأوضاع ومآس ومراوحة في الكثير من الملفات، تبين بصورة لا لبس فيها فشل نهج ونظام المحاصصة الطائفية بصورة خاصة، كأساس للحكم، واستحالة نجاح اي نهج يقوم على الاستئثار والاقصاء والتهميش. كذلك عدم إمكان اقامة دولة القانون والمؤسسات من دون اعتماد المواطنة المبرأة من ادران التخندق الطائفي.

 

159- وباتت أوساط الشعب، على اختلاف اتجاهاتها وانتماءاتها، تستشعر الحاجة الملحة للتغيير الجدي والملموس، واعتماد المشروع الوطني العابر للطوائف، بما يضمن التوجه لتعزيز الوحدة الوطنية، والشروع ببناء دولة عراقية ديمقراطية عصرية، تقوم على مبادئ المواطنة والعدالة الاجتماعية.

 

- ان التجربة السابقة تؤكد أهمية وضرورة إعلاء شأن المواطنة، والتصدي للطائفية، ووضع حد لنهج المحاصصة الطائفية والاثنية في الحكم وفي مؤسسات الدولة، ونبذ توظيف الدين لاغراض سياسية وإبقائه في منأى عن التنافس والصراع السياسيين، ونبذ أشكال التعصب الديني والمذهبي والقومي والعشائري والمناطقي جميعا. فبدون اعتماد المواطنة يصعب الحديث عن توجه لاقامة دولة القانون والمؤسسات، فضلا عن الشروع ببنائها.

 

161- والحاجة قائمة لتأمين شروط بناء الدولة المدنية الديمقراطية، دولة القانون والمؤسسات الدستورية، التي تعتمد مبادئ فصل السلطات، واستقلال القضاء، وتداول السلطة سلمياً، واحترام إرادة المواطنين المعبر عنها ديمقراطياً، بعيداً عن الضغط والإكراه، وتحريم انتهاك حقوق الإنسان، وضمان التمتع بالحريات العامة والشخصية والحقوق التي يكفلها الدستور.

 

162- يتطلع المواطنون الى اعادة الثقة بمؤسسات الدولة وتقويم بنائها وتعزيز هيبتها، عبر الارتقاء بمستوى الاداء الحكومي، ومراعاة عناصر الكفاءة والنزاهة والاخلاص والوطنية عند اختيار الوزراء وكبار موظفي الدولة واسناد الوظيفة العامة بشكل عام، بعيدا عن المحاصصات الفئوية الضيقة. كذلك التصدي المنسق والواضح للفساد المالي والاداري على جميع المستويات، ودعم الهيئات الرقابية المتخصصة في هذا الميدان، وتطوير الآليات والتشريعات التي تحمي المال العام.

 

163- ولا يمكن الحديث عن مشاريع وطنية دون توجه جدي لوضع حد لمعاناة الشعب، وتحسين مستواه المعيشي، ومكافحة البطالة، وتأمين الضمان الاجتماعي، وتقديم معالجات فعالة لأزمات الخدمات (الكهرباء والماء والنقل وغيرها) والمشتقات النفطية والسكن، التي ترهق كاهل المواطنين، والعمل على تحسين مستوى الخدمات الصحية والتعليمية وتوفير الأساسية منها مجاناً، ودعم البطاقة التموينية وتحسين مفرداتها وتنويعها.

 

164- وقد اظهرت السنوات الماضية منذ التغيير في 2003، ضرورة مثل هذا التوجه المتجسد في المشروع الوطني الديمقراطي، للخروج ببلادنا من الاختناقات والأزمات، وتجميع وتوحيد القوى الوطنية العراقية ذات المصلحة الحقيقية في إقامة دولة الديمقراطية والمواطنة والقانون.

 

 

استنهاض التيار الديمقراطي  

165- يتسم الواقع السياسي في العراق بمفارقة مثيرة للانتباه تؤكدها نتائج الانتخابات، وهي وجود جمهرة كبيرة من المواطنين ذوي التوجهات الديمقراطية، موزعين على قوائم انتخابية مختلفة، ومنهم من يقاطع الانتخابات. وفي مقابل ذلك هناك تيار سياسي ديمقراطي محدود التأثير في المجتمع، وهو ما ينعكس في ضعف قدرة القوى المكونة للتيار على جمع وتوحيد صفوفها، وتنمية قدراتها على التعبئة الجماهيرية وحشد القوى التصويتية.

 

166- من ناحية اخرى، تقدم التطورات في البلاد خلال السنين الأخيرة، الدليل تلو الآخر على عجز القوى المتنفذة الممسكة بزمام السلطة، وبحكم طبيعة تشكيلها وبنائها السياسي والاجتماعي الطائفي – الاثني، ومصالحها الضيقة، عن تأمين حلول جذرية للمشاكل والتحديات الوطنية والاجتماعية-الاقتصادية التي تواجه البلاد، وتقديم برنامج لبناء الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على المواطنة، واحترام حقوق الانسان بمضامينها الفردية والاجتماعية، والعدالة الاجتماعية. وان ما يشهده العراق من تناسل لازمات حكومات نظام المحاصصة الطائفية- الأثنية، يعزز هذا التحليل والتقييم.

 

167- ان المطلوب في المرحلة الراهنة هو بناء وحدة القوى الاجتماعية والسياسية، ذات المصلحة في اعتماد المشروع الوطني الديمقراطي، وفي النضال لتحويله إلى واقع. فهو المشروع الأقدر على تحقيق المهام الوطنية، وبناء وتوطيد النظام الديمقراطي الاتحادي الدستوري، وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، وتوفير العدالة الاجتماعية الممكنة. كما أنه يوفر افضل الضمانات للتصرف السليم بالموارد النفطية، وتوظيفها لبناء اقتصاد وطني متنوع وكفوء.

 

168- وعلى هذا الاساس ووفق هذه الرؤية، تبنى حزبنا منذ اواسط التسعينات اطروحة التيار الديمقراطي، باعتباره تياراً سياسياً واجتماعيا يسعى الى الديمقراطية بمضمونها السياسي والفكري والمؤسسي، وبمحتواها الاجتماعي المتجسد في وجود قطاع عام فاعل وكفوء، واقامة نظام ضمان اجتماعي شامل، وتوفير البني التحتية للخدمات الاجتماعية المجانية او شبه المجانية للمواطنين، خصوصاً في مجالات الصحة والتعليم والاسكان وغيرها.

 

169- وحسب هذا الفهم لا يضم التيار الديمقراطي القوى والأحزاب والمنظمات والشخصيات التي تعلن تبنيها الديمقراطية بمضامينها السياسية والاجتماعية، فحسب، وإنما يشمل القوى والفئات المجتمعية الحية، التي لها مصلحة في مشروع التيار الديمقراطي ولكنها لم تعبر عن ذلك سياسياً بعد.

 

170- وعلى هذا فان التيار الديمقراطي لا يقتصر على القوى السياسية والشخصيات المشاركة فيه حتى الان. فهو تيار مفتوح امام القوى والشخصيات الاخرى التي تتبنى هذه التوجهات، وترغب في العمل المشترك.

 

171- ونجد ان الظرف الحالي يتطلب من القوى الديمقراطية، وكذلك اليسارية التي لها مشاريع سياسية واقتصادية اجتماعية أكثر جذرية، ان تدرك جيداً الاهمية الاستثنائية لدورها التاريخي في اللحظة الراهنة، وأن تتوجه لمواصلة الجهود الحثيثة الرامية الى تجميع قواها ورص صفوفها، بهدف استنهاض التيار الديمقراطي، وجعله طرفاً اساسياً في الصراع الدائر اليوم بشأن مستقبل العراق.

 

172- ان قوى التيار الديمقراطي الحالية لا تدعي تمثيل سائر القوى الديمقراطية في المجتمع، او ان نشاطها وعملها يجعلان منها بديلاً لاي طرف آخر. ونظراً للطبيعة المتنوعة لمكونات التيار، والتي تشمل احزاباً واتحادات ومنظمات مجتمع مدني، اضافة الى الشخصيات المستقلة، تبرز ضرورة المرونة في التعامل وسعة الصدر، ونبذ اي شكل من اشكال الهيمنة والاقصاء. كذلك يتطلب بناء التحالف وضمان ديمومته، الاحترام المتبادل بين مكوناته، والابتعاد عن التحسس المفرط المتبادل، سيما إزاء الأحزاب من قبل بعض المستقلين. فلا بد ان يقر الجميع حقيقة ان التيار يضم الاحزاب اضافة الى المنظمات والشخصيات، وان التفريط باي طرف او مكوَن هو اضعاف للجميع.

 

173- وبما ان المشروع الوطني الديمقراطي يستجيب لمتطلبات المرحلة الحالية، فان مهمة استنهاض التيار الديمقراطي وتوحيد قواه تطرح نفسها بقوة. اما بالنسبة للقوى والتنظيمات اليسارية ذات المشاريع الأكثر جذرية، فلا شيء يمنع التقاءها وتعاونها وايجاد صيغ للتنسيق، من دون وضع ذلك في تعارض مع بناء وحدة القوى الديمقراطية، وتفعيل الدور السياسي للتيار الديمقراطي. ولا يدعي الحزب الشيوعي احتكاره لتمثيل اليسار او الفكر الماركسي، وهو يحترم التنوع والاختلاف في الاجتهاد داخل قوى اليسار. لكن من الضروري ان يتبنى الجميع قواعد الاحترام المتبادل والحرص على تأمين شروط ومتطلبات وحدة قوى اليسار، لكي تتوفر قاعدة سليمة للحوار والبحث في صيغ التعاون والتنسيق والارتقاء بها.

 

174- ان استنهاض التيار الديمقراطي ضرورة تفرضها التطورات الحاصلة في البلد، والحاجة الى لململة صفوف التيار وتجميع قواه، وزيادة وزنه وتأثيره في الحياة السياسية وفي احداث التغييرات المطلوبة باتجاه تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

 

 

مهام الحزب في الفترة القادمة

175- في مواجهة الازمة الشاملة التي يمر بها البلد والمفتوحة على احتمالات مختلفة، بينها الانحدار في مزالق خطرة، ومن اجل دفع المشروع الوطني الديمقراطي الى الأمام، كونه مفتاح حل الازمة الراهنة وتصحيح مسار العملية السياسية، والتخلص من المحاصصة الطائفية والقومية المقيتة، ومعالجة المشكلات التي تثقل كاهل البلاد وابنائها، والسير على طريق بناء العراق الديمقراطي الاتحادي كامل السيادة، لا بد بجانب ما جرى ذكره من التالي:

 

1- تعزيز إمكانيات الحزب، وتوطيد بنائه التنظيمي، وبث الحيوية في مفاصل عمله على جميع مستويات هيكله التنظيمي، وتطوير حياته الداخلية عبر الالتزام بقواعد الديمقراطية، والروح الجماعية، والإبداع والمبادرة الخلاقة، والانضباط الأخلاقي العالي، وتوسيع صفوفه بضم خيرة أبناء الشعب خصوصا من الشباب والنساء اليه.

 

2- المواجهة الكفوءة والواعية والعصرية للمهمات الفكرية التي تطرحها الحياة وتطوراتها، ويفرضها تعقد مهمات النضال السياسي والاقتصادي- الاجتماعي  والتعامل مع التحديات الجديدة، حيث يتطلب النشاط الحزبي مستوى أرقى من التأهيل المعرفي - الثقافي، يتيح ادراكا افضل لما يفرزه الواقع من تجاذبات وتفاعلات.

 

3- الانطلاق من حقيقة ان لا فاعلية لتوجهاتنا، إذا لم نحولها الى نشاط جماهيري واسع، ذي شعارات ومطالب واضحة وملموسة. وهذا يتطلب تنويع انشطتنا وفعالياتنا، والانخراط في التحركات الجماهيرية وتوسيع علاقاتنا في مواقعها: في الاحياء السكنية والمعامل والمزارع والمدارس والجامعات والمقاهي والنوادي وغيرها، في النقابات والاتحادات والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، في المدن والارياف وفي كل مكان. وهذا يستلزم ضمنا استنهاض الحركة النقابية والمهنية الديمقراطية، واضفاء زخم جديد على نشاط المنظمات الطلابية والشبابية والنسائية.

 

4- تطوير وتعزيز نشاط قوى وشخصيات التيار الديمقراطي، والسعي لجعل التيار قوة فعالة وحيوية من قوى شعبنا الوطنية الأساسية، مع مواصلة تحسين وتطوير العلاقات الوطنية مع مختلف القوى والاحزاب الوطنية، التي تشاركنا النظر الى مصالح الشعب والوطن باعتبارها الاولى، والتي لا تعلوها مصالح.

 

5- المزيد من الاهتمام بالاعلام، كي ينهض بدوره في التعريف بسياسة الحزب وايصالها الى اوسع الجماهير.

 

6- الدفاع عن الحقوق السياسية والمدنية والحريات التي يكفلها الدستور، في وجه اية ممارسات واجراءات تعرضها للانتهاك أو المصادرة أو التهديد، والتصدي لانتهاكات حقوق الانسان ايا كانت اشكال تجليها، واستخدام كل الوسائل والسبل السلمية والدستورية في مواجهة مساعي تشويه الممارسة الديمقراطية، ومحاولات منع الناس من التمتع بحقوقهم المكفولة دستوريا، بذرائع وحجج غايتها تأطير المجتمع بنمط محدد، وبما يخالف ارادة الناس ورغباتهم وتطلعاتهم.

 

 

 

 

 

التطورات في المنطقة

 

عواصف التغيير

 

176- شهدت البلدان العربية منذ نهاية عام 2010 ولغاية الان، عاصفة من التغيرات السياسية التي تكللت حتى الآن باطاحة طغاة تونس ومصر وليبيا. ولم تهدأ العاصفة لغاية اليوم، فحركة الاحتجاج الشعبية الواسعة ما زالت تحاصر الانظمة المستبدة، ويبدو انه لا توجد عاصمة عربية واحدة تعيش في مأمن من تداعيات هذه الحركة، فالاحتجاجات، وان اتخذت اشكالا متنوعة، فهي شملت سوريا واليمن والجزائر وعُمان والأردن والسعودية والمغرب، ايضا.

 

اتخذت الأزمات التي مرّت بها تلك البلدان والحراك المجتمعي مظاهر وأبعاداً مختلفة، واعتملت داخلها وبسببها تناقضات متنوعة وترتب عليها تداعيات ونتائج مهمة. كما ان لهذه الأحداث التاريخية الهامة تأثيرات ايجابية على حركة الجماهير في البلدان العربية ومنطقة الشرق الأوسط. أن هذه الأحداث وهذه التطورات إن دلت على شيء فإنما تدل على أن الأحداث الكبيرة والتغيرات الجوهرية هي بقدرة الشعوب إذا ما وعت مصالحها.

 

إن من الخطأ الحديث عن عامل واحد مسبب للأحداث. بالعكس من ذلك، هناك الكثير من العوامل تضافرت كلها، وانعكست بشكل مباشر أو غير مباشر، محسوس أو غير محسوس. نحن لا نبحث فقط في تحليلاتنا العلمية عن تلك العوامل والمؤثرات المباشرة الظاهرة، ففي المجتمع وفي التاريخ، هناك الكثير من الظواهر، العوامل غير المباشرة، غير المرئية تفعل فعلها في إنضاج واختمار الحركات الثورية، في التمهيد وخلق الأجواء لها...

 

177- إن العامل الأساسي والمحرك الرئيسي هو العوامل الداخلية. وحين نتحدث عن العوامل الخارجية وتأثيراتها إنما نريد أن نؤكد، بأن لها فعلا وتأثيرا وهي تتفاعل مع ما هو داخلي، الذي نعتبره المحرك الأساسي لها. لقد ركزت شعارات الحركات الاحتجاجية على الشؤون الداخلية في بلدانها، على قضايا اقتصادية ومعيشية تتعلق بالبطالة ورغيف الخبز واستئصال الفساد، وبعضها الآخر كان سياسيا يدعو لاسقاط الدكتاتورية والاستبداد ورفض التأبيد والتوريث، ومن اجل إقامة أنظمة ديمقراطية تطلق الحريات للشعب.

 

فالتطلع الى البديل هو الذي شجع الناس للانخراط في حركات ونشاط ثوري شجع الناس على مواجهة سلطات الاستبداد والقمع والدكتاتورية. هذا هو الطريق الذي يفضي بشكل سليم الى الحراك السياسي.

 

العامل الأول اقتصادي- اجتماعي – مطلبي، والعامل الثاني، السياسي المتمثل بمواجهة نظام الاستبداد والموقف من المستبدين وضرورة تغيير الحياة والنهج السياسي السائد في البلد، هو الذي يتداخل ويخدم وينسجم ويتفاعل مع العامل الأول. إن العوامل الداخلية الأساسية والمهمة ساعدتها وهيأت لها أيضا العوامل الخارجية، ظروف دولية وأجواء إقليمية مناسبة للانفجار ولتحقيق المكاسب.

 

178- فكما هو معروف شهد العالم خلال السنوات الثلاث الأخيرة تحولات و تطورات كثيرة هزت الكثير من القناعات والكثير من المعاقل. فهذه السنوات هي سنوات الأزمة المالية الاقتصادية العالمية التي انفجرت في الربع الأخير من عام 2008، ولم تقتصر أثارها على الولايات المتحدة الأمريكية، بل هزت كل العالم وان بدرجات متفاوتة. وقد وصلت أثارها بشكل مباشر وصريح الى الكثير من البلدان النامية وبضمنها تلك البلدان المدللة لدى أمريكا، ولدى صندوق النقد الدولي، البنك الدولي.

 

 179- ما حصل في تونس ومصر وليبيا وغيرها من البلدان العربية ليس بمعزل عما جرى في العالم، ليس بمعزل عن حركات ونشاطات الحركة الديمقراطية و الثورية في العالم. قد يقال أن بعض البلدان النفطية لا يشملها مثل هذا التأثير. نعم قد يكون ذلك ممكنا بحكم ما لديها من ريوع نفطية هائلة تمكنها من أن تعالج بها بعض المشاكل. ولكن علينا أن نذهب الى الوجه الثاني من العملية ونتساءل: لمن تدفقت تلك المساعدات وتلك الهبات وتلك الدعومات؟ ولمن تتدفق الريوع النفطية ؟ الجواب على ذلك لا يحتاج الى جهد كبير، إنها لا تتدفق لتحسين مستوى المعيشة، ولا تتدفق لتحقيق التقدم الاقتصادي والصناعي والزراعي، ولا لتوفير طاقات إنتاجية. على العكس من ذلك كله، إنها مصدر للإثراء ولتعميق التمايز الطبقي وتعظيم التفاوتات الاجتماعية والتهميش، والملايين تعيش في المقابر.. وملايين تعيش حياة الكفاف. لقد ربطت الجماهير، بتجاربها الملموسة، بين الثراء الفاحش للنخب والعوائل الحاكمة بما جرى من نهب لثروات شعوبنا باسم سياسات الانفتاح، والترويج لليبرالية الجديدة واقتصاد السوق المنفلت والزواج غير الشرعي بين المال و السياسة.

 

نعم هذه البلدان بنت عمارات وعبدت طرقا وأنشأت بنى تحتية لخدمة الرأسماليين الطفيليين. لكن هذا التقدم المظهري لا يلغي الاستقطاب الطبقي العميق، وإن غطى عليه لفترة. وحتى هؤلاء الحكام الذين أرادوا أن ينأوا بأنفسهم عما حصل في البلدان الرأسمالية المتقدمة من أزمات، ومن أوضاع غير طبيعية، كشفتهم وثائق (ويكيليكس) فظهروا على حقيقتهم - شخصيات هزيلة ضعيفة، مهزوزة، ذات طبيعة ازدواجية، منافقة تقول شيئا وتفعل غيره. وهذا كله وغيره كان مقدمات وظروفا وأجواء عالمية، تؤشر ما حصل وما سيحصل في بلدان عربية أخرى.

 

180- وبالمقابل، لابد أن نأخذ أيضا بالاعتبار الوضع الإقليمي عند تحليل ما جرى ويجري. فهناك حالة استعصاء تشهدها المنطقة، ومشاكلها لم تحل، وموقف الحكام هزيل ومؤذٍ، وها نحن نرى ما يحصل في كثير من البلدان. وعلى صعيد القضية الفلسطينية التي يعتبرها الحكام، نفاقا وزورا، هي القضية الأولى أين وصلت؟ وما هو أفق حلها أمام التعنت والانفلات الإسرائيلي في تجاهل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وفي تجاهل الحل السياسي.

 

181- وثمة قضية أخرى مهمة لا بد من إبرازها هنا. حين نتحدث عن العوامل التي أثرت وتؤثر لا يمكن أن نتجاهل تأثير النجاحات التي تحصل في بلد ما على مجرى الأحداث الجارية في بلد أو بلدان أخرى. لقد كنا أمام عملية جدلية حيث بدأت ظاهرة جديدة، إذ استطاع الشعب التونسي أن يسقط حاكمه. صحيح انه كان أمام التونسيين مشوار طويل لإسقاط النظام ومؤسساته ومعالمه، ولكن انتفاضة هذا الشعب بما رافقها وما أنتجت شكلت في الواقع عاملا إضافيا ومحفزا للشعب المصري. كما قدمت انجازات الشعب المصري ونجاحات المنتفضين والثوار المصريين حافزا للشعوب العربية الأخرى.

 

181أ- تطور الأحداث بيّن انه ولا حاكم في المنطقة يستطيع أن يتجاوز هذا وما يمكن أن تنتجه من هزات شعبية في بلدانهم. مثلا الملك الأردني غيّر الوزارة، واطلق زيادات رواتب واقدم على اصلاحات دستورية، وملك السعودية اعتمد سلسلة واسعة من الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية حيث أصدر أكثر من 20 امرأ ملكيا بلغت تكاليف تنفيذها ما يتجاوز السبعين مليار دولار، والكويت هذا البلد النفطي يدفع أرزاقاً ورواتب لـ 15 شهرا. سوريا اتخذت الخطوات ومنها الخطوات السياسية، إطلاق الاتصالات والفيسبوك الذي كان الشعب محروما منها وتحت الرقابة. واصدار قانون الاحزاب ورفع قانون الطواريء، ورغم ذلك تتواصل الاحتجاجات فيها التي رفعت خلالها مطالب التغيير والاصلاح والديمقراطية، وتلجأ السلطات الى استخدام واسع للعنف وسط مساعي عربية دولية لفرض مزيد العقوبات على النظام السوري.

 

182- وعلى خطى الشعبين التونسي والمصري حقق الشعب الليبي، بدعم خارجي، انتصارا كاسحا على نظام القذافي الذي ظل يتشبث بالسلطة، مما سبب الكثير من الماسي والويلات والخسائر البشرية للشعب الليبي.

 

183- كما لا بد من الاشارة الى ان الثورة تعني تغيير النظام الاجتماعي واستبداله بنظام جديد ذي ملامح مختلفة. وهذه العملية لم تكتمل بعد، فهي في مرحلتها الأولى، مرحلة الانتفاضة الثورية السلمية التي هزت عروشا وأسقطت رموزا، لكنها لم تؤسس بعد البديل المطلوب. فيما الثورة المكتملة لا تكتفي باسقاط النظام السابق، وإنما ترسم ايضا ملامح النظام الجديد وتؤسسه، مقيمة البديل المنشود على الارض.

 

184- هذا الذي حصل في تونس ومصر وليبيا هزّ الجميع وأثار ردود فعل غير قليلة فكل يريد أن يقطف ثمار هذا أن لم يكن على المستوى المباشر وهذا ما تقوم به القوى السياسية في هذه البلدان وهي متنوعة مختلفة ولا يستثنى من ذلك الحكام السابقون. فإن العمليات المتدرجة المتصاعدة لزعزعة النظام السابق يقابلها بالمقابل محاولات محمومة ولا تخلو من ذكاء من منطلق المصلحة والدفاع عن المصلحة ولا تخلو من خبث ولا تخلو من تجربة لاحتواء الحركات الثورية والالتفاف عليها خصوصا وان هذه الانتفاضات وبما تميزت به لم تستطع حتى اللحظة من وضع قيادات على راس إدارة الشؤون السياسية في هذه البلدان. وما زال كثيرون، على المستوى المركزي وعلى المستوى المحلي – اللا مركزي، يتمتعون بسلطات وبمواقع، يخشى ولا بد أن يخشى، ولا بد أن يتنبه المناضلون في تونس ومصر وليبيا وغيرها الى أن الانظمة السابقة تملك قواعد وركائز لا يستهان بها، يمكن ان تشكل خطرا حقيقيا على نظامهم الوليد إن هم لم يتيقظوا ولم يحسنوا ادارة شؤونهم.

 

185- وبالمقابل، ما زال أمام المناضلين المبهورين الفرحين بنتائج النصر مهمات كبيرة، خطيرة، تتعلق بها وترتبط بها مصائر الثورة، مصائر التغيير، مصائر الانتفاضة، فلا بد من الحذر. فالكثير من بقايا النظام السابق ما زالوا يبحثون عن الفرص المناسبة لاستعادة المواقع ولإعادة بناء ركائز فقدت، لاحتواء واستيعاب ما جرى ومن ثم الالتفاف عليه وإفراغه من محتواه المطلوب. ويمكن لهم الدخول في تحالفات جديدة مع من له الاستعداد للمساومة على حقوق الناس ومطالبهم واهداف التغيير. كما تسعى قوى متشددة ومتطرفة اصولية الى قطف ثمار نضالات الجماهير وفرض اجندتها الخاصة التي تضيق بالتعددية والديمقراطية والحياة العصرية.

186- وعلى الصعيد العالمي هناك اعادة النظر في السياسات بما يحفظ المصالح وديمومتها. فالأمريكان الذين أتوا ببن علي وساندوه ودعموه كنموذج وبعد أن رأوا أن الشعب التونسي حقق ما حقق تخلوا عنه وعن ممارساته وهم الذين يقولون ويتحدثون الان عن حقوق الإنسان والديمقراطية. هم كذلك كانوا يعتبرون مبارك ونهجه ونظامه السند الأساسي لسياستهم في منطقة الشرق الأوسط. ولكن عندما اندلعت الانتفاضة لاحظنا تقلبات سياستهم وتذبذباتها صعودا وهبوطاً في التأييد وفي النقد وفي التباطؤ، مما يؤكد مرة أخرى أن هؤلاء لا يمكن الركون إليهم. الشعب المصري هو القادر الأساسي والوحيد على قيادة الثورة الى نهاياتها السليمة وان يحقق ما عجز مبارك الذي كان يستجدي هو ووزراؤه الموقف الأمريكي ويذكرون الأمريكان بأنهم كانوا دائما أصدقاء أوفياء للنهج الأمريكي، ويحذرون الأمريكان من إنهم سوف يخسرون إذا ما انتصر الثوار ونجحت الانتفاضة.

187- من اللافت للانتباه هنا هو انه حين تتحدث الإدارة الأمريكية وتطالب بتنحي الحكام يبقى الضغط متواصلا، وحينما تدعو الى الحوار يندفع الحكام الى الانتقام من الجماهير المنتفضة كما يحصل في البحرين، وهو ما يحصل، أيضا، في اليمن حيث كان الإصرار الأمريكي على التفاوض مع الحكومة هناك قبل التطورات الاخيرة وتشكيل الحكومة الانتقالية ورضوخ علي صالح لمطالب الجماهير. حتى ما يحصل في ليبيا ليس بعيدا عن الموقف الأمريكي وعدم اتخاذهم موقف يقترب من الفرنسيين في بداية اندلاع حركة الاحتجاجات هناك. هنا يمكن أن يدرك المرء كيف تدار السياسة الأمريكية وما هو تأثيرها. الادارة الامريكية قد تكون غير مرتاحة لحالة جمود وركود سياسات بعض الحكام، لكن لا ترغب بحصول مفاجئات، لها نتائج غير مرغوبة وتؤثر سلبا على مصالحها وحلفائها.

لقد تحقق الانتصار وتمت إزاحة كابوس الاستبداد و الدكتاتورية و الفساد في هذه البلدان، ولكن ما زال أمامها طريق وعر وطويل من اجل بناء دولة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وستشهد مجتمعات تونس ومصر وليبيا صراعا حادا في الاتجاهات و المواقف والآراء، وتنافسا بين القوى حول طبيعة ومدى التغيير المطلوب؛ وفيما إذا يجب المضي بالتغيير نحو مزيد من التجذير ليشمل، لا فقط تغيير القادة والمسؤولين الكبار ومحاسبة الفاسدين وإصلاح النظام، بل ليمتد إلى إحداث تغيير جذري في بنية الحكم وطبيعة النظام القائم. المعركة إذن ستظل مفتوحة حول طبيعة ومضمون البديل الذي تستحقه الشعوب التي انتفضت.

188- وفي ظل الاوضاع الجديدة وما حملته وستحمله عواصف التغيير تبرز الحاجة الى  ضرورة تعزيز المشاورات وتكثيف الاتصالات واللقاءات بين الأحزاب والقوى الشيوعية واليسارية والديمقراطية العربية، بما يمكنها من القيام بتبادل عميق وشامل لوجهات النظر وبلورة رؤية مشتركة حيال الآفاق التي ينطوي عليها النهوض الثوري الراهن للشعوب العربية، وبما يعزز من مساهمة اليسار بصفة عامة واليسار الماركسي بصفة خاصة في معركة التغيير السياسي والديمقراطي في العالم العربي، والآعلاء من شأن قيم الاستنارة والعقلانية والعلمانية والحوار في المجتمع، والتصدي لقوى الثورة المضادة والمعرقلة لمسار الاصلاحات السياسية والديمقراطية والاقتصادية، الذي يشق طريقه في ظل صراع يحتدم مع القوى التقليدية والمتشددة والمحافظة، وفلول أنظمة القمع والاستبداد والفساد التي أطيح بها، أو تلك التي ما تزال تعاند.

 

موقفنا من قضية الشعب الفلسطيني العادلة

189- تواصل خلال الفترة الماضية مسار المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية المنفردة والقائمة على الرعاية الامريكية، بعيدا عن مرجعية القرارات الدولية، ولم تؤد تلك المفاوضات الى نتيجة تذكر.بل وفي كل يوم تسعى اسرائيل الى اضافة حقائق جديدة على الارض وفرضها كامر واقع ومن ذلك مواصلة اعتداءاتها العسكرية واستمرار عزل قطاع غزة، وبناء المستوطنات وتهويد القدس وتوسيع الجدار العازل. وكل ذلك يجري وسط تواطؤ امريكي مكشوف لدعم اسرائيل وخططها، رغم ما يبدو من تغييرات شكلية على سياسة امريكا في عهد اوباما تجاه التعامل مع قضايا الشرق الاوسط عموما، وقضية فلسطين خاصة، خصوصا لجهة التاكيد على اقامة الدولتين، فضلا عن الاثار السلبية لاستمرار الانقسامات في صفوف القوى الفلسطينية وعجز واضح في النظام العربي الرسمي عن دعم شعب فلسطين واسناد قضيته، وبدلا من هذا نرى تسابق عدد من الدول العربية الى التطبيع مع اسرائيل قبل وفائها بكامل التزماتها وفقا للشرعية الدولية.

190- ان تجربة السنوات السابقة قد برهنت على خطل المراهنة على الموقف الامريكي، وضرورة التوجه الى الالتزام بمرجعية القرارات الدولية ومؤسسات الامم المتحدة، بما في ذلك القرارات ذات العلاقة بانسحاب اسرائيل الى قبل حدود 5 حزيران 1967، وقضايا اللاجئين والقدس. ان فكرة التخلص من ثنائية المفاوضات برعاية امريكية منحازة، والتوجه الى عقد مؤتمر دولي جديد ترعاه الامم المتحدة ويتوج باعلان دولة فلسطين، هي مخرج واقعي من المأزق الراهن الذي يوفر مكاسب جديدة لاسرائيل على حساب حقوق الشعب الفلسطيني.

191- ان التمسك بذلك يتطلب، من بين ما يتطلب، وضوح الرؤية الفلسطينية وتحقيق الوحدة الوطنية، والتوجه الى حشد التأييد العربي والدولي لذلك.والحقائق المتحققة في منطقتنا، وزخم الحراك الشعبي الواسع، وهو المتعاطف اصلا مع حقوق الشعب الفلسطيني العادلة، والمتغيرات الدولية، توفر ارضية مناسبة للانطلاق بزخم افضل.

192- وفي ظل الظروف والمعطيات الجديدة نجدد التأكيد على ضرورة التنفيذ الكامل للقرارات الدولية والاستجابة لحق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره بنفسه واقامة دولته الوطنية على ارض وطنه، وانهاء الاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية.

 

الاتجاهات العامة لتطورات الوضع العالمي

 

حول الأزمة المالية العالمية

193- تعصف بالنظام الرأسمالي منذ 2008 أزمة اقتصادية ومالية، هي الأشد والأعمق منذ الركود الكبير أواخر عشرينيات القرن الماضي وأوائل ثلاثينياته. وكان أحد الآثار المباشرة للأزمة أنها هزّت احد أهم مرتكزات الهيمنة الايديولوجية التي فرضتها الليبرالية الجديدة على مدى عقود عدة. حيث اثبتت هذه الأزمة من جديد، أن السوق المنفلتة ليست عقلانية ويمكن أن تقود إلى كوارث. كما زعزعت الاعتقاد بعدم وجود بدائل أفضل للنظام الاقتصادي الدولي الراهن، واعطت دفعاً للمناضلين من اجل بديل يتجاوز الرأسمالية، وبدرجات مختلفة من الجذرية.

194- ومن الملامح الرئيسية للأزمة الحالية وقد اكتسبت طابعا معولماً، طغيان الطابع المالي على الاقتصاد الرأسمالي في المراكز الرأسمالية نتيجة لاطلاق حرية حركة وانتقال رؤوس الاموال عبر الحدود، وإزالة جميع الضوابط الوطنية التي تتحكم فيها. وترتب على ذلك تضخم الانشطة المضاربية وانحسار الأنشطة الانتاجية وتراجع الوزن النسبي للاقتصاد الحقيقي وانحسار السيادة الوطنية، وخصوصاً على صعيد السياسة الاقتصادية. ويقترن كل ذلك بمعدلات بطالة مرتفعة، واستقطابات في الثروة والدخل وتعرض فئات ومجموعات اجتماعية متزايدة للتهميش الاجتماعي والاقتصادي، والاستنزاف المتسارع للموارد الطبيعية وما ينجم عنه من اختلالات خطيرة في التوازن البيئي. ويتزايد تفكك النسيج الاجتماعي مع الهجمة الشرسة على انظمة الرعاية والضمان الاجتماعيين في البلدان الرأسمالية، وتنفيذ برامج التقشف، والتقليص الحاد للأجور والرواتب التقاعدية والنفقات الاجتماعية، وتحميل عبء الأزمة على دافعي الضرائب الذين يرغمون على دفع مئات مليارات الدولارات لإنقاذ مؤسسات مالية من الافلاس. وكان من الأمثلة على ذلك ما جرى في ايرلندا واليونان، فيما تواجه اقتصادات اخرى، مثل البرتغال واسبانيا وربما ايطاليا، مصيراً مماثلاً.

195- وتقدم اليونان مثالاً صارخاً على تداعيات الأزمة في اوروبا. فقد دفعت الترويكا المكونة من الاتحاد الأوربي و البنك المركزي الأوربي وصندوق النقد الدولي الاقتصاد اليوناني إلى الخراب، حيث ارتفعت البطالة من 11بالمائة إلى 16بالمائة، وارتفع معدل الديون بشكل انفجاري إلى 150بالمائة من الناتج الاقتصادي، وتقلص الإنتاج الصناعي منذ عام بنسبة 11بالمائة. ولم تفشل الرأسمالية اجتماعيا فقط وإنما تقوم بتدمير الإنتاج الصناعي. وسوف يرتبط منح قروض جديدة لليونان مرة أخرى باشتراط بيع الممتلكات العامة واستقطاعات حادة في القطاع الاجتماعي. وتكشف هذه التطورات بوضوح الفشل الاجتماعي الكبير للرأسمالية في أوربا.

196- وتهدد أزمة الديون السيادية المتفشية أساساً في منطقة "اليورو" (وهو العملة الأوروبية الموحدة التي يستخدمها ما يزيد على 332 مليون نسمة في 17 من 27 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي) بزعزعة الاستقرار في الأسواق المالية في الولايات المتحدة.

ومن المتوقع أن يزحف الركود، أو على الأقل تباطؤ الاقتصاديات، على كل مكان في العالم جراء الركود الأوروبي وأزمة منطقة "اليورو" التي تسير نحو الأسوأ، وفي اعقاب تخفيضات الميزانية التي قررها الكونغرس الامريكي استجابة لشروط الحزب الجمهوري مقابل الموافقة على رفع سقف ديون الدولة تجنبا لاعلان الحكومة الأمريكية عن عدم قدرتها على تسديد اقساط الدين الحكومي.

197- و حذر خبراء من أن تداعيات الركود العالمي في السنوات الاخيرة أثرت بشكل كبير على البلدان النامية واصبحت تعيق تحقيق اهداف ألفية الأمم المتحدة، ومن ضمنها القضاء على الفقر المدقع والجوع بحلول 2015.

 

محاولات احتواء الأزمة

198- وكان من العلامات المميزة للأزمة عولمة إجراءات مواجهتها ومحاولات وقف تداعياتها، كما تجلى في الاجتماعات المتوالية لدول "مجموعة الثمانية" (الدول الصناعية الثماني) ثم زعماء دول "مجموعة العشرين". فقد أقرّ هؤلاء عدة نقاط اعتبروها أساسية لانبثاق ما وصفوه بـ " نظام عالمي جديد"، أهمّها دعم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وتحفيز التجارة الدوليّة، وإطلاق ما قالوا انه "عمليّة عميقة لتخليص المصارف من اصولها واستثماراتها السيئة وتعزيز الشفافيّة". ولكن هذه الاتفاقات او التصريحات المعلنة لم تتمكن من إخفاء الخلافات العميقة بين فرنسا وألمانيا من جهة وبين الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان من جهة أخرى.

199- وتبددت في الأشهر القليلة الماضية بعض المؤشرات الاقتصادية "المتفائلة" حول بدايات خروج الاقتصاد الامريكي والاوروبي من الركود الاقتصادي، بعد تعمق الأزمة النقدية في منطقة "اليورو" واستمرار المخاطر التي تهدد اقتصادات بعض بلدان الاتحاد الاوروبي رغم الاجراءات الاستثنائية التي اتخذت لإنقاذ اقتصاد ايرلندا واليونان من الانهيار. ويتوقع ان يطول الأمد الزمني لتداعيات الأزمة، ويرافق ذلك موجات واسعة من الاندماج والبطالة والتهميش والاستقطاب على الصعيد العالمي.

200- وتجلت الأزمة العالمية في إفلاس عدد من كبريات المؤسسات المالية والمصرفية في الولايات المتحدة وأوروبا، وبحدوث اهتزاز خطير في المراكز المالية للمصارف وشركات الاستثمار والتأمين. وهو ما استدعى تدخلاً مباشراً وغير مسبوق من قبل الدولة في عواصم البلدان الرأسمالية المتقدمة، إسناداً لمؤسساتها المالية وللحيلولة دون انهيارها، الذي من شأن تداعياته أن تخلق أزمة اقتصادية شاملة، تمتد الى ما يسمى بالاقتصاد الحقيقي، أي الى مجال انتاج السلع والخدمات وتوزيعها وتداولها. أزمة يتحمل وزرها الأكبر ملايين الشغيلة وعامة الشعب، وذلك سواء بتسريحهم من اعمالهم، او بفقدانهم الممتلكات الخاصة بسبب عدم قدرتهم على تسديد القروض والتوقف عن العمل في الكثير من ميادين النشاط الانتاجي والخدمي.

201- ومما يؤشر عمق الأزمة وخطورتها على النظام الرأسمالي، إضطرار زعماء نهج الليبرالية الجديدة الداعي إلى "تحرير" الأسواق وإقصاء الدولة عن الاقتصاد، إلى اقتراح خطط لـ "تأميم" المؤسسات المالية المأزومة، وزيادة "تدخل" الدولة في الشأن الاقتصادي.

202- فالأزمة تمثل تهديداً بالغ الخطورة للاقتصاد العالمي ككل، نتيجة الدور المتعاظم للرأسمال المالي، والتشابك المتنامي والاعتماد المتبادل بين اقتصادات الدول ارتباطاً باتساع عملية العولمة، وما يمكن أن يسببه الركود الاقتصادي من معاناة شديدة على الصعيدين الانساني والاجتماعي، ومن تداعيات محتملة على مختلف الصعد في البلدان المندمجة بالاقتصاد الرأسمالي المعولم. وهي من جانب آخر تعلن بصورة قاطعة فشل النموذج الليبرالي الجديد المتطرف للرأسمالية، الذي ساد على مدى أكثر من عقدين، واطروحاته في اطلاق العنان لانفلات قوى السوق، والاعتماد المطلق على آلياتها لضبط حركة الأسواق وتوازنها.

203- وجاءت تصريحات بعض زعماء الدول الرأسمالية لتؤكد هذا الاستنتاج، حيث اعلنوا وجوب إجراء مراجعة كلية للنظام الرأسمالي، ولآليات عمله وضوابط حركة وتنظيم الأسواق، درءاً لخطر رواج الأفكار والمشاريع المناهضة للرأسمالية والداعية لتجاوزها.

وتتجلى الظاهرة الأساسية التي تقف وراء هذا الانهيار في نظام الائتمان في البلدان الرأسمالية، في ازدياد الفجوة بين وتيرة نمو حركة رؤوس الأموال والاقتصاد المالي من جهة، وحركة الاقتصاد الحقيقي من جهة ثانية، أي نمو انتاج السلع والخدمات وتبادلها.

204- وقد شهدت العقود الثلاثة الماضية، ارتباطاً بسياسات تحرير الأسواق من الضوابط المنظّمة لها، وخصوصاً الأسواق المالية،، تنامياً متسارعاً لانتقال وتداول رؤوس الأموال والأوراق والسندات المالية وفي التوظيفات المالية، بحيث باتت قيمتها تساوي عدة أضعاف قيمة مبادلات السلع والخدمات. وقد ترتب على ذلك انفصام متزايد بين حركة ونمو المجالين: الاقتصاد المالي والاقتصاد الحقيقي، والهيمنة الشاملة للاقتصاد المالي والنقدي على النظام الاقتصادي العالمي، خاصة في البلدان الرأسمالية المتقدمة، وخضوعه إلى منطق تحقيق أقصى الأرباح لحملة الأسهم والسندات، وغيرها من أدوات التوظيف المستحدثة، التي تشجع المضاربة الشديدة وتحمل مخاطر غير عقلانية.

205- وتعبر هذه الأزمة عن التناقضات الداخلية للرأسمالية المعولمة، وتكشف مجدداً عجز هذا النظام عن حل التناقضات المذكورة في إطاره، من جهة، ومحاولته انقاذ مؤسساته المالية المنهارة بما يحفظ مصالح الطغم المالية المتسببة في الأزمة، حتى عن طريق تحميل أعبائها لعموم المواطنين باستخدام أموال دافعي الضرائب.

 

تناقضات تفتح إمكانات

206- وفي حين ما تزال الرأسمالية تمتلك من الثروات والأدوات ما قد يمكنها من احتواء الأزمة، بحيث لا تؤدي إلى انهيار النظام بأكمله، فان الاستنتاج الأهم الذي يمكن التوصل اليه بهذا الشأن هو أن العالم لن يعود الى ما كان عليه قبل انفجار الأزمة. فهي ستفرض على الرأسمالية طي صفحة الليبرالية الجديدة، ووضع ضوابط جديدة يفترض ان تحول دون انفلات حركة الأسواق المالية وتكرر انفجار أزمات مشابهة. وبذلك تكون الأزمة قد أعلنت نهاية أطروحات "نهاية التاريخ" و "أبدية النظام الرأسمالي" التي انتعشت بعد انهيار الأنظمة الاشتراكية في أوروبا، وهي تحفز عملية الانتقال الى عالم متعدد الأقطاب الاقتصادية. وهي بذلك تفتح أفقاً جديداً لنضال القوى المناهضة للرأسمالية على الصعيد العالمي.

207- وتجدر الاشارة الى انه على صعيد الفكر والوعي، وفرت الأزمة تربة خصبة لانتعاش الافكار والعصبوية المتشددة (العنصرية والشوفينية والدينية المتطرفة...). وينجم عن كل ذلك احتدام في التناقضات والصراعات، ولجوء القوى الرأسمالية المهيمنة إلى العنف السافر والتدخلات المباشرة والحروب المحلية لضرب وقمع القوى المناهضة لها.

208- وتدفع تناقضات الرأسمالية المعولمة طيفاً واسعاً ومتزايداً من الشرائح الاجتماعية للوقوف ضدها بسبب تعرض مواقع هذه الشرائح ومصالحها للضرر، بما في ذلك شرائح من الرأسمال، ناهيك عن الطبقة العاملة والشرائح الوسطى. ويحتل البعد "الثقافي" أهمية متنامية، حيث تخوض العديد من القوى الاجتماعية والسياسية الصراع من منطلقات الدفاع عن الهوية، القومية أو الدينية.

209- وتؤدي هذه اللوحة المعقدة إلى خلق امكانيات واسعة لتطوير الحركات الاحتجاجية وإكسابها محتوى مناهضاً للرأسمالية. ولكن ثمة تحديات فكرية وسياسية ايضاً تواجه تحقيق التحالفات المطلوبة وتوحيد المطالبات المشتتة في تيار منسجم معادٍ للامبريالية ويحمل، في الوقت نفسه، مشروعاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً تقدمياً.

210- ومن اكبر هذه التحديات والصعوبات هو الجمع بين النضال من اجل التحرر الوطني والاستقلال والخلاص من الهيمنة الرأسمالية المعولمة وتحقيق الديمقراطية، ببعديها الاجتماعي والسياسي. فان إهمال أي من هذين البعدين يقود الى اختلالات جدية واصطفافات غير منسجمة ومتناقضة. لذا فان النضال ضد الامبريالية لا بد وأن يقترن، وبصورة متلازمة، بالنضال من اجل الديمقراطية والسلام والعدالة الاجتماعية.

211- كما أن تنوع القوى والفئات التي تصطدم مصالحها بالرأسمال الاحتكاري المعولم وسلطته السياسية، والتراجع النسبي في قوة التضامن الاجتماعي بسبب التغييرات التي احدثتها التكنولوجيات الحديثة في الانتاج، إلى جانب تأثيرات العولمة وتوزيع العمليات الانتاجية، يجعل من الضروري ابتكار صيغ متنوعة ومرنة للتحالفات والقضايا التي تخاض من أجلها النضالات المشتركة.

212- ومن الامور الجديرة بالتوقف عندها في التحليل، العلاقة بين الصراع الطبقي والصراعات الاخرى، والتي تختلف في درجة اقترابها وابتعادها وصلتها بالصراع الطبقي. ويتحدد البعد التقدمي للصراعات الاخرى بقدر اغتناء مضامينها الاجتماعية.

213- ولابد من الاشارة الى الحركات الجديدة التي شهدها العالم الراسمالي في الفترة الاخيرة وفي مقدمتها حركة " احتلو وول ستريت"، والتي انتشرت بأشكال مختلفة في مئات المواقع داخل الولايات المتحدة وخارجها، وهي تستند في طروحاتها على مجموعة من الشعارات تستهدف بجملتها الشريحة العليا من المجتمع والقطاع المصرفي، وتنال تاييدا متناميا من اوساط اجتماعية مختلفة. فرغم الطبيعة العفوية والنزعات الشعبوية احيانا للحركة المذكورة والتباينات الطبقية والعرقية بين المشاركين فيها الا ان القاسم المشترك بين معظم هؤلاء هو المطالبة بإعادة توزيع الثروة، التي يعتبر المشاركون ان "وول ستريت " وما يماثلها من المؤسسات وما يستند عليها من قوى، هي المسؤولة عن التفاوت في توزيع الدخول وعن الازمة المندلعة منذ ايلول 2008. لقد ساهمت "وول ستريت" بصورة مباشرة في تعظيم الاستقطاب وتعزيز اللامساواة بشتى الطرق وبالتالي الازمة، لأن ارتفاع المداخيل في القطاع المالي انعكس زيادة ملحوظة في حصة الـ1 بالمائة، المتربعة على قمة الاقتصاد، من الدخل القومي.

ولم يبق الغضب محصورا في " وول ستريت " وحدها بل اجتاحت بقاع اخرى، حيث اجتاحت المظاهرات ما يقارب الالف مدينة وشملت تقريبا مختلف القارات، في ما يقارب من 85 دولة. لقد تفجر الغضب العارم ضد ظلم القوى المسيطرة في قلاع راس المال، وفي مقدمتها " وول ستريت " وليس وحدها طبعا. ويبدو ان شعارات من قبيل: " انتم تضاربون بحياتنا " و" انتم تقامرون بمستقبلنا "، وغيرها من الشعارات المماثلة التي رددها المتظاهرون في هذه المدن، كما في وول ستريت، ذات مغزى فهي تريد التاكيد على ان الوضع الجديد لابد ان يكون اكثر عدالة ومساواة.

214- قد اعلنت الازمة فشل النموذج الليبرالي الجديد المتطرف للرأسمالية، وفتحت بذلك آفاقاً جديدة تحمل إمكانات واعدة لنهوض واتساع نضالات القوى المناهضة، ليس فقط للعولمة، بل للرأسمالية ذاتها. فمن المتوقع ان تشق توازنات جديدة طريقها رغم كل العوائق والمقاومة التي تبديها الرأسمالية المعولمة، ما يفتح بالتالي فرصاً جديدة ويوفر امكانات للتغيير وبناء عالم أفضل.

 

تحديات تواجه قوى اليسار

215- ان الوضع العالمي الراهن يطرح، وبقوة اكثر من أي وقت مضى، الحاجة الى تطوير بدائل اليسار والنشاط الموحد للقوى التقدمية ضد الحرب والنيوليبرالية والامبريالية، بالاضافة الى مكافحة النزعات اليمينية المتطرفة والرجعية على الصعيد العالمي، والترويج للافكار والاهداف الاشتراكية. ويرتبط هذا على نحو وثيق بتعزيز التضامن العالمي ضد السياسات العدوانية للامبريالية وهجوم العولمة الرأسمالية، والحاجة الى تقديم الدعم النزيه للنضالات المتواصلة في ارجاء العالم من اجل السلام والحرية والديمقراطية والتقدم الاجتماعي.

216- وعلى صعيد المنطقة العربية، التي ما تزال مجتمعاتها تتفاعل مع تداعيات "الربيع العربي"، تبرز اهمية ان تستعيد قوى اليسار دورها وتتبنى برنامجاً واقعياً للتحرر الوطني – الاجتماعي، يستند على النضال من اجل التغيير الديمقراطي، باعتماد وسائل النضال المشروعة التي تأخذ بالاعتبار خصوصية كل بلد. كما ان معالجة الأزمات العميقة الناجمة عن سياسات الانظمة العربية وتبعيتها للرأسمالية النيوليبرالية العالمية، وفي مقدمتها الفقر والبطالة، تتطلب تطوير مقترحات ملموسة لبرنامج للنهوض الاقتصادي والتنمية الاجتماعية، بما في ذلك التنمية الشاملة كبديل لسياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

217- ويتطلب تحقيق هذه الاهداف تنشيط دور اليسار في الحركة الاجتماعية وتطوير رؤية سياسية نقدية تجاه الانظمة القائمة. وينبغي ان يكون الهدف الرئيسي لبرنامج التغيير المميز الذي يتبناه اليسار هو اقامة حكم وطني ديمقراطي، بأفق اشتراكي، يمثل بديلاً للأنظمة التابعة. وفي هذا السياق، يتعين على اليسار ان يعمل على تعبئة العمال والفلاحين والمثقفين التقدميين في حركة جماهيرية من اجل تحقيق تغيير ديمقراطي حقيقي. وتتضمن المهمات الرئيسية لهذه الحركة النضال من اجل جانبي الديمقراطية المترابطين على نحو وثيق: الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية. ان الديمقراطية، وبناء دولة قانون ومؤسسات تقوم على مبادىء المواطنة، هو الضمان ضد الانقسامات الطائفية. وبهذا الصدد، يكتسب اهمية بالغة بالنسبة الى اليسار الدفاع عن حقوق الانسان والحريات الديمقراطية الأساسية والحقوق النقابية، وخصوصاً حقوق المرأة، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من القضايا الوطنية الكبرى.

نهاية كانون الأول 2011

 

 

الخميس 19/1/2012

 

 

الحزب الشيوعي العراقي مركز الإتصالات الإعلامية ( ماتع )